RMJ

رضا‭ ‬بن‭ ‬مهدي‭ ‬بن‭ ‬جواد‭ ‬اللواتي

مِنَ‭ ‬الأمور‭ ‬الكثيرة‭ ‬التي‭ ‬لفتت‭ ‬أنظار‭ ‬المستشرقين،‭ ‬ومن‭ ‬قَبْلهم‭ ‬مُؤرِّخو‭ ‬العلوم‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬العالم،‭ ‬هو‭ ‬التطوُّر‭ ‬الهائل‭ ‬للعلوم‭ ‬العربية؛‭ ‬في‭: ‬الفلسفة،‭ ‬والطب،‭ ‬والفلك،‭ ‬والحساب؛‭ ‬حيثُ‭ ‬ازدهرتْ‭ ‬هذه‭ ‬العلوم‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى،‭ ‬وبعد‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬عصر‭ ‬الترجمة‭ ‬الاول‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬العباسيين؛‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬القرنين‭ ‬الثاني‭ ‬والثالث‭ ‬الهجريين‭.‬

فبعَد‭ ‬ترجمة‭ ‬كُتب‭ ‬اليونانيين‭ ‬في‭: ‬الفلسفة،‭ ‬والطب،‭ ‬والهندسة،‭ ‬والرياضيات،‭ ‬والموسيقى،‭ ‬أخذ‭ ‬العلماءُ‭ ‬المسلمون‭ ‬على‭ ‬عَاتقهم‭ ‬تشييد‭ ‬حضارة‭ ‬علمية‭ ‬إسلامية‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬نظريات‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬المجالات،‭ ‬بالاستفادة‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬الإسلامي‭ ‬الكبير،‭ ‬ومزجه‭ ‬بالتراث‭ ‬اليوناني‭ ‬المترجَم‭ ‬حديثًا،‭ ‬والتي‭ ‬وصلت‭ ‬إليهم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ترجمة‭ ‬أمَّات‭ ‬الكتب‭ ‬من‭ ‬أصولها‭: ‬اليونانية،‭ ‬والإغريقية،‭ ‬واليونانية،‭ ‬والهندية،‭ ‬والفارسية‭.‬

‭… ‬إنَّ‭ ‬الإنتاجَ‭ ‬الفكريَّ‭ ‬التي‭ ‬تميز‭ ‬بها‭ ‬المسلمون‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬وليد‭ ‬الترجمة‭ ‬فقط،‭ ‬كما‭ ‬يحلو‭ ‬لبعض‭ ‬المستشرقين‭ ‬أن‭ ‬يصفه،‭ ‬ولكن‭ ‬كان‭ ‬إبداعاً‭ ‬حقيقيًّا،‭ ‬وإضافة‭ ‬جذرية‭ ‬لأمَّات‭ ‬المسائل‭ ‬الفلسفية‭ ‬والعلمية‭ -‬على‭ ‬حدٍّ‭ ‬سواء‭- ‬يقول‭ ‬دليس‭ ‬أوليدي‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬عن‭ ‬العلوم‭ ‬اليونانية‭ ‬التي‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭: ‬إنَّ‭ ‬العلوم‭ ‬اليونانية‭ ‬اتَّخذت‭ ‬لنفسها‭ ‬حياةً‭ ‬جديدةً،‭ ‬وشهرةً‭ ‬ومجدًا‭ ‬خاصًّا‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬العربي،‭ ‬فلقد‭ ‬استوعبَ‭ ‬العربُ‭ ‬الفكر‭ ‬الهندي‭ ‬واليوناني‭ ‬في‭ ‬النجوم‭ ‬والرياضيات،‭ ‬ثم‭ ‬نظَّموها‭ ‬ورتبوها‭ ‬ترتيباً‭ ‬مبدعاً؛‭ ‬لهذا‭ ‬تقدم‭ ‬العلماء‭ ‬تقدماً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬الناطقين‭ ‬بالعربية‭. ‬ثم‭ ‬يعقد‭ ‬الباحث‭ ‬الإنجليزي‭ -‬والذي‭ ‬كان‭ ‬أستاذاً‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬بريستول‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬مائة‭ ‬عام‭- ‬أن‭ ‬علم‭ ‬الجبر‭ ‬والمثلثات‭ ‬المستوية‭ ‬والكروية‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬العلوم‭ ‬التي‭ ‬أوجدها‭ ‬العلماء‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمون،‭ ‬ووسعوها،‭ ‬واستطاع‭ ‬هؤلاء‭ ‬العلماء‭ ‬إيجاد‭ ‬الأرصاد‭ ‬الفلكية‭ ‬بمهارة‭ ‬كاملة‭. ‬ثم‭ ‬يُضيف‭ ‬هذا‭ ‬الباحث‭ ‬بأن‭ ‬المسلمين‭ ‬لم‭ ‬يتلقوا‭ ‬بتوسعة‭ ‬ما‭ ‬أخذوه‭ ‬عن‭ ‬اليونانيين،‭ ‬بل‭ ‬دققوا‭ ‬في‭ ‬الزيجات‭ ‬والأرصاد‭ ‬القديمة،‭ ‬وقاموا‭ ‬بإصلاحها‭.‬

هذا‭ ‬الإبداع‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬حيِّزاً‭ ‬مناسباً‭ ‬في‭ ‬جامعاتنا،‭ ‬وأن‭ ‬يحتفظ‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمون‭ ‬بمكانتهم‭ ‬التاريخية،‭ ‬وأن‭ ‬يُدرَّس‭ ‬هذا‭ ‬العطاء‭ ‬الفكري‭ ‬في‭ ‬جامعاتنا‭: ‬جيلاً‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭.‬

وبعد‭ ‬تأسيس‭ ‬مركز‭ ‬تاريخ‭ ‬العلوم‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬الألمانية‭ ‬للتكنولوجيا،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬مساقٌ‭ ‬لدراسة‭ ‬تاريخ‭ ‬العلوم‭ ‬عند‭ ‬العرب،‭ ‬جنبا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬مع‭ ‬دراسة‭ ‬العلوم‭ ‬الحديثة،‭ ‬حتى‭ ‬نعلم‭ ‬الأسس‭ ‬الجينولوجية‭ ‬للتطور‭ ‬العلمي؛‭ ‬حيث‭ ‬إنَّ‭ ‬تطور‭ ‬العلوم‭ ‬والإبداعات‭ ‬المتأخرة‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬كان‭ ‬وليدَ‭ ‬إسهامات‭ ‬المسلمين‭ ‬الأوائل،‭ ‬والذين‭ ‬أضافوا‭ ‬الكثير‭ ‬للعلوم‭ ‬والمعارف‭ ‬البشرية‭.‬

وسيجدُ‭ ‬القارئُ‭ ‬الكريم‭ ‬مُلحقًا‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬العدد،‭ ‬مُخصَّصا‭ ‬لنشر‭ ‬المشاركات‭ ‬التي‭ ‬تمت‭ ‬بمؤتمر‭ ‬الفلسفة،‭ ‬والذي‭ ‬كانت‭ ‬مجلتكم‭ “‬شرق‭ ‬غرب‭” ‬الراعية‭ ‬له‭ ‬مع‭ ‬جامعة‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس‭ ‬والنادي‭ ‬الثقافي،‭ ‬والذي‭ ‬عُقِد‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬الماضي؛‭ ‬احتفاءً‭ ‬بيوم‭ ‬الفلسفة‭ ‬العالمي‭.‬

أدعو‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬أن‭ ‬يُوفِّقنا‭ ‬لكل‭ ‬خير،‭ ‬وأن‭ ‬يديم‭ ‬علينا‭ ‬نِعَمه‭ ‬ظاهرة‭ ‬وباطنة‭.. ‬إنه‭ ‬سميعٌ‭ ‬مُجِيب‭.‬

1,069 total views, 2 views today