رحمة البلوشي

القراءة غذاء الروح، وهي أهم ثمرات العقل البشري التي تسعى بها الأمم وتنافس وترقى، وأولى مصادر المعرفة التي استقى منها الإنسان معرفته وحياته، ولازالت إلى الأن وسيلة التعلم الأولى لكل العلوم، والقراءة هي ما يميز الشعوب المتقدمة عن غيرها لأنها الوسيلة الوحيدة للنهوض والتقدُّم والإبداع والاختراع، بالإضافة إلى أنها جزء مكمل مهم لحياة الإنسان الشخصية والعملية، ومفتاح كل المعارف والعلوم قاطبة.

ولقد دعا إليها ديننا الحنيف في أول كلمة نزلت على سيدنا محمد عليه أفضل والصلام والتسليم، فصيغة الأمر في كلمة (اقرأ) هي دعوة أن يكون كل منا قارئًا مجدًّا طالبًا للعلم والمعرفة. ويُروى عن الفراعنة أيضًا أنهم قد كتبوا على باب أول مكتبة أنشأوها عبارة (هُنا غذا النفوس وطب العقول)، فقد أدركت الحضارات الإنسانية الأولى أهمية ودور وقيمة القراءة في تهذيب الفكر والنفس. وعلم النفس المعرفي يصنف القراءة كجزء من اللغة، فهي معرفيًّا تلك العملية الذهنية التي تقوم بتفكيك الرموز والشيفرات لتعطيها معنى ودلالة بالإدراك والتفسير وتحويلها إلى أصوات ومعان وحركات، وهي ككل قائمة على سلسلة من العمليات العقلية المعقدة المتصلة ببعضها كالتذكر والتخزين والاسترجاع والإدراك والانتباه، وكل هذه العمليات في أثناء القراءة تعمل كوحدة متكاملة وكتنشيط وتمرين ذهني وعقلي، وهي كفيلة بتقوية البصيرة وزيادة الفهم والإدراك والذكاء والإبداع.

وفي إحصائية عن معدلات القراءة في الوطن العربي صادرة من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الالكسو)، جاء معدل قراءة الفرد في العالم العربي (ربع صفحة) في السنة، أي ما يعادل ست دقائق في السنة فقط، مقابل أربعة كتب للشخص الواحد في العالم. وأن ما تنتجه دولنا العربية من معدلات الإنتاج العالمي للكتب يبلغ ما مقداره (1.1%) فقط.

هذه الأرقام المخيفة والكارثية تدعونا للتساؤل حول انخفاض معدلات القراءة إلى هذا المستوى المتدن، وهل بالفعل نحنُ كما يُشاع عنا أمة “اقرأ التي باتت لا تقرأ”.

وحقيقة فإنه من المستغرب أمام الصحوة الفكرية والثقافية التي نعيشها اليوم، أن يكون هناك عزوفا عن القراءة والاطلاع وأن يكون قد وصل إلى هذه المستويات المخيفة، والعزوف القرائي الذي نعنيه هنا هو العزوف عن القراءة الحرة والتي تقع خارج نطاق القراءات المفروضة في المؤسسات التعليمية المختلفة ضمن المناهج والمقررات الدراسية المفروضة على الطلبة.

إن القراءة الحرة في ظل التراجع الذي يشهده الكتاب أمام الثورة المعلوماتية الكبيرة في الشبكة العنكبوتية وثورة الاتصالات يشهد بحق معركة غير متكافئة وخاصة أننا أمام جيل يمكن أن نسميه جيل الاختصارات والتكنولوجيا السريعة ولا أقصد بهذه التسمية الانتقاص من قيمة ودور هذا الجيل، فهو جيل مثقف واع ولكن بطريقته الخاصة التي تواكب إيقاع الحياة السريعة التي يعيشها، وهم إلى جانب ذلك أيضًا جيل ينفر من القراءة ونادر جدًّا أن نجد منهم من هو مهتم بالقراءة الجادة. ولا تقتصر ظاهرة العزوف القرائي على أبناء الجيل الجديد دون غيرهم، فهي ظاهرة عالمية ومعضلة مستفحلة حتى في الدول غير العربية تشمل الجميع كبارًا كانوا أم صغارًا.

والواقع القرائي في سلطنة عمان ليس ببعيد عن الواقع القرائي في الدول العربية، فظاهرة العزوف القرائي واقع نعايشه أيضًا خاصة في ظل غياب المكتبات العامة، وندرة المكتبات الخاصة، وبالرغم من انتشار وإقامة معارض الكتب الدورية والإقبال الهائل على هذه المعارض من مختلف أطياف المجتمع إلا أن واقع المستوى الفكري والثقافي الذي نعايشه يعكس العزوف والنفور من القراءة ومن الكتب.

وبطبيعة الحال، فإنه يصعب الجزم بالواقع الفعلي للقراءة في السلطنة في ظل غياب الدراسات والبحوث التي قد ترصد هذه الظاهرة بالفعل والتي قد نستطيع من خلال مؤشراتها وإحصائياتها الدقيقة أن نعطي صورة أوضح وأدق لهذه المشكلة.

وفي إطار غرس وتشجيع مفهوم القراءة الحرة، فإنه قد كان لبعض المبادرات الفردية القائمة بجهود شبابية، والبرامج الإذاعية والتي يمكن أن نقول أنه كان لها ولا زال أثر إيجابي وملموس في تحسين ثقافة ووعي المجتمع نحو القراءة والمطالعة وعلى سبيل المثال لا الحصر برنامج القارئ الصغير، والذي يبث على إذاعة سلطنة عمان الذي يقدمه القاص والمذيع سليمان المعمري باستضافة صغار القُراء من طلبة المدارس، ومبادرة القراءة نور وبصيرة، ومبادرة فريق كلمتين راس بإنشاء المكتبات المصغرة في الأماكن العامة.

ومن الصعوبة بمكان تحديد الأسباب الحقيقية والكاملة وراء هذا العزوف والهجر الجماعي للقراءة إلا أنه قد تكون بعض الأسباب العامة واضحة ويمكن أن يكون لها الدور الرئيس في وجود هذه المشكلة.

ويمكن أن نقول أن نمط التربية السائد في الأسرة هي أولى هذه الأسباب، فالأسرة هي أولى وسائط التنشئة الاجتماعية للفرد بل هي أهمها على الإطلاق إذ يقع عليها الدور الأساسي في تشكيل وتكامل شخصية الأبناء عبر مراحل حياتهم المختلفة وهي بالإضافة إلى ذلك تمثل أهم رافد يستقي منه الأبناء عاداتهم وأنماط سلوكهم واتجاهاتهم وقيمهم. والأسرة تغرس حب وشغف القراءة في الأبناء عن طريق التوجيه والإرشاد والقدوة والنموذج منذ الصغر، فمعظم العادات والأنماط السلوكية تُغذى من المحيط الأسري عن طريق الآباء والأمهات والأسرة المحبة للقراءة حتما سيكون أبناؤها قارئون.

إلا أن اهتمامات الأسرة وتوجهاتها الثقافية قد تكون مرهونة لعوامل أخرى كالعوامل السياسية والاقتصادية، فالأزمة الثقافية التي تعاني منها دولنا العربية هي إفرازات لهذه العوامل بل جزء لا يتجزأ منها، فهي كانت ولا تزال تؤثر على المشهد الثقافي بشكل عام وعلى الرغبات والتوجهات بشكل خاص كالقراءة والاطلاع واقتناء الكتب.

وفي ظل الظروف الاقتصادية الحالية فإن شراء واقتناء الكتب يعده البعض ترفًا ومظهرًا اجتماعيًّا، وإن حصل فهو على حساب أولويات حياتية يرونها أكثر أهمية كالغذاء والدواء والكساء والتعليم، ففي ظل موجة ارتفاع الأسعار والغلاء الفاحش فإننا نشاهد ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الكتب مما يقلِّل من فرص الإقبال عليها واقتنائها، وهذا الارتفاع المبالغ فيه في الأسعار سيعدم تدريجيًّا نشاط القراءة ولاحقًا سيؤدي إلى تعطيل علاقة الإنسان بالكتاب نهائيًّا.

وللمدرسة كمؤسسة تعليمة أيضًا دور كبير ولا يقل عن دور الأسرة في تنمية وإثارة الاهتمام بالقراءة وحب المطالعة، فالطالب يقضي جل وقته في المدرسة إذ يقوم المعلم من خلال المناهج الدراسية والبرامج والوسائط التعليمية المختلفة بتوجيهه وإرشاده وتنمية قدراته وميوله المختلفة، إلا أنه لا يخفى على الجميع أن الطلبة في الوقت الحالي يكادون لا يفتحون سوى كتب المدرسة فقط، فحتى أميز الطلبة ومن هم في مصاف المتفوقين والحاصلين على أعلى وأفضل النتائج التحصيلية يمكن أن نقول أنهم لم يقرؤوا بعد كتابًا واحدًا خارج إطار المنهج والمقررات المدرسية إلا ما ندر. وبشكل عام فهناك هوة بين طلبة اليوم وبين الكتاب، ربما تعود أسبابها إلى طبيعة المناهج الدراسية ذات الزخم المعلوماتي الكبير، أو النظام التعليمي التقليدي السائد والقائم على الحفظ والتلقين والذي تكون فيه القراءة والتعلم لاجتياز اختبارات النجاح فقط. والمكتبة المدرسية لها دور أيضًا إن قامت بدورها الفاعل كمصدر للمعرفة والثقافة المتجددة في المحيط المدرسي.

وبالإمكان تكاتف الجهود وتكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة وكل الجهات التي قد تكون معنية بهذه المشكلة لوضع بعض الحلول والإجراءات العملية، وعلى سبيل المثال لا الحصر أورد هنا بعض الحلول البسيطة التي قد تساهم في التخفيف أو القضاء على هذه الظاهرة:

إجراء الدراسات الميدانية من قبل الجهات المعنية لرصد هذه الظاهرة للوقوف على أهم أسبابها الحقيقية وحجم وجود هذه المشكلة عن طريق الإحصائيات والمؤشرات الدقيقة لوضع الحلول والعلاج المناسب لها بناء على الواقع الفعلي للمشكلة.

إتاحة الثقافة العامة بلا مقابل وذلك بإنشاء المكتبات العامة التي تُعنى بحفظ ونشر التراث الإنساني والفكري ولتكون هذه المكتبات وجهة ثقافية قرائية للجميع توجه طاقات الشباب وتزجي أوقات فراغهم باستسقاء المعلومات الصحيحة من مصادرها المعروفة والموثوقة وهي بذلك ستساهم في بناء الأجيال لتخلق منهم أجيالاً واعية تقدر قيمة وأهمية القراءة والمعرفة.

خلق بيئة قرائية مشجعة ومحفزة في البيت عن طريق إنشاء المكتبات المنزلية حيث ستصبح الكتب متاحة للجميع وبشكل مستمر وهي بذلك ستزود أفراد الأسرة بكم هائل من المعارف والمهارات والخبرات، وبهذه الطريقة فإنه يمكن مع مرور الأيام أن تتحول فكرة القراءة إلى أسلوب حياة.

تفعيل دور المدرسة والمكتبة المدرسية في غرس قيمة وأهمية القراءة الحرة عن طريق حصص الأنشطة والفعاليات والبرامج الإذاعية وتخصيص أوقات عامة للمدرسة تكون فيها القراءة للجميع واستقطاب المكتبات الخاصة لمعارض تقام في المدرسة بشكل دوري بالإضافة إلى المسابقات القرائية التنافسية.

تخصيص الفرد لنفسه أوقات منظمة للقراءة خلال اليوم أو الأسبوع.

تنظيم وإقامة المناشط القرائية من قبل المؤسسات المعنية كإقامة يوم وطني سنوي للقراءة ترافقها البرامج المتنوعة والمختلفة، أو مهرجان قرائي سنوي يجمع بين الترفيه والمتعة والقراءة.

وختامًا، في مقولة لعباس محمود العقاد قال فيها (القراءة تضيف إلى عمر الإنسان أعمارًا أخرى)، نقول في حضرتها أن القراءة عصارة فكر وجهد ومعرفة وخبرة العلماء والمفكرين والمخترعين والأدباء الذين نقرأ لهم، وسيظل الكتاب المصدر الأول الذي ننهل منه المعرفة، وفقط بالممارسة وتنظيم الوقت والعزم نستطيع أن نعيد مجد وإرث الكتاب، فقط نحتاج أن نوقظ القارئ النائم فينا، ففي كل منا قارئ نائم آن الأوان لإيقاظه.

 5,816 total views,  2 views today