Ali

علي سليمان الرواحي

مقدمة :

ترتبط الفلسفة منذ فترة طويلة و ربما منذ نشأتها بالمعنى المتعارف عليه في بلاد الإغريق بالمقاومة ، مقاومة التفكير العمومي من جهة أولى ، ذلك الذي يخلط بين المفاهيم و الأفكار لدرجة عدم القدرة على التمييز و المفاضلة بينهما ، كما ترتبط من الجهة الاخرى بتلك الرغبة العميقة في إقامة مدن ٍ بمقاييس و معايير مغايرة للحاضر ، الذي تشوبه الكثير من النواقص و تعتريه إشكاليات مختلفة.

يتحدث الجزء الاول من هذه المقالة عن المقاومة بالمعنى الفلسفي و السلمي أيضا ً ، الذي يعني التفكير و التبصر و المغايرة في الطرح ، فالفلسفة بالرغم من التحولات الكثيرة التي مرت بها على مر تاريخها الطويل و المتداخل ، الا انها مازالت متمسكة بالمفاهيم التي تعتبر بمثابة العمود الفقري للتفلسف و التفكير و التغيير ، الأمر الذي جعلها تسلك مسلكا ً مغايرا ً لبقية الخطابات المنتشرة.

في حين ان الجزء الثاني يتطرق لعمل الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا (1930م – 2004م) ، الذي يبحث فيه بلغة فلسفية عالية المستوى ، المستقبل التعليمي للفلسفة و المصاعب التي تواجهها وعلاقتها بالجامعات و الكثير من المواضيع المترابطة.

تحولات المقاومة الفلسفية :

تزداد أهمية الفلسفة يوما ً بعد يوم باعتبارها فعلا ً من أفعال المقاومة السلمية و المفاهيمية ، و هي في هذه الرحلة تزداد تحولاتها و تداخلاتها مع الاختصاصات المختلفة و الجديدة كل يوم ، و في المقابل يزداد حصارها ، و التضييق عليها ، فهي في الكثير من الثقافات مرادفة للزندقة و الهرطقة و الكفر ، وكل ما هو سيء ينبغي التخلص منه ، و ربما تلك الحادثة الإغريقية الشهيرة المتمثلة بإعدام سقراط تمنحنا الكثير من الأبعاد في هذا الشأن ، و بشكل ٍ خاص اذا أخذنا في الحسبان بأننا نتحدث عن الحضارة الإغريقية موطن الفلاسفة و مرجع التفلسف في العصور اللاحقة ، فإن الدهشة من هذا الحدث سوف تتراجع عندما نقارنه بما حدث في الثقافات المختلفة كالعربية/ الإسلامية و الأوروبية أيضا ً و ربما بطرق مختلفة ، و ملتوية.

و ربما السؤال المبدئي هنا :  لماذا تشكل الفلسفة كل هذا التهديد و هذا الخطر ؟

من نافل القول بأن كل فعل مقاومة هو في الاساس منبوذ ، و غير مرغوب فيه ، فهو بهذا المعنى يعتبر خطرا ً على المجتمع ، يهدد أصحاب السلطات المختلفة فيه ، و يسعى الى التقليل من إمكانياتهم و أثرهم ، بل و يساعد في الكثير من الاحيان مختلف الطبقات على التفكير الفردي الذي يعتبر من صميم العمل الفلسفي و عمقه.

غير ان فعل المقاومة الفلسفي يمتد ليصل كما ورد سابقا ً الى العمق المفاهيمي ، الى بنية التفكير ، الى المحركات السلوكية التي تساهم في قلب الكثير من أسس التفكير ، و ربما كان الحديث في الفترة الأخيرة عن فلاسفة الشك او الريبة كما يسميهم بول ريكور (1913م -2005م) عندما يتحدث عن ماركس و نيتشه و فرويد باعتبارهم جميعا ً قد ساهموا بدرجة كبيرة في قلب التفكير البشري بشكل ٍ نهائي ، و وضعه ضمن مسارات جديدة كُليا ً ، لم يكن التفكير فيها قبل ذلك ممكنا ً او في المتناول ، في حين ان التفكير اللاحق لم يعد من الممكن ان يتجاهل هذه التحولات ، او لا يلتفت إليها. لقد ساهم فلاسفة الشك ، مع الكثير من الفلاسفة ، في وضع تصورات كثيرة على المحك ، و ربما ذلك الجرح النرجسي الذي تحدث عنه فرويد في “صعوبة أمام التحليل النفسي” في إشارة الى ثورة كوبرنيكوس الفلكية حول الارض ، من حيث ان الكرة الارضية ليست هي المركز بل هي تدور حول الشمس ، تدل على ان الفلسفة كانت منذ أمد بعيد وسيلة من وسائل المقاومة المختلفة ، فهي في هذا الفعل لا تحمل السلاح بالمعنى الفيزيائي ، و لا تسيل الدماء بشكل ٍ مباشر ، بل تعمد الى “إبداع المفاهيم” كما هي إجابة الفيلسوف الفرنسي “جيل دولوز و فيلكس غتّاري” في عملهما المشترك حول “ما هي الفلسفة”؟

و اذا كان الفيلسوف مقاوما ً بالمعنى المفاهيمي فإن المفاهيم و طرق التفكير لم تكن الا وسيلة للوصول الى الأرض ، الى الميدان ، رغبة منه في جعل الفكرة تعيش تحولاتها المختلفة ، بناء على التفاعل الأرضي المستمر ، و ربما طريقة التفكير التي جاء بها كارل ماركس – كنموذج –  التي أنزلت المثالية الالمانية من عليائها الى الارض ، الى صراع الطبقات و التحولات المختلفة التي يقوم بها رأس المال في التاريخ البشري توحي بأننا امام مقاومة فعلية و ليست نظرية تقوم بها الفلسفة بشكل ٍ مستمر.

بالاضافة لذلك نجد الكثير من الفلاسفة و من ضمنهم الفيلسوف الفرنسي سارتر (1905م – 1980م) و بيير بورديو (1930م -2002م) ، لم تقتصر أنشطتهم و أعمالهم على المفاهيم ، في بالاضافة لنزولهم الى الارض بشكل ٍ فعلي و مساندتهم المباشرة للكثير من القضايا الانسانية كما هو حال هو سارتر ، الامر الذي ينطبق على عالم الاجتماع بورديو نجد انه بالاضافة لمساندته للقضية الجزائرية ، نجد انه قد تحدث كثيرا ً عن مواضيع ظلت لفترة طويلة مهمشة و مقصية من التفكير الفلسفي كالهيمنة الذكورية و كيفية بناء هذا التصورات و المفاهيم التي تساهم في هذه الهيمنة ، من حيث ان هذه الهيمنة يتم إثباتها و ترسيخها بناء ً على “الاختلاف البيولوجي” الامر الذي يولد عنفا ً رمزيا ً ناعما ً ” يُمارَس في جوهره بالطرق الرمزية الصرفة للاتصال و المعرفة ، او اكثر تحديدا ً ، بالجهل و الاعتراف او بالعاطفة حدا ً أدنى”([1]) ، مما يعني بأن هذا العنف تتم ممارسته بطريقة لا تُرى , ولا يتم الالتفات لها في كل الاحوال ، فعلى مر التاريخ تحولت الى سلوك طبيعي ، لا يمكن التشكيك فيها ، او مساءلتها في أفضل الاحوال ، غير ان المقاومة الفلسفية للسائد و العمومي ، تأبى الا ان تضع كل هذه المعايير و غيرها  و التي تعتبر سرمدية ، ضمن إطار الاسئلة التي يجب البحث فيها ، و الحديث عنها ، و نبش كل ما يتعلق بها.

عن الحق في الفلسفة :

كيف يمكن الحديث  “عن الحق في الفلسفة”([2]) ؟ و ما هي “علاقة الحق بالفلسفة ” ؟ و كيف تحولت الفلسفة الى حق مثلها مثل بقية الحقوق و المواد التعليمية ؟ تبدو هذه الاسئلة مقدمات ضرورية لمعرفة بعض المسارات في تاريخ الفلسفة المعُاصرة ، كما نراه في المدراس الاوروبية و الأكاديميات العليا المختلفة.

تبدو الفلسفة بوصفها مادة تعليمية ، بالرغم من أهمية ذلك ، تثير الكثير من الأسئلة المشروعة ، فهي منذ البدء كانت خارج السلطة الرسمية لما أصبح يُعرف “بالدولة” ، بالرغم من أن مفهوم الدولة ينتمي للعصور الحديثة ، الا ان التفكير الفلسفي لم يكن خاضعا ً لأحد ، بل للفيلسوف و توجهاته ، متأثرا ً بذلك بالكثير من التطورات و التغيرات الحاصلة له و للسياق الذي يعيش فيه ،  غير انه مع قيام الدولة الحديثة و تطور المنظومة التعليمية ، أصبح لِزاما ً على المؤسسات التعليمية المختلفة بمستوياتها المتعددة ، ان تضع الفلسفة ضمن المقررات الدراسية ، هذا الحق لم يكن منحة قامت بها الدول ، و الأوروبية بشكل ٍ خاص ، للمواطنين ، ذلك ان الفلسفة لم يكن ُمرحبا ً بها في “عصر هيجل” ([3]) ، هذا الشاب الذي درس اللاهوت و الاقيسة المنطقية في سن ٍ مبكرة جدا ً ، و عرفها معرفة جيدة ، فللإقرار بها و اعتمادها كمادة دراسية تحتاج لإزالة الكثير من الشكوك التاريخية حولها ، و قبل ذلك فالدولة كما تصورها هيجل تحتاج لتبلغ كمالها و ذروتها ، ذلك ان ” التعليم الفلسفي يجسد في اكتماله العقلاني الاشمل و الاقوى ، مفهوم الدولة بكل ثناياه و رهاناته و مكر مفارقاته” (نفسه ، ص 207) ، ان الدولة في هذا السياق و بهدف بلوغها أقصى مراتب الكمال بحاجة لتدريس الفلسفة او الميتافيزيق بلغة كوزان الفرنسي “لمن لا يتجاوز سن الخامسة عشر او السادسة عشر” كما جاء في خطابه امام البرلمان الفرنسي ، و الذي أصبح فيما بعد وزيرا ً للتعليم العمومي الفرنسي.

تحتاج الفلسفة لتصبح حقا ً عاما ً من ضمن الحقوق التي ترعاها الدولة الى تأمين حياة العاملين بها ، و المشتغلين في هذا الحقل ،  و هذا ما تحدث عنه هيجل في رسائله و خطاباته المختلفة الى الوزير ألتنشتاين ، الممثل للدولة هنا ، ذلك ان الضمانات التي منحها الوزير للفيلسوف و لعائلته قد منحته الكثير من الدوافع المعنوية و الحوافز الإقتصادية للقيام بهذه المهمة ، بالاضافة طبعا لتلك الجهود التي بذلها و السمعة الجيدة التي حظي بها بين الجميع ، مما وضع الفلسفة في موضع ٍ مغاير فلقد “واجه بجرأة و صرامة وكفاءة التسرب الهدام لفلسفة سطحية ، محُطما ً بذلك إدعاءات بعض الشباب” (نفسه ، ص223) هذه الادعاءات التي كان لها دورا ً كبيرا ً في تشويه سمعة الفلسفة. في الجانب الآخر ، من الضروري لكي تصبح الفلسفة من ضمن المقررات التعليمية ان يكون لها ذلك الجانب المحُافظ الذي يسعى الى ترسيخ التساؤل و الحفاظ على الدولة في نفس الوقت ، انها بمعنى من المعاني لا يمكنها ان تصبح ثورية ، مشككة ، هدامة ، بل ينبغي عليها ان تواصل البناء مهما كان هذا البناء بطيئا ً ، و محافظا ً ، و هذا ربما يفسر لنا ذلك التساؤل الكبير الذي طرحه ماركس في 1845م حول الأسباب التي أدت لقيام الثورة في فرنسا و لم تقم في ألمانيا بالرغم من الفلاسفة الكُثر في ذلك الوقت.

الفيلسوف الموظف و الرقابة :

لا شك في ان الفلسفة قد ارتبطت على مرّ تاريخها الطويل بالجانب العقلي ، و بالحرية ، و بُبعدها عن الرقابة ، غير ان الأمر يبدو مغايرا ً مع بروز الجامعات و الأكاديميات المختلفة ، ففي هذه الحالة ، و عن طريق المقررات الدراسية المعُتمدة من قبل لجنة من المختصين ، كان عليها ان تخضع هي بدورها للرقابة ، للحذف ، و للإضافة ، و للكثير من التشذيب ، و هو ما يعني هنا بأن الفيلسوف او بالأحرى أستاذ الفلسفة قد أصبح يقوم بدور  “الفيلسوف الموظف” المراقِب للمناهج ، و للأفكار المعروضة فيها ، شأنه في ذلك شأن بقية المختصين ، في مختلف المجالات. من المبالغة القول بأن الرقابة حسب التعريف الكانطي الذي يعتبرها “نقدا ً متوفرا ً على القوة” (نفسه ، ص380) قد اختفت في الغرب بل نستطيع القول بأن الذي تغير “هو شكل استعمال هذه القوة و مكان و آلية تطبيقها و توزيعها ، و أيضا ً تعقد و تنوع و تعدد تحديدات مسارها” (نفسه) ، ذلك إن المنع ليس مباشرا ً بل يحدث عن طريق الصمت ، و التهميش ، و عدم الاهتمام بالموضوع ، و عدم توفير الوسائل المناسبة لقيام هذا المشروع او تلك الفكرة ، كتوفير نُسخ محدودة جدا ًمن كتاب غير مرغوب فيه ، او عدم ترجمة كتاب ما بهدف تهميش ما يحتويه ، و غيرها من الحِيل.

في كل الأحوال لا يمكن للرقابة أن تغيب عن جميع المؤسسات التعليمية و الأكاديمية ، وهو ما جعل الفيلسوف الألماني كانط يسعى الى “شرعنة العقل التبريري للدولة ، كعقل ٍ رقيب ، له الحق في ممارسة الرقابة وفق شروط وحدود ٍ معينة” (نفسه ، ص385) ، غير ان الرقابة تحتاج لمبرر عقلاني يمنحها المشروعية ، و يجعلها مقبولة للجميع ، و هذا المبرر من الممكن توسيعه ليشمل ما هو خارج هذه المؤسسات التعليمية ، ليصل إلى الحياة اليومية و العادية ، عندما نحُجم عن ذكر عدد محدد من الألفاظ في حين إننا نستبدلها بألفاظ أخرى ، ربما بشكل ٍ لا واعٍ الى حد ٍ كبير ، خوفا ً من بعض المعاني المحتملة لبعض الألفاظ.

تأخذ الرقابة في العصر التقني الكثير من الأشكال و الطرق غير المألوفة او المتعارف عليها ، فهي تتلون من عصر ٍ لآخر ، و تبعا ً لكل حقل فكري على حده ، ففي ظل هذه الشبكات الملتوية ، الفائقة السرعة ، يتم فيها الحجب فيها عن طريق الكثير من التقنيات التي ربما لا تصل للشخص العمومي ، بل ان الأمر يبدو مخادعا ً الى حد ٍ كبير ، فالرقابة تتم في الوقت الذي يعتقد الجميع بأنها قد اختفت نهائيا ً ، او في أحسن الأحوال قد ضمرت و بدأت في الزوال.

خاتمة :   

يبدو ان الرقابة و المقاومة ملازمان للفلسفة منذ القدم ، فهي تستمد قوتها و حيويتها من هذه الجدلية التي لا تنتهي ، بل نستطيع القول بأن الرقابة تمنحها الكثير من الجاذبية ، و الجمال ، فالفلسفة كمواضيع تمارس مقاومتها من خلال طرحها و مناقشتها للكثير من الأسئلة المسكوت عنها ، او تلك التي لا يرُاد التطرق لها من قبل السلطات المختلفة،  في حين ان المراقب يمنحها الكثير من المواضيع التي من الممكن الحديث عنها ، و التفكير بها ، بغية تحليلها و نبش ممكناتها.

[1]) بيار بورديو ، الهيمنة الذكورية ، تر: د.سلمان قعفراني ، المنظمة العربية للترجمة ، ط1 ، 2009م ، ص16.

[2]) جاك دريدا ، عن الحق في الفلسفة ، تر: د.عز الدين الخطابي ، المنظمة العربية للترجمة ، ط1 ، 2010م.

[3]) عن الحق في الفلسفة ، م س ، ص203.

6,442 total views, 5 views today