سماء عيسى

السينما دومًا هي الأقدر على نقل تجليَّات الروح الإنسانية؛ وذلك لتضافر عوامل تشترك جميعًا في نسج تجربة مشتركة؛ هي: الصورة، واللغة، والموسيقى، وهي الصمت أيضًا، كما هي الحضور، وهي الغياب، وهي الفعل، أو توثيقه؛ لذلك نقول: “السينما شهادة العصر الذي انبثقت منه، أو الذي أرَّخته وحفظته. والأكثر أهمية: الذي أعادتْ اكتشافه، ووضعته في الإطار الصحيح تاريخيا”.

وعلى ذلك، فالمادة المطروحة هي: التجربة الروحية في السينما؛ لأنها بهذا القدر من الأهمية، هي أيضا بهذا القدر من الاتساع والتعدد والتنوع. وإشكالية حصرها في مدار معين رُبما تُعد تجاهلا لمدارات لا تقل أهمية، تندرج في الثيمة المطروحة إياها: التجربة الروحية في السينما/ أتحدث لأني ما أودُّ إضافته إلى المدار الديني للتجربة الروحية، مدارات أخرى تناولتها -وبعمق أخاذ- السينما؛ هي: العلاقات الروحية بين الابن وأمه وأبيه. علاقات الإنسان بأخيه الإنسان، وبالمكان، والزمان.. ثيمات الهجر، والفراق، والوحدة، واللوعة، والأسى؛ لدرجة أنني أود القول بأن كلَّ تجربة سينمائية تبدو وكأنها تجربة روحية بالأساس.

هكذا ابدأ.. مُقدِّماً اختيارات لا أدرك مدى التوفيق من عدمه الذي رافقني وأنا أختار عدَّة أفلام، أحسبُها نماذج تقدِّم لي ولكم إشباعا -ولو يسيرا- عن الاتجاهات السينمائية المتعددة في النظر، إلى التجربة الروحية.. أقدمها على النحو التالي:

* في التراث الصوفي الإسلامي:

– فيلم “بابا عزيز”، للمخرج التونسي ناصر خمير.

* في التراث الديني المسيحي:

– فيلم “يسوع الناصري”، للمخرج الإيطالي فرانكو زفريللي.

* مرثية للتجربة الدينية في أوروبا:

– فيلم “فيرديانا”، للمخرج الإسباني لويس بونويل.

* في الفراق والهجر والعشق والموت:

– السينما الروسية.. نموذجًا لمرحلة ما بعد تاركوفسكي.

فيلم “بابا عزيز” لناصر خمير

فيلم بابا عزيز

 الحديثُ عن التجربة الفنية -خاصة في الصحراء- وثيق الصلة بجذور البحث من تجارب أنبياء الشرق، عن المتصوفة وعن القدِّيسين. كانت الصحراء منشأ، وكانت تجربة للتأمل، وكانت منفى في السير بحثا عن المطلق، أو تأملا والنظر بعمق إلى الذات والكون. أعود للقاء تاريخي؛ يُفترض أنه تم بين النبي يُوحنا المعمدان والسيد المسيح -عليهما السلام- وهو مشهد في فيلم “الإغواء الأخير للمسيح” لمارتن سكوريزي، عندما يكتشف يوحنا أنّ مَنْ أمامه هو المسيح قبل تكليفه الإلهي بالنبوة، يتحدَّث إليه قائلا: “اترك اليهود، وإلههم، وارحل إلى الصحراء؛ منها ستعود بإله آخر وجديد، لقد أضرَّ اليهود في أورشليم بالإله”. من هذه الثيمة -التي نادرا ما نجد ثراءً لها في السينما العربية- يبدأ المخرج التونسي ناصر خمير -وهو ابن الصحراء العربية والإفريقية- تشكيل شخصيات فيلمه الثالث “بابا عزيز”؛ واضعا الكثير من الأسئلة، والقليل من الأجوبة أمام مشاهد اعتاد تلقي إجابات جاهزة عن كل ما يدور بذهنه قبل انتهاء العرض السينمائي.

يتيه صوفي بالصحراء، مع صبي يُدعى عشتار؛ بحثا عن الملك الذي غادر قصره ولهو حياته، عندما أغوته فجأة غزالة -هي رمز الحرية، ورسولة التجوال في الآفاق المجهولة- بحثا عن المطلق البعيد. يقضي الملك حياته بعد ذلك قُرب نبع ماء، كأنه ينتظر من النبع ظهور المعشوق -أي: انبثاقه- وهو هنا مصدر الخلق لأنه عودة إلى الآية الكريمة “وخلقنا من الماء كل شيء حي”. يئس الناس من عودته إلى المملكة، وتركوه وحيدا، عدا مُتصوِّف ظل مُلازما له، منحه بعد ذلك رداء التصوف، وتاه به في الصحراء. في المسيرة الطويلة التي يقطعها المتصوف الأعمى “بابا عزيز” بصحبة الصبي عشتار، مُتجهين من الصحراء، مُنتهيا بهم التيه بالصحراء أيضًا؛ حيث موقع قبر “بابا عزيز”، يفضى بهم التجوال نحو ممالك وأقطار، تتقاطع تجربة “بابا عزيز” والأمير الذي اقتادته غزالة إلى الجنون، مع كثير من شخصيات التيه الأسطورية والمقدَّسة في التراث الإنساني الروحي -كالنفري ابن الحافي، والعماني محمد بن سيف البوسعيدي- الأمير التائه الأقرب إليه إبراهيم بن أدهم المُتضارب حول أصول منشأه وسلالته ووفاته. هناك بالطبع التجربة الكبرى للأمير الهندي سدمارتا، الذي تحوَّل إلى بوذا عندما ترك قصره، بعد أن شاهد عجوزا كسيحا فأيقن سرَّ وجوهر الحياة في زوالها؛ فتاه في الغابات مؤسِّساً الديانة البوذية.

ناصر خمير في السكر بالخمر الإلهي يتَّجه إلى الغناء الصوفي الآسيوي خاصة، والذي عبره يذوب الإنسان وجدا وشوقا للقاء المعشوق. يقدِّم لنا عبر تجوال “بابا عزيز” في الممالك والأمصار، عشَّاقا لا يلتقون أبدًا، تظل حياتهم بحثا عن عشق مفقود غائب ككل العشاق المأساويين عبر العصور. وكأنه طبقا لمفهوم العشق في التصوف “ينتهي العشق متى حصل الوصال، ويشتد ويقوى متى حصل الفراق”، الذي على العشاق الحقيقيين الحفاظ عليه دائمًا؛ إمعانا في الوجد والشوق والهيام بالمعشوق.

التصوف لدى ناصر خمير ظلَّ مُحافظا على تجربة التيه بحثا عن الله، كان ذلك لدى الملك الضال أو لدى المتصوف الجوال الأعمى، وهما بطلا فيلم “بابا عزيز”. يحتفي ناصر خمير بالتراث المسيحي؛ إذ يُعطي “بابا عزيز” مُعجزات المسيح -عليه السلام- في إحياء الموتى من قبورهم، ليس ثمة من جهود للتجربة الصوفية، تتقاطع مع جذور مختلفة زمنا ومكانا، لكن في النهاية مثلما يؤكد يورجن هابرماس “لا يُفلح الصوفي بالتقاط مراحل الألوهة وأطوارها إلا من خلال السلوك الروحي نحو الله؛ لذلك فلا تحصل معرفته إلا بواسطة تفكر متعالٍ يتناول نمط تجربته الخاصة”. الرائع في فيلم “بابا عزيز” خاتمته، مع وصول “بابا عزيز” المحطة الأخيرة من رحلة عمره؛ حيث القبر بانتظاره، والملك رَحَل مرتديا رداء المتصوفة هائمًا في الصحراء، يتوجَّه “بابا عزيز” إلى الصبي عشتار طالبًا منه الرحيل إلى الحياة، إلى المدن البشرية المكتظة بأطياف حياة مختلفة، هناك يبدأ الصبي عشتار البحث عن نفسه وعن حياة جديدة أخرى.

فيلم “يسوع الناصري” لفرانكو زفريللي

فيلم يسوع الناصري

 ظلَّت -وتظل- السيرة الغامضة لنبي الله عيسى ابن مريم -عليه السلام- مصدرَ بحث وتأمل للسينمائيين! قدِّمت تجارب كثيرة تختلف فكريا عن بعضها، وتعيد النظر في أحداثها، كما هي الحال في الدراسات التاريخية والأثرية عن حياته وتجربته التي تطالعنا كل عام برُؤى جديدة تختلف -بل وتناقض- ما سبقتها. أهم هذه التجارب السينمائية: “يسوع” -حسب إنجيل متى- لباولوبازوليني، و”الإغواء الأخير للمسيح” لمارتن سكوريزي، و”يسوع الناصري” لفرانكو زفريللي. الميزة لفيلم زفريللي عدم اعتماده على إنجيل محدَّد من الأناجيل الأربعة الإزائية، مثلما هو لدى بازولينى المعتمد على واحد منهما تحديدا، والتقليل -بل انعدام- من الإسقاطات الاستشراقية الساذجة والمضحكة، كما هو لدى مارتن سكوريزي. إذ كان الإخلاص الوثائقي هنا إيجابيا في تقديم تجربة دينية غامضة في تطورها؛ بحيث لا يسمح المخرج لنفسه بالتجديف والتجميع من هنا وهناك بحُجة تقديم رؤى وأفكار جديدة عن التجربة، إلا أنه في الوقت نفسه سلبي لدرجة التزامه النقلي البحت لما ورد وعُرف تاريخيا عنها؛ وبالتالي يقترب الفيلم هنا من التوثيق النقلي الهادئ، ومن تقديم التجربة كما هي معروفة لدينا، ووفقا لمرجعيتنا التي تتناقلها الأجيال جيلا بعد آخر. هذه الاشكالية تُطرح على السينمائيين العرب، غير أن مُبرر انعدام الحرية، وثقل التجربة الدينية لدى الشعوب، تجعلهم يُحجمون عن الخوض في تقديم رؤى وأفكار قد تؤدي بهم إلى الحرق والسجون والمشانق، خاصة إذا أقدم السينمائي على نقد المؤسسة الدينية المتسلطة برؤى وأفكار السلطة السياسية المتخالفة معها.

وما على القارئ الكريم هُنا التفرقة بين الدين كتجربة روحية تخص علاقة الإنسان بخالقه، والرؤى المختلفة دينياً لهذه العلاقة -دينا عن آخر- وبين المؤسسة الدينية التي خضعتْ لمراحل تطوُّر تاريخية مُختلفة، جعلتها تبتعد عن الصفاء الروحي الخالص للعلاقة بين الخالق والمخلوق. وتذهب -في أحيان كثيرة- إلى تشويه الدين، واستغلال تعلق الإنسان به؛ لتمرير سياسات تخدم سلطات قمعية واستعمارية عبر التاريخ.

ليس ذلك هو موضوع بحثنا الآن. أتوقف فقط عند إشارتين كانتا بمثابة استدعاء أمين لما سبق وأشرت إليه؛ الأولى: فيما يتعلق بشخصية النبي يُوحنا المعمدان، والذي ينقل زافريللي -بأمانة- تجربته الفذة في تحدي هيرودس الحاكم الروماني لفلسطين آنذاك. يلتقط زافريللي من “إنجيل متى” هذه الفقرة: “وكأنه على يوحنا هذا اللباس من وبر الإبل، وحول وسطه زنار من جلد. وكان طعامه الجراد والعسل البري”؛ ليقدم لنا يوحنا المعمدان متمردًا ثائرا قويا على الحكم الروماني، في الوقت الذي كان فيه ذلك اللباس لباسَ الأنبياء التقليدي آنذاك. وكان الحضور الإلهي الروحي ضروريَّ الحضور في شخصية يُوحنا المعمدان الذي بدا محدودا أمام حضوره الثوري. وأيا ما كان ذلك؛ فالحضور القوي ليوحنا المعمدان كان مؤثرا في فيلم زافريللي، حتى سجنه، ومشهد دفنه، بل إن المشهد الأقوى كان رقص الأميرة ابنة هيروديا في حضور والدتها وهيرودس؛ كشرط يقابله رأس يوحنا الذي كان حرَّم زواج هيرودس من هيروديا؛ لأنها كانت ابنة أخيه. وبمقارنة بين مشهد لقاء يُوحنا المعمدان بعيسى الناصري لدى كل من زافريللي وسكوريزي، يتَّضح الفارق جليًّا بين الإبداع السينمائي الجاد لدى زافريللي، وبين الأضحوكة الاستشراقية البائسة التي قدَّمها سكوريزي: مازجا رقص العراة بموسيقى “جيل جلالة” المغربية، بـ”موسيقى الصعيد المصري”!!

نتبع مع زافريللي في فيلم “المسيح الناصري” مُعجزات المسيح كما هي في الكتاب المقدَّس؛ واحدةً تلوى الأخرى؛ مُبررا -أيْ: المخرج- الجانب الإنساني بأنه جانب الرحمة والعطف والأبوة وحب الفقراء والأطفال والخاطئين. ذلك حتى وصوله أورشليم، وهنا يُقدم فيه الجانب الثوري؛ إذ إنه أصبح وجها لوجه أمام المؤسسة الدينية اليهودية المتخالفة مع المستعمر الروماني حاكم فلسطين آنذاك. وهنا؛ يُقدم نقدا حقيقيا لتجربة المسيح مُستقى من الأناجيل، عندما دخل أورشليم، وابتدأ طرد الباعة من الهيكل، ويخطب مُنذرًا بخراب المدينة. وفي مواجهة له مع راعي الكنيسة اليهودي، قال المسيح: “سأهدم الهيكل وأعيد بناءه في ثلاثة أيام”. رد عليه الراعي: “تعيد بناءه في ثلاثة أيام، وقد استغرق بناؤه المئات من السنين؟!”. كذلك يكتشف شخصيته الحالمة غير الواقعية كما هو في الفيلم ممثل الإمبراطورية الرومانية، الذي رفض صلبه بعد لقائه به.. قائلا: هذا حالم، وليس بمجرم، رغم أنه رضخ أخيرًا لضغوط المؤسسة الدينية اليهودية التي رأتْ فيه خطورة على مصالحها. يقتربُ من هذه الشخصية في جانبها الثوري الحالم “الحسين بن علي”، يقترب أيضا: آرنست جيفارا…وغيرهما من الأرواح التي تعبر الأرض هائمة؛ لتضيء، وتنير، و ترحل باكرًا قبل إتمام رسالتها.

فيلم “فيرديانا” للويس بونويل

فيلم فيرديانابعد خمسة وعشرين عاما من المنفى، وإبان حكم الجنرال فرانكو الديكتاتوري لإسبانيا، سُمِحَ للمخرج الإسباني لويس بونويل بالعودة إلى وطنه فترةً وجيزةً، هي فترة إخراجه فيلم “فيرديانا”، الفيلم الذي فور عرضه شجبته كنيسة الفاتيكان، وقمعته الحكومة الإسبانية؛ بحجة تجديفه على الدين وبذاءته وفحشه، ولكن ليكسب تقدير السينما العالمية ليفوز بالجائزة الكبرى لـ”مهرجان كان السينمائي”.
عبر فيلم “فيرديانا”، يطرح لويس بونويل السؤال الأهم لأبناء جيله -جيل ما بعد الحروب العالمية في أوروبا- عن جدوى النضال والقيم والمبادئ في عالم تدمِّر فيه الحروب الأرض ومن عليها، ولا تُبقي من القيم والمبادئ التي حملها جيله إلا إعادة طرح الأسئلة من جديد، أسئلة جدوى الرسائل الإلهية المقدَّسة التي تتابعت على البشرية منذ بداية بحث الإنسان عن أسئلة الوجود الكبرى. يقدِّم الفيلم فتاةً مثاليةً تدعى “فيرديانا”، قبل أن تؤدي قسم الرهبنة النهائي تطلب منها رئيسة الدير أن تقوم بزيارة أخيرة لعمِّها، الذي كانت “فيرديانا” تعده كائنا متوحشا، تندهش “فيرديانا” عندما يتقبلها العم في منزله بحبٍّ ولطف؛ وذلك فقط لنيلها جسديًّا؛ نظرًا للشبه الكبير بينها وزوجته التي توفيت ليلة زواجهما منذ زمن بعيد. ينتحرُ بعد ذلك العم الثري مُوصيًا بمعظم ثروته لها، والقليل لابنه الذي كان قد قطع الصلة به عندما هاجر ليعيش حياة بذخ ولهو في المدينة. ترى الفتاة الراهبة أن الله منحها هذه الفرصة لتطبيق المبادئ الإنسانية الكبرى التي حفظتها في الدير، والقائمة على حب الفقراء والاعتناء بهم، ورفعهم للعيش في مستوى إنساني لائق؛ طبقا لتعاليم السيد المسيح -عليه السلام. تصطدم بابن عمها الماجن، تُحضر فقراء القرية ومشرَّديها للعيش معها في القصر، تصلِّي معهم، وتحثهم على العمل والإبداع في الأرض الزراعية التابعة للقصر، والعيش حياة كريمة معها. يُغضب ذلك ابنَ عمها، الذي يُحاول استمالتها فيفشل مرة وثانية وثالثة. حتى تحدث الفاجعة عندما -وفي غيابها- يُحيي الفقراء ليلة مجون في القصر، وعندما تعود يقوم الرجال باغتصابها في سخرية مريرة منها، ومن مبادئها. هذه الصدمة تكشف للراهبة وَهْمَ ما تعلمته في الدير وآمنت به، وخلاف ذلك عن الواقع الإنساني الشرس الذي تحركه غرائز حسية جوفاء، يحملها البشر أينما وكيفما كانوا. هذه الغرائز هي الدوافع الأساسية للحياة على الأرض، وما الدين سوى معتقدات يؤمن بها ويحملها من لا معرفة لهم بحقيقة الحياة.
تقوم الراهبة بحرق ملابس الرهبنة التي جاءت بها من الدير. حرق الصليب الذي ترتديه، وحرق التاج الشوكي الذي لبسه المسيح -عليه السلام وهو في طريقه إلى الصلب- تتَّجه بعدها مباشرة إلى ابن عمها اللعوب، وتدخل في عالمه الحي الماجن؛ مُعلنة بذلك -ومعها لويس بونويل- نهاية ومَوْت التجربة الدينية الروحية في أوروبا.
الفيلم قصيدة رثاء للقيم الإنسانية، وللمبادئ الأخلاقية التي رمتها في القمامة الحضارة الغربية الحديثة؛ في سيرها الحثيث نحو عالم مادي تحركه الأطماع والشهوات والغرائز. فلا غرابة إذًا أن تهاجم الكنيسة الكاثوليكية الفيلم ومخرجه بقوة، ويُمنع عرضه، وتطارد سلطات فرانكو الفاشية بونويل في المكسيك؛ وذلك للتحالف الوثيق الذي كان قائمًا بين المؤسستين -الدينية، والفاشية- في قمع الحرية بإسبانيا، باسم القيم الدينية التي أعلن بونويل نهايتها وموتها.

السينما الروسية نموذجًا.. مرحلة ما بعد تاركوفسكي 

كتب تاركوفسكي -الأب الروسي للسينما الجديدة في روسيا- مُقيِّما أسبابَ انحدار حياة الإنسان الروسي: “إننا نشهد الآن انحدارًا للروح، في حين أن المادي قد تطوَّر منذ زمن طويل إلى كائن حي يمتلك مجرى دم خاصًّا به. وأصبح أساس حياتنا المشلولة والمشوهة نتيجة تصلب الأنسجة. لقد صار جليًّا لكل شخص أن التقدم المادي بذاته -وبمعزل عن الأشياء والاعتبارات الأخرى- لا يجعل الناس سُعداء. ومع،ذلك، نحن نستمر على نحو مُتعصب في الإكثار من إنجازاته ومآثره. لقد بلغنا الموضع حيث الحاضر قد اندمج جوهريًّا مع المستقبل؛ بمعنى أنه يتضمَّن كلَّ الشروط لحدوث كارثة متأصلة، ونحن ندرك هذا، لكننا لا نستطيع أن نفعل شيئا لمنع حدوثها”.

وانطلاقا من هذا التقييم الثري في تحليله لعمق أزمة الإنسان في روسيا، قدَّم تاركوفسكي فيلم “الحنين”، والذي أراد منه التعبير عن ضرورة وأهمية ارتباط الروسي بجذوره الوطنية، بماضيه وثقافته، بأماكنه الأصلية وعائلته وأصدقائه. كما قدَّم فيلم “القربان”؛ وهو الفيلم المعني أساساً بالحب حتى التضحية لأن ذلك -مثلما يقول- يدحض قوانين النظرة المادية، حتى مع كونه غالبا ما يكون مُنافيا للعقل وغير عملي.

كتب ردًّا على سؤال: هل ثمَّة أي أمل للإنسان في النجاة من كل علامات الصمت الرؤيوي الوشيك؟ في فيلم “القربان”، يُمكن العثور على الإجابة في أسطورة الشجرة الجافة المحرومة من ماء الحياة. الراهب يحمل الماء صاعدا التل ليروي الشجرة الجافة؛ مُؤمنا بأن ما يفعله ضروري، دون أن يتردَّد لحظة في اعتقاده بالقوة الإعجازية لإيمانه بالله. لقد عاش ليرى المعجزة: ذات صباح الشجرة تتفجَّر بالحياة، أغصانها تتغطى بالأوراق الصغيرة الطرية. وتلك المعجزة بالتأكيد ليست سوى الحقيقة.

الأجيال الجديدة من السينمائيين الروس -جيل ما بعد تاركوفسكي- ظلوا مُخلصين لمنحى أستاذهم في الكشف عن جفاف العلاقات الإنسانية الذي جاءت به ماديات الحياة الطاغية، وما فرضته على الإنسان من تقوقع وحزن وخوف؛ بسبب عدم قدرته على التواصل العاطفي مع الغير، وفشله في بناء علاقات متقدِّمة تعطي خصوبة للحياة، وثراءً وجدانيًّا عاطفيًّا.

فيلما “العودة” و”الطردللمخرج أندريه زفياجنتسف

 يُعتبر فيلم “العودة” – ذهبية فينسيا السينمائي- الأكثر تعرضًا لجفاف العلاقات الروحية في المجتمع الروسي خاصة، وأثر ذلك في حياة الناس والتعاملات التي تنتج بناءً عليها. يبدأ الفيلم بعودة أب إلى أسرته التي غاب عنها اثني عشر عاما؛ نسي فيها الأبناء وهم يكبرون تحت رعاية أم حنونة عليهم، مثلما يقدِّم المخرج لنا تلك العلاقة الأمومية الصافية التي تمنحها الأم لبنيها. العودة المفاجئة للأب الغائب تفجِّر أسئلة في ذهن الابنين عن سبب عودته، وبالنسبة للأم يكون استقبالها له جافاً؛ إذ إن زمن الغياب الطويل كان قد جفَّف العلاقة الروحية بينهما. يقترحُ الأب أخذ ولديه في رحلة صيد بمنطقة بحرية مُجاورة ليومين، يذهب الابنان معه على مضض، في أثناء الرحلة يكتشف الأبناء والأب غُربة كل منهما عن الآخر، وأن الأبوة (اسمًا) لا تكفي لخلق علاقة رُوحية بين الآباء والأبناء. تتطوَّر الخلافات بين الولدين -خاصة الأصغر- وأبيهما؛ حتى تصل إلى حادث مأساوي يفقد فيه الأب حياته، عندما يُطارد ابنه الأصغر ويسقط من برج المنارة المرتفع إلى الأرض. بعد موته، يجرُّه الولدان إلى القارب ويرحلان. على أبواب الرحيل عنه، يُفكر الولدان في أخذه معهما بالسيارة، إلا أنهما يكتشفان أن مدَّ البحر جَرَف القارب وبه الأب الذي غاص في البحر طعاما للأسماك. لم يكن أندريه زفياجنتسف بحاجة إلى أكثر من أربع شخصيات دون أحداث كثيرة مُتعاقبة؛ ليوضِّح لنا -وبعمق- عُمْقَ جفاف وموت الروح لدى الإنسان المعاصر.

بعدها بعدة أعوام، يقدِّم أندريه زفياجنتسف تجربته السينمائية الجديدة “الطرد”؛ مُواصلا العمل -وبعمق أبعد- في نفس مجرى فيلمه الأول؛ ألا وهو: جفاف روح الإنسان وموتها. عائد هنا إلى منابت الخطيئة الأولى في الكتاب المقدس، عندما طرد الله الإنسان من الجنة إلى الأرض لاقترافه إثم الأكل من شجرة التفاح الذي بدأتها حواء، ومن ثم قادت معها آدم أيضًا. وبالأصل؛ كان الإغواء من الأفعى لحواء، التي عاقبها الله أيضا قائلاً لها: “لأنك صنعت هذا، فأنت ملعونة بين جميع البهائم، وجميع وحوش الحقل، على بطنك تسلكين، وترابا تأكلين طوال أيام حياتك”. إلا أن السينمائي لا يأخذ من الحكاية إلا واقعة الطرد. وسبب الطرد هنا: جفاف العلاقات الحميمية بين الرجل والمرأة، مع أنهما يعيشان تحت سقف واحد ولهما طفلان، إلا أنَّ التواصل الروحي بينهما مفقود، يعمل الأب على مفهوم الحب بمعنى التملك: تملك المرأة والأطفال، دون الاقتراب من حساسية ومشاعر المرأة التي تعيش عالمها الشعوري والعاطفي وحيدة. جعل ذلك المرأةَ تلجأ لبناء علاقة عاطفية بعيدة عن الرغبات الجسدية، مع فنان يستقبل دائمًا -وفي صمت ما- تبثه مشاعرها من: الآلام، والوحدة، والفراغ العاطفي. عندما تحمل المرأة من زوجها تشعره بأن الطفل القادم ليس منه بل من غيره. على أمل أن يفتح معها باب الحوار حول مفهوم الطفولة والحب، بعيدا عن الإفرازات الجسدية العابرة.

نزعَتْه الأبوية التحكمية، يتصرَّف على نحو يقفل فيه باب الحوار معها، يُجبرها على إجراء عملية تتخلص فيها من الطفل، تنتحر المرأة بعدها يأسًا من الوحدة والعطش العاطفي الدائم لحب حقيقي مفقود.

زفياجنتسف يُكمل الطريق الذي بدأه في العودة: الطريق مليء بالجفاف والقحط العاطفي الإنساني؛ مُواصلا درب تاركوفسكي في التعبير عن النفوس الكبيرة وهي تتألم، مُخفية مشاعرها بصمت، مُتَّحدة بالطبيعة ومظاهرها القاسية والعذبة في آن، كالحياة التي يتبعها الموت، وكالفرح الذي يقطفه حُزن عميق لا محالة من إطلاله على حياتنا يومًا ما.

المخرج الألكسندر سوخروف.. وعشق الآباء والأمهات

 على العكس مما ذهب إليه أندريه زفياجنتسف في فيلم “العودة”؛ حيث الزمن قوة تدمِّر كل علاقة إنسانية حميمية، دمارٌ يصل بأطراف العلاقة إلى الموت، ذهب الأكسندر سوكروف في الطريق المعاكس: البدء من ضرورة الخلاص من عشق الأبناء لآبائهم، وضرورة الخلاص من وصاية الآباء على أبنائهم. الفيلم يُشير إلى الأب كرمز للسلطة، يتَّضح ذلك من تتبع أحداث الفيلم: السلطة السوفيتية تحديدا، والتي فرضت على الأجيال الروسية الجديدة أثقالاً مُتعددة من الوصاية الأبوية: أيديولوجيًّا، وسياسيًّا وثقافيًّا. وأضفتْ لها مسارات محدَّدة في الحياة لا تستطيع الافتراق عنها؛ مما أدى بها إلى اتباع ما يَدْعُوه إيتيان دي لابوسيه “العبودية الطوعية”.

الفيلم يبدأ بمشهد غريب وصادم جدًّا؛ هو: مشهد خلق الأب لابنه من ضلوعه، ومحاولة تشبث الابن بجسد أبيه، وعدم الانفصال عنه؛ خوفا من الأذى الذي قد تلحقه به الكائنات الأخرى. يليه بعد ذلك مشهد الابن في الجنة وهو عارٍ، قبل أن يكتشف عريه ويطرده الله منها إلى الأرض.

هذه العلاقة المعقَّدة بين الابن وأبيه، بين المخلوق وخالقه، يُقدِّمها الفيلم بمستويات مُختلفة في المنشأ، والتكوين، والمصير؛ وذلك لتعدد أوجههما الـ”ما ورائي” والواقعي، الأسطوري والحقيقي. الابن ينظر إلى الأب من وجهة نظر مسيحية دينية خالصة، مُستعيداً العشق الإلهي للسيد المسيح -عليه السلام. حب يتفانى الابن في الحفاظ عليه وإثرائه حتى الصلب. وفي المقابل، يتصرَّف الأب مُحافظًا على علاقة طرده الابن من جنة الأب، طالباً منه العيش حياة الإنسان الأخرى البعيدة عنه، ولكن مع التمسك بإحكامه السيطرة الأبوية عليه. حتى الفتاة التي عشقت الابن تنسحب من حياته عندما يخبرها بأن عشقه لخالقه -أي: أبيه- سيذهب به إلى الصلب. يحاول الأب جاهدًا فرض الانتماء البشري على الابن، وعندما يقتنع الابن بانفصاله الكلي عن أبيه، يستبدل حبه لأبيه بحبه لصديقه. يخرج الأب من حياة ابنه، ويتجه عائدا إلى إلهه الثلجي بعيدًا في السماء!

في الفيلم سُلطة الأب تفرز المرضى الجبناء الخائفين، كما هو في حالة ابنه الجندي، وغيابه -كما هو في حالة صديق ابنه- يعني: الحرية، والكشف، والإبداع.

وقبلها بعدة أعوام، قدَّم الأكسندر سوخروف فيلم “الأم والابن”، لكنه اختار هنا اقترابَ الموت من الأم وبقاء ابنها معها، في منزل بمكان مهجور. يعرف الابن -كما تعرف الأم- أنها الأيام الأخيرة للأم؛ لذلك يحاول الابن جاهدا وضع كل إمكانيات الحياة أمامها رغم نزرها وقلتها. تتحوَّل الأم إلى طفلة وديعة تحت رعاية ابنها. ومن خلال الحوار، يتَّضح أن الأم هي من ربَّى الابن بعد انفصالها المبكر عن أبيه. يسألها: كنت تقضين معظم وقتك في المدرسة مُنتظرة وقتَ خروجي! تجيبه: لأنني كنت أخاف أن يخطفك أبوك مني. ثم يُذكِّرها -وهو يُريها عددًا من الصور التذكارية القديمة- رسالة من رجل يُدعى ألكسندر، يعبِّر فيها عن حبه لها. يسألها من هو ألكسندر؟ فلا تجيبه. لكنها تبتسم لذكرى حب قديم مرَّ عليها في الصبا.

يترك المخرج الطبيعة تتحدث. الطبيعة تؤدِّي دور البطولة في هذا الفيلم القصير المكتنز بمشاعر الفقدان، والهجر، والفراق، والمحبة، والموت في آن. يتردَّد من بعيد صَوْت قطار بخاري راحل، يتردَّد أيضا شراع وحيد في البحر. ولا أثر أبدًا لإنسان ما، أو حتى لكائن آخر في الفيلم. عدا الخطأ الفني الذي وقع فيه المصور ولم يعرف المونتير تصحيحه، وهو ضم صورة عبور لأحد كوادر العمل من بعيد. ثمَّة تساؤلات عدمية تطرأ بين الحين والآخر في الحوار. يدعو الابن أمه لتناول الطعام فترفض، يجيب: إذن ما فائدة وجودي في هذا المكان؟

الجمال الأخاذ في الفيلم يبلغ ذروته في مشهد الموت، وهي تصل إلى أسماعنا مفاجِئَة وحادة، دون أن نرى في الكادر صورة الابن أو الأم. ثم نهاية حديث الابن لأمه الميتة؛ يطلب منها انتظاره في العالم الآخر؛ بدءًا لحياة جديدة أخرى.

4,264 total views, 8 views today