د‭. ‬جاسم‭ ‬العلوي

ورقة مشاركة في “منتدى اليوم العالمي للفلسفة”، الذي أقامته جامعة السلطان قابوس ومجلة “شرق غرب” الثقافية، بالنادي الثقافي مساء 29 نوفمبر 2017م

ملخص‭ ‬

في‭ ‬هذه‭ ‬الورقة،‭ ‬حاولنا‭ ‬أن‭ ‬نُثبت‭ ‬أن‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭ ‬تفتقدُ‭ ‬لقاعدة‭ ‬اليقين‭ ‬والأمان‭ ‬المعرفي‭.. ‬فبينما‭ ‬يتميَّز‭ ‬الاتجاه‭ ‬العقلاني‭ ‬الأوروبي‭ ‬والإسلامي‭ ‬بقاعدة‭ ‬اليقين‭ ‬والإمان‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬بنية‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬البشري،‭ ‬فإن‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭ ‬والاتجاهات‭ ‬العلمية‭ ‬الملتزمة‭ ‬بروحها،‭ ‬حاولت‭ -‬عبر‭ ‬تفسير‭ ‬معطيات‭ ‬تجريبية‭ ‬في‭ ‬النظرية‭ ‬الكمية‭- ‬نسف‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭ ‬العميقة‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭. ‬لكنَّنا‭ ‬أثبتنا‭ ‬أن‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭ ‬تُعاني‭ ‬من‭ ‬انفصام‭ ‬وازدواجية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬النظري‭ ‬والتطبيق،‭ ‬وأن‭ ‬تناقضات‭ ‬العقل‭ ‬العلمي،‭ ‬وصيرورة‭ ‬التطور‭ ‬العلمي،‭ ‬قد‭ ‬أثبتت‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭ ‬العميقة،‭ ‬والتي‭ ‬أوضحنا‭ ‬أنها‭ ‬تعبِّر‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬اللاشعورية‭ ‬لدى‭ ‬هذا‭ ‬العقل،‭ ‬عندما‭ ‬يتم‭ ‬نسيان‭ ‬المتغيِّرات‭ ‬في‭ ‬داخله،‭ ‬لتظهر‭ ‬تلك‭ ‬الطبقة‭ ‬العميقة‭ ‬والراسخة‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬بصورة‭ ‬قهرية‭.‬

شكَّل‭ ‬الكجيتو‭ ‬الديكارتي‭ -‬مع‭ ‬مجموعة‭ ‬الأفكار‭ ‬الفطرية‭- ‬أساسَ‭ ‬اليقين‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭ ‬البشرية‭ ‬لدى‭ ‬الاتجاه‭ ‬العقلاني‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬وهو‭ ‬كذلك‭ ‬مصدر‭ ‬الأمان‭ ‬المعرفي؛‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬بالعودة‭ ‬إليها‭ ‬أن‭ ‬نبدأ‭ ‬بممارسة‭ ‬النشاط‭ ‬المعرفي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬فضاءات‭ ‬المعرفة؛‭ ‬إذ‭ ‬مهما‭ ‬ضعفت‭ ‬ثقتنا‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬العلوي‭ ‬للمعرفة،‭ ‬ثمة‭ ‬أساس‭ ‬ومرجعية‭ ‬راسخة‭ ‬وقوية‭ ‬تشكل‭ ‬قاعدة‭ ‬الأمان،‭ ‬وتؤمن‭ ‬لنا‭ ‬الانطلاق‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬ويقابل‭ ‬الاتجاه‭ ‬العقلاني‭ ‬الأوروبي‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الأخرى،‭ ‬الاتجاه‭ ‬الفلسفي‭ ‬الإسلامي‭ ‬الذي‭ ‬يؤمن‭ ‬بقاعدة‭ ‬اليقين‭ ‬والإمان‭ ‬للمعرفة‭ ‬البشرية،‭ ‬وإنْ‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬مُختلف‭. ‬تحتفظُ‭ ‬الفلسفة‭ ‬الاسلامية‭ ‬للمعرفة‭ ‬البشرية‭ ‬ببنية‭ ‬عميقة‭ ‬راسخة،‭ ‬يتم‭ ‬اكتشافها‭ ‬أولا‭ ‬بالشهود‭ ‬الباطني،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يتحول‭ ‬هذا‭ ‬الكشف‭ ‬الشهودي‭ ‬الباطني‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المفاهيم،‭ ‬يشكلها‭ ‬العقل‭ ‬بعد‭ ‬اتصاله‭ ‬بالحس‭.. ‬وتتمثل‭ ‬قاعدة‭ ‬اليقين‭ ‬والأمان‭ ‬المعرفي‭ ‬لدى‭ ‬الاتجاه‭ ‬الفلسفي‭ ‬الإسلامي‭ ‬بمجموعة‭ ‬البديهيات‭ ‬الأولية‭ ‬كمبدأ‭ ‬العلية،‭ ‬ومبدأ‭ ‬عدم‭ ‬التناقض،‭ ‬وهي‭ ‬بديهيات‭ ‬يُسلِّم‭ ‬المرء‭ ‬بصدقها‭ ‬فور‭ ‬إدراكها‭. ‬ونحن‭ ‬هنا‭ ‬نحاول‭ ‬أن‭ ‬نعي‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬بالإمكان‭ ‬أن‭ ‬تتمتع‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬أساس‭ ‬بنيتها‭ ‬التجريبية‭ ‬بقاعدة‭ ‬الأمان‭ ‬واليقين،‭ ‬الذي‭ ‬يُؤمن‭ ‬لها‭ ‬الانطلاق‭ ‬عندما‭ ‬يُخالط‭ ‬المعرفة‭ ‬البشرية‭ ‬الشكُّ‭ ‬وعدم‭ ‬الثقة‭. ‬وتقوم‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭ -‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإبيستمولوجي‭- ‬على‭ ‬عدم‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالأحكام‭ ‬العقلية‭ ‬القبلية‭ ‬البحتة،‭ ‬وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الانطولوجي‭ ‬بعدم‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالوجود‭ ‬غير‭ ‬المادي‭. ‬وما‭ ‬دام‭ ‬الواقع‭ ‬المادي‭ ‬هو‭ ‬المرجعية‭ ‬الأساس‭ ‬للعقلانية‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬المعرفة،‭ ‬فهل‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬أو‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬تشكل‭ ‬بمجموعها‭ ‬قاعدة‭ ‬اليقين‭ ‬والأمان‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬الكجيتو‭ ‬الديكارتي،‭ ‬والأفكار‭ ‬الفطرية‭ ‬المودعة‭ ‬في‭ ‬صَمِيم‭ ‬التكوين‭ ‬الإنساني،‭ ‬كما‭ ‬يعتقد‭ ‬بذلك‭ ‬أصحاب‭ ‬الاتجاه‭ ‬العقلاني‭ ‬الأوروبي؟‭ ‬وهل‭ ‬التجربة‭ ‬في‭ ‬ذاتها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تزود‭ ‬البشرية‭ ‬بقاعدة‭ ‬الأمان‭ ‬واليقين؟

ونحن‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الورقة،‭ ‬سنُثبت‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬في‭ ‬ذاتها،‭ ‬واستقلالا‭ ‬عن‭ ‬العقل‭ ‬وأحكامه‭ ‬القبلية،‭ ‬ستُحيلنا‭ ‬إلى‭ ‬الفراغ،‭ ‬وليس‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يُزوِّدنا‭ ‬بالأمان‭ ‬واليقين‭ ‬المعرفي،‭ ‬الذي‭ ‬يُمكن‭ ‬دائمًا‭ -‬بالعودة‭ ‬إليه‭- ‬مُعَاودة‭ ‬النشاط‭ ‬المعرفي‭. ‬كما‭ ‬أننا‭ ‬سنكشف‭ ‬عن‭ ‬انفصامٍ‭ ‬واضحٍ‭ ‬تُعَاني‭ ‬منه‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬موقفها‭ ‬النظري‭ ‬وموقفها‭ ‬العملي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُؤكد‭ ‬مَدْعَانا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الورقة‭ ‬بوجود‭ ‬بنية‭ ‬لا‭ ‬شعورية‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬العلمي‭.‬

سنعمدُ‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬تاريخية‭-‬فلسفية،‭ ‬نستبينُ‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬فقدان‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭ ‬العميقة‭ ‬الصلبة‭ ‬للمعارف‭ ‬البشرية،‭ ‬والتي‭ ‬أسميناها‭ ‬قاعدةَ‭ ‬اليقين‭ ‬والأمان،‭ ‬عندما‭ ‬نلتزم‭ ‬بالمرتكزات‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭. ‬ومقصودنا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الممارسة‭ ‬أن‭ ‬نجعل‭ ‬من‭ ‬السياق‭ ‬التاريخي‭ ‬لتطور‭ ‬العلوم‭ ‬مُقدِّمات‭ ‬لبيان‭ ‬المشكلة‭ ‬فلسفيًّا؛‭ ‬والمتمثلة‭ ‬بالأزمة‭ ‬المعرفية‭ ‬على‭ ‬ضوء‭ ‬الالتزام‭ ‬الصارم‭ ‬بهذه‭ ‬العقلانية،‭ ‬التي‭ ‬تؤمن‭ ‬بمركزية‭ ‬التجربة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المعرفي‭.‬

وبالعودة‭ ‬للتاريخ،‭ ‬والتأمُّل‭ ‬في‭ ‬المسار‭ ‬التاريخي‭ ‬لتطوُّر‭ ‬العلوم،‭ ‬وبالتحديد‭ ‬سنقف‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬المحطات‭ ‬التي‭ ‬شكَّلت‭ ‬مُنعطافات‭ ‬حادة‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬العلوم،‭ ‬وصنعت‭ ‬اتجاهات‭ ‬إبيستمولوجية‭ ‬جديدة‭ ‬ورؤى‭ ‬فلسفية‭ ‬للوجود،‭ ‬فإننا‭ ‬سنكتشف‭ ‬أن‭ ‬أفكارا‭ ‬كانت‭ ‬راسخة‭ ‬وسائدة‭ ‬لفترات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬التاريخ،‭ ‬لكنها‭ ‬تلاشت‭ ‬وانتهت‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تجاوزت‭ ‬الإنسانية‭ ‬العقبة‭ ‬السيكولوجية‭ ‬التي‭ ‬عادةً‭ ‬ما‭ ‬تتشكل‭ ‬بسبب‭ ‬العادات‭ ‬الفكرية‭ ‬الضارة‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬فحص‭ ‬الأفكار‭ ‬ومراجعتها‭. ‬وسنكتشف‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬العقل‭ ‬والتجربة‭ ‬أخذت‭ ‬تتموضَع‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الأهمية‭ ‬بشكل‭ ‬مُختلف‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المحطات‭ ‬المهمة‭ ‬من‭ ‬تطوُّر‭ ‬العلوم‭.‬

لقد‭ ‬تلاشتْ‭ -‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭- ‬فكرة‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬كتل‭ ‬الأجسام‭ ‬وسقوطها‭ ‬باتجاه‭ ‬الأرض‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اختبر‭ ‬جاليلو‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة،‭ ‬وأثبت‭ ‬تجريبيا‭ ‬خطأها‭. ‬لقد‭ ‬حققت‭ ‬التجربة‭ ‬هنا‭ ‬نجاحا‭ ‬باهرا‭ ‬بعد‭ ‬إماطة‭ ‬اللثام‭ ‬عن‭ ‬زَيف‭ ‬ذلك‭ ‬الاعتقاد‭ ‬الذي‭ ‬ساد‭ ‬الوعي‭ ‬الإنساني‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬الألفين‭ ‬عام‭. ‬هكذا‭ ‬تعززت‭ ‬مكانة‭ ‬التجربة‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬العلم‭. ‬لابد‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬نستدرك‭ ‬أن‭ ‬المنهج‭ ‬التجريبي‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬لم‭ ‬يبدأ‭ ‬مع‭ ‬جاليلو،‭ ‬لكن‭ ‬جاليلو‭ ‬صَنع‭ ‬لحظة‭ ‬فارقة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الأوروبي‭ ‬بالخصوص،‭ ‬لقد‭ ‬أدرك‭ ‬أهمية‭ ‬الرياضيات‭ ‬وتطبيقها‭ ‬على‭ ‬ظواهر‭ ‬الطبيعة؛‭ ‬فالطبيعة‭ -‬كما‭ ‬يعتقد‭- ‬مكتوبة‭ ‬بلغة‭ ‬الرياضيات،‭ ‬لكنَّ‭ ‬الرياضيات‭ -‬بوصفها‭ ‬فاعلية‭ ‬ذهنية،‭ ‬ونشاطا‭ ‬تجريديا‭ ‬مع‭ ‬اللحظة‭ ‬الجاليلية‭- ‬هي‭ ‬تابعة‭ ‬للتجريب‭ ‬وتتحرك‭ ‬في‭ ‬أفقه‭. ‬وبذلك؛‭ ‬مهد‭ ‬جاليلو‭ ‬لظهور‭ ‬اتجاه‭ ‬إبيستمولوجيا‭ ‬في‭ ‬المعرفة،‭ ‬يضع‭ ‬التجربة‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬النظام‭ ‬المعرفي‭. ‬واصلت‭ ‬التجربة‭ ‬تحقيق‭ ‬النجاحات‭ ‬في‭ ‬القرون‭ ‬التي‭ ‬تلت‭ ‬العصر‭ ‬الجاليلي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬جاعلة‭ ‬من‭ ‬النشاط‭ ‬العقلي‭ ‬تابعا‭ ‬لها؛‭ ‬فالعمليات‭ ‬التجريبية‭ ‬تترجم‭ ‬لعمليات‭ ‬ذهنية،‭ ‬عمليات‭ ‬تشكل‭ ‬مجموعة‭ ‬مترابطة‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬المنسجمة‭ ‬والمستقاة‭ ‬من‭ ‬التجربة‭. ‬وهكذا‭ ‬لعب‭ ‬النشاط‭ ‬العملي‭ ‬للإنسان‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬المجالات‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحقبة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬المعرفة‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬المنظومات‭ ‬الفكرية،‭ ‬والتي‭ ‬مرجعيتها‭ ‬تجارب‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الطبيعة،‭ ‬وتجاربه‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬للإنسان‭.‬

بعد‭ ‬جاليلو‭ ‬بمائة‭ ‬عام‭ ‬تقريبا،‭ ‬جاءتْ‭ ‬نظرية‭ ‬نيوتن‭ ‬في‭ ‬الجاذبية،‭ ‬وكذلك‭ ‬نظرياته‭ ‬في‭ ‬حساب‭ ‬التفاضل‭ ‬والتكامل‭ ‬لتُحدث‭ ‬ثورةً‭ ‬علمية،‭ ‬ثورة‭ ‬تحمل‭ ‬كل‭ ‬دلالات‭ ‬المعنى‭ ‬لهذه‭ ‬الكلمة،‭ ‬ثورة‭ ‬أحدثت‭ ‬قطيعة‭ ‬مع‭ ‬الماضي‭. ‬ولكي‭ ‬نعي‭ ‬ثورية‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬جاء‭ ‬بها‭ ‬نيوتن،‭ ‬سأستعين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬بأفكار‭ ‬توماس‭ ‬كون،‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ “‬بنية‭ ‬الثورات‭ ‬العلمية‭” ‬حول‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬تنمو‭ ‬بها‭ ‬العلوم‭ ‬دون‭ ‬الالتزام‭ ‬الكامل‭ ‬بآرائه‭. ‬يرى‭ ‬كون‭ ‬أن‭ ‬العلم‭ ‬يتطور‭ ‬عبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المراحل‭: ‬المرحلة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬العلمية‭ ‬وليس‭ ‬مُهمًّا‭ ‬تناولها،‭ ‬ومرحلة‭ ‬العلم‭ ‬السوي‭ ‬أو‭ ‬القياسي‭ ‬normal Science،‭ ‬وهذا‭ ‬يتطلب‭ ‬نموذجا‭ ‬فكريا‭ (‬مترجم‭ ‬بنية‭ ‬الثورات‭ ‬العلمية‭ ‬يسميه‭ ‬نموذجا‭ ‬إرشاديا‭). ‬وفي‭ ‬رأي‭ ‬كون،‭ ‬فإن‭ ‬النموذج‭ ‬الفكري‭ -‬أو‭ ‬الإرشادي،‭ ‬بحسب‭ – ‬يُشكِّل‭ ‬الوحدة‭ ‬الأساسية‭ ‬المشتركة‭ ‬التي‭ ‬يتبناها‭ ‬العلماء‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬ما،‭ ‬ومنه‭ ‬نتمكن‭ ‬من‭ ‬دراسة‭ ‬تطور‭ ‬العلوم‭ (‬1،ص‭:‬41‭). ‬وبحسب‭ ‬كون،‭ ‬فإن‭ ‬العلم‭ ‬يتطوَّر‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬ثوري‭ ‬يتزلزل‭ ‬معه‭ ‬جُملة‭ ‬من‭ ‬المعتقدات‭. ‬فمثلا‭: ‬يحدث‭ ‬أن‭ ‬يواجه‭ ‬العلم‭ ‬السوي‭ (‬القياسي‭) ‬شذوذا‭ ‬يتم‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬إغفاله،‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬يتمكن‭ ‬العلماء‭ ‬من‭ ‬حله‭ ‬وفق‭ ‬النموذج‭ ‬الإرشادي‭ ‬المعتمد،‭ ‬لكن‭ ‬يستمر‭ ‬الشذوذ‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يجدي‭ ‬معه‭ ‬أي‭ ‬جهد‭ ‬ويتعذَّر‭ ‬على‭ ‬العلماء‭ ‬إغفال‭ ‬الشذوذ‭ ‬إلى‭ ‬فترة‭ ‬أطول،‭ ‬حينئذ‭ ‬يهتدي‭ ‬العلماء‭ ‬إلى‭ ‬هدم‭ ‬التقليد‭ ‬في‭ ‬الممارسة‭ ‬العلمية،‭ ‬أي‭ ‬التحول‭ ‬بنموذج‭ ‬إرشادي‭ ‬جديد‭ ‬يفضي‭ ‬للمارسة‭ ‬علمية‭ ‬جديدة‭ (‬1،‭ ‬ص‭:‬34‭). ‬ويعتبر‭ ‬كون‭ ‬إحلال‭ ‬نموذج‭ ‬إرشادي‭ ‬محل‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬ضرورة‭ ‬تفرضها‭ ‬الممارسة‭ ‬العلمية؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يرفض‭ ‬العلماء‭ ‬نموذجا‭ ‬إرشاديا‭ ‬دون‭ ‬إحلال‭ ‬البديل‭. ‬ويقول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭: “‬فإن‭ ‬قرار‭ ‬رفض‭ ‬نموذج‭ ‬إرشادي‭ ‬يكون‭ ‬دائما‭ -‬وفي‭ ‬آن‭ ‬واحد‭- ‬قرارًا‭ ‬بقبول‭ ‬نموذج‭ ‬إرشادي‭ ‬آخر،‭ ‬وإن‭ ‬الحكم‭ ‬الذي‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬إنما‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬مقارنة‭ ‬النموذجين‭ ‬الإرشاديين‭ ‬بالطبيعة،‭ ‬ومقارنتهما‭ ‬بعضهما‭ ‬البعض‭” (‬1،‭ ‬ص‭:‬116‭). ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬يحويه‭ ‬النموذج‭ ‬الفكري‭ ‬أو‭ ‬الإرشادي‭ ‬من‭ ‬معتقدات‭ ‬تُشكل‭ ‬تقليدا‭ ‬في‭ ‬الممارسة‭ ‬العلمية؟‭ ‬دعُونا‭ ‬نسجِّل‭ ‬أن‭ ‬كلام‭ ‬كون‭ ‬حول‭ ‬النموذج‭ ‬الإرشادي‭ -‬كما‭ ‬يسميه‭- ‬غير‭ ‬واضح،‭ ‬وغير‭ ‬محدد؛‭ ‬لأنه‭ ‬يضم‭ ‬معتقدات‭ ‬ذات‭ ‬أبعاد‭ ‬تاريخية‭ ‬وتربوية‭. ‬

وهنا‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬تحديد‭ ‬مرتكزات‭ ‬النموذج‭ ‬الفكري،‭ ‬سنحيل‭ ‬القارئ‭ ‬إلى‭ ‬ورقة‭ ‬بعنوان‭ “‬ميكانيكا‭ ‬الكم‭ ‬والتحول‭ ‬في‭ ‬النموذج‭”‬،‭ ‬كتَبَتها‭ ‬فيلسوفة‭ ‬العلم‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬الإنيويز‭ ‬الأمريكية‭ ‬Valia Allori،‭ ‬وفيها‭ ‬تسجِّل‭ ‬نفس‭ ‬الملاحظة‭ ‬التي‭ ‬أوردناها‭ ‬حول‭ ‬صعوبة‭ ‬فهم‭ ‬محدد‭ ‬ومنضبط‭ ‬للنموذج‭ ‬الإرشادي‭ ‬عند‭ ‬كون،‭ ‬فتقول‭: ‬‭”‬In addition‭, ‬since his‭( ‬Khun‭) ‬definition of Paradigm is complex and not well understood‭, ‬I am going to consider that a paradigm‭ ‬consists of the following‭: ‬1-‭ ‬a world-view‭: ‬a claim about what exists in the world‭. ‬2-‭ ‬a set of methodologies with which a scientist can account for the behavior of macroscopic objects and their properties in connection with the world-view‭. ‬3-‭ ‬a set of concepts to define 1‭ ‬and carry out 2‭” (‬2‭, ‬p:3‭).‬

تحدد‭ ‬الفيلسوفة‭ ‬ثلاثة‭ ‬مرتكزات‭ ‬للنموذج‭ ‬الفكري‭:‬

1-‭ ‬رؤية‭ ‬علمية‭ ‬للعالم‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬مكوناته‭ ‬الأساسية‭.‬

2‭- ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المنهجيات‭ ‬التي‭ ‬على‭ ‬ضَوئها‭ ‬يستطيع‭ ‬العالم‭ ‬أن‭ ‬يفسر‭ ‬سلوك‭ ‬الأجسام‭ ‬الميكروسكوبية‭ (‬الكبيرة‭) ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الرؤية‭ ‬العلمية‭ ‬للعالم‭.‬

3-‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬تشرح‭ ‬الرؤية‭ ‬العالمية‭ ‬وتستخدم‭ ‬في‭ ‬المنهجيات‭.‬

كما‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬الورقة‭ ‬تحدِّد‭ ‬المعنى‭ ‬المقصود‭ ‬من‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬النموذج‭ ‬فتقول‭: ‬‭”‬paradigm shift thesis moving from one physical theory to the next our paradigm radically changes‭” (‬2‭,‬p4‭).‬

التحول‭ ‬في‭ ‬النموذج‭ ‬يقتضي‭ ‬تغيُّرا‭ ‬جذريا‭ ‬في‭ ‬النموذج‭ ‬المتحوَّل‭ ‬عنه،‭ ‬عندما‭ ‬ننتقل‭ ‬من‭ ‬نظرية‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭. ‬وتعود‭ (‬Allori‭) ‬لتشرح‭ ‬ما‭ ‬تقصده‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬التغيُّر‭ ‬الجذري،‭ ‬فتقول‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬تغير‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬الرؤية‭ ‬العالمية،‭ ‬أو‭ ‬المنهجيات‭ ‬المعتمدة،‭ ‬أو‭ ‬مجموعة‭ ‬المفاهيم،‭ ‬أو‭ ‬خليط‭ ‬من‭ ‬التغيرات‭ ‬التي‭ ‬تطرأ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المرتكزات‭.‬

إذا‭ ‬ما‭ ‬طبَّقنا‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬كون‭ ‬من‭ ‬الطبيعة‭ ‬الثورية‭ ‬للتطور‭ ‬العلمي‭ ‬والمصحوبة‭ ‬بالانتقال‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬إرشادي‭ ‬جديد،‭ ‬وما‭ ‬قالته‭ ‬Allori‭ ‬حول‭ ‬مُحدِّدات‭ ‬النموذج‭ ‬الفكري‭ ‬والتغير‭ ‬الجذري‭ ‬عندما‭ ‬يتم‭ ‬التحول‭ ‬عنه‭ ‬على‭ ‬الحدث‭ ‬النيوتني،‭ ‬فإننا‭ ‬سنُدرك‭ ‬أن‭ ‬اللحظة‭ ‬النيوتنية‭ ‬حدث‭ ‬ثوري،‭ ‬لماذا؟‭ ‬يَنْظُر‭ ‬كون‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬نيوتن‭ ‬ليس‭ ‬ثمة‭ ‬نمط‭ ‬مميز،‭ ‬ومقصود‭ ‬كون‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬تسبق‭ ‬نيوتن‭ ‬لم‭ ‬يتشكل‭ ‬فيها‭ ‬نموذجا‭ ‬واحد‭ ‬يحظى‭ ‬بقبول‭ ‬العلماء،‭ ‬ويمثل‭ ‬منهجية‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬العلمي‭ (‬1،‭ ‬ص‭:‬42‭). ‬كما‭ ‬أن‭ ‬مرتكزات‭ ‬النموذج‭ ‬الفكري‭ ‬بالمعنى‭ ‬الذي‭ ‬يجعله‭ ‬إطارا‭ ‬جامعا‭ ‬للنشاط‭ ‬العلمي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬حاضرة‭. ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬نيوتن‭ ‬وما‭ ‬حققته‭ ‬نظريته‭ ‬في‭ ‬الجاذبية،‭ ‬ومجمل‭ ‬أعماله‭ ‬في‭ ‬الميكانيكا‭ ‬الكلاسيكية،‭ ‬ونظرياته‭ ‬في‭ ‬حساب‭ ‬التفاضل‭ ‬والتكامل،‭ ‬أرست‭ ‬نموذجا‭ ‬فكريا‭ ‬سنتبين‭ ‬خصائصه‭ ‬بعد‭ ‬قليل،‭ ‬وهو‭ ‬أول‭ ‬نموذج‭ ‬فكري‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬العلوم،‭ ‬ذو‭ ‬مرتكزات‭ ‬محددة،‭ ‬جمع‭ ‬حوله‭ ‬العلماء‭ ‬وأرسى‭ ‬تقليدا‭ ‬ممنهجا‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬النشاط‭ ‬العلمي‭. ‬لذلك؛‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬بأن‭ ‬نظرية‭ ‬نيوتن‭ ‬في‭ ‬الجاذبية‭ ‬وبقية‭ ‬أعماله،‭ ‬هي‭ ‬حدث‭ ‬ثوري‭ ‬في‭ ‬المعارف‭ ‬العلمية؛‭ ‬لأنه‭ ‬تشكل‭ ‬على‭ ‬أثرها‭ ‬نموذج‭ ‬فكري‭/‬إرشادي‭ ‬قَبِله‭ ‬العلماء،‭ ‬ومارسوا‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬نشاطهم‭ ‬العلمي‭.‬

بالفعل‭.. ‬لقد‭ ‬أرست‭ ‬أعمال‭ ‬نيوتن‭ ‬في‭ ‬الميكانيكا‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬النموذج‭ ‬الميكانيكي‭/‬الكلاسيكي‭ ‬للعالم‭. ‬فهذا‭ ‬النموذج‭ ‬يمتلك‭ ‬رؤية،‭ ‬قوامها‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يتكون‭ ‬من‭ ‬جسيمات‭ ‬صغيرة‭ ‬جدًّا‭ ‬تشبه‭ ‬النقاط،‭ ‬وتتحرك‭ ‬في‭ ‬أبعاد‭ ‬مكانية‭ ‬ثلاثة‭ ‬حسب‭ ‬معادلات‭ ‬نيوتن‭ ‬في‭ ‬الحركة،‭ ‬والحلول‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬النظرية‭ ‬لهذه‭ ‬المعادلات‭ ‬تحدد‭ ‬مسارات‭ ‬حركة‭ ‬هذه‭ ‬الجسيمات؛‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الحلول‭ ‬تمكننا‭ ‬من‭ ‬تحديد‭ ‬مستقبل‭ ‬الحركة‭ ‬والكيفية‭ ‬التي‭ ‬يتطور‭ ‬بها‭ ‬هذا‭ ‬الجسيم‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬إذا‭ ‬أحطنا‭ ‬بجميع‭ ‬ظروفه‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬ما‭. ‬فهذا‭ ‬النموذج‭ ‬يمتاز‭ ‬بأنه‭ ‬تحديدي‭ ‬بالكامل،‭ ‬وإذا‭ ‬نظرنا‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الميزة‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النموذج،‭ ‬سنجد‭ ‬أنها‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الإيمان‭ ‬بالسببية‭ ‬وقوانينها؛‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬تشبيه‭ ‬الحركة‭ ‬في‭ ‬الكون‭ ‬كآلة‭ ‬ميكانيكية‭ ‬تعمل‭ ‬وفق‭ ‬قوانين‭ ‬ثابتة،‭ ‬تتصف‭ ‬بالاضطراد‭ ‬والحتمية‭.‬‭ ‬فكل‭ ‬سبب‭ ‬خاص‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬ذات‭ ‬النتيجة،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬دائما‭ ‬التنبؤ‭ ‬بالنتيجة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬متى‭ ‬ما‭ ‬علمنا‭ ‬بالسبب‭ ‬الخاص‭. ‬لقد‭ ‬تعدى‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬الآلي‭ ‬للكون‭ ‬حدودَ‭ ‬الفيزياء،‭ ‬ليشمل‭ ‬الظواهر‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والنفسية‭…‬إلخ‭. ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الكون‭ ‬من‭ ‬ظواهر‭ ‬طبيعية‭ ‬وغير‭ ‬طبيعية‭ ‬تتعلق‭ ‬بنشاط‭ ‬الإنسان‭ ‬هي‭ ‬نتيجة‭ ‬أسباب‭ ‬محددة‭. ‬ويرتكز‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬على‭ ‬منهجية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬التركيبية‭ (‬compositionality‭) ‬والاختزالية‭ (‬reductionism‭)‬،‭ ‬والتركيبية‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬جسم‭ ‬ميكرسكوبي‭ ‬مكوَّن‭ ‬من‭ ‬جسيمات‭ ‬صغيرة‭ ‬جدا،‭ ‬وإذا‭ ‬استطعنا‭ ‬أن‭ ‬نتعرف‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬النظرية‭ ‬على‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬تتطور‭ ‬بها‭ ‬هذه‭ ‬الجسيمات،‭ ‬فإنَّ‭ ‬كل‭ ‬خصائص‭ ‬الجسم‭ ‬الميكرسكوبي‭ ‬يمكن‭ ‬معرفتها‭.‬

إن‭ ‬معرفتنا‭ ‬بخصائص‭ ‬الجسم‭ ‬الميكروسكوبي‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬معرفتنا‭ ‬بالكيفية‭ ‬التي‭ ‬تتطور‭ ‬بها‭ ‬الجسيمات‭ ‬الصغيرة‭ ‬المكونة‭ ‬له،‭ ‬يسمى‭ ‬بـ‭”‬الاختزالية‭”. ‬فبالإضافة‭ ‬لمفهوم‭ ‬السببية‭ -‬وهو‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭- ‬فإنه‭ ‬أيضا‭ ‬يملك‭ ‬جُملة‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬حول‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان‭ ‬والكتلة‭ ‬والطاقة‭ ‬والعلاقة‭ ‬بين‭ ‬الذات‭ ‬والواقع‭…‬إلخ‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬الميكانيكي‭/‬الكلاسيكي‭ ‬للعالم،‭ ‬يُشكل‭ ‬العالم‭ ‬نظاما‭ ‬مغلقا‭ ‬مترابطا‭ ‬كترابط‭ ‬الأجزاء‭ ‬في‭ ‬آلة‭ ‬دقيقة‭. ‬وبهذا،‭ ‬يُمكن‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬مستقبله‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬معرفتنا‭ ‬بحاضره،‭ ‬وعندما‭ ‬نُصاب‭ ‬بالعجز‭ ‬عن‭ ‬معرفة‭ ‬مستقبل‭ ‬منظومة‭ ‬ما،‭ ‬فذلك‭ ‬لأننا‭ ‬لم‭ ‬نستطع‭ ‬أن‭ ‬نحيط‭ ‬بكل‭ ‬التفاصيل‭ ‬الدقيقة‭ ‬والشروط‭ ‬البدائية‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬لنا‭ ‬بالاحاطة‭ ‬بالأسباب‭. ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬ندرك‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬الفكري‭ ‬تحتل‭ ‬السببية‭ ‬مكانا‭ ‬متميزا؛‭ ‬فكل‭ ‬حدث‭ ‬إنما‭ ‬يحدث‭ ‬لتوافر‭ ‬أسبابه‭ ‬الخاصة،‭ ‬ولا‭ ‬مجال‭ ‬للعشوائية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭. ‬استمرت‭ ‬نظرية‭ ‬نيوتن‭ ‬في‭ ‬الجاذبية‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬الثلاثمائة‭ ‬عام،‭ ‬ولم‭ ‬يشك‭ ‬أحد‭ ‬في‭ ‬صحتها،‭ ‬وقد‭ ‬رافقها‭ -‬كما‭ ‬قلنا‭- ‬البرادايم‭ (‬النموذج‭) ‬الميكانيكي‭ ‬للعالم،‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬تفسير‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬تقريبا‭.‬

لكن‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬حدثت‭ ‬ثورة‭ ‬علمية‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬رأينا،‭ ‬ورافق‭ ‬هذه‭ ‬الثورة‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬مفاهيم‭ ‬أساسية،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬لم‭ ‬يَطَال‭ ‬عَصَب‭ ‬النموذج‭ ‬الميكانيكي‭ ‬ومفاهيمه‭ ‬الرئيسية،‭ ‬وأعني‭ ‬بذلك‭ ‬السببية‭ ‬وقوانينها،‭ ‬فما‭ ‬زال‭ ‬التصور‭ ‬الميكانيكي‭ ‬للعالم‭ ‬قائما،‭ ‬لكنه‭ ‬طال‭ ‬مفاهيم‭ ‬تتعلق‭ ‬بالزمان‭ ‬والمكان‭ ‬والجاذبية،‭ ‬والمادة‭ ‬والطاقة‭. ‬هذه‭ ‬الثورة‭ ‬صنعتها‭ ‬النظرية‭ ‬النسبية‭ ‬الخاصة‭ ‬والعامة‭ ‬للفيزيائي‭ ‬ألبرت‭ ‬آينشتاين،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬ينظر‭ ‬للزمان‭ ‬والمكان‭ ‬على‭ ‬أنهما‭ ‬نسبيان،‭ ‬والجاذبية‭ ‬هي‭ ‬انحناء‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬النسيج‭ ‬الزمكاني،‭ ‬والطاقة‭ ‬والمادة‭ ‬شكلان‭ ‬لجوهر‭ ‬واحد‭. ‬لقد‭ ‬غيَّرت‭ ‬النظرية‭ ‬النسبية‭ ‬مفاهيمنا‭ ‬لقضايا‭ ‬كانت‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬البديهيات‭ ‬في‭ ‬النموذج‭ ‬الميكانيكي‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬النموذج‭ ‬الميكانيكي‭ ‬أو‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬للعالم‭ ‬لم‭ ‬تحدث‭ ‬له‭ ‬إزاحة‭ ‬بالكامل،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬القديمة‭ ‬وعميقة‭ ‬الجذور‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الإنساني‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬اجتثاثها‭ ‬وإحلالها‭ ‬بمفاهيم‭ ‬نسبوية،‭ ‬وبهذا‭ ‬المعنى‭ ‬تكون‭ ‬النسبية‭ ‬قد‭ ‬أحدثت‭ ‬ثورة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬المفاهيم،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يتحول‭ ‬معها‭ ‬النموذج‭ ‬الفكري‭. ‬فالرؤية‭ ‬للمكونات‭ ‬الأساسية‭ ‬للعالم،‭ ‬والمنهجية‭ ‬التركيبية‭ ‬والاختزالية،‭ ‬لم‭ ‬يتغيراح؛‭ ‬لهذا‭ ‬يُمكننا‭ ‬القول‭ ‬باستمرارية‭ ‬النموذج‭ ‬الميكانيكي‭/‬الكلاسيكي‭ ‬للعالم‭. ‬لقد‭ ‬أثبت‭ ‬آينشتاين‭ ‬محدودية‭ ‬نظرية‭ ‬نيوتن‭ ‬في‭ ‬التطبيق‭ ‬والمفهوم،‭ ‬وأنها‭ ‬ليست‭ ‬كونية‭ ‬في‭ ‬اتساعها‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬تبدو‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬بداياتها‭. ‬سنتوقف‭ ‬متأمِّلين‭ ‬للمنهجية‭ ‬العلمية‭ ‬التي‭ ‬ولدت‭ ‬عنها‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬الكبيرة،‭ ‬وكيف‭ ‬أنها‭ ‬أعادت‭ ‬تموضع‭ ‬العقل‭ ‬والتجربة‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬المعرفي‭ ‬العلمي‭.‬

إن‭ ‬قانون‭ ‬نيوتن‭ ‬في‭ ‬الجاذبية‭ ‬هو‭ ‬قانون‭ ‬أمبريقي،‭ ‬لقد‭ ‬وضعه‭ ‬نيوتن‭ ‬كنتيجة‭ ‬مباشرة‭ ‬للتجربة،‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬النظرية‭ ‬النسبية‭ ‬بدا‭ ‬أن‭ ‬الفكر‭ ‬الرياضي‭ -‬المرتكز‭ ‬على‭ ‬بنية‭ ‬إكسيومتيكية‭ ‬معينة‭- ‬قادرٌ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬الحركة‭ ‬في‭ ‬الطبيعة،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬المعطى‭ ‬الحسي‭-‬التجريبي‭ ‬بالأهمية‭ ‬البالغة،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬القرون‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬النظرية‭ ‬النسبية‭. ‬ما‭ ‬يُميز‭ ‬النظرية‭ ‬النسبية‭ ‬هو‭ ‬قدرة‭ ‬الخيال‭ ‬البشري‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يلعب‭ ‬دورا‭ ‬مهمًّا‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬تصور‭ ‬خاص‭ ‬للعالم،‭ ‬وأن‭ ‬يضع‭ ‬لهذا‭ ‬التصور‭ ‬نسقه‭ ‬الرياضي‭ ‬المنطقي‭ ‬المحكوم‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬المبادئ‭ ‬والفروض‭ ‬الرياضية‭. ‬ولو‭ ‬ظل‭ ‬العقل‭ ‬حبيس‭ ‬التجربة‭ ‬وليس‭ ‬ثمة‭ ‬وظيفه‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬إلا‭ ‬الشرح‭ ‬والتفسير‭ ‬لما‭ ‬تُزوِّدنا‭ ‬به‭ ‬التجارب‭ ‬من‭ ‬معطيات،‭ ‬لما‭ ‬استطعنا‭ ‬أن‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬النظرية‭ ‬النسبية‭. ‬لقد‭ ‬أعطى‭ ‬هذا‭ ‬النسق‭ ‬الإكسيومتيكي‭ ‬للنظرية‭ ‬النسبية‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬النتائج‭ ‬في‭ ‬مرحلته‭ ‬التجريدية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تلعب‭ ‬التجربة‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬إثبات‭ ‬صدق‭ ‬تلك‭ ‬النتائج‭ ‬أو‭ ‬بطلانها‭.‬

لقد‭ ‬اثبتتْ‭ ‬النظرية‭ ‬النسبية‭ -‬بشكل‭ ‬لافت‭- ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بإلامكان‭ ‬الإحالة‭ ‬دائما‭ ‬للتجربة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬تتطور‭ ‬المعرفة،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬حبس‭ ‬العقل‭ ‬وقدرته‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬التجربة،‭ ‬فبعد‭ ‬قرون‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الصلابة‭ ‬التي‭ ‬تمتعت‭ ‬بها‭ ‬التجربة‭ -‬باعتبارها‭ ‬المعطى‭ ‬الحسي‭ ‬الأولي‭ ‬لممارسة‭ ‬عقلية‭ ‬من‭ ‬داخلها‭ ‬وملتزمة‭ ‬بحدودها‭- ‬تجاوز‭ ‬الخيال‭ ‬والعقل‭ ‬البشري‭ ‬التفكير‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬التجربة،‭ ‬وليتحرر‭ ‬مع‭ ‬النجاح‭ ‬الباهر‭ ‬للنظرية‭ ‬النسبية،‭ ‬وينطلق‭ ‬في‭ ‬آفاقه‭ ‬الرحبة،‭ ‬وليسهم‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬العلوم،‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬توجيه‭ ‬التجربة‭ ‬وإخضاعها‭ ‬للنتائج‭ ‬المتحصلة‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬رياضية‭ ‬اعتمدت‭ ‬تصورا‭ ‬محددا‭ ‬للطبيعة‭. ‬كانت‭ ‬التجارب‭ ‬في‭ ‬القرون‭ ‬السابقة‭ ‬للقرن‭ ‬العشرين،‭ ‬توجه‭ ‬الفكر‭ ‬الرياضي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬استخلاص‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬تصف‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬ظاهرة‭ ‬معينة،‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬النسبية‭ ‬استعاد‭ ‬العقل‭ ‬أهميته‭ ‬ومركزيته‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المعرفي،‭ ‬وأصبح‭ ‬هو‭ ‬المحفز‭ ‬للقيام‭ ‬بعمل‭ ‬تجريبي‭ ‬يتم‭ ‬إعداده‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬نتائج‭ ‬فرضها‭ ‬نسق‭ ‬رياضي‭ ‬متكامل،‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬فروض‭ ‬ومبادئ‭ ‬عقلية‭ ‬صرفة‭.‬

لقد‭ ‬صَنع‭ ‬ألبرت‭ ‬آينشتاين‭ ‬هزَّة‭ ‬عنيفة‭ ‬أطاحت‭ ‬بمسلمات‭ ‬رئيسية‭ ‬تربَّعت‭ ‬لفترات‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬العلمي؛‭ ‬باعتبارها‭ ‬حقائق‭ ‬لم‭ ‬يشك‭ ‬أحد‭ ‬في‭ ‬صحتها،‭ ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بمقدور‭ ‬التجربة‭ ‬أن‭ ‬تُثبت‭ ‬خطأ‭ ‬هذه‭ ‬المسلمات‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬العلمي‭. ‬التجربة‭ ‬عاجزة‭ ‬بذاتها،‭ ‬وفي‭ ‬مرحلة‭ ‬أولية،‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ترصد‭ ‬مثلا‭ ‬أن‭ ‬الفضاء‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬نسيج‭ ‬زمكاني‭ ‬له‭ ‬تموجاته،‭ ‬وله‭ ‬قابلية‭ ‬التمدد‭ ‬والتقلص‭. ‬هذا‭ ‬الكشف‭ ‬العظيم‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬العلوم‭ ‬كان‭ ‬بفضل‭ ‬العقل‭ ‬الرياضي،‭ ‬وقدراته،‭ ‬وطريقته‭ ‬الاستنباطية‭ ‬في‭ ‬الاستدلال‭. ‬لقد‭ ‬اعتبر‭ ‬آينشتاين‭ ‬العقل‭ ‬الرياضي‭ ‬بأنه‭ ‬المبدأ‭ ‬الخلاق‭ ‬في‭ ‬العلم‭. ‬ولو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬العقل‭ ‬مُتحررا‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬سابقة‭ ‬على‭ ‬التجربة‭ ‬من‭ ‬أسرها،‭ ‬لما‭ ‬أمكن‭ ‬أن‭ ‬تنعم‭ ‬البشرية‭ ‬بهذا‭ ‬الكشف‭ ‬الكبير‭. ‬مع‭ ‬النسبية،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬التجربة‭ ‬مؤسِّسة‭ ‬للنظرية‭ ‬الفيزيائية،‭ ‬ونجاحها‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬التطابق‭ ‬بين‭ ‬معطيات‭ ‬التجربة‭ ‬وبين‭ ‬قوانين‭ ‬رياضية‭ ‬صِيْغت‭ ‬من‭ ‬خلالها،‭ ‬بل‭ ‬إنَّ‭ ‬العقل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يبدع‭ ‬مفاهيم‭ ‬فيزيائية‭ ‬بشكل‭ ‬حُر‭ ‬ومُستقل‭ ‬عن‭ ‬التجربة،‭ ‬وتأتي‭ ‬التجربة‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬لاحقة‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يُؤكده‭ ‬آينشتاين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النص‭: “‬إن‭ ‬المفاهيم‭ ‬الفيزيائية‭ ‬إبداعات‭ ‬حرة‭ ‬للفكر‭ ‬البشري،‭ ‬وليست‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُعتقد،‭ ‬مُحددة‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي‭ ‬وحده‭…” (‬3،‭ ‬ص‭:‬460‭). ‬وعند‭ ‬التأمل‭ ‬في‭ ‬المبادئ‭ ‬والفروض‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬عليها‭ ‬النسبية،‭ ‬لن‭ ‬نجد‭ ‬أنها‭ ‬تتجاوز‭ ‬المعقول‭ ‬وحدوده‭ ‬لتصنع‭ ‬إشكالا‭ ‬فلسفيا‭. ‬لأنَّ‭ ‬الفلسفة‭ ‬هي‭ ‬فن‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬التعالي‭ ‬عن‭ ‬المعقول‭ ‬وحدوده‭ (‬4،‭ ‬ص‭:‬19‭).‬

لكن‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬أيضا‭ ‬ثمَّة‭ ‬محطة‭ ‬فاصلة‭ ‬وخطيرة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬العلم،‭ ‬خلقت‭ ‬إشكالا‭ ‬فلسفيا‭ ‬عنيفا‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬العلمي؛‭ ‬لأنها‭ ‬اتخذت‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التعالي‭ ‬المتجاوز‭ ‬للمعقول‭.‬‭ ‬هذه‭ ‬المحطة‭ ‬كانت‭ ‬مع‭ ‬النظرية‭ ‬الكمية‭ ‬في‭ ‬الفيزياء،‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬ينقسم‭ ‬العلماء‭ ‬في‭ ‬تفسيرهم‭ ‬لنظرية‭ ‬ما،‭ ‬مثلما‭ ‬انقسموا‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬النظرية،‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬هذا‭ ‬الانقسام‭ ‬والصراع‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬العلمي‭ ‬والفلسفي‭ ‬حيًّا،‭ ‬وبكل‭ ‬زخمه‭ ‬وعنفوانه‭ ‬منذ‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬اكتملت‭ ‬فيها‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬وإلى‭ ‬اليوم،‭ ‬ويتعدد‭ ‬هذا‭ ‬الانقسام‭ ‬بتعدُّد‭ ‬المدارس‭ ‬التي‭ ‬سلكت‭ ‬طريقا‭ ‬معينا‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭.‬

ولتوضيح‭ ‬الطبيعة‭ ‬الفلسفية‭ ‬لهذه‭ ‬النظرية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أنها‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التعالي‭ ‬المتجاوز‭ ‬لحدود‭ ‬عقولنا،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تطرح‭ ‬مشاكل‭ ‬فلسفية‭ (‬4،‭ ‬ص‭:‬20‭)‬،‭ ‬فإنَّ‭ ‬أحدَ‭ ‬كبار‭ ‬الفيزياء‭ ‬النظرية‭ ‬ريتشارد‭ ‬فيمان،‭ ‬يقول‭: “‬يمكنني‭ ‬بكل‭ ‬أمانة‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يفهم‭ ‬النظرية‭ ‬الكمية‭”. ‬وسنعود‭ ‬لاحقا‭ ‬لهذا‭ ‬الاقتباس،‭ ‬عندما‭ ‬ندلل‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭ ‬العميقة‭ ‬واللاشعورية‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬العلمي‭. ‬أردنا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الاقتباس‭ ‬أن‭ ‬ندلل‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬الفلسفية‭ ‬التي‭ ‬تلبست‭ ‬بها‭ ‬النظرية‭ ‬الكمية؛‭ ‬باعتبار‭ ‬الأفكار‭ ‬الواردة‭ ‬فيها‭ ‬والملتزمة‭ ‬بروح‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭ ‬تتصادم‭ ‬وحدود‭ ‬المعقول،‭ ‬وتتعالى‭ ‬عليه؛‭ ‬مما‭ ‬يؤهل‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬لإمكانات‭ ‬البحث‭ ‬الفلسفي‭ ‬القصوى‭.‬

فما‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬تُثير‭ ‬الدهشة،‭ ‬وتستعصي‭ ‬على‭ ‬الفهم،‭ ‬وتتمتع‭ ‬بكل‭ ‬هذا‭ ‬الإشكال‭ ‬الفلسفي؟‭ ‬

لأنها‭ ‬نظرية‭ ‬ثورية‭ ‬بتمام‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬يقترحه‭ ‬كون؛‭ ‬فلقد‭ ‬رافقها‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬النموذج‭ ‬الفكري،‭ ‬وهو‭ ‬تحول‭ ‬مثالي‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬نظرنا‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مرتكزات‭ ‬النموذج،‭ ‬كما‭ ‬وضعتها‭ ‬Allori‭ ‬في‭ ‬ورقتها،‭ ‬نموذج‭ ‬يضم‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬الصادمة‭ ‬للعقل،‭ ‬خُلقت‭ ‬معها‭ ‬تيارات‭ ‬إبيستمولوجية‭ ‬ورؤى‭ ‬فلسفية‭ ‬للوجود،‭ ‬ظلت‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬منذ‭ ‬اكتمالها‭ ‬وإلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭. ‬ويمتلك‭ ‬رؤية‭ ‬مختلفة‭ ‬للعالم‭ ‬ومنظومة‭ ‬رياضية‭ ‬جديدة‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬ميكانيكا‭ ‬نيوتن‭ ‬لفهم‭ ‬ديناميكا‭ ‬الحركة‭ ‬والتفاعلات‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الميكرسكوبي‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬الكمي‭ -‬أو‭ ‬الكمومي‭- ‬للعالم،‭ ‬يتكون‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬بناه‭ ‬الأساسية‭ ‬من‭ ‬أجسام‭ ‬كمومية،‭ ‬وليست‭ ‬فقط‭ ‬أجساما‭ ‬نقطية‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬عليه‭ ‬الرؤية‭ ‬في‭ ‬النموذج‭ ‬الكلاسيكي‭.. ‬لقد‭ ‬دلت‭ ‬بعض‭ ‬التجارب‭ -‬مثل‭ ‬تجربة‭ ‬ثنائية‭ ‬الشق‭- ‬على‭ ‬أن‭ ‬أجساما‭ ‬كالإلكترونات‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحيد‭ ‬كما‭ ‬تفعل‭ ‬الموجات‭. ‬وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬إشكالية‭ ‬وجودية‭ (‬ontological problem‭)‬؛‭ ‬لأن‭ ‬الجسيمات‭ ‬والموجات‭ ‬ليسا‭ ‬مُتوافقين؛‭ ‬فالجسيمات‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التعريف‭ ‬تملك‭ ‬مواقع‭ ‬محددة‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ (‬objects localized‭)‬،‭ ‬بينما‭ ‬الموجات‭ ‬لها‭ ‬خاصية‭ ‬الانتشار‭ (‬delocalized objects‭)‬،‭ ‬وبينما‭ ‬يمكن‭ ‬للموجات‭ ‬أن‭ ‬تتداخل‭ ‬بحيث‭ ‬يمكن‭ ‬لطاقة‭ ‬هذه‭ ‬الموجات‭ ‬عند‭ ‬التداخل‭ ‬أن‭ ‬تزداد،‭ ‬أو‭ ‬تقل‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬ممتنع‭ ‬على‭ ‬الجسيمات‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تلخص‭ ‬كل‭ ‬غرابة‭ ‬الأفكار‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬ترينا‭ ‬أن‭ ‬الجسيمات‭ ‬تتصرف‭ ‬كالموجات‭. ‬لقد‭ ‬دلت‭ ‬التجارب‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الموجات‭ ‬تتصرف‭ ‬كالجسيمات،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬التأثير‭ ‬الكهروضوئي‭. ‬نحن‭ ‬إذن‭ ‬بإزاء‭ ‬واقعية‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬النموذج‭ ‬السابق،‭ ‬واقعية‭ ‬كمومية‭ -‬نسبة‭ ‬للنظرية‭ ‬الكم‭- ‬يُسمِّيها‭ ‬نيلز‭ ‬بور‭ -‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬مؤسسي‭ ‬النظرية‭- ‬بـ‭”‬ثنائية‭ ‬الموجة‭/‬الجسيم‭”. ‬فالإلكترونات‭ ‬ليست‭ ‬أجساما‭ ‬بالمعنى‭ ‬الكلاسيكي،‭ ‬بل‭ ‬أجسام‭ ‬ثنائية؛‭ ‬ففي‭ ‬بعض‭ ‬التجارب‭ ‬يظهر‭ ‬منها‭ ‬السلوك‭ ‬الجسيمي،‭ ‬وفي‭ ‬تجارب‭ ‬أخرى‭ ‬يظهر‭ ‬منها‭ ‬السلوك‭ ‬الموجي‭. ‬وتزداد‭ ‬المشكلة‭ ‬الأنطولوجية‭ ‬تعقيدا‭ ‬عندما‭ ‬تكشف‭ ‬التجارب‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬الوعي‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬واقعية‭ ‬محددة‭ ‬للعالم‭ ‬الكمي‭. ‬فقبل‭ ‬المراقبة‭ ‬الواعية‭ -‬بحسب‭ ‬التفسير‭ ‬الذي‭ ‬تتبناه‭ ‬مدرسة‭ ‬كوبنهاجن،‭ ‬وهي‭ ‬إحدى‭ ‬اكبر‭ ‬المدارس‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬النظرية‭ ‬الكمية،‭ ‬والمتمسكة‭ ‬بروح‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭- ‬ليس‭ ‬للعالم‭ ‬الكمي‭ ‬واقعية‭ ‬محددة‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬واقعية‭ ‬مبهمة‭ ‬تقبل‭ ‬التناقض‭ ‬الممتنع‭ ‬في‭ ‬المنطق‭ ‬الصوري‭ ‬وفي‭ ‬التصور‭ ‬العقلاني‭ ‬للوجود‭. ‬فالعالم‭ ‬الكمي‭ ‬قبل‭ ‬القياس‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتخذ‭ ‬واقعيات‭ ‬متناقضة‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭. ‬ولتوضيح‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬لنستخدم‭ ‬قطة‭ ‬شرودينجر‭. ‬لو‭ ‬تصورنا‭ ‬قطة‭ ‬في‭ ‬صندوق‭ ‬مغلق،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الصندوق‭ ‬توجد‭ ‬مادة‭ ‬مشعة،‭ ‬فقبل‭ ‬لحظة‭ ‬فتح‭ ‬الصندوق،‭ ‬يمكن‭ -‬بحسب‭ ‬تفسير‭ ‬مدرسة‭ ‬كوبنهاجن‭- ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬القطة‭ ‬ميتة‭ ‬وغير‭ ‬ميتة‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت،‭ ‬فقبل‭ ‬لحظة‭ ‬القياس‭ ‬كل‭ ‬الحالات‭ ‬مفتوحة‭ ‬وممكنة،‭ ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬ما‭ ‬يمنع‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬حالات‭ ‬من‭ ‬التناقض‭ ‬الممتنع‭ ‬عقلا‭. ‬لقد‭ ‬صوَّب‭ ‬هذا‭ ‬التفسير‭ ‬سهامه‭ ‬نحو‭ ‬بديهية‭ ‬تعتبر‭ ‬ضرورة‭ ‬لكل‭ ‬ممارسة‭ ‬معرفية‭. ‬وعندما‭ ‬نفتح‭ ‬الصندوق،‭ ‬فإن‭ ‬الموجة‭ ‬تنهار،‭ ‬وعلى‭ ‬أثر‭ ‬انهيارها‭ ‬يمكن‭ ‬تحديد‭ ‬واقعية‭ ‬واحدة‭ ‬للقطة‭.‬

ووتبرز‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬مُشكلة‭ ‬أخرى‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬النموذج‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬للعالم؛‭ ‬وتتمثل‭ ‬في‭: ‬معضلة‭ ‬القياس‭.. ‬فأدوات‭ ‬القياس‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬واقعية‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الميكروسكوبي،‭ ‬وتحد‭ ‬من‭ ‬معرفتنا‭ ‬به،‭ ‬وقد‭ ‬عبرت‭ ‬النظرية‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬العجز‭ ‬رياضيا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مبدأ‭ ‬الارتياب‭ ‬أو‭ ‬اللاتحديد،‭ ‬للفيزيائي‭ ‬هايزنبرج‭. ‬وينص‭ ‬هذا‭ ‬المبدأ‭ ‬على‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬الدقة‭ ‬المطلقة‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬سرعة‭ ‬الجسيم‭ ‬وموقعه‭. ‬فإذا‭ ‬حددنا‭ ‬بدقة‭ ‬عالية‭ ‬سرعة‭ ‬الجسيم،‭ ‬فإننا‭ ‬لن‭ ‬نتمكن‭ ‬من‭ ‬تحديد‭ ‬موقعه‭ ‬بدقة،‭ ‬والعكس‭ ‬صحيح‭. ‬واتجهت‭ ‬مدرسة‭ ‬كوبنهاجن‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬الرياضي‭ ‬لمبدأ‭ ‬الارتياب‭ ‬بأن‭ ‬الجسيمات‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬متغيرات‭ ‬ديناميكية‭ ‬محددة‭ ‬كالسرعة‭ ‬والموقع،‭ ‬وإنما‭ ‬تمتلك‭ ‬أحد‭ ‬هذه‭ ‬المتغيرات‭ ‬عند‭ ‬لحظة‭ ‬القياس‭.‬

وعلى‭ ‬ضوء‭ ‬هذا‭ ‬المبدأ،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بإمكاننا‭ ‬أن‭ ‬نتعرف‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬هذه‭ ‬الجسيمات‭ ‬الكمية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ميكانيكا‭ ‬نيوتن؛‭ ‬لأن‭ ‬مشروطية‭ ‬معرفة‭ ‬مستقبل‭ ‬هذه‭ ‬الجسيمات‭ ‬هي‭ ‬المعرفة‭ ‬التامة‭ ‬بكامل‭ ‬حالتها‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬ما،‭ ‬وهذا‭ ‬ممتنع‭ ‬علينا‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الكمي‭. ‬لذلك؛‭ ‬طورت‭ ‬النظرية‭ ‬ميكانيكا‭ ‬موجية،‭ ‬هذه‭ ‬الميكانيكا‭ ‬لا‭ ‬تعطينا‭ ‬قياسات‭ ‬دقيقة‭ ‬لخواص‭ ‬هذه‭ ‬الجسيمات‭ ‬المقاسة،‭ ‬بل‭ ‬توزيعات‭ ‬محتملة‭.. ‬فمثلا‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬لا‭ ‬تعطينا‭ ‬الموقع‭ ‬الدقيق‭ ‬للجسيم،‭ ‬إنما‭ ‬تعطيك‭ ‬قيمة‭ ‬احتمالية‭ ‬كبيرة‭ ‬لوجوده‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬من‭ ‬الفراغ،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تلغي‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬بقية‭ ‬الأماكن‭. ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬مؤسسة‭ ‬على‭ ‬منطق‭ ‬احتمالي‭ ‬إحصائي،‭ ‬لكن‭ ‬تكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬فلسفيا‭ ‬في‭ ‬التفسير‭ ‬الذي‭ ‬تقدمه‭ ‬مدرسة‭ ‬كوبنهاجن‭ ‬لهذا‭ ‬المنطق‭ ‬الاحتمالي‭ ‬في‭ ‬النظرية‭. ‬تقول‭ ‬لنا‭ ‬مدرسة‭ ‬كوبنهاجن‭: ‬إن‭ ‬الاحتمالات‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬هي‭ ‬ليست‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬معرفتنا‭ ‬التامة‭ ‬بهذا‭ ‬العالم‭ ‬الكمي،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬الاحتمالات‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭. ‬ليس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬سببية‭ ‬خاصة‭ ‬تعطي‭ ‬نتيجة‭ ‬خاصة،‭ ‬فلا‭ ‬يوجد‭ ‬معنى‭ ‬لهذه‭ ‬السببية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الكمي،‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬مُتلبس‭ ‬بهوية‭ ‬احتمالية‭ ‬وإحصائية،‭ ‬ولا‭ ‬علاقة‭ ‬لهذه‭ ‬الهوية‭ ‬بمدى‭ ‬معرفتنا‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬قريب‭ ‬أو‭ ‬بعيد‭. ‬وهنا‭ ‬تقدم‭ ‬لنا‭ ‬مدرسة‭ ‬كوبنهاجن‭ ‬تفسيرا‭ ‬يضرب‭ ‬بديهية‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الإنساني،‭ ‬وتقول‭ ‬لنا‭ ‬إن‭ ‬جميع‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬السببية،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬الاحتمالات‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬السببية‭ ‬في‭ ‬النموذج‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬مفهوما‭ ‬مركزيا،‭ ‬فإن‭ ‬الاحتمالات‭ ‬هي‭ ‬المفهوم‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬الكمي‭.‬

هذا‭ ‬التفسير‭ ‬الذي‭ ‬تقدمه‭ ‬لنا‭ ‬مدرسة‭ ‬كوبنهاجن،‭ ‬والملتزمة‭ ‬بروح‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬صورتها‭ ‬الفلسفية‭ ‬الظاهراتية،‭ ‬يطرح‭ ‬إشكالات‭ ‬فلسفية‭ ‬عميقة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإبيستمولوجي‭ ‬والأنطولوجي،‭ ‬ويفعل‭ ‬الحالة‭ ‬الفلسفية‭ ‬لتمارس‭ ‬فنَّ‭ ‬طرح‭ ‬السؤال‭ ‬لمثل‭ ‬هذه‭ ‬التفسيرات‭ ‬التي‭ ‬تطال‭ ‬بنية‭ ‬فكرية‭ ‬للعقل‭ ‬الإنساني،‭ ‬عبَّر‭ ‬عنها‭ ‬التيارُ‭ ‬العقلاني‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬الكجيتو‭ ‬الديكارتي،‭ ‬والأفكار‭ ‬الفطرية‭ ‬التي‭ ‬أودعها‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬صميم‭ ‬البنية‭ ‬الفكرية‭ ‬للإنسان،‭ ‬وعبَّرت‭ ‬عنها‭ ‬الفلسفة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬بديهيات‭ ‬العقل،‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬عليها‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬تسبق‭ ‬التعقل،‭ ‬هي‭ ‬مرحلة‭ ‬الشهود‭ ‬الباطني؛‭ ‬حيث‭ ‬تكون‭ ‬النفس‭ ‬حاضرة‭ ‬لذاتها،‭ ‬ومطلعة‭ ‬على‭ ‬شؤونها‭. ‬وبهذا‭ ‬التفسير،‭ ‬فإننا‭ ‬لن‭ ‬نكون‭ ‬في‭ ‬أمان‭ ‬معرفي؛‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أننا‭ ‬لسنا‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬التنبؤ‭ ‬بالمفاجآت‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬لنا‭ ‬التجربة‭ ‬كلما‭ ‬تطوَّرت‭ ‬تقنيات‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬سبر‭ ‬أغوار‭ ‬هذا‭ ‬الكون‭. ‬هل‭ ‬يُمكن‭ ‬مثلا‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬بكل‭ ‬ثقة‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬التفسير‭ ‬هو‭ ‬خلاصة‭ ‬التجربة‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬العلوم،‭ ‬أو‭ ‬الشكل‭ ‬النهائي‭ ‬الأبيستمولوجي‭ ‬والفلسفي‭ ‬للعلم؟‭! ‬بالطبع‭ ‬ليس‭ ‬باستطاعتنا‭ ‬بحسب‭ ‬منطق‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الكلام؛‭ ‬لأننا‭ ‬لم‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬نهاية‭ ‬العلم،‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬أمام‭ ‬التجربة‭ ‬مشوار‭ ‬طويل‭ ‬جدا‭ ‬في‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬معطيات‭ ‬جديدة‭ ‬قدمها‭ ‬لنا‭ ‬العقل‭ ‬النظري،‭ ‬كما‭ ‬سنبيِّن‭. ‬وعندئد،‭ ‬يُمكن‭ ‬لنا‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬التفسير‭ ‬الملتزم‭ ‬بالعقلانية‭ ‬العلمية‭ ‬لا‭ ‬يؤمن‭ ‬لنا‭ ‬قاعدة‭ ‬اليقين‭ ‬والأمان،‭ ‬وإنما‭ ‬يترك‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التحفُّز‭ ‬الدائم‭ ‬للمفاجآت‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬لنا‭ ‬التجربة‭.‬

وقبل‭ ‬أن‭ ‬نقرر‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬هذه‭ ‬الورقة‭ ‬أن‭ ‬الفكر‭ ‬البشري‭ ‬مهما‭ ‬قدمت‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭ ‬من‭ ‬تفسير‭ ‬يهدم‭ ‬الأساس‭ ‬المتين‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬عليه‭ ‬العقل‭ ‬الإنساني،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الواقع‭ ‬يقول‭ ‬لنا‭ ‬إن‭ ‬ثمة‭ ‬ممارسة‭ ‬علمية‭ ‬ضرورية‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬عُمق‭ ‬هذا‭ ‬البنيان،‭ ‬ورسوخه‭ ‬في‭ ‬العقل،‭ ‬دعونا‭ ‬نتوقف‭ ‬عند‭ ‬النظرية‭ ‬الكمية،‭ ‬وندرس‭ ‬الآلية‭ ‬المتبعة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النظرية،‭ ‬والتي‭ ‬تنمِّي‭ ‬معرفتنا‭ ‬بهذا‭ ‬العالم‭ ‬الكمي،‭ ‬وسنكتشفُ‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬هي‭ ‬تهميش‭ ‬لدور‭ ‬التجربة،‭ ‬وانتصار‭ ‬للعقل‭ ‬الرياضي‭.‬

فيلسوف‭ ‬العلم‭ ‬جاستون‭ ‬باشلار‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬الدراماتيكي‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬العلم‭ ‬والمعطى‭ ‬الحسي‭-‬التجريبي‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭.. ‬يُفرق‭ ‬باشلار‭ ‬بين‭ ‬علم‭ ‬الأمس‭ ‬والعلم‭ ‬الحديث؛‭ ‬فالقرون‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬كان‭ ‬العلم‭ ‬والفلسفة‭ ‬التجريبية‭ ‬يتحدثان‭ ‬لغة‭ ‬واحدة،‭ ‬وكان‭ ‬الشعار‭ ‬فيها‭ -‬كما‭ ‬يقول‭- “‬عودوا‭ ‬الأذهان‭ ‬الشابة‭ ‬على‭ ‬الارتباط‭ ‬بالمشخص‭ ‬والاهتمام‭ ‬بالحوداث،‭ ‬انظر‭ ‬كي‭ ‬تفهم‭”. ‬سوف‭ ‬أقتبس‭ ‬من‭ ‬ورقة‭ ‬سابقة‭ ‬ذكرنا‭ ‬فيها‭ ‬الدور‭ ‬الثانوي‭ ‬للتجربة‭ ‬في‭ ‬تنامي‭ ‬معرفتنا‭ ‬بالعالم‭ ‬الكمي،‭ ‬وأنَّ‭ ‬الدور‭ ‬الأساس‭ ‬هو‭ ‬العقل‭ ‬الرياضي‭ ‬والبناء‭ ‬الإكسيومي‭ ‬الصوري‭.‬

‭”‬لقد‭ ‬ألغت‭ ‬الفيزياء‭ ‬الحديثة‭ ‬فردانية‭ ‬الجسيم؛‭ ‬فلم‭ ‬يعُد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الجسيم‭ ‬إلا‭ ‬ضِمن‭ ‬مجموعة،‭ ‬ونحن‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬التعرُّف‭ ‬عليه‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬علاقته‭ ‬بالمجموعة‭. ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬الفيزياء‭ ‬الحديثة‭ ‬تداخُلا‭ ‬بين‭ ‬العقل‭ ‬والكائن‭ ‬وبين‭ ‬الموجة‭ ‬والجسيم‭. ‬هذه‭ ‬الظواهر‭ ‬الجديدة،‭ ‬والملتبسة،‭ ‬أفضت‭ ‬لتناقض‭ ‬كبير‭ ‬مع‭ ‬الفلسفة‭ ‬التجريبية؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬المعطَى‭ ‬الحسي‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الظواهر‭ ‬هو‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬إمدادنا‭ ‬بالمعلومات‭ ‬كما‭ ‬تزعم‭ ‬النزعة‭ ‬التجريبية؛‭ ‬إذ‭ ‬أصبح‭ ‬المعطَى‭ ‬الحسي‭ ‬في‭ ‬الميكروفيزياء‭ ‬وسيلةً‭ ‬للتحليل‭ ‬الرياضي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كَوْنه‭ ‬موضوعًا‭ ‬للمعرفة‭ ‬التجريبية‭. ‬وبما‭ ‬أنَّ‭ ‬الواقع‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للتفرد،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬القياس‭ ‬الدقيق‭ ‬عملية‭ ‬معقدة‭ ‬جدًّا،‭ ‬فإن‭ ‬العالم‭ ‬سيعطي‭ ‬أهمية‭ ‬كبيرة‭ ‬لبنية‭ ‬العلاقات‭ ‬الرياضية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بتوجيه‭ ‬التجارب‭ ‬العلمية‭. ‬إذن،‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬مُنعطف‭ ‬إبستمولوجي‭ ‬جديد،‭ ‬فرضته‭ ‬التطورات‭ ‬العلمية‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الذري‭. ‬ويتمثل‭ ‬هذا‭ ‬المنعطف‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬العقل‭ ‬العلمي‭ ‬يتطوَّر‭ ‬نحو‭ ‬التجريد‭ ‬الرياضي؛‭ ‬فالتصور‭ ‬العلمي‭ ‬الجديد‭ ‬للواقع‭ ‬هو‭ ‬تصوُّر‭ ‬تحكمه‭ ‬البنيات‭ ‬الرياضية،‭ ‬وليس‭ ‬الكائنات‭ ‬الفيزيائية‭. ‬يقول‭ ‬باشلار‭: “‬إنَّ‭ ‬الفكر‭ ‬الواقعي‭ ‬لا‭ ‬يستحدث‭ ‬من‭ ‬ذاته‭ ‬أزماته‭ ‬الخاصة،‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬هذا‭ ‬قط‭. ‬إن‭ ‬الاستثارة‭ ‬تأتيه‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬دوما،‭ ‬وبالضبط‭ ‬من‭ ‬ميدان‭ ‬المجرد،‭ ‬وبالضبط‭ ‬من‭ ‬ميدان‭ ‬المجرد،‭ ‬الميدان‭ ‬الذي‭ ‬فيه‭ ‬تنشأ‭ ‬ومنه‭ ‬تنطلق‭. ‬إن‭ ‬منابع‭ ‬الفكر‭ ‬العلمي‭ ‬المعاصر‭ ‬تنتمي‭ ‬لميدان‭ ‬الرياضيات‭”.. ‬ويرى‭ ‬باشلار‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬قطيعة‭ ‬بين‭ ‬المعرفة‭ ‬الحسية‭ ‬والمعرفة‭ ‬العلمية،‭ ‬وأن‭ ‬العقلانية‭ ‬التطبيقية‭ ‬أو‭ ‬الفلسفة‭ ‬المفتوحة‭ ‬التي‭ ‬تعطي‭ ‬تصورا‭ ‬للواقع‭ ‬العلمي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬علاقة‭ ‬شديدة‭ ‬الخصوصية‭ ‬بين‭ ‬الفيزياء‭ ‬والرياضيات،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تمد‭ ‬جسور‭ ‬القطيعة‭ ‬بينهما‭” (‬5‭).‬

أعطت‭ ‬النجاحات‭ ‬التي‭ ‬حققتها‭ ‬البُنى‭ ‬الرياضية‭ ‬لفهم‭ ‬الواقع‭ ‬الكمي،‭ ‬وفي‭ ‬الفيزياء‭ ‬الحديثة‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬يُشكلها‭ ‬العقل‭ ‬وحده،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يصطدم‭ ‬العلم‭ ‬بعقبات‭ ‬معرفية،‭ ‬أو‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تفشل‭ ‬نظرية‭ ‬في‭ ‬استيعاب‭ ‬معطيات‭ ‬جديدة،‭ ‬تعزيزا‭ ‬لدور‭ ‬العقل‭ ‬الرياضي،‭ ‬وطرائق‭ ‬الاستدلال‭ ‬الاستنباطي‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬التجربة،‭ ‬وطرائق‭ ‬الاستدلال‭ ‬الاستقرائي‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬البُنى‭ ‬الرياضية،‭ ‬يعمد‭ ‬العقل‭ ‬إلى‭ ‬تشكيل‭ ‬مبادئ‭ ‬أولية،‭ ‬يحكمها‭ ‬منطق‭ ‬خاص،‭ ‬وهي‭ ‬بذلك‭ ‬تكون‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬تقوم‭ ‬عليه‭ ‬البُنى‭ ‬الرياضية‭ ‬التي‭ ‬تعطِي‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬النتائج،‭ ‬ثم‭ ‬يأتي‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬المحدِّد‭ ‬التجريبي‭ ‬ليثبت‭ ‬صحة‭ ‬أو‭ ‬خطأ‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭. ‬الفيزياء‭ ‬الحديثة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬البناء‭ ‬الرياضي،‭ ‬الإكسيومي،‭ ‬الذي‭ ‬يبدأ‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬فروض‭ ‬ومبادئ‭ ‬لم‭ ‬يُعْرف‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬صحيحة‭ ‬أم‭ ‬خاطئة،‭ ‬وعلى‭ ‬ضوئها‭ ‬يتم‭ ‬بناء‭ ‬نسق‭ ‬رياضي‭ ‬محكم،‭ ‬ومنه‭ ‬يستخلص‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬التأكد‭ ‬منها‭ ‬عمليا‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬لاحقة‭. ‬يقول‭ ‬العالم‭ ‬الفيزيائي‭ ‬بول‭ ‬ديفيدس‭: “‬معظم‭ ‬الرياضيات‭ ‬الناجحة،‭ ‬والقابلة‭ ‬للتطبيق،‭ ‬اشتغل‭ ‬عليها‭ ‬رياضيون‭ ‬بصورة‭ ‬تجريدية‭ ‬قبل‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬تطبيقها‭ ‬في‭ ‬الواقع‭” (‬6،‭ ‬ص‭:‬62‭). ‬في‭ ‬البناء‭ ‬الإكسيومي‭: ‬المرحلة‭ ‬التجريدية‭ ‬تسبق‭ ‬المرحلة‭ ‬التطبيقية،‭ ‬ولا‭ ‬توجد‭ ‬علاقة‭ ‬بينهما‭ ‬قبل‭ ‬مرحلة‭ ‬التطبيق‭.. ‬فنظرية‭ ‬التناظر‭ ‬الأعلى‭ ‬مثلًا‭ (‬supersymmetry‭) ‬في‭ ‬الفيزياء،‭ ‬تمَّ‭ ‬تأسيسها‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬أُختيرت‭ ‬بعناية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تجاوز‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬النموذج‭ ‬القياسي‭ ‬لفيزياء‭ ‬الجسيمات‭.‬

لقد‭ ‬تقدَّمت‭ ‬الفيزياء‭ ‬الرياضية‭ ‬كثيرًا،‭ ‬وقدمت‭ ‬تصوُّرا‭ ‬عن‭ ‬الكون،‭ ‬تحتاج‭ ‬التجربة‭ ‬ربما‭ ‬لعشرات‭ ‬السنوات‭ ‬حتى‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬اختبار‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬المذهلة‭ ‬حقا‭.. ‬لقد‭ ‬قدم‭ ‬لنا‭ ‬التحليل‭ ‬الرياضي‭ ‬نظرية‭ ‬الأوتار‭ ‬التي‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬البُنى‭ ‬الأساسية‭ ‬للكون‭ ‬هي‭ ‬أعمق‭ ‬بكثير‭ ‬جدا‭ ‬من‭ ‬الجسيمات‭ ‬النقطية،‭ ‬بل‭ ‬أوتار‭ ‬تهتز‭ ‬بطرق‭ ‬مختلفة‭ ‬لتعطينا‭ ‬كلَّ‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الكون‭ ‬من‭ ‬مادة‭. ‬وتقدِّم‭ ‬لنا‭ ‬النظرية‭ ‬أبعادا‭ ‬إضافية‭ ‬غير‭ ‬مرئية،‭ ‬والكثير‭ ‬من‭ ‬النظريات‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬نتاج‭ ‬نشاط‭ ‬رياضي‭ ‬تجريدي‭ ‬محض،‭ ‬ونحن‭ ‬بانتظار‭ ‬أن‭ ‬تتقدم‭ ‬التجربة‭ ‬لتواكب‭ ‬هذا‭ ‬التفوق‭ ‬الرياضي‭ ‬النظري‭.‬

وقبل‭ ‬أن‭ ‬نَخْتم‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬لإثبات‭ ‬دعوانا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الورقة،‭ ‬والتي‭ ‬أوضحنا‭ ‬فيها‭ ‬أنَّ‭ ‬الممارسة‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬الفيزياء‭ ‬الحديثة‭ ‬أعطت‭ ‬أهمية‭ ‬للعقل‭ ‬الرياضي،‭ ‬وبنيته‭ ‬الإكسيومية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬التجربة،‭ ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬ريتشارد‭ ‬موريس‭ -‬في‭ ‬كتابه‭ “‬حافة‭ ‬العلم‭”- ‬يُؤكد‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الدور،‭ ‬فيقول‭: “‬ولعله‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬المحتمة‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬الفيزياء‭ ‬في‭ ‬يومنا‭ ‬علمًا‭ ‬أقل‭ ‬اتصافا‭ ‬بالتجريبية‭…” (‬7،‭ ‬ص‭:‬226‭)‬،‭ ‬ويضيف‭ ‬بأنه‭ ‬وبسبب‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬الفيزياء‭ ‬الحديثة،‭ ‬ونظرياتها‭ ‬عن‭ ‬الكون،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬هناك‭ ‬حدود‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬الفيزياء‭ ‬والميتافيزيقا‭”‬،‭ ‬لقد‭ ‬أمكن‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬يُطلق‭ ‬رذرفورد‭ ‬على‭ ‬الفلسفة‭ ‬أنها‭ “‬كلام‭ ‬فارغ‭”. ‬وإنَّني‭ ‬لأتساءل‭ ‬عما‭ ‬كان‭ ‬سيظنه‭ ‬بشأن‭ ‬الموقف‭ ‬الحالي‭ ‬في‭ ‬الفيزياء،‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬حيًّا؟‭! ‬ها‭ ‬نحن‭ ‬الآن،‭ ‬وقد‭ ‬أصبحت‭ ‬الحدود‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الفيزياء‭ ‬والميتافيزيقا‭ ‬غير‭ ‬واضحة،‭ ‬والأسئلة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعد‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬آخر‭ ‬أسئلة‭ ‬ميتافيزيقية،‭ ‬تدخل‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬المناقشات‭ ‬عن‭ ‬أصل‭ ‬الكون،‭ ‬وأصبح‭ ‬الفيزيائيون‭ ‬يتحدثون‭ ‬عن‭ ‬المبادئ‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬يبدو‭ ‬أحيانا‭ ‬أنها‭ ‬فلسفية‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬علمية‭!!‬

يُعرف‭ ‬مُحمَّد‭ ‬عابد‭ ‬الجابري‭ -‬في‭ ‬كتابه‭ “‬بنية‭ ‬العقل‭ ‬العربي‭”- ‬النظام‭ ‬المعرفي‭ ‬داخل‭ ‬ثقافة‭ ‬ما،‭ ‬على‭ ‬أنه‭ “‬جملة‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬والمبادئ‭ ‬والإجراءات،‭ ‬تعطي‭ ‬للمعرفة‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬تاريخية‭ ‬بنيتها‭ ‬اللاشعورية‭” (‬8،ص‭:‬37‭). ‬فالبناء‭ ‬المعرفي‭ -‬كما‭ ‬يستطرد‭ ‬الجابري‭- ‬يتضمن‭ ‬ثوابت‭ ‬ومتغيرات،‭ ‬والثوابت‭ ‬هي‭ ‬البنية‭ ‬العميقة‭ ‬الصلبة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المعرفي‭, ‬والمتغيرات‭ ‬هي‭ ‬البنية‭ ‬الفوقية‭ ‬المؤسَّسة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الثوابت،‭ ‬التي‭ ‬وهي‭ ‬بنيته‭ ‬التحتية‭. ‬وهذا‭ ‬البناء‭ ‬التحتاني‭ ‬هو‭ ‬البنية‭ ‬اللاشعورية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬الفكر‭ ‬داخل‭ ‬نظام‭ ‬معرفي‭ ‬أن‭ ‬ينعتق‭ ‬من‭ ‬فضائها،‭ ‬ويمارس‭ ‬تفكيره‭ ‬من‭ ‬خارجها‭. ‬ومن‭ ‬وَحي‭ ‬تعريف‭ ‬الجابري‭ ‬للنظام‭ ‬المعرفي‭ ‬داخل‭ ‬ثقافة‭ ‬ما،‭ ‬نتساءل‭ ‬عمَّا‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬يُوجد‭ ‬في‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭ ‬اللاشعورية،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تدَّعي‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬هي‭ ‬مصدرها‭ ‬المؤسِّس‭ ‬لمعرفتها‭ ‬العلمية‭ ‬والفلسفية‭ ‬للعالم؟‭ ‬ولقد‭ ‬أثبتنا‭ ‬فيما‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭ ‬تنفي‭ ‬أية‭ ‬إمكانية‭ ‬لوجود‭ ‬بنية‭ ‬عميقة‭ ‬صلبة‭ ‬تُؤسس‭ ‬عليها‭ ‬المعرفة‭ ‬البشرية؛‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأحد‭ -‬كما‭ ‬قلنا‭- ‬أن‭ ‬يتنبى‭ ‬بمسار‭ ‬المعرفة‭ ‬البشرية‭ ‬والمفاجآت‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬عنها‭ ‬التجربة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬نحصل‭ ‬عليه‭ ‬بعد‭ ‬التأمل‭ ‬في‭ ‬كَون‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬التجربة‭ ‬كحجر‭ ‬أساس‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬العلمي‭/‬الفلسفي‭ ‬للعالم‭.‬

إنَّ‭ ‬التفسيرات‭ ‬التي‭ ‬رافقتْ‭ ‬التطورات‭ ‬العلمية،‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬الفيزياء،‭ ‬تشي‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬ثوابت‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬يؤسَّس‭ ‬عليها‭ ‬البناء‭ ‬الفوقي‭ ‬للمعرفة‭ ‬البشرية‭. ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬التجربة‭ ‬ومفاجآتها‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬نعول‭ ‬عليه،‭ ‬فإنَّ‭ ‬البشرية‭ ‬ستجد‭ ‬نفسها‭ ‬بدون‭ ‬ثوابت‭ ‬تؤمِن‭ ‬لها،‭ ‬كلما‭ ‬تعثرت،‭ ‬صمام‭ ‬الأمان‭ ‬والقاعدة‭ ‬التي‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬وضع‭ ‬قدميها‭ ‬عليها‭ ‬بكل‭ ‬ثبات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬معاودة‭ ‬الانطلاق‭. ‬

العقل‭ ‬العلمي،‭ ‬وإن‭ ‬ادعى‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يُؤمن‭ ‬بأية‭ ‬معرفة‭ ‬خارجة‭ ‬عن‭ ‬التجربة‭ ‬وينفي‭ ‬وجود‭ ‬مبادئ‭ ‬أولية‭ ‬ضرورية‭ ‬فوق‭ ‬التجربة،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يطبق‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬العلمي‭ ‬بصورة‭ ‬لا‭ ‬شعورية،‭ ‬توحي‭ ‬بوجود‭ ‬بنية‭ ‬صلبة‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الإنساني،‭ ‬وإن‭ ‬يتم‭ ‬تجاهلها‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الشعورية‭.. ‬هناك‭ ‬انفصامٌ،‭ ‬أو‭ ‬ازدواجية‭ ‬تمارسها‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬تؤمن‭ ‬به‭ ‬وما‭ ‬تمارسه‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬كما‭ ‬سنُثبت‭ ‬ذلك‭ ‬بعد‭ ‬قليل‭. ‬لكن‭ ‬دعونا‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬الجابري،‭ ‬لنقتبس‭ ‬منه‭ ‬نصًّا‭ ‬مُهمًّا،‭ ‬نفسر‭ ‬بواسطته‭ ‬حالة‭ ‬الانفصام‭ ‬الذي‭ ‬تعاني‭ ‬منه‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭.. ‬يتحدث‭ ‬الجابري‭ ‬عن‭ ‬الثوابت‭ ‬والمتغيرات‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬فيقول‭: “‬عندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬بنية،‭ ‬فإننا‭ ‬نعني‭ ‬أساسا‭ ‬وجود‭ ‬ثوابت‭ ‬ومتغيرات‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬صنعته‭. ‬هل‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬أننا‭ ‬نوحد‭ ‬بين‭ “‬العقل‭” ‬و‭” ‬الثقافة‭ “‬،‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها،‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أنهما‭ ‬مظهران‭ ‬لـ‭”‬بنية‭” ‬واحدة؟

ليكُن‭ ‬ذلك،‭ ‬شريطة‭ ‬أنْ‭ ‬نأخذ‭ ‬بهذا‭ ‬التعريف‭ ‬المشهور‭ ‬للثقافة،‭ ‬والذي‭ ‬يقول‭: “‬الثقافة‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يبقى‭ ‬عندما‭ ‬يتم‭ ‬نسيان‭ ‬كل‭ ‬شيء‭”‬،‭ ‬وهكذا‭ ‬فإذا‭ ‬قلنا‭ “‬العقل‭ ‬العربي‭” ‬هو‭ ‬ما‭ ‬خلفته‭ ‬وتخلفه‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ينسى‭ ‬ما‭ ‬تعلمه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة،‭ ‬لم‭ ‬نبتعد‭ ‬عن‭ ‬الصواب‭. ‬إن‭ ‬ما‭ ‬يبقى‭ ‬هو‭ “‬الثابت‭”‬،‭ ‬وما‭ ‬يُنسى‭ ‬هو‭ “‬المتغير‭”… ‬إن‭ ‬ما‭ ‬يبقى‭ ‬هو‭ ‬ثوابت‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬هو‭ ‬العقل‭ ‬ذاته‭” (‬8،‭ ‬ص‭:‬38‭).‬

هذا‭ ‬النص‭ ‬يُفسِّر‭ ‬لنا‭ ‬حالة‭ ‬الانفصام‭ ‬والازدواجية‭ ‬التي‭ ‬تمزِّق‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭. ‬فعندما‭ ‬يغيب‭ ‬الوعي‭ ‬لدى‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭ ‬التي‭ ‬نسفت‭ ‬كل‭ ‬ثوابت‭ ‬الفكر‭ ‬البشري‭ -‬التي‭ ‬هي‭ ‬بنيته‭ ‬العميقة‭ ‬الصلبة،‭ ‬والمتمثلة‭ ‬في‭ ‬أحكام‭ ‬العقل‭ ‬القبلية‭ ‬البديهية‭ ‬والفطرية،‭ ‬كما‭ ‬يقررها‭ ‬الاتجاه‭ ‬العقلاني‭- ‬فإنَّ‭ ‬عقلها‭ ‬اللاوعي‭ ‬يؤكد‭ ‬مثل‭ ‬وجود‭ ‬هذه‭ ‬الثوابت‭. ‬فعند‭ ‬نسيان‭ ‬ما‭ ‬يُقرره‭ ‬هذا‭ ‬العقل‭ ‬من‭ ‬متغيرات،‭ ‬تظهر‭ ‬البنية‭ ‬العميقة‭ ‬الثابتة‭ ‬بشكل‭ ‬قهري،‭ ‬وهنا‭ ‬سر‭ ‬تناقضه‭ ‬مع‭ ‬ذاته‭. ‬وعلى‭ ‬عكس‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تحاول‭ ‬الفلسفة‭ ‬التجريبية‭ ‬أن‭ ‬تنفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭ ‬السابقة‭ ‬للتجربة،‭ ‬فلقد‭ ‬أوصلتنا‭ ‬تناقضات‭ ‬العقل‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬الممارسة‭ ‬إلى‭ ‬إثباتها‭. ‬إنَّ‭ ‬تناقضات‭ ‬العقل‭ ‬العلمي‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬النظرية‭ ‬والتطبيق‭ ‬بَرْهن‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المعارف‭ ‬القبلية‭ ‬للعقل‭. ‬بقي‭ ‬أن‭ ‬نُثبت‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬العقل‭ ‬العلمي‭ ‬عندما‭ ‬ينسى‭ ‬مُتغيراته،‭ ‬فإنه‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬يمارس‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأحكام‭ ‬العقلية‭ ‬القبلية،‭ ‬متجاهلا‭ ‬سهامه‭ ‬التي‭ ‬وجَّهها‭ ‬لها‭ ‬بَعد‭ ‬تبني‭ ‬كبار‭ ‬علماء‭ ‬الفيزياء‭ ‬تفسيرَ‭ ‬مدرسة‭ ‬كوبنهاجن‭ ‬للنظرية‭ ‬الكمية‭.‬

هُنَاك‭ ‬عَلاقة‭ ‬ضرورة‭ ‬بين‭ ‬الفيزياء‭ ‬والفلسفة‭ ‬العقلانية،‭ ‬ولولا‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬فيزياء‭. ‬يكشف‭ ‬ريتشارد‭ ‬موريس‭ -‬في‭ ‬كتابه‭ “‬حافة‭ ‬العلم‭.. ‬العبور‭ ‬إلى‭ ‬الميتافيزيقا‭”- ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة،‭ ‬فيذكر‭ ‬أن‭ ‬علماء‭ ‬الفيزياء‭ ‬يقومون‭ ‬بفروض‭ ‬فلسفية،‭ ‬ولا‭ ‬توجد‭ ‬أية‭ ‬وسيلة‭ ‬للبرهنة‭ ‬عليها‭. ‬فهم‭ ‬يفترضون‭ ‬أن‭ ‬قوانين‭ ‬الفيزياء‭ ‬التي‭ ‬نعمل‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬فضائنا‭ ‬القريب،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬ذات‭ ‬القوانين‭ ‬في‭ ‬المجرات‭ ‬البعيدة‭. ‬كما‭ ‬أنهم‭ ‬يفترضون‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬قوانين‭ ‬الفيزياء‭ ‬التي‭ ‬يجري‭ ‬العمل‭ ‬بها‭ ‬اليوم،‭ ‬هي‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬حدَّدت‭ ‬سلوكَ‭ ‬الجسيمات‭ ‬الأولية‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬نشأة‭ ‬الكون‭ ‬منذ‭ ‬ملايين‭ ‬السنين‭. ‬هناك‭ ‬فرض‭ ‬فلسفي‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬علماء‭ ‬الفيزياء؛‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬ثبات‭ ‬قوانين‭ ‬الفيزياء‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬البعيدة‭ ‬جدا،‭ ‬والأزمنه‭ ‬السحيقة‭ ‬جدا،‭ ‬وهو‭ ‬فرض‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬البرهنه‭ ‬عليه‭. ‬وهم‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬جوابا‭ ‬عن‭ ‬احتمالية‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قوانين‭ ‬الفيزياء‭ ‬قد‭ ‬تغيَّرت‭ ‬عبر‭ ‬الزمان‭!! ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬للنظريات‭ ‬العلمية‭ ‬أن‭ ‬تتحقق‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يفترض‭ ‬العلماء‭ ‬أن‭ ‬قوانين‭ ‬الفيزياء‭ ‬التي‭ ‬نُدركها‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬يجري‭ ‬العمل‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬أخرى‭ ‬وأزمنة‭ ‬اخرى‭. ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬ما‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬علماء‭ ‬الفيزياء‭ ‬هو‭ ‬تطبيقٌ‭ ‬عملي‭ ‬لقوانين‭ ‬العلية،‭ ‬هذا‭ ‬الإيمان‭ ‬بأن‭ ‬قوانين‭ ‬الفيزياء‭ ‬صالحة‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬زمان‭ ‬ومكان‭ ‬هو‭ ‬تصديقٌ‭ ‬بالعلية‭ ‬وقوانينها‭. ‬وعندما‭ ‬نعود‭ ‬لمقولة‭ ‬ريتشارد‭ ‬فيمان‭ ‬التي‭ ‬أوردناها‭: “‬يمكنني‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬بكل‭ ‬أمانة‭ ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يفهم‭ ‬النظرية‭ ‬الكمية‭”‬،‭ ‬فإنها‭ ‬تدلُّ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬يمتلك‭ ‬بنية‭ ‬عقلية‭ ‬ثابتة،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تزلزلها‭ ‬التجربة‭ ‬أو‭ ‬التفسيرات‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬الإطاحة‭ ‬بهذه‭ ‬البنية‭. ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬ينفك‭ ‬الإنسان‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬يفكر‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭ ‬الثابتة،‭ ‬وأن‭ ‬التفكير‭ ‬بدونها‭ ‬يأخذنا‭ ‬إلى‭ ‬اللامعقول‭.‬

إذن؛‭ ‬ثمَّة‭ ‬بنية‭ ‬لا‭ ‬شعورية‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬البشري،‭ ‬يستحيل‭ ‬الانفكاك‭ ‬عنها،‭ ‬وهي‭ ‬تلعب‭ ‬دورها‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬المعرفة،‭ ‬وهي‭ ‬بنية‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬بجلاء‭ ‬عندما‭ ‬يتم‭ ‬نسيان‭ ‬كل‭ ‬شيء‭.‬

—————————————————-

المراجع‭:‬

1-‭ “‬بنية‭ ‬الثورات‭ ‬العلمية‭”‬،‭ ‬توماس‭ ‬كون،‭ ‬ترجمة‭ ‬شوق‭ ‬جلال،‭ ‬عالم‭ ‬المعرفة،‭ ‬1992م‭.‬

2-‭ ‬Quantum Mechanics and Paradigm‭, ‬Valia Allori‭, ‬Topoi‭, ‬Oct‭. ‬2015‭, ‬Volume 34‭, ‬Issue2‭, ‬pp313-323‭.‬

3-‭ “‬مدخل‭ ‬إلى‭ ‬فلسفة‭ ‬العلوم‭”‬،‭ ‬الدكتور‭ ‬مُحمد‭ ‬عابد‭ ‬الجابري،‭ ‬مركز‭ ‬دراسات‭ ‬الوحدة‭ ‬العربية،‭ ‬الطبعة‭ ‬الرابعة،‭ ‬بيروت،‭ ‬1988م‭.‬

4-‭ “‬الكجتطو‭ ‬المجروح‭”‬،‭ ‬فتحي‭ ‬المسكيني،‭ ‬منشورات‭ ‬ضفاف،‭ ‬الطبعة‭ ‬الأولى،‭ ‬2013م‭.‬

5-‭ “‬الفيزياء‭ ‬والفلسفة‭: ‬القطيعة‭ ‬والاتصال‭”‬،‭ ‬جاسم‭ ‬العلوي،‭ ‬مجلة‭ “‬شرق‭ ‬وغرب‭”‬،‭ ‬العدد‭ ‬15،‭ ‬نوفمبر‭ ‬2017‭.‬

6-‭ ‬God’s Undertaker‭: ‬Has Science Burried God‭?, ‬John C‭. ‬Lennox‭, ‬Lion Hudson,2009‭.‬

7-‭ “‬حافة‭ ‬العلم‭.. ‬عبور‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬الفيزيقا‭ ‬إلى‭ ‬الميتافيزيقا‭”‬،‭ ‬ريتشارد‭ ‬موريس،‭ ‬ترجمة‭ ‬د‭.‬مصطفى‭ ‬إبراهيم‭ ‬فهمي،‭ ‬الطبعة‭ ‬الأولى،‭ ‬1994م‭.‬

8-‭ “‬تكوين‭ ‬العقل‭ ‬العربي‭”‬،‭ ‬الدكتور‭ ‬مُحمد‭ ‬عابد‭ ‬الجابري،‭ ‬مركز‭ ‬دراسات‭ ‬الوحدة‭ ‬العربية،‭ ‬الطبعة‭ ‬العاشرة،‭ ‬20

1,191 total views, 2 views today