سعود الزدجالي

يُعرِّف الجابري “الثقافة” بأنَّها ذلك المركَّب المتجانِس من الذِّكريات، والتصوُّرات، والقِيَم، والرُّموز، والتعبيرات، والإبداعات، والتطلعات التي تُحتفظ لجماعة بشرية، تُشكِّل أمَّة بهُويَّتها الحضارية؛ فنحن أمام ثقافات مُتعدِّدة ومُتنوِّعة تعمل بصورة تلقائية، أو بتدخُّل إرادي (1)؛ الأمر الذي يُعطِي مصطلح “العولمة” المعنى؛ لأنها تتضمَّن “دعوة إلى تبنِّي نموذج معين”؛ فهي بصُوْرة ما “أيديولوجيا” تعبِّر عن “إرادة الهيمنة.. ونفيٌ للآخر وإحلال للاختراق الثقافي محل الصراع الأيديولوجي” (2). ولولا ذلك التعدُّد في الثقافات، لما كان للعولمة من مَعْنَى؛ لذلك دَخَلت “الثقافة” عبر تاريخها في “أيديولوجيا الأنوار كليًّا؛ إذ اقترنَ اللفظ بأفكار التقدُّم، والتطوُّر، والتربية، والعقل التي احتلَّت مركز القلب من فكر العصر” (3). ولذلك أيضا يرتبط عنوان المقال “العولمة الثقافية” بمُفردات أو مفاهيم؛ كل منها “فاعلٌ” في النسيج الاجتماعي أو الثقافي؛ فالثقافة، والهُوية، والعنف، والإرهاب، والآخر؛ كُلها مُضمَّنة أو مُرتبطة بمفاهيم العولمة الثقافية التي تتوسَّل الإشهار، أو الانتهازية؛ فبقدر الجماليات التي يَرَاها أصحابُ النظرة التفاؤلية يُبصر المتشائمون إشكالات مُتعدِّدة؛ أبرزها: الإرهاب والعنف؛ لأن تغيير وضع سياسي أو اقتصادي قائم في مجتمع ما، يستدعي تغيير فكرة أو اعتقاد؛ فلا يُمكن للسياسة أو الاقتصاد، أو الثقافة المعولَمة أنْ تشتغل بمعزل عن الدين والعادات أو الأبعاد الجغرافية؛ فلكي أستطيع جنيَ أكبر قَدْر من الأموال والأرباح عبر ترويج “سلعة” ما، وبأقل قَدْر من الخسائر والمغامرات في وسط اجتماعي لا يكترث بتلك السلعة؛ فذلك يستدعي توزيع قدر من المعتقدات أو الأوهام؛ فإذا كان الجانب الأول ماديًّا مرتبطاً بالعمل والمال؛ فإنَّ الجانبَ الثاني الذي يجعل المنظومة الربحية تشتغل هو جانبٌ ثقافيٌّ، إنَّ خليطاً من “التسلية المخدرة والتغذية” التي عبَّر عنها زبجنيو برجنيسكي (Zbigniew Brzezinski) بمصطلح بالغ الانتهازية وهو (Tittytainment)، وكان يُدرك حينذاك (1995م) خُطورة “الفعل الثقافي” في عالم المال والاقتصاد (4)؛ يجعل سيرورات السلعَ مفتوحة المجال.
إنَّ قوَّة التحريك داخل المجتمعات أو عَبْرها؛ والتي عبَّرنا عنها بـ”الفاعل الثقافي”، تُدرك الحركات الدينامية وفقاً للطبيعة الإنسانية للمجتمعات البشرية؛ لذلك فهو لا ينظر إلى “الفعل الثقافي” بوصفه “عملية إنتاج” بالمعنى الاقتصادي، ولكنه فِعْل يستثير حركة “الجدل” والانفعال حول، أو بالقضايا؛ حتى تعترك القوى الإنسانية فتنتج نَوْعَيْن من الفعل:
أ- مُباشر: وهو محاولة خلخلة التماسك الظاهري المتمثل في الهُويات، وقد يتولى -كما يزعم الجابري- القيامَ بعملية تسطيح الوعي، واختراق الهُوية الثقافية؛ لتحل محلها ثقافة جديدة إشهارية إعلامية سمعية وبصرية تصنع الذوق الاستهلاكي (5).
ب- غير مباشر: يتمثَّل في النتائج؛ وفقا للديالكتيك الهيجلي؛ وإيجابيات الصراع؛ تظهر “طائفةٌ” جديدة تختلف وجهات نظرها إلى القضايا؛ وما إنْ تظهر حتى تصبح جزءا من هويات المجتمع وثقافتها؛ فتمتزج وتتفاعل؛ وتتولى أدوار “الفاعل الثقافي”.
ويُمكن للقارئ أنْ يتأمَّل السؤال الآتي؛ والذي يُمكن عده “مفتاحيًّا” اعتماداً على الأفكار التي يريد الكاتب الترويج لها: هل تعد العولمة الثقافية بُعداً أيديولوجيا بديلا للبعد الكولونيالي، يتوسَّل فاعلين: عميقٍ ينبع من صميم المجتمعات الرأسمالية، وسطحي داخل المجتمعات التي تعد متخلفة؛ لأنها (فقط) تختلف في أبعادها المعيشية ومعتقداتها عن المجتمعات الرأسمالية؟
إنَّنا لا نُواجه اليوم “السلعة المادية” بقدر ما نُواجه الأوهام بصَدَد قيمتها؛ وهذا يجعل إعادة القراءة للعمليات الخفية بشأن “تسليع الثقافة” وتصديرها ملحة؛ فهذه العملياتُ تُنتج الديمومة المطلوبة لإقامة المجتمعات الاستهلاكية؛ لأنَّ “الإنسان، جوهريًّا، كائن ثقافي، ولقد تمثَّلت أساسيات صيرورة الأنسنة التي انطلقت منذ ما يناهز الخمسة عشر مليون عام في المرور من تأقلم وراثي مع المحيط الطبيعي إلى تأقلم ثقافي. إنَّ مفهوم الثقافة يتجلَّى أداة مُناسبة لتجاوز التفاسير ذات النزعة الطبيعية للسلوكيات البشرية. الطبيعة لدى الإنسان مؤوَّلة كلها ثقافيًّا. إنَّ الاختلافات التي قد تبدو الأكثر ارتباطاً بمميزات بيولوجية مخصوصة؛ شأن اختلاف الجنس مثلا، لا يُمكن مُلاحظتها، هي ذاتها على حالتها الخام (الطبيعية)؛ إذ الثقافة، كما قد يجوز القول، تتكفل بها على الفور: تقسيم الأدوار والمهام جنسيًّا في المجتمعات الإنسانية أساساً من الثقافة، وهو لذلك يتنوَّع من مجتمع لآخر”(6)، وحتى تتجاوز القوى الرأسمالية، والشركاتُ العابرة للقارات مسألة الثقافات أو الهُويات الإنسانية التي تتلوَّن بتلوُّن المجتمعات الإنسانية ولغاتها؛ فإنَّه لا بد من ترويج المفاهيم المعيارية التي تجعل “المركزية” قوَّة تجعل من سُقوط الثقافات في هُوَّتها العميقة يزداد بزيادة السلع؛ ولقد تنبَّه الباحثون في البنك الدولي إلى قضية تقسيم العالم الإنساني إلى عام متقدِّم وثالث؛ فطرح البنكُ في العام 2015م مقالاً بعنوان: “هل ينبغي لنا الاستمرار في استخدام تعبير العالم النامي؟” (7)؛ وهذا التقسيم الذي ينطلق من مفهوم المركزية والمعيارية، روَّج لمصطلح ثقافي لا يقل خُبثا واستغلالاً من القوى الخارجية أو الداخلية للمجتمعات، وهو مُصطلح “التخلف” الذي جرَّ عمليات اقتصادية، وأعطى على الأقل مفهوميْن:
الأول: يتعلَّق بالمفاهيم والقيم الإنسانية ذات الطابع الكوني التي ترتبط بالديمقراطية والحريات والعدالة؛ وقد عَالَج قضية الابتعاد والاقتراب منها مصطفى حجازي في كتابيه “التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور”، و”الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية” (8)، وقد استغلَّت القوى السياسية المستبدة إزاء هذه القيم الكونية مصطلحاتٍ مضادةً لها، أو مُرادِفة شكلاً دُوْن المضامين والمعاني الجوهرية، كمفاهيم الخصوصيات، والهُويات، والدين، أو استغلت الشكليات الديمقراطية مُتمثلة في صناديق الاقتراع، والمجالس البرلمانية الخالية من عمليات التمكين والتشريع؛ لإيهام الشعوب بعمليات التدرُّج في صناعة الديمقراطية، أو أنها تفتك بالخصوصيات والدين؛ كما استغلتها القوى الرأسمالية في إنتاج أغطية التدمير والتدخل للمجتمعات (المتخلفة) من العالم الثالث، بزعم نشر الديمقراطية ونزع السلاح النووي؛ وهي إنْ تُريد إلا إحداث هزات تدميرية لما يُسمِّيه إدوارد سعيد بـ”مخزون المجتمع”؛ لأنَّ “الثقافة بهذا المعنى مصدر من مصادر الهُوية، وهي مصدر صدامي أيضا، كما نراها الآن في حالات الرجوع إلى الثقافة والتراث، وترافق حالات الرجوع هذه مرتكزات صارمة من السلوك الفكري والأخلاقي تناهض الإباحية التي ترتبط بفلسفات تحرُّرية ليبرالية نسبيًّا من مثل التعدُّدية الثقافية والهجنة، ولقد أنتجتْ هذه الرجوعاتُ في العالم الذي كان خاضعا للاستعمار سابقا أنواعا شتى من الأصوليات الدينية والقومية” (9).
يَجْعَلنا ذلك نُعيد ترتيب الأسئلة العميقة بذات المفاهيم أو المصطلحات التي تبدو مُتشابهة؛ ولكنها تختلف؛ إذ تتحوَّل إلى أدوات لفاعلين مختلفين؛ ولقد تحوَّل الحديث عن الديمقراطية في العالم العربي بسبب هذه النزعات إلى نوع من الوسواس؛ فكلما تعالت المطالبة بها، جاء النقيض الخفي الذي يفرض سلطانه (10) لإنتاج ثقافات أو خطابات مُناورة تستغل ذات المصطلحات البراقة؛ إنَّ عمليات شكلنة هذه المجتمعات، والعبث بحياتها وثقافتها أنتج “الإنسان” الخطير والمتناقض بتعبير هيجل؛ الإنسان الهارب من الموت، أو العاشق للحياة المقبل عليها؛ إلى الإنسان المقبل على الموت، الساعي إلى حتفه؛ لأنَّ البشرَ لا يعيشون إلا ليُدرك الآخر كرامته؛ فإنْ دُمرت تلكم الكرامة الآدمية؛ فإنه يتحوَّل إلى كائن شرير.
الثاني: يتعلَّق بمظاهر الحياة؛ فأشكال الحياة المختلفة باختلاف الطبيعة الجغرافية والاجتماعية، وباختلاف الثقافات؛ يجب أن تنزع بفعل ما تثيره مُفردة “التخلف” من شعور بالدونية والابتعاد عن مجتمع الرفاهية والمجتمعات الأرستقراطية إلى تقليد الآخر؛ وذلك يُفْسِح المجال أمام ترويج الأفكار الثقافية المناهِضَة للثقافة المحلية؛ إذ انتشار فكرة واحدة كفيل بانتشار آلاف السلع بملحَّاتها؛ حتى تتحوَّل الأسواق إلى سوق واحدة مُدمرة أمام الأوهام الجديدة؛ ويكفِي أنْ نُعطِي مثالا واحدا يتمثَّل في الاحتفال بعيد الميلاد، وما تجرُّه هذه الفكرة من تغيير للطبائع والعادات الاستهلاكية في مجتمع لم يكن ليكترث لذلك؛ فنحن هنا نُواجه “الاستهلاك التفاخري أو المظهري” للثقافة والسلعة في آنٍ معا؛ وهو اصطلاح في العلوم الاجتماعية يدلُّ على الاستخدام المُسْرِف للسلع لترمز إلى مستوى الرفاهية؛ لتكون “حالة العيش” بوجودها “علامة دالة” على الحق في الحصول على مركز اجتماعي (11).
… إنَّ توزيعَ السلع في العالم أو المجتمعات الإنسانية يعتمدُ اعتماداً كليًّا في أساسه على “الحاجة”؛ وهي تنبُع من “الثقافة” بالمفهوم الذي طرحه دنيس كوش؛ أي بالاعتقاد بأهمية سلعة ما في حياة الفرد؛ مما يعني أنَّ سلعة ما أنتجت في مجتمع رأسمالي -يريد أن يتجاوز بها حدود “مجتمع الإنتاج” إلى “مجتمعات الاستهلاك”- يفتقر افتقاراً واضحاً إلى “حِدَّة الاعتقاد” بحاجة المجتمع إلى هذا المنتج؛ مما يجعل التداول لسلعتين:
الأولى: الثقافة أو الاعتقاد بأهمية “المنتج الجديد”؛ سواء أكان المنتج خدمة، أم عينا؛ وإرساء هذه الثقافة أو المعتقدات يستلزم أعمالا إشهارية مُتقنة نابعة من حقول السيكولوجيا واللسانيات؛ ولا يَعْنِي بالضرورة أن تكون الثقافة أو الاعتقاد حقيقيين حول السلعة؛ فالمنتج لا يكترث بذلك؛ فغالبُ الثقافات التي تفتح أسواق هذه السلع أوهام.
الثانية: السلعة المادية المنتجة التي يُراد ترويجها وتصريفها في الأسواق المفتوحة؛ هذه السلعة بدون “الثقافة” حولها “ساكنة”؛ ومنتجها لا يظهر بقدر ما تظهر السلعة في خطابات الترويج والإشهار؛ فالسلعة تتحدَّث، أو المستهلك الذي يفتح لك الشهية أمام عمليات الشراء.

… إنَّ عمليات إنتاج السِّلع وترويجها تُدرك تماما مدى الارتباط بين الثقافة والسلعة؛ فما أرادتْ سلعةٌ الانتشارَ الواسع في العالم؛ يتوجَّب على مُنتِجها نَشْر الاعتقاد بأهميتها؛ مِمَّا يزيد من أهمية تغيير الثقافة في تحريك السلع داخل المجتمعات؛ إذ ينظر إلى “المجتمع” بوَصْفِه فردًا يتمتَّع بسِمَات “الإنسان” الفرد وسيكولوجيته؛ مما يجعل “الشغف المستهلك لذاته” مُصطلحًا مُهمًّا وظَّفه ريتشارد سينيت، ويعني به “الاستهلاك” فور “الاستخدام”؛ فقد تكون رغبتنا في “هاتف” جديد جامحة، ولكن بعد فترة وجيزة من اقتنائنا لهذا الهاتف الجديد تقلُّ رغبتنا فيه؛ مما يستدعي “التخمة والإهدار”؛ فلم يعد الإنسان يقتني الأشياء لاستخدامها فحسب، بقدر ما يقتنيها لإشباع شغفه، ووهمه بحاجته لها؛ لذلك تحرَّكت عمليات “الموضة”؛ فالإشهار والوسائط تدرك كيف توضع الرغبات في قوالب؛ يجعلهم ذلك يشعرون دائماً بعدم الرضا؛ واستمرارَ خلق الحاجات بسبب الثقافة الجديدة؛ حتى دخل مفهوم “التقادُم المخطَّط له” في عمليات الإنتاج؛ ليدلَّ على أنَّ الأشياء لم تعدُ تُصْنَع لتدوم؛ وإنَّما ليُقْبِل الإنسانُ على غيرها الجديد(12).

—————————————————-

الهوامش:
1- مُحمَّد عابد الجابري، “العولمة والهوية الثقافية: عشر أطروحات”، ص:1.
2- الجابري، المرجع السابق، ص:3.
3- دنيس كوش، “مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية”، ترجمة: منير السعيداني، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2007م، ص:18.
4- هانس-بيترمارتين، وهارالد شومان، “فخ العولمة: الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية”، ترجمة: عدنان عباس علي، الكويت، عالم المعرفة، 1998م، ص:27.
5- الجابري، المرجع السابق، ص:4.
6- دنيس كوش، “مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية”، ص:9-10.
7- طارق خوخار، “هل ينبغي لنا الاستمرار في استخدام تعبير العالم النامي؟”، البنك الدولي (16/11/2015).
8- كلاهما منشور في المركز الثقافي العربي.
9- إدوارد سعيد، “الثقافة والإمبريالية”، ترجمة: كمال أبوديب، بيروت، دار الآداب، 2004م، ص:59.
10- مُصطفى حجازي، “الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية”، بيروت، المركز الثقافي العربي، 2013م، ص:73.
11- أحمد زكي بدوي، “مُعجم مُصطلحات العلوم الاجتماعية”، بيروت، مكتبة لبنان، 1982م، ص:83.
12- ريتشارد سينيت، “ثقافة الرأسمالية الجديدة”، ترجمة: عبدالرحمن إياس، بيروت، دار الفارابي، 2008م، ص:169-176.

1,740 total views, 8 views today