زينب بنت  محمد الغريبية

الديمقراطية شكل من أشكال الحكم يشارك فيها جميع المواطنين المؤهلين على قدم المساواة – إما مباشرة أو من خلال ممثلين عنهم منتخبين – في اقتراح، وتطوير، واستحداث القوانين. وهي تشمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تُمكِّن المواطنين من الممارسة الحُرَّة والمتساوية لتقرير مصير البلد. ويطلق مصطلح الديمقراطية أحيانًا على المعنى الضيق لوصف نظام الحكم في دولة ديمقراطيةٍ، أو بمعنى أوسع لوصف ثقافة مجتمع. والديمقراطيَّة بهذا المعنَى الأوسع هي نظام اجتماعي مميز يؤمن به ويسير عليه المجتمع ويشير إلى ثقافةٍ سياسيَّة وأخلاقية معيَّنة.

مصطلح ديمقراطية مشتق من المصطلح اليوناني (باللاتينية: dēmokratía) و يعنى «حكم الشعب» لنفسه، وهو مصطلح قد تمت صياغته في القرن الخامس قبل الميلاد للدلالة على النظم السياسية الموجودة آنذاك في ولايات المدن اليونانية، وخاصة أثينا، ويعتبر المصطلح النقيض لـ ἀριστοκρατία (أرستقراطية) وتعني «حكم نخبة»، وهذا التناقض النظري بين المصطلحين يبدو أنه قد طمس تاريخيًّا، حيث ظهر ما يسمَّى بالديمقراطية الليبرالية (أو الديمقراطية الدستورية) هو الشكل السائد للديمقراطية في القرن الحادي والعشرين.

ويشير مصطلح الليبرالية في «الديمقراطية الليبرالية» إلى الفكر الليبرالي السياسي، والذي يتميز -كنظام ديمقراطي- بحماية حقوق الأفراد والأقليات، إذ يكتسب الفرد أهمية خاصة في الليبرالية. من خلال تضمينها في الدستور التشريعي للدولة، لذا سميت بـ«الديمقراطية الدستورية». ويمكن اعتبار العديد من الأحزاب في الدول الغربية تتبع ما يسمى بالحكومة الديمقراطية الليبرالية على الرغم من أنه لا يطلق عليها الليبرالية.

وتظهر عادة أشكال مختلفة من الديمقراطيات الحالية مثل الديمقراطية الليبرالية (الدستورية)، والديمقراطية المباشرة، والديمقراطية التساهمية، في الواقع ثمة نواحٍ فنية تختلف فيها الديمقراطيات الليبرالية، حيث يتخذ النظام شكل الجمهورية كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية، والهند، أو شكل الملكية الدستورية كما هو موجود في المملكة المتحدة واليابان. فمثلاً في المملكة المتحدة بريطانيا يكون صاحب السيادة الرمزية هو الملك الوراثي، إلا أن صاحب السيادة الفعلية (التشريعية) النواب البرلمانيون المنتخبون من قِبل الشعب.

في حين أن عدة مناحي من حياة المجتمع لا تعتبر في دائرة نطاق نظام الحكم إلا أن التعريف الدارج للديمقراطية الليبرالية أصبح متضمنًا هذه الجوانب؛ فقد أصبح من البديهي وجود طبقة وسطى اجتماعية ومجتمع مدني واسع ومزدهر كشروط ضرورية لقيام الديمقراطية الليبرالية؛ لنجاح التجربة الغربية في إرساء قواعد الديمقراطية منذ أكثر من خمسة قرون، وما تحقق معها من غايات وطموحات شعوب تلك البلدان، وإرساء قواعد الأمن والاستقرار، والعدل والمساواة أمام القانون دون النظر إلى انتماءات المواطنين العرقية أو الدينية، وما أسفر عن ذلك من تقدم صناعي وتقني واجتماعي؛ ظهر من يتحدث عن ضرورة العمل بالديمقراطية في وطننا العربي معتقدًا بذلك أنها العصا السحرية لكل مشكلات الوطن العربي؛ واضعًا التجربة الغربية أمام ناظريه مناديًا إلى استنساخ أنظمة الديمقراطية الحديثة ومحاولة تطبيقها في بعض الدول العربية، وما ترتب على ذلك من مهالك للشعوب يدفعون ثمنها إلى الآن كل ساعة من أرواحهم وأموالهم.

لذا اختلف المحلِّلُون والسياسيون، وعامة الشعب، في رأيهم نحو مدى إمكانية تطبيق الديمقراطية كنظام في مجتمعاتنا، وكثير منهم من يُحمِّل الديمقراطية المستوردة والتي يرغمونها على التماشي مع المجتمعات العربية أيًّا كان وضعها، مسؤولية ما آل إليه الوطن العربي من أوضاع سياسية متردية. من الناحية النظرية يبدو أمر تطبيق نظام يحدث كل هذا الفرق في المجتمع ويلبي حاجات الشعب بهذه المثالية مقبولاً ومستساغًا، لكن حينما نصل لمرحلة التطبيق حتما سوف نصدم بحواجز وصعوبات لم تكن في الحُسبان. والحقيقة أن العقبات تكمن في أن ما يصلح من أنظمة وقوانين في بلد ما قد لا يصلح في غيره؛ فما يحكم من عادات وتقاليد ومعتقدات تختلف من بيئة لأخرى؛ فثقافة الشعب وطريقة نشأته لهما دور مهم في فَهم وقبول نظام جديد، والتكيُّف معه أو مقاومته والتمرُّد عليه، أو استغلاله لتحقيق مصالح حزبية أو فئوية معينة.

فالطوائف في مجتمعاتنا العربية لم تصل إلى مرحلة ترجيح المصلحة العامة، والمُضي من أجل خدمة شعب، دون النظر للمصالح الفئوية الضيقة، فأغلب من ينتمون لمعتقد أو مذهب أو جماعة يحتكرون الحق في تحديد الصالح والصواب لهم ولمن اتبع منهجهم ووافقهم الرأي، وبالتالي حينما يصل تكتل ما لسلطة البلاد عن طريق انتخابات حرة فإن نطاق اهتمامه يظل ضيقًا ومحدودًا، ويخدم بالدرجة الأولى مصالحه، وفي ذات الوقت يضع خططًا مستقبلية تهدف لتهميش وإضعاف التكتلات والتيارات التي كانت منافسة له، وما يترتب على ذلك من اشتعال نار الفتنة بين مختلف أطياف المجتمع، والمواطن هو كبش الفداء الذي يقع ضحية فقدان الأمن والاستقرار بل وحاجاته الأساسية، ومما لا شك فيه امتداد الأثر السلبي ليشمل تدهور اقتصاد الدولة بل وكل مؤسساتها. فحين أجريت الانتخابات في بلدان عربية كانت أعداد القتلى والمسجونين أكبر من أعداد الناخبين، ومع ذلك وصلت نسبة التصويت 99% وربما 100%، فتبقى شعوبنا للأسف إلى الآن وراء حلم الإقطاع السياسي أو القبيلة أو هيمنة رأس المال.

ومِن ناحية أخرى يمكن النظر للديمقراطية على أنها -وفق تعريفها الأصلي- قرار مشكل برأي الأغلبية، ولعل هذا يُعتبر ميزة لها، إلا أنه في الواقع قد يُعدُّ مأخذًا عليها من باب أن الأغلبية تحكم النوعية. حيث يظهر هذا المأخذ جليًّا في عالمنا العربي، فحين نرى أن هناك من الكثير من المواطنين غير متعلمين أو مثقفين أو لديهم قلة وعي بالوضع السياسي والاجتماعي، فبالتالي لا يمكنهم تقديم رأي منطقي وعلمي، وربما يجعلهم هذا الجهل منساقين وراء آراء غيرهم، فيظهر بطبيعة الحال من يحاول استغلالهم والتأثير عليهم، فأي رأي يمكن أن يعتمد عليه حين يصدر منهم؟

ظهر تيار إسلامي يخالف وجود الديمقراطية ويعتبره نظام مخالف للإسلام، فمن وجهة نظرهم أن الديمقراطية تجعل سلطة التشريع للشعب، أو من ينوب عنهم ومنتخبين من قبلهم كأعضاء البرلمان، وعليه- من وجهة نظرهم- يكون الحكم فيه لغير الله تعالى، بل للشعب أو نوابه، ويصبح اتفاق الأغلبية قوانينًا ملزمة للأمة، ولو كانت مخالفة للفطرة، والدِّين، والعقل، وهم يعتبرون هذا منافيًا لحقيقة الأصل الإسلامي أن «الحكم لله وحده»، وأنه أحكم الحاكمين، ونهى أن يُشرِك به أحدًا في حكمه.

وفي المقابل واجههم تيار إسلامي مغاير يرون أن من يتأمل جوهر الديمقراطية يجد أنه من صميم الإسلام، فالإسلام قد سبق الديمقراطية بوضع هذه الأسس المنهجية السليمة، ومن سماته ترك التفصيلات لاجتهاد المسلمين، وفق أصول دينهم، ومصالح دنياهم، وتطور حياتهم بحسب الزمان والمكان، وتجدد أحوال الإنسان. ويؤكدون على أن الحاكمية لله يتصرف في الكون كيفما يشاء، وحاكمية تشريعية أمرية، بالتكليف والأمر والنهي، والإلزام والتخيير، والدعوة إلى الديمقراطية إنما لاعتبارها شكلاً للحكم، يجسد مبادئ الإسلام السياسية ومما يؤكد ذلك أن ينص الدستور ـ مع التمسك بالديمقراطية ـ على أن دين الدولة هو الإسلام، وأن الشريعة الإسلامية هي مصدر القوانين، وهذا تأكيد لحاكمية الله، أي حاكمية شريعته، وأن لها الكلمة العليا.

إذا نظرنا إلى نظامٍ كنظام الانتخاب أو التصويت، فهو في نظر الإسلام «شهادة»” للمرشح بالصلاحية، فيجب أن يتوافر في «صاحب الصوت» ما يتوافر في الشاهد من الشروط بأن يكون عدلاً مَرْضِي السيرة، ومن شهد لغير صالح بأنه صالح، فقد ارتكب كبيرة شهادة الزور، وقد قرنها القرآن بالشرك بالله، ومن شهد لمرشح بالصلاحية لمجرد أنه قريبه أو ابن بلده، أو لمنفعة شخصية يرتجيها منه، ومَن تخلَّف عن أداء واجبه الانتخابي، وما يرتب على ذلك من استبعاد الكفء، وفوز من لا يستحق بالأغلبية، فيُعتبر كمن كتم شهادة أحوج ما تكون الأمة إليها.

أضف إلى ذلك أن العلماء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ومن له إدراك بمرامي التشريع قد يجتمعون لإعطاء حدثًا ما حكمًا شرعيًّا، كما أعطاهم الشرع أن يقيسوا الأحداث اللاحقة على الأحداث السابقة لإعطاء الحكم للمستجدة منها بشروط وضوابط معروفة، ولهم أيضًا أن يجتهدوا وأن يراعوا المصالح المرسلة في الأحداث غير المنصوص عليها في ضوء النصوص الشرعية العامة. وبذلك تظل حلقة التشريع الإسلامي كاملة متواصلة، والبشر التي تتوافر فيه شروط الضبط هم مخولون في السعي لتوضيحها والحكم فيها وفق الأسس السابقة لاستمرارها.

على الهامش..

ومع ذلك ثَمَّة تساؤل يطرق هذا الباب هل عندما طُبِّقت الديمقراطية في بداياتها منذ آلاف السنين لم تواجه صعوبات كهذه؟ ولم تجد عادات وتقاليد مجتمعية ترفضها؟ ولم تكن سلطة القبائل حاضرة؟ ولم يكن هناك من الشعب من هو جاهل؟ إذن هل يمكننا في المقابل أن نقول أن الديمقراطية لا يمكن تطبيقها في بلداننا العربية؟

هل يمكننا القول بعد كل هذا بأن الديمقراطية كنموذج عالمي قابل للتطبيق بالفعل ليس فقط في الحكم والسياسية، وإنما في الحياة الثقافية والاجتماعية والفكرية مع توفير المتطلبات الأساسية لها كي تنجح؟ هل من الممكن التغلب على وضع الثقافة السياسية والمجتمعية لجعلها واعية ناضجة تتقبل الأخر وتتسامح معه؟ من أجل سيادة جوٍّ ديمقراطي عام لا يشوبه التطرف أو المصالح الفئوية؟ أو أن نتغلب على العامل الخارجي الذي يشكِّل عائقًا لقيام أنظمة ديمقراطية سليمة؟

5,404 total views, 2 views today