saleh

صالح البلوشي

“الباراديغم”.. مُصطلح استخدمه للمرة الأولى تُوماس كون في كتابه “بنية الثورات العلمية” عام 1962؛ ليفسِّر به عملية ونتيجة التغيير التي تحدُث ضِمْن المقدِّمات والفرضيات الأساسية لنظرية لها القيادة للعلم في مرحلة محدَّدة من الزمن. ومُنذ أن استخدمه كون، انتشرَ استعماله بشكلٍ واسعٍ؛ حتَّى في مجالات أخرى من التجربة الإنسانية. و”الباراديغم” عند كون يعني: مجموعة القوانين والتقنيات والأدوات المرتبطة بنظرية علمية والمسترشدة بها، والتي بها يُمارس الباحثون عملهم، ويُديرون نشاطاتهم، وحالما تتأسَّس تتخذ اسمَ العلم العادي، وبفضل هذا المصطلح تمكَّن كون من شرح وجهة نظره في تاريخ العلم؛ فرآه عبارة عن تاريخ باراديغمات مُتعاقبة، مُختلف واحدها عن الآخر اختلافًا نوعيًّا إلى الحدِّ الذي لا يُمكن مقارنته كما قال؛ أي نظرة جديدة إلى الكون والطبيعة تقضي على نظرية سابقة.

ويُعد كون -18 يوليو 1922 -17 يونيو 1996- مفكرًا أمريكيًّا وأحد كبار الاختصاصيين في العالم في فلسفة وتاريخ العلوم. وقد شغل أرفع المناصب في الجامعات الأمريكية، وأنتج بغزارة في تاريخ العلوم وفلسفة العلوم، كما أدْخَل إضافات وأفكارًا مهمة جديدة على فلسفة العلم. انحدر كون من عائلة يهودية الأصل. وُلد في سنسناتي-أوهايو، لأبٍ هو صاموئيل كون، الذي كان مهندسًا صناعيًّا. نال شهادته الجامعية في الفيزياء من جامعة هارفارد عام 1943، ثم الماجستير في 1946، ومن ثمَّ درجة الدكتوراه في 1949. دَرَس منهجَ تاريخ العلوم للفترة من 1948 إلى 1956 بناءً على رغبة رئيس جامعة هارفارد جيمس كونانت. وبعد مغادرته لهارفارد، شغل كون منصبًا تدريسيًّا في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، في قسمي الفلسفة والتاريخ. حصل على درجة الأستاذية في تاريخ العلوم عام 1961. وعام 1964، انتقل إلى جامعة برنستون، وفي العام 1979 التحقَ بمعهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا (MIT)، وبقي هناك إلى 1991.

وانطلقت شهرته وملأت الآفاق بعد نشر كتابه “بنية الثورات العلمية” عام 1972، وقد تُرجم الكتاب إلى اللغة العربية، وصدر عن سلسلة عالم المعرفة بالكويت (ع 168) ديسمبر 1992، بترجمة الدكتور شوقي جلال، ثم صدر عام 2007 عن طريق المنظمة العربية للترجمة ببيروت، بترجمة الدكتور حيدر حاج إسماعيل.

ويقول المفكر السوري هاشم صالح في كتابه “مخاضات الحداثة التنويرية” (ص:97)، إنَّ كون يميز بين مرحلتين أساسيتين من مراحل العلم في كل البيئات والعصور: مرحلة العلم العادي، ومرحلة العلم فوق العادي؛ بمعنى: أنَّ كلَّ علم يعيش لفترة طويلة بشكل عادي وطبيعي، ثم تحصل فجأة أحداث خارقة للعادة فتزلزل أوساط العلماء، وتجعلهم يشكون بـ”الباراديغم” الذي كان يُسيطر عليهم سابقا. وهكذا يدخل “الباراديغم” السابق في مرحلة التوتر والأزمة، وينتهي الأمر بالانقلاب عليه وتشكل “باراديغم” آخر جديد؛ أي أنَّ “البارديغم” هو المسلمات البديهة التي تسيطر على الفضاء الفكري أو الاجتماعي أو العلمي، ثم تأتي نظرية أخرى تطيح بتلك البديهيات وتحل محله.

وهناك أمثلة صارت تُعدُّ كلاسيكية للتدليل على “تحول الباراديغم” والثورة العلمية بالمعنى الذي أراده كون؛ منها:

1- التحوُّل من الرؤية البطلمية -نسبة إلى بطليموس- للكون، إلى رؤية كوبرنيكوس.

2- توحيد الفيزياء الكلاسيكية على يد نيوتن إلى رؤية ميكانيكية مُتماسكة للعالم.

3- الانتقال من الرُّؤية الكهرطيسية لماكسويل إلى نسبية آينشتاين.

4- التحول من فيزياء نيوتن إلى نسبية آينشتاين.

5- تطور ميكانيكا الكم التي أعادت تعريف الميكانيك.

6- ظهور نظرية داروين في التطور عبر الاصطفاء الطبيعي، بدلاً عن رُؤية لامارك التي ترى وراثة الصفات المكتسبة.

7- القبول بنظرية “الانقلاب الصفيحي” لتفسير التغييرات الجيولوجية الواسعة.

————-

المراجع:

1- كتاب “بنية الثورات العلمية” لتوماس كون، المنظمة العربية للترجمة 2007، ترجمة الدكتور حيدر حاج إسماعيل.

2- كتاب “مخاضات الحداثة التنويرية” لهاشم صالح، دار الطليعة، بيروت.

3- موقع “المعرفة” الإلكتروني.

4,448 total views, 5 views today