RMJ

 رضا بن مهدي بن جواد اللواتي

إنَّ التقدُّمَ الهائلَ الذي حَصَل خِلَال المائةِ سَنَة الماضيةِ في العلومِ والتِّقانة، وفي مُختلف الصِّناعات والقطاعات الخَدَمية، خاصةً ما يتعلَّق بالتكنولوجيا، أدَّى لنمو الاقتصاديات أضْعَافاً مُضَاعفة؛ حيثُ وَجَد الاقتصاديون أنَّ عواملَ الإنتاجِ هي نَفْسُها في جَمِيْع البُلدان، ولم يتغيَّر الاقتصادُ إلى القرنِ التاسعِ عشر عِنْدما طَرَح آدم سميث نظريَّته المشهورة في “ثورة الأمم”، ولكنْ في القرنِ العشرين بدأنا نُشاهد اقتصاديات دُوَل صغيرة في حَجْمِها ومَوَارِدها الطبيعية وعددِ سُكَّانها، تفوقُ بأضعافٍ مُضاعفة دولًا ذات البليون نسمة؛ فالسؤال الذي يطرحه الاقتصاديون: ماذا تغيَّر؟ وبموازاة ذلك السؤال الكبير، ظهرتْ علومٌ جديدة يُحَاوَل من خلالها النظرُ والبحثُ في السَّؤال ذاته، ولكن من جوانب أخرى، ومنها: علمُ الإدارة، والذي أخذتْ مَعَالمه وأصوله وأدواته تتشكَّل من خلال النُّمو الهائلِ في الصِّناعات، والتِّجارة العالميَّة، والتقنيات الحديثة في الاستخدام الصناعي.

ولم تكتفِ البشريةُ بالإبداعِ النظريِّ فَحَسب، بل امتدَّ ذلك للإبداعِ في مُختلف الجوانب التصنيعيَّة، وكأنَّ البشرَ في سِبَاقٍ عقليٍّ مَع الإبداع والتطوُّر. حتى إنَّ المفكرَ الإمريكيَّ النمساويَّ بيتر دركر -والذي أسهم في تحليلِ هذه الظواهر، وكيفية تطوير الصناعات بموازاة العملية الإدارية في أبحاثه عن إدارة شركة “جنرال موترز”- اعتبرَ هذهِ الحُقبة حقبةَ المجتمعِ ما بَعْد الرأسمالية، والذي تَنَبَّأ في كتابه القيم “مجتمع ما بعد الرأسمالية”، ببروز صِنَاعات تعتمدُ على أسسٍ علميةٍ وخدماتيةٍ، من شأنها أنْ تُدْخِل البشرية في إبداعاتٍ خدميةٍ، وليست فقط إبداعاتٍ صناعيةٍ وسلعيةٍ كما كان سائداً في بداية العصرِ الصناعيِّ الأول. وما نَشْهَدُه من طفرة معلوماتية خلال العشرين عاماً الماضية، لهو دليلٌ على صحةِ نُبوءة المفكِّر بيتر دركر في كتابه.

… إنَّ الإبداعَ والتطوُّر تَوْأَمٌ فِي كلِّ اقتصاد ومجتمع؛ فلا يُمْكِن فَصْلُهما بأيِّ حال من الأحوال؛ فلا يُوْجَد إبداعٌ إلا ويُصَاحبه تطوُّر، ولا يُوْجَد تطوُّر إلا وتُصَاحِبه عمليَّة إبداعيَّة. وهذا يتطلَّب وُجُوْد ثلاثة عوامل أساسيَّة لخلقِ بيئةٍ إبداعيةٍ في أيِّ مُجتمع، وفي أيِّ مَنْظُومة إدارية.

أولاً: وُجُوْد رأس المال المخاطر؛ وهُو عاملٌ أساسيٌّ، بل والعمودُ الفقريُّ لأي مشروع جديد يُحاول الدخول لتطوير مُنتج أو سِلْعة ما، أو إِدْخَال تحسينات عليها، أو طَرْح مُنتجات جديدة لم يُفكِّر فيها أهلُ الصِّناعة والتجارة، القائمون التقليديون.. فمثلاً: وَجَدنا المال المخاطر في جَمِيع الصناعات التكنولوجية الحديثة من: “آيفون، والخدمات المعلوماتية، وشبكات التواصل الاجتماعي…وغيرها”، والتي غيَّرت مَجْرَى المجتمعات، واستحدثتْ نَمَطاً جديداً في التعامُل.

ثانياً: وُجُوْد طبقةٍ مُتعلِّمة بتعليمٍ مُتقدِّم جدًّا يستطيعُ أنْ يَهْضِم العمليةَ الإبداعيةَ، ويستخدمُ النماذج الحديثة في الإبداع، ويُواكِب التطوُّرات العالمية الحاصلة في السِّلع والمنتجات الجديدة.

ثالثاً: وُجُوْد بيئةٍ اقتصاديةٍ قانونيةٍ تَحْمِي وتَرْعَى العمليةَ الإبداعيةَ في حالةِ فَشَلِها ونَجَاحِهَا. وهذا لا يتمُّ إلا بوُجُوْد بيئةٍ قانونيةٍ شاملةٍ تَحْمِي الفردَ والمؤسَّسة في حالةِ فَشَل المشروعِ أو تسجيل بَرَاءات الاختراع سواءً: السلعية أو الخدمية. وما نُعَانِيْه اليومَ في السَّلطنةِ هُو عَدَم -أو ضَعْف- أو خَلَل في هذا العامل الأساسي، والذي مِنْ شأنِه خَلْق بيئةٍ إبداعيةٍ مُخاطرة، يُمكن أنْ تتطوَّر وتُبْدِع في مُختلف الجوانبِ الاقتصادية والتجارية والخدمية، دُوْن وُجُوْد هاجسٍ قانويٍّ في العقلِ الباطنيِّ للمُبْدِع. وإنْ وُجِد العاملُ الأوَّلُ والثاني، فلا يُمكن للفردِ المُبْدِع المخاطرة عند غيابِ المظلَّةِ القانونيةِ التي تَحْمِي الشخصَ من الانجرار وَرَاء المساءلة القانونية.

وآخرُ دَعْوَانا أنْ الحمدُ للهِ ربِّ العالميْن…،

1,402 total views, 17 views today