لقد كان لمؤتمر الاستثمار في الثقافة الذي نظمه النادي الثقافي، رغم أهميته الفائقة، تجاوبا باردا نوعا ما من قبل الساحة الثقافية العمانية، فلم نرى للأسماء الرنانة فيها مشاركات فاعلة، كما وأن غياب أغلب المثقفين عن حضور فعاليات المؤتمر أوجد تساؤلا عن سبب ذلك.
وبعد الفحص والسؤال تبين أن جدوى الموضوع يجده أغلب أؤلئك غير قابل للتحقق لأسباب متنوعة ربما أهمها هو “ضعف الاهتمام في الاستثمار في الثقافة”، ما حدى بنا إلى طرح السؤالين التاليين على بعض الأقلام النشطة في الحراك الثقافي:
– لماذا يمتنع القطاع الخاص عن الاستثمار في الثقافة ويعد التنمية الثقافية لا تعود عليه بجدوى؟
– هل من مقترحات تعمل على تغيير هذه الرؤية بما يعود بالنفع لصناعة الثقافة في السلطنة مستقبلا؟
نضع قراءنا أمام ما وصلتنا من تعليقات حول إستطلاعنا هذا…
ومع أطيب الأوقات..

————————————————

استطلاع:
شرق غرب – خاص

————————————————

د. صالح الفهدي

بدايةً لا يُمكننا التعميم في مَعْرِض الإجابة عن السؤال؛ لأن أقربَ دَاعِمٍ للثقافة من القطاع الخاص “مُؤسَّسة الرؤيا”، التي تَدْعَم الكثيرَ من الأنشطة والمسابقات الشبابية المختلفة، عبر “جائزة الرُّؤية لمبادرات الشباب”، وتدعم الكتاب عبر “مكتبة السندباد” وفعاليات أخرى عديدة. وهُناك أيضاً مُؤسَّسات خاصة تُسهم -بنسبٍ متفاوتة- في الأنشطة الثقافية والمبادرات المجتمعية. بَيْد أنَّ هذه النماذج هي استثناءٌ من القاعدة الأوسع التي لا تُوْلِي الثقافة، بل ولا لمسؤولياتها المجتمعية، اهتماماً بارزاً إلا بالنزر القليل من الاهتمام من أجل التقرير السنوي فقط!! وفي الحقيقة، القطاع الخاص هو مكوَّن من أفراد، ومبني على علاقات، وهذا يعني أنَّ الدعم يعتمد على تقدير هؤلاء الأفراد لجهود مُؤسَّسات مجتمعية ومواطنين؛ الأمر الذي يَعْنِي أنَّ القطاعَ الخاص لا يتبنَّى بنفسه مُبادرات معيَّنة كمشاريع ثقافية ومجتمعية يدعمها -مع بعض الاستثناءات- بل يترُك مُوازنته الضئيلة أصلاً للدعم المجتمعي رَهْنَ الطلبات العارضة، غَيْر المخطَّط لها، ورَهْن تقديرات المسؤولين في المؤسسات الخاصة.
هُناك ما يُلامُ عليه القطاع الخاص وما يُعذرُ عليه.. أمَّا ما يلامُ عليه، فهو عدم مُساهمته الفاعلة الأثر في المجتمع بما يتناسب مع عائداتهِ المالية من المجتمع، وأخصُّ بالذكرِ القطاع المصرفي والنفطي. كما أنَّ القطاع الخاص لا يقُوْم بالدَّوْر الملائم له في رفد المبادرات التي تتبنَّى قضايا مُجتمعية تُعنى بحل مشكلات المجتمع والرُّقي بتنمية الإنسان فيه. إضافة إلى أنَّ القطاعَ الخاص ليستْ لديه رُؤية واضحة الأهداف يُعلنها للمجتمع من أجل أن تتنافس مُؤسَّسات المجتمع المدني والأفراد لكي يحظوا بها؛ تحقيقاً لتلك الأهداف التي تخدم المجتمع.
أمَّا ما يُعذرُ عليه القطاع الخاص؛ فهو “حالة العداء والقطيعة” التي يُمارسها الإعلام نحو مُساهمات القطاع الخاص؛ إذ يَرْفُض الإعلام -وأقصدُ به الإعلام الرسمي؛ من تلفزيون وإذاعة- التطرُّق للرعاة والشركاء الإستراتيجيين حين الحديث عن فعاليات وأنشطة، إلا إذا كانت الجهة الإعلامية تستأثر بنفسها على هذا الدعم..!! والمشكلة هنا أنَّ مَنْ يَمْلك الوسيلة يستطيع الحصول على الدعم؛ بمعنى أنَّ التليفزيون يملك الترويج في قنواته للقطاع الخاص، والبلدية تملك الإعلان للقطاع الخاص في الشوارع، بينما تمتنع عن ترويج الإعلانات لهذه الشركات والمؤسسات إنْ هي دعمت بقية مؤسسات المجتمع..!!
– أما عن المُقترحات التي تَعْمَل على تغيير هذه الرُّؤية بما يعُوْد بالنفع على صناعة الثقافة في السلطنة مُستقبلا، فأنا أرى الآتي:
* أهمية إعلان القطاع الخاص لمبادرات تُعنَى بعلاج قضايا مجتمعية؛ مثل: المخدرات، وعنف الأطفال، والابتزاز الإلكتروني…وغيرها من القضايا.
* أهمية تبنِّي القطاع الخاص للمواهب والقدرات؛ دعماً للإبداع والابتكار والبحث.
* دَعْم وسائل الإعلام لمؤسسات المجتمع المدني؛ في إطارٍ يُحدِّد قضايا معيَّنة لها شأن بتنمية المجتمع، والرُّقي بفكره، وتنميته، ومُكافحة الظواهر السلبية فيه، وتشجيع الإبداع والفنون والمشاريع التي تحقق نفعاً واضحاً فيه.

————————————————

عبدالله العليَّان

فِي الوَاقِع، إنَّ مُؤتمر “الاستثمار في الثقافة”، الذي نظَّمه النادي الثقافي العُماني في مسقط، مؤخرًا، هو بِلَا شَك كَمَنْ ألقَى بالحجر في الماء الراكد؛ لأهميَّة الاستثمار في المجال الثقافيِّ في بِلَادنا، بما تَمْلِكه من مُقوِّمات كبيرة ومُتعدِّدة ليس المقام هنا شرحها، وهذه المشاريع يُمكن استغلالُها كاستثمارٍ ثقافيٍّ يعُوْد بعائدٍ نفعيٍّ بلا شك، وسيكون له أثره في التنمية السياحيَّة للسلطنة، خاصَّة بعد الخُطُوات التي طُرِحَت من قِبَل وزارة السياحة عند طَرْحِها الإستراتيجية الوطنية للسياحة 2040؛ لذلك فإنَّ من المهم أن يَنْظُر القطاع الخاص نظرةً خاصةً للاستثمار في هذا القطاع الثقافي؛ باعتباره قطاعاً مُهمًّا؛ وتأسيس هذا الاستثمار يحتاج خطة مُتكاملة تُسهم فيها الدولة في مجال تعزيزه، وترفده بالعديد من الرؤى والإسهامات الدافعة لنجاحه، وهذا يتطلب -في البداية- شراكة حقيقية وجادَّة بين القطاعيْن العام والخاص للانطلاق في هذا الجانب، والتوعية بأهمية هذا الاستثمار ونجاحه.
كَمَا لَا بُدَّ للدولة أنْ تَضَع النُّظُم المحفِّزة للاستثمار في المجال الثقافي، وأنْ تُسهِّل لهذا التوجُّه كلَّ الطرق، بعيداً عن البيروقراطية والروتين، وأن تَمْنَح هذه الشركات والمؤسسات الكثيرَ من الأسس التي تُساهم في تحقيق ذلك؛ ومنها على سبيل المثال: الإعفاءات من الرسوم…وغيرها لفترات تحديدها.
صَحِيْح أنَّ القطاعَ الخاصَّ يَسْعَى للربح السريع بأي استثمار، والبعض ربما يراه مغامرة غير محسوبة العواقب، إلا أنَّ الذي أراه أنَّ هذه النظرة ليست دقيقة. فلو نظرنا لها نظرة مستقبلية واسعة الأفق كرؤية بعيدة؛ نرى أنَّ الشراكة مُهمَّة جدًّا بين القطاعيْن؛ لأهمية تشجيع القطاع الأهلي عند التأسيس. والإشكاليَّة هنا أنَّ البعضَ تعوَّد على أنَّ الدولة هي التي تقيِّم هذه المشاريع وتديرها، وهذا يحتاج لتغييرٍ في الوعي العام؛ ففي الكثير من دُوَل العام أصْبَح القطاعُ الخاصُّ هو الفاعلُ الأساسيُّ لهذه المشاريع، في كلِّ مجالاته: الاقتصادية، والسياحية، والثقافية. مع أنَّ هُناك ارتباطاً كبيراً ومتداخلًا بين الثقافة والسياحة؛ فالاستثمار الثقافي له جانب وطني أيضاً، والقطاع الأهلي، إذا دخل في هذا الجانب، فإنه يخدم وطنه كذلك، وفي الوقت ذاته لا يخسر في هذا الاستثمار على المدى الطويل، أو حتى القصير، المهم أن تتحقَّق الإرادة والانطلاق والشجاعة في الإقدام على هذه المشاريع. وأتذكَّر أنَّه وقبل عقدين من الزمن، كانتْ بعضُ الشركات العُمانية المساهمة، عند تأسيسها في محافظة ظفار، رفضتْ أن تقِيْم مشاريع سياحية في المحافظة، على اعتبار أنَّها ليس لها مردود ربحي، وأنَّ السياحة ستكون محدودة، وكلها هواجس غير صحيحة، ثم جاءتْ شركات غير وطنية بعد عِدَّة سنوات قليلة؛ ففتحت عِدَّة مُجمَّعات سياحية لمستثمرين عرب وأجانب، وحققت نجاحاً كبيراً، والآن في طَوْر الإنشاء 3 مجمَّعات أخرى كبيرة، وهذا دليلٌ على عَدَم وجود النظرة الواسعة للمشاريع الوطنية؛ لأن عُمان الآن على الخارطة السياحية العالمية، والاستثمار في كلِّ المقومات ضروري ومنها الاستثمار الثقافي، والذي سيكون ناجحاً وفاعلا في الحراك الاقتصادي والسياحي.
وَالَذِي أَرَاهُ ضروريًّا ودافعاً لهذا الجانب من الاستثمار، أنْ تَحْرِص الدولة على إبعاد العراقيل الروتينية، وأنْ تُذلِّل العقبات؛ لتُسهم في نجاح هذه المشاريع الاستثمارية؛ فكما أسهمت الدولة في تأسيس جامعات أهلية عُمانية، فمن المهم أنْ تُسهم في تأسيس مشاريع وطنية ثقافية بتمويل من القطاع الخاص، وفي النهاية هو نجاح لهذا الوطن العزيز.

————————————————

د . صَالِح بن هاشل المسكري

الاستثمارُ الثقافيُّ يحتاج إلى توافر عَنَاصِر أساسيَّة، وتكامُل هذه العناصر مع بَعْضِها البعض، ومن هذه العناصر -على سبيل المثال- توافر بيئة ثقافية مُساعِدَة وفاعِلَة على الأرض، تُمكِّن المستثمرَ من مَشْرُوعه، وتعزِّز رغبته وطموحه؛ سواءً من الناحية المؤسسية، أو من ناحية الأفراد المستهدفين؛ فالمشاريع الثقافية كأيِّ عملٍ إنسانيٍّ إذا لم تَجِد لها حَوَاضن مُؤسَّسية -من مراكز علمية، وبحثية، ووسائل إعلام متخصصة، ومنافذ- ولم تجد لها قبولًا لدى الناس، فإنَّها حتماً ستُواجِه صُعُوبات، ولن تتمكن من بلوغ الأهداف والغايات. ومن هذه العناصر: وُجُوْد مُستثمر صبور مُنتمٍ للمجال الثقافي لا يَجْعَل الثقافة مَرْكباً للرِّبح والتكسُّب، إضافة إلى أهمية وجود تشريعات وإجراءات إدارية مَرِنة، غير مُقيِّدة لحركة الاستثمار الثقافي، على قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”، وبحيث لا تُؤثِّر هذه المرونة على حقِّ الدولة في حماية الهُوية الثقافية للمجتمع، والتصدِّي لتيارات العولمة والمتغيرات التي تجلبها معها، مع أنَّنا نثق تماماً بأنَّ شعوبَ الحضارات العريقة التي لها رَصِيْدٌ ثقافيٌّ كبير، وموروثٌ حضاريٌّ عميق، لا تخاف من التأثيرات الخارجية؛ لأنَّها قوية حصينة من الداخل من أيَّة هجمات، وعلى رأي الشاعر العربي الكبير نزار قباني: “الثقافة التي تخاف على نفسها من قط الجيران، هي ثقافة فئران”.
وَإِذَا مَا نَظَرنا إلى الواقع في سلطنة عُمان، نجد أنَّ هُنَاك استثمارات مُهمَّة على المستوى الرسمي؛ تمثَّلت في قيام مؤسسات ثقافية أصبحت لها سُمعة ومكانة جيدة على المستوى العالمي، إضافة إلى أنَّها أسهمت في الرُّقي بالذوق والوعي العام المحلي؛ ومن هذه المؤسسات على سبيل الذكر: دار الأوبرا السلطانية العُمانية، التي تعدُّ مَعْلماً مُهمًّا من معالم نهضة عُمان الحديثة، ومحط أنظار مشاهير العالم من مثقفين وفنانين وموسيقيين وسيَّاح. وكذلك المتحف الوطني، الذي يُعدُّ قَصْراً للتراث العُماني، ومنارة للتاريخ، ومقصداً للباحثين والزوار من داخل السلطنة وخارجها. ومتحف أرض اللبان، الذي يقع في مُتنزه البليد الأثري بمدية صلالة، وهو أيضاً علامة فارقة في المنظومة المتحفية في السلطنة، ويضمُّ قاعتيْن: القاعة البحرية وقاعة التاريخ. والمركز الثقافي في جامعة السلطان قابوس، الذي زَادَ مِنْ مَكَانة الجامعة: العلمية والثقافية. ومركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، وما يُقدِّمه من أنشطة مُختلفة ودعم للمثقفين، ومسابقات وجوائز سنوية للثقافة والفنون والآداب. إضافة للمهرجانات السنوية التي تُقيمها بلديات مسقط وصلالة في الشتاء والصيف من كلِّ عام، ومحاولتها كَسْب المساحة الزمنية المحدودة، والظروف والإمكانيات المتوفرة؛ للترويج لمختلف الأنشطة والفعاليات الثقافية والسياحية والفنية للسلطنة. إضافة إلى ترميم وتشغيل العشرات من القلاع والحصون والأبراج، وفتحها أمام السائحين، وهي مَعَالم وشُخُوْص تاريخية وثقافية مُهمَّة.. كلُّ هذه المشاريع هي استثمارات خُطِّط لها في المجال الثقافي، وأصبحتْ تأتي بعَوَائد مالية جيدة تُسْهِم في الدَّخل العام والناتج المحلي للبلاد.
أمَّا بِالنسبة لتوجُّه القطاع الخاص نحو الاستثمار في المجالات الثقافية المختلفة، فكما أسلفتُ في البداية، فإنَّ هذه الاستثمارات لَيْس لها طُلَّاب كثيرون في ظلِّ العولمة والانفتاح والسيولة الثقافية التي تَجْذِب الناس، وتُشتِّت عُقُوْلهم، وتوفِّر لهم أكثر من مائدة ثقافية يومية بأصناف الثقافة والتسلية وبالمجان، وتستنزفُ أغلب وقتهم ومالهم وجهدهم.. ومن هذه الموائد على سبيل المثال: وسائل التواصل الاجتماعي التي تَتَنَافس افتراضيًّا في أكثر من فضاء؛ منها: فيسبوك، وتويتر، وإنستجرام، وسناب شات، إضافة إلى واتساب…وغيرها من البرامج الجاذبة، التي أصبحت قلوبُ الناس معلَّقة بها. وَكَمَا أنَّ التجارة تحتاج تاجرًا، والفلاحة تحتاج فلاحًا، والصيد إلى صياد، فإنَّ الثقافة أيضاً بحاجة إلى مُثقَّف. وفي بلادنا لا يُوْجَد مُثقف يمتهن الثقافة؛ لأنَّ المثقفين في بلادنا فقراء، لا يملكون بُلغة ولا مضغة عدا أحبار أقلامهم، والمشتغلون في المجال الثقافي أغلبهم تجَّار دُخَلاء على الثقافة، يشترون بآياتها ثمناً قليلاً، ثم يصدون عن سبيلها إذا جفَّ رحيقها.
وَالاستِثْمارُ في المجال الثقافيِّ صَعْبٌ، وباهظ الثمن، ويحتاج صبرًا، ومستثمرًا ينتمي إلى المجال، ويضحي من أجل أن يَسْمُو بالثقافة والفنون والآداب؛ سواء استثمر في مُنتدى وصالون ثقافي، أو في مركز ومكتبةً، أو في مجلة وجريدة…أو غير ذلك، استثمارٌ يُنزهِّه عن موازين الربح والخسارة، ويعُدُّه كالصدقة الجارية، خاصة وأنَّ أغلب المستهدفِيْن بهذا المنتج الثقافي تبدَّلتْ أولوَّياتهم، وتغيَّرتْ مذاهبهم الفكرية، والناس فيما يعشقون مذاهب.

————————————————

د. فاطمة بنت أنور اللواتية

حِيْنَمَا نَطْرَحُ كلمة “ثقافة”، فلابُدَّ أنْ نُعرِّفها بشكلٍ واضحٍ ومفهومٍ، خُصُوْصًا في مِضْمَار الاستثمار.. تعريفُ الثقافة الأكثر وُضُوْحًا واتصالاً بحَيَاتنا كأفراد؛ هو أنَّها تَعْنِي: “العلوم والمعارفُ التي يُطلب الحذق فيها”، أو “مُجْمَلُ العُلُومِ وَالفُنُونِ وَالآدَابِ فِي إطَارِهَا العَامِّ”. إنَّها الثقافةُ التي تُكْتَسَب عَبْر الوسائل المتعارفة في بيئة الفرد الاجتماعية والثقافية، وأيضًا مِنَ الموروثات الشعبية؛ كالأمثال والأشعار والقصص. وَقَدْ تَجِدُهَا في هيئة عادات وتقاليد، وموسيقى، وغناء…وغيرها. هذه الثقافة بصورها المختلفة تُكتَسَب عبر الوسائل والفنون الاجتماعية العصرية المختلفة والمتنوعة.
وفِي عَصْرِنَا الحالي، تأخُذُ الثقافة أشكالًا وهيئات مختلفة، وتُكتَسَب عبر وسائل التعليم المختلفة؛ مثل: المدارس، والجامعات، والمكتبات، كما تُنال أيضا عبر الوسائل الإعلامية كالصحف والمجلات والقنوات التليفزيونية والإذاعية، كما أنَّ المراكز الاجتماعية الثقافية -كالأندية وغيرها- تعدُّ معبرا لنشر الثقافة. كلُّ هذه الأمور وغيرها تُعْتَبر واجهات ثقافية يتم الاستثمار فيها في الدول الديمقراطية؛ فبذلك تكون المراكز الثقافية والنوادي الاجتماعية مَرْتَعًا ثقافيًّا؛ حيث تتكوَّن فيه حلبات للحوار والنقاش بجانب اللعب والترفيه. والقنوات الفضائية بأنشطتها الثقافية المتنوعة تعدُّ مصدرا جاذبا للمستثمر؛ لأنها تستقطبُ الإعلانات التجارية التي تُدِر عليه أموالا طائلة. كما أنَّ الكثيرَ من البرامج الشهيرة في القنوات الأمريكية هي برامج ثقافية، أو اجتماعية، لكنها أيضًا برامج تهدفُ للربح المادي، ومَرْدُوْدُها الثقافي والاجتماعي لا يقل؛ حيث إنَّها تُعدُّ أسلوباً حضاريًّا يفتح أفقاً واسعًا أمام أصحابِ المهن الاستشارية أو الاجتماعية؛ حيث يتمُّ عَبْرَها التطرُّق لهموم المجتمعات ومشكلاتها المختلفة.
لكنَّ السُّؤال: أَيْنَ نَحْنُ مِنْ هذه البرامج أو الاستثمار في الثقافة؟
الاستثمارُ في الثقافة يُعدُّ من الأمور الصَّعبة وغير الممكنة في العديد من الدول العربية -ومنها السلطنة- وهذه الصعوبة أو عدم الإمكانية تأتي من القوانين التي تَحُدُّ من أنشطة الأفراد وتحرُّكُهِم تحت ذرائع أمنية أو تخوُّفات واهية. فحِيْنَما يستثمرُ تاجرٌ في مَجَالٍ ما، فإنه يتوقَّع من ذلك الاستثمار مَكْسَبًا ماديًّا. ولكنْ بوُجُوْد عوائق أمنية واجتماعية وغيرهما، فلن يُبَادِر ذلك التاجر مطلقًا لخَوْض تجربة لا يتوقَّع منها أنْ تُنْتِج شيئا مجديا. فمثلا: حينما يَرْغَب تاجرٌ بفتح مكتبة عامة كوسيلة لنشر الثقافة في مجتمعه، ثم يَصْطَدم برفض طلبه من الجهات الأمنية، أو يجد أمامه عراقيل عديدة، فإنَّه يُدرك أنَّ مشروعاً ثقافيًّا مجانيًّا لأبناء وطنه يتم عرقلته، فكيف تكُوْن حال مشروعه التجاري وهو لا يَرَى أمامَه أيَّة رؤية ُواضحة تُقْنِعه بأنَّ مشروعَه الثقافي سَوْف ينمو، ويُحقِّق له عائدا مجديا؟
وَمِنْ ناحِيَةٍ أخرى، نجدُ أنَّ معظمَ المشاريع الإعلامية والتعليمية تتلقَّى دَعْمًا ماليًّا كبيرًا مَنَ الحكومة، وهذا الدَّعْمُ يَجْعل قرارات مالك المؤسسة مرهونة بِيَد الحكومة؛ فلا يملكُ هو الحرية في أبسط الأمور.. وهذه القيود لا تُتِيْح مجالاً للإبداع أو العطاء. ناهيك عن أنَّ تِلْكَ المشاريع تُصْبِح عالة على الوطن، بدلاً من مَصْدَر دَخْلٍ له. ولنفترض أنَّنِي تاجرة، وأرغب في إصدار مجلَّة من أجل تسويق منتجات، أو نشر إعلانات، أو تتخصَّص في مجال أدب الطفل…أو غيرها من الأمور، فإنَّ ذلك لا يُمكن أنْ يحدُث إلا بَعْد الحصول على ترخيص من الجهات المختلفة، وهذا يحتاجُ وقتًا طويلًا، وَقَدْ يتمُّ الرَّفْضُ من غَيْر إبداء الأسباب.
حِيْنَما تَسْمعُ عن المضايقات التي يتعرَّض لها أصحابُ الهِمَم الثقافية، تعرف أنَّك تعيش في زَمَن الاستهلاكِ الكلاميِّ حَوْل توافر جو الانفتاح والحُرية في الساحة الثقافية المناقض للواقع.
الاسْتِثْمارُ يتطلَّب حُريَّة سُهُوْلة التحرُّك، وحينما يفقدُ المرءُ حُريَّة التصرُّف، وتتحكَّم بشكلٍ كبيرٍ جِهَات “لا تُعِيْر للثقافة وزنًا” في كلِّ خُطواته، فإنَّ ذلك يَهْدِمُ أسسَ الاستثمارِ في الثقافة. وفي ظلِّ تلك الصعوبات اللامتناهية، لا يَجِد المستثمرُ فضاءً ملائماً للاستثمار في الثقافة. هذا غَيْضٌ مِنْ فَيْض الواقعِ الأليم، ناهِيْك عَنْ العقليَّات البيروقراطية التي تُوْجَد في كلِّ مكانٍ وزمان.

728 total views, 17 views today