د. أحمد‭ ‬يوسف

أكاديميّ‭ ‬جزائريّ – جامعة السلطان قابوس

‭ ‬تُعَاني‭ ‬اللغةُ‭ ‬العربيَّة‭ ‬من‭ ‬مُشكلات‭ ‬عويصة‭ ‬لا‭ ‬تكاد‭ ‬تخفَى‭ ‬على‭ ‬عَاقل،‭ ‬وما‭ ‬ينبغِي‭ ‬التقليلُ‭ ‬من‭ ‬أهميتها‭ ‬إذا‭ ‬تعلَّق‭ ‬الأمرُ‭ ‬بعَلاقتها‭ ‬بالبحث‭ ‬العلميِّ‭ ‬في‭ ‬الرَّاهن‭ ‬والمستقبل‭. ‬ومن‭ ‬أماراتها‭: ‬تعثُّر‭ ‬تطوير‭ ‬تعلم‭ ‬العربية‭ ‬وتعليمها،‭ ‬والأداء‭ ‬المتواضع‭ ‬للمجامع‭ ‬العربية‭ ‬دُون‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬اجتهاداتها،‭ ‬وضعف‭ ‬الترجمة،‭ ‬و‭”‬تسييس‭” ‬التعريب‭ ‬وإخفاقاته‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬والازدواجية‭ ‬اللغوية‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬وتعدد‭ ‬اللهجات،‭ ‬وفقر‭ ‬المعلومات‭ ‬بالعربية‭ ‬على‭ ‬الشبكة‭ ‬العنكبوتيَّة‭ (‬الإنترنت‭)‬،‭ ‬وعدم‭ ‬وُضُوح‭ ‬الرؤية،‭ ‬وضبابية‭ ‬الأهداف‭ ‬الخاصة‭ ‬بالنهوض‭ ‬بالعربية‭ ‬لتواكب‭ ‬مُستجدات‭ ‬العصر،‭ ‬والتحدي‭ ‬اللغوي‭ ‬في‭ ‬عصرٍ‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬هُنيهة‭ ‬للالتفات‭ ‬إلى‭ ‬الوراء،‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬ظلِّ‭ ‬الاعتقادِ‭ ‬الذي‭ ‬أصبحَ‭ ‬يترسَّخ‭ ‬في‭ ‬الأذهان‭ ‬بأنَّ‭ ‬القادمَ‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬ستُواجهها‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ “‬حُروب‭ ‬لغوية‭”‬؛‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬سَبق‭ ‬أن‭ ‬طَرَحه‭ ‬هيتجنتون،‭ ‬في‭ ‬مؤلفه‭ ‬السجالي‭ ‬حول‭ ‬صِدَام‭ ‬الحضارات،‭ ‬الذي‭ ‬سيقوم‭ -‬في‭ ‬نظره‭- ‬على‭ ‬النَّزعات‭ ‬الثقافية‭.‬

ذَكَر‭ ‬تقريرُ‭ ‬التنميةِ‭ ‬الإنسانيَّة‭ ‬العربيَّة‭ ‬الأزمةَ‭ ‬التي‭ ‬تُعاني‭ ‬منها‭ ‬العربية؛‭ ‬وهي‭ “‬أزمة‭ ‬مركزية،‭ ‬لا‭ ‬تقلُّ‭ ‬خطورة‭ ‬وتعقيدًا‭ ‬عن‭ ‬الأزمات‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬تُواجِهها‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية،‭ ‬الواقفة‭ ‬على‭ ‬عتبة‭ ‬نقلة‭ ‬نوعية‭ ‬وحادة‭”. ‬وهذه‭ ‬الأزمة‭ ‬تُلقِي‭ ‬بظلالها‭ ‬على‭ ‬مَسألة‭ ‬البحث‭ ‬العلمي؛‭ “‬لأن‭ ‬استمرارَ‭ ‬النشر‭ ‬باللغات‭ ‬الأجنبية‭ ‬يُكرِّس‭ ‬الانفصالَ‭ ‬بين‭ ‬حاجات‭ ‬المجتمع‭ ‬ونتائج‭ ‬البحوث‭ ‬العلمية‭”. ‬ولا‭ ‬يُمكِن‭ ‬حَصْر‭ ‬المُشكِل‭ ‬في‭ ‬النشر‭ ‬بلغة‭ ‬أجنبية‭ ‬بعينها؛‭ ‬مثل‭: ‬الفرنسية،‭ ‬وحتى‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الباحثين‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬المغرب‭ ‬العربي؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬المُشكل‭ ‬يكاد‭ ‬يَكُون‭ ‬عامًّا،‭ ‬وذا‭ ‬صلة‭ ‬بالتخلُّف‭ ‬الذي‭ ‬تَعِيشه‭ ‬كثيرٌ‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية،‭ ‬وتأتِي‭ ‬أزمةُ‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬بوَصْفِها‭ ‬مظهرًا‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬المعوِّقات‭ ‬التي‭ ‬تُؤثر‭ ‬تأثيرًا‭ ‬مُباشرًا‭ ‬في‭ ‬مجرى‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭.‬

غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تَكُون‭ ‬اللغة‭ ‬المعتمَدَة‭ ‬في‭ ‬التقويم‭ ‬والتقييم‭ ‬هي‭ ‬اللغة‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬وأنَّ‭ ‬البحوث‭ ‬المنشورة‭ ‬باللغات‭ ‬الأم‭ ‬لا‭ ‬تكاد‭ ‬تُعْتَمد‭ ‬في‭ ‬معاملات‭ ‬التقويم؛‭ ‬إذ‭ ‬إنَّ‭ ‬نسبة‭ ‬نشر‭ ‬البحوث‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬تَكاد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬5‭% ‬من‭ ‬مجموع‭ ‬النشر‭ ‬باللغات‭ ‬الأجنبية‭ ‬الأخرى؛‭ ‬مثل‭: ‬الإنجليزية،‭ ‬والفرنسية‭. ‬وهذا‭ ‬يُشكِّل‭ ‬في‭ ‬حدِّ‭ ‬ذاته‭ ‬تحديًا‭ ‬حضاريًّا‭ ‬ما‭ ‬ينبغي‭ ‬الاستهانة‭ ‬به‭. ‬فمَهمَا‭ ‬تقدَّمنا‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬العلميِّ‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬المعاصرة،‭ ‬وبَقِيت‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬وعاءً‭ ‬للبحث‭ ‬العلمي؛‭ ‬فهذا‭ ‬لا‭ ‬يُبشِّر‭ ‬بالمستقبل‭ ‬الذي‭ ‬تصبُو‭ ‬إليه‭ ‬الأمة؛‭ ‬ولا‭ ‬يستجيبُ‭ ‬لتطلعاتها‭ ‬لأنْ‭ ‬تكون‭ ‬أمة‭ ‬مُميَّزة‭ ‬في‭ ‬عطائها،‭ ‬مُتمسِّكة‭ ‬بهُويتها‭: ‬اللغوية،‭ ‬والثقافية،‭ ‬والحضارية،‭ ‬صاحبة‭ ‬ابتداع‭ ‬لا‭ ‬اتِّباع‭. ‬فمن‭ ‬المفروض‭ ‬عندما‭ ‬يرتقِي‭ ‬المتكلِّم‭ ‬حضاريًّا‭ ‬أن‭ ‬ترتقِي‭ ‬معه‭ ‬لغته‭. ‬ونحن‭ ‬نعتقد‭ ‬أنَّ‭ ‬الاهتمامَ‭ ‬بترقية‭ ‬اللغة‭ ‬الأم‭ ‬لتُصبح‭ ‬لغةَ‭ ‬علمٍ‭ ‬من‭ ‬مسؤولية‭ ‬الباحثين‭ ‬والقائمين‭ ‬على‭ ‬المشروع‭ ‬الحضاري‭ ‬الذي‭ ‬تتطلَّع‭ ‬إليه‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭. ‬ولا‭ ‬بَأس‭ ‬بالتذكير‭ ‬هُنا‭ ‬بالعطاء‭ ‬العلمي‭ ‬والحضاري‭ ‬لهذه‭ ‬اللغة‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬الغابرة،‭ ‬ليكون‭ ‬دافعًا‭ ‬للتخلُّص‭ ‬من‭ ‬عُقدة‭ ‬النقص؛‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يُصبح‭ ‬التغنِّي‭ ‬بالماضي‭ ‬التليد‭ ‬مُخدِّرًا‭.‬

بدأتْ‭ ‬العِنَاية‭ ‬تنصبُّ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المُشكل؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عَقد‭ ‬الندوات‭ ‬والمؤتمرات‭ ‬التي‭ ‬تُقِيمها‭ ‬الهيئات‭ ‬العلمية،‭ ‬ووزارات‭ ‬التعليم‭ ‬العالي،‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الذي‭ ‬نَلفِيه‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الدراسي‭ ‬الذي‭ ‬نظَّمه‭ ‬معهد‭ ‬الدراسات‭ ‬والأبحاث‭ ‬للتعريب‭ ‬بالرباط،‭ ‬حول‭ “‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭”‬،‭ ‬والدراسة‭ ‬التي‭ ‬قدَّمها‭ ‬تقريرُ‭ ‬التنمية‭ ‬الإنسانية‭ ‬العربية‭ ‬للعام‭ ‬2003‭. ‬ونحنُ‭ ‬نتفقُ‭ ‬مع‭ ‬عبد‭ ‬القادر‭ ‬الفاسي‭ ‬الفهري،‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬الغيورين‭ ‬على‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬حول‭ ‬أنَّ‭ “‬تملُّك‭ ‬المعرفة‭ ‬يتطلَّب‭ ‬إنتاجَ‭ ‬معرفة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مُختلف‭ ‬المجالات،‭ ‬مُبرزا‭ ‬أنَّ‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬رأسمال‭ ‬بشريًّا‭ ‬مُهمًّا‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬حَفْز‭ ‬صَحوة‭ ‬معرفية،‭ ‬إلا‭ ‬أنَّه‭ ‬يخبُو‭ ‬نتيجة‭ ‬بيئة‭ ‬مُؤسسة‭ ‬غير‭ ‬مُواتية‭ ‬للبحث‭ ‬العلمي‭ ‬والتطوير‭ ‬التقاني‭ ‬والتربوي‭”.‬‭ ‬وبالفعل،‭ ‬فإنَّ‭ ‬التقنيات‭ ‬الحديثة‭ ‬والعلوم‭ ‬المعرفية،‭ ‬تجعلنا‭ ‬نتجاوَز‭ ‬الطرائق‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬تعلُّم‭ ‬العربية‭ ‬وتعليمها؛‭ ‬وذلك‭ ‬بالوقوف‭ ‬على‭ ‬هندسة‭ ‬اللغة‭ ‬وحَوْسَبتها‭ ‬مِمَّا‭ ‬يُيسِّر‭ ‬لنا‭ ‬الصُّعوبات‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تحتل‭ ‬العربية‭ ‬منزلتها‭ ‬بين‭ ‬لغات‭ ‬العالم‭.‬

ومِنَ‭ ‬الموضوعات‭ ‬البَارزة‭ ‬التي‭ ‬نُوقِشت‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬الدراسي‭: ‬الطرائق‭ ‬التي‭ ‬يُتَوصل‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬التَّوازنات‭ ‬اللغوية‭ ‬المعقولة،‭ ‬والتداخل‭ ‬بين‭ ‬النسق‭ ‬اللغوي‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي،‭ ‬ووضعية‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬العالي،‭ ‬وهذا‭ ‬يدلُّ‭ ‬على‭ ‬الرَّبط‭ ‬الواعي‭ ‬بين‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬واللغة‭ ‬التي‭ ‬يُكتب‭ ‬بها؛‭ ‬إذ‭ ‬من‭ ‬الوَاجب‭ ‬على‭ ‬أمَّة‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تُسهِم‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬الحضاري،‭ ‬ويَكُون‭ ‬لها‭ ‬حضُور‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬يتحرَّك‭ ‬حركةً‭ ‬مُتسارعة‭ ‬ومُذهلة،‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تبحثَ‭ ‬عن‭ ‬مَوَاطِن‭ ‬الضَّعف‭ ‬والخلل‭ ‬التي‭ ‬تُعِيق‭ ‬منظومةَ‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬وتجعَلها‭ ‬لا‭ ‬تُوَاكب‭ ‬ما‭ ‬يَعتمِل‭ ‬في‭ ‬أتون‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية،‭ ‬دون‭ ‬أنْ‭ ‬تُهمِل‭ ‬اللسان‭ ‬الذي‭ ‬تتحدَّث‭ ‬به،‭ ‬ويُشكِّل‭ ‬شارة‭ ‬لهُويتها‭.‬

يدعُو‭ ‬الباحثون‭ ‬الواعُون‭ ‬بالمعضلة‭ ‬الحضارية‭ ‬إلى‭ ‬ضَرورة‭ ‬حِمَاية‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬بوَصْفِها‭ ‬وطنًا‭ ‬للمعرفة،‭ ‬وأنَّ‭ ‬الحماية‭ ‬تنطلقُ‭ ‬من‭ ‬تشخيصِ‭ ‬مَوَاطن‭ ‬الضَّعف،‭ ‬ووضع‭ ‬الحُلُول‭ ‬الناجِعَة‭ ‬لكي‭ ‬تستردُّ‭ ‬العربية‭ ‬مكانتها‭ ‬في‭ ‬مُجتمَعات‭ ‬المعرفة،‭ ‬ومن‭ ‬البديهي‭ ‬لكي‭ ‬تَكُون‭ ‬العربية‭ ‬وعاءً‭ ‬لإنتاج‭ ‬المعرفة،‭ ‬فلا‭ ‬بُد‭ ‬أن‭ ‬يضَّطلع‭ ‬أهلُها‭ ‬بالمراجعة‭ ‬الجريئة‭ ‬لواقع‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬والقيام‭ ‬بالبحوث‭ ‬العلمية‭ ‬الرصينة،‭ ‬ويتحلَّى‭ ‬الباحثون‭ ‬بدرجةٍ‭ ‬كبيرةٍ‭ ‬من‭ ‬الوعي‭ ‬في‭ ‬إدراجِ‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬فيما‭ ‬ينتجونه‭ ‬من‭ ‬بُحُوث‭ ‬علمية،‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬الآليات‭ ‬التي‭ ‬تجعَل‭ ‬هذه‭ ‬البحوث‭ ‬منشورةً‭ ‬ومعلومةً‭ ‬لدى‭ ‬أهل‭ ‬الاختصاص،‭ ‬ومن‭ ‬المسؤوليَّة‭ ‬الحضارية‭ ‬الإسهامُ‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬المقترحات‭ ‬العملية‭ ‬لكي‭ ‬تُصبِح‭ ‬العربية‭ ‬حاملةً‭ ‬للمعرفة،‭ ‬ومرتبطةً‭ ‬بالتنمية‭ ‬الشاملة‭.‬

ففي‭ ‬أدبيَّات‭ ‬التقرير‭ ‬الذي‭ ‬أعدَّه‭ ‬برنامج‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬الإنمائي،‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬الصندوق‭ ‬العربي‭ ‬للإنماء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ “‬نحو‭ ‬إقامة‭ ‬مجتمع‭ ‬المعرفة‭” ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬حول‭ ‬التنمية‭ ‬الإنسانية‭ ‬العربية،‭ ‬إشارةٌ‭ ‬إلى‭ ‬الأهمية‭ ‬الكبرى‭ ‬للغة‭ ‬العربية،‭ ‬ودورها‭ ‬الجوهري‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬المعرفة‭ ‬والتنمية‭: ‬المعرفية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬وتقانة‭ ‬المعلومات‭. ‬إنَّ‭ ‬مَنظومة‭ ‬اللغة‭ ‬من‭ ‬المداخل‭ ‬المهمَّة‭ ‬التي‭ ‬تضفِي‭ ‬الحيوية‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬منظومة‭ ‬المعرفة‭ ‬جميعها‭.‬

وأشارَ‭ ‬التقرير‭ ‬إلى‭ ‬الأبعاد‭: ‬الرُّوحية،‭ ‬والثقافية،‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬والحضارية،‭ ‬والمعرفية‭ ‬للغة‭ ‬العربية،‭ ‬ووَقَف‭ ‬على‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬وهي‭ ‬تقفُ‭ ‬على‭ ‬عَتَبات‭ ‬مجتمعِ‭ ‬المعرفة‭. ‬إنَّها‭ ‬تعيشُ‭ ‬تحديات‭: ‬معرفية،‭ ‬وثقافية،‭ ‬وحضارية‭. ‬لقد‭ ‬كانتْ‭ ‬لغة‭ ‬التقرير‭ ‬مُتشائمة‭ ‬وهي‭ ‬تنظرُ‭ ‬إلى‭ ‬الأزمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬تُعَاني‭ ‬منها‭ ‬العربية‭ -‬تنظيرًا،‭ ‬وتعليمًا،‭ ‬ونحوًا،‭ ‬ومعجمًا،‭ ‬واستخدامًا،‭ ‬وتوثيقًا،‭ ‬وإبداعًا،‭ ‬ونقدًا‭- ‬وكذَا‭ ‬صُعُوبة‭ ‬مُعَالجة‭ ‬اللغة‭ ‬آليًّا‭ ‬بواسطة‭ ‬الحاسوب‭.‬

هُنَاك‭ ‬إمكانات‭ ‬مُتَاحة‭ ‬للغة‭ ‬العربية‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬أزمتها‭ ‬الراهنة؛‭ ‬ومنها‭ ‬أنَّ‭ ‬مُجتمع‭ ‬المعرفة‭ ‬صار‭ ‬يتقبَّل‭ ‬واقعَ‭ ‬التعدُّد‭ ‬اللغوي‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الأقليات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بمعتقداتها‭ ‬وثقافاتها‭ ‬ولغاتها‭. ‬وهذا‭ ‬يتطلَّب‭ ‬حُسن‭ ‬التدبير‭ ‬في‭ ‬تسويق‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬باحثين‭ ‬أكْفاء‭ ‬يُتقنون‭ ‬لغات‭ ‬مُتعدِّدة،‭ ‬ويُنشِؤون‭ ‬دوريات‭ ‬علمية‭ ‬ذات‭ ‬معايير‭ ‬دولية‭. ‬ولا‭ ‬بُد‭ ‬من‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬اللسانيات‭ ‬المعاصرة،‭ ‬والتقنيات‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬تُؤمِن‭ ‬بتكافؤ‭ ‬اللغات‭ ‬في‭ ‬فضيلة‭ ‬التواصل‭.‬

إنَّ‭ ‬للغة‭ ‬وظيفة‭ ‬تواصلية‭ ‬تَرْقَى‭ ‬برُقي‭ ‬متكلميها،‭ ‬كما‭ ‬يَنبغِي‭ ‬الإفادة‭ ‬من‭ ‬التطوُّر‭ ‬التكنولوجي‭ ‬لـ‭”‬هندسة‭ ‬اللغة‭”‬،‭ ‬والتحكُّم‭ ‬في‭ ‬أنساقها‭ ‬المعقَّدة‭ ‬وتطويرها،‭ ‬والدخول‭ ‬في‭ ‬شَرَاكة‭ ‬علميَّة‭ ‬جادَّة‭ ‬بين‭ ‬علماء‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬وعلماء‭ ‬الحاسوب‭ ‬والبرمجيات؛‭ ‬بُغية‭ ‬تطوير‭ ‬آليَّات‭ ‬التحكم‭ ‬الآلي‭ ‬باللغة‭ ‬العربية،‭ ‬ثمَّ‭ ‬السَّعي‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة‭ ‬والنشر‭ ‬بها‭ ‬لفرضها‭ ‬بوصْفِها‭ ‬لغةَ‭ ‬علم،‭ ‬ومعرفة،‭ ‬وفكر،‭ ‬وثقافة‭. ‬ولتحقِيق‭ ‬هذه‭ ‬المَرَامي‭ ‬لا‭ ‬بُد‭ ‬من‭ ‬تجاوز‭ ‬القُصُور‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬الجُهُود‭ ‬الفردية،‭ ‬والانتقال‭ ‬المدروس‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬البحثِ‭ ‬الجماعيِّ‭ ‬الذي‭ ‬يُشرك‭ ‬الباحثين‭ ‬في‭ ‬العناية‭ ‬بالمسألة‭ ‬اللغوية،‭ ‬وتحفيزهم‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬أدائهم‭ ‬اللغوي‭ ‬بالعربية،‭ ‬وحثِّهم‭ ‬على‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬ترجمة‭ ‬مَصَادر‭ ‬المعرفة‭ ‬والمراجع‭ ‬العلمية‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬والتفكير‭ ‬العِلمي‭ ‬الجاد‭ ‬في‭ ‬تذليل‭ ‬الصُّعوبات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمصطلحات‭ ‬العلمية‭.‬