ناصر الكندي

تسامح وعداوة

ربما يمكن وَصْف العصر الحالي بعصر التسامح، التسامح مع الثقافات والأديان و التاريخ، وبالمقابل هناك عدم تسامح في حقول أخرى مثل الفلسفة، وجعلها العدسة المكبرة لعدوها التاريخي «العِلْم» وتعتبر مقولة «ستيفن هوكينج» في كتابه التصميم الفخم بأن الفلسفة «ماتت» هي أكبر تجليات عدم التسامح العِلْماوي مع الفلسفة.

لماذا تُعتَبر الفلسفة هي العدو اللدود للعِلْم إلى الآن لدرجة إعلان موتها؟

ليست هناك إجابة شافية على ذلك، ولكن ما يُعْرَف عن الفلسفة هو خروجها عن المضمار التأملي لها، ودخولها إلى الجانب العِلْمي في بداية عصر التنوير، وتلونها معه إلى بداية القرن العشرين، هذا القرن الذي تَمَرَّد فيه العِلْم على الفلسفة، باعتبار الفلسفة ميدانًا للمقولات المطلقة، بينما مختبر العِلْم لا يحتمل المطلق، ويجعله ذا بُعد ميتافيزيقي.

قد يكون هناك اتفاق على ضرورة انفصال الفلسفة عن العِلْم، بسبب لا يقينية العِلْم المضادة ليقينية الفلسفة الباحثة عن تصور شمولي للكون والحياة، والذي احتكرته العلوم الإنسانية كعلم النفس والاجتماع، والعلوم الطبيعية كعلم الكسمولوجيا والفيزياء الذرية وما تحت الذرية، إلا أنَّ ربط يقينية الفلسفة بلا يقينية العِلْم وجعل العِلْم هو المحكم في النهاية على موت الفلسفة يحمل التباسين «تاريخي» و«عملي».

الفلسفة .. نَقْدٌ قَبلَ أنْ تكون رؤية

على الجانب التاريخي لم يكن للفلسفة في بدايتها أنْ تتورط بالعِلْم، وذلك لسبب بسيط، هو عدم وجوده؛ بل كانت الفلسفة تقدم تصورات عن الكون والحياة والأخلاق بإدخال عنصر التنظيم أو التوحيد فيها، وذلك كرد فعل على التصور الأسطوري ذو الصبغة الثنوية المانوية «الخير والشر» فعنصر الشر غير موجود في الفلسفة الأولى -الأرسطية- أي الخالق بقدر ما هو موجود في أفلاك ما تحت القمر المتسمة بالفساد والتلاشي، وحتى عند الفلاسفة ما قبل السقراطيين، فجعل الكون يرجع إلى عناصر مادية يستبعد فيه تلك المانوية الأسطورية، ويجعل التركيز على الوحدة المادية التي تتحكم بكل شيء، سواء أكانت ماءً أو نارًا أو هواءً أو ترابًا.

وبغض النظر عن سذاجة تصورات الفلسفة الناشئة على الشق الكوسمولوجي باعتبار الأرض مركز الكون، وتقسيم الأشياء إلى فاسدة وخالدة، إلا أنَّ الجوهر مِن العملية الفلسفية في ذلك الوقت هو إيجاد معنى منطقي للحياة في مقابل المعاني الأسطورية التي تجعل مِن الإنسان أداة تلعب بها فوضى التصورات العبثية. والدليل على ذلك التيارات الفلسفية التي أتت بعد أرسطو مثل الفلسفة الرواقية القائمة على الفضيلة والأبيقورية القائمة على اللذة، والتي يعتبرهما بعض المحدثين بأنهما أرقى مراحل الفلسفة!

وكما هو الحال لنشوء الأفكار وتطورها وانهيارها ارتباطها بالخطاب السائد وإعلان موفقها منه ما بين مُؤَيِّد أو رافض، ونستطيع ضبط ما حدث بعد ذلك للفلسفة الناشئة في القرون الأولى للميلاد، وصراعها المرير مع التيار الجديد النافي للعقل تماما أمام الإيمان. هذا التيار المتمثل بظهور طائفة جديدة كان على عاتقها إحياء الجانب الأسطوري المانوي، وتغليبه على الفلسفة التي تستبعد الشر دائما عن محورها، هذا التيار وهو الديانة المسيحية، التي أعلنت وثنية كل فِكر يستخدم العقل أكثر من القلب. هذا التيار الذي حاولت بعض المدارس المُدَّعِية بالاتصال التاريخي للفلسفة الغربية أنْ لا تأثير له على الفلسفة بقدر ما كان محفزًا له، وذلك عندما تبنّت الكاثوليكية الفلسفة الأرسطية إبان عصر النهضة. ولقد أَوضَح المفكر جورج طرابيشي ذلك في كتابه «العقل المستقيل في الإسلام» ضمن مشروعه نقد نقد العقل العربي؛ لكن ما الغائب الأكبر عن هذه اللوحة الجدارية الحزينة التي يرسمها «فستوجيير» لأُفُولِ العقلانية اليونانية في عهد الإمبراطورية الرومانية، أي عمليًّا في القرون الأولى للميلاد؟ ليس يشق علينا أنْ نحظى بالجواب حالما نستذكر ما قلناه عن انئسار الأب «فستوجيير» بحكم تكوينه الكهنوتي بالذات للذات المسيحية، فالمسكوت عنه هو دور المسيحية نفسها في تقويض العقلانية اليونانية، وفي إجبارها العقل على الاستقالة أو بتعبير أدق إقالته([1]).

وكما أسلفنا كان من الطبيعي أنْ تتشكل أفكار لها موقف مع الخطاب السائد بين المؤَيِّد والرافض، عليه ظهرت الفلسفة مرة أخرى في نهاية عصر النهضة وبداية عصر التنوير؛ ولكن بثوب جديد مغاير للفلسفة اليونانية، فالفارق بين فلسفة اليونان والفلسفة الحديثة هو اتكاء الأخيرة على العِلْم، فـ«كوبيرنيكوس» صاحب فكرة مركزية الشمس و«غاليليو» صاحب فكرة دوران الأرض حول نفسها، ومحدد سرعة تساقط الأجسام بسبب ثقلها كانا أصحاب أفكار تخالف الفكر المسيحي الأرسطي القائل بمركزية الأرض؛ بينما الخصم واحد في الفلسفتين «الأسطورة» في الفلسفة اليونانية، و«المسيحية» ذات الصبغة الأسطورية المانوية في الفلسفة الحديثة.

وبسبب هذه الظروف كان العقل في ظل هذا الميدان النافي له بضراوة أنْ يُعاود نقده للتيار المسيحي؛ ولكن بسلاح لا يقوى عليه وهو العِلْم. وهنا ينبغي التنويه أنَّ لبس الفلسفة بالعِلْم لا يعني صدقيته، وكذلك الحال بخصوص لبس الدين بالفلسفة. فإدخال العِلْم بالفلسفة كانت تحتمه الظروف التاريخية لنقد الوضع السائد بالمسيحية ومحاكم تفتيشها؛ بل إِنَّ العِلْم في تلك الفترة لم يكن يأخذ مِن فلسفة اليونان الكثير؛ بل اعتبره البعض «ثرثرة» وذلك ما قاله الإنجليزي «فرانسيس بيكون» عن منطق أرسطو الكاشف للماهيات، والمخالف للمنطق الجديد القائم على التجريب وإيجاد العلاقات بين الأشياء، وكذلك ما حصل بعد ذلك بين العقلانيين «ديكارت واسبينوزا وكانط» والتجريبيين «بيكون ولوك وهيوم» من صراع حول قدرة العقل في التعاطي مع الواقع الذي يُنكر وجود الجوهر حسبما يقوله التجريبيون.

إذن الفلسفة لم تكن في تصالح مع العِلْم حتى في عصر التنوير، وهو -أي العِلْم- وإنْ استخدم الفلسفة ضد الخطاب الديني إلا أَنَّه لم يكن يتعاطف كذلك مع الفلسفة بقدر ما كانت الفلسفة تحاول أنْ تتأقلم معه، ولم يأخذ العِلْم من الفلسفة إلا آلة المنطق التي طُوِّرَت رياضيًا، والتي استُخْدِمَت بطريقة تتناسب مع الفلسفة ذات البُعد التجريبي، أي بالاستقراء غير القائم على مبادئ قبلية تنطلق منه.

في ظل ما ذُكِر سابقًا يتضح أنَّ الفلسفة في حقيقتها هي عملية رد فِعل ضد أي خطاب يحتكر الحقيقة، أو نستطيع أنْ نقول: إنها عملية نقدية متواصلة ضد أية جهة تحاول أنْ تُبَرر العنف سواء عن طريق الفكر أو السياسة. وعليه فإن إلباس الفلسفة بالعِلْم لا يعني أنَّ هذا الإجراء يعكس حقيقة الفلسفة أو أنه الهدف المنشود للفلسفة حسب ما يَظُن البعض، فالفلسفة سواء كانت في الحالة اليونانية باحتكامها للجدل أو المنطق أمام الأسطورة والسفسطائية، أو في الحالة الأوروبية الغربية باحتكامها للعلم أو المبادئ القبلية أمام المسيحية أو التجريبية، فهي في كل الأحوال عملية نقدية لكل تيار متصلب في الروح او العقل.

الفلسفة والعِلْم .. عودة إلى وظيفتها النقدية.

أما الالتباس العملي فهو ما أثير مِن قبل فلاسفة ما بَعد الحداثة حول نجاعة الرجوع إلى العِلْم في كل شيء، أي في السياسة والأخلاق، وذلك لتحول السياسة إلى عِلم، والأخلاق إلى علوم إنسانية تستخدم الأدوات المخبرية للعلم من إحصاءات واستبيانات ونتائج لقياس السلوك الإنساني، وهذا الالتباس ليس منفصلا عن الالتباس التاريخي، إذ إِنَّ نسيان الذاكرة العِلْموية للوظيفة النقدية للفلسفة جَعَل الفلسفة في مصاف الرؤى المثالية المتزمتة، التي لا تتفق مع نسبية العِلْم. في حين أنَّ الالتجاء للعلم -على الأقل في المستوى السياسي- يخلق نوعًا من الأيديولوجيا التي تمارس إقصاءً للرؤى غير العِلْمية، وهذا ما يمثل تهديدًا لفئات كبيرة من المجتمع سواء كانوا من المثقفين كالصحافيين والأدباء والمفكرين، أو مِن العوام أصحاب الرؤى الأكثر مثالية وأسطورية من المثقفين كالمتدينين.

وهذا الخلط هو عين ما حصل للمفكر الإنجليزي «فرانسيس بيكون» ضد منطق أرسطو المتُبَنَّى مِن قِبَل الكنيسة الكاثوليكية، وتعميمه على الفلسفة ككل، التي احتَضَنَت جوهر أفلاطون وجدل سقراط وفضيلة الرواقيين ولذة الأبيقوريين، وفوق كل ذلك نقد الأساطير التي تبرر شرّ البدايات، وليس من سبب في ذلك سوى الصراع بين الخطاب السائد والخطاب المتمرد عليه، والذي عادةً ما ينحى منحى إقصائي لكل الخطاب مع أنَّ به عناصر حيوية. والخطاب العِلْموي الحالي يبينه الفيلسوف الألماني ما بعد الحداثي «هابرماس» في كتابه «الفلسفة الألمانية والتصوف اليهودي» حين يقول: وهذا يعني أنَّ العلاقة التي تبدو اليوم جوهرية بين التقدم العِلْمي والتقني وبين الممارسة الاجتماعية لم تعد إلا شأنا من شؤون التحليل الأمبيريقي والتحكم التقني، وأنها تخرج عن نطاق أي جهد لعقلنتها؛ وذلك لخضوعها لقرارات اعتباطية أو لاكتفائها بضبط ذاتي تلقائي؛ ولهذا بالضبط تستبعد مجمل المسائل الحاسمة بالنسبة لتطور المجتمع ككل، ولا تُدرَج في عِدَاد تلك التي تخضع للإيضاح المنطقي والقرارات العقلانية، وهكذا يصبح مِن غير الممكن الحؤول دون نشوء نوع مِن تقسيم العمل بين التخطيط التكنوقراطي الذي تفرضه بيرواقراطية الدولة والمؤسسات الكبرى مِن جهة، والخلاصات التوجيهية التي تبدو إلى حدٍّ ما نتاج بعض العصاميين من العِلْماء أو الصحافيين المتخصصين بالشؤون العِلْمية، والتي تنحو تبعا لذلك إلى الدفاع عن شرعية التصور العِلْماوي للعلم([2]).

وبِنَاءً على ذلك يواصل «هابرماس» نقده للاتجاه العِلْماوي، وذلك بإرجاع الفلسفة إلى وظيفتها الأصلية التي نستها الذاكرة العِلْموية كما نساها سابقًا فلاسفة الواقع في عصر التنوير فيقول: وحيث إنه بالمقابل مِن غير المحسوم مسبقًا بأنَّ التخطيط الديموقراطي لا يصلح للاضطلاع بدور الآلية الناظمة للأنساق الاجتماعية المتقدمة، لا بد للنقد الذي قَدَّم نفسه كوريث للفلسفة من الاضطلاع بعدة مهام، منها ثلاث ذات طابع مُلِح، نقد التصور الموضوعاتي الذي تكونه العلوم عن نفسها إضافة إلى المفهوم العِلْماوي حول العِلْم والتقدم العِلْمي. وخاصة معالجة المسائل الأساسية التي تطرح حول منهجيات العلوم الاجتماعية، وذلك للحؤول دون توقف عملية صياغة المفاهيم التأسيسة الخاصة بنظم النشاط الاتصالي؛ لا بل لتسريع هذه العملية. وأخيرًا لا بد مِن صياغة وجهة حيث يسمح منطق البحث والتطور التقني بمقاربة العلاقة التي يقيمها -هذا النقد- مع منطق أنماط الاتصال المكونة للإرادة. إذن لا بد للنقد مِن قاعدة مخصوصة به، يتثبت على أساسها مِن صحة المعطيات التي يضطر للقبول بها، سواء مِن جانب العلوم ذات المضمون الأمبيريقي أو من جانب التقاليد ذات المضمون الطوباوي، أي إنه لا بد مِن أن يكون -بحسب المنقول من المصطلحات- نظرية علوم وفلسفة في آن واحد([3]).

إن عملية التجزئة التي تطرحها العِلْموية للوقائع تقابلها في الجانب الآخر رغبة مُلِحة للتوحيد وفق نظرية أو منهج، وهذا هو دور الإبستيمولوجيا، والإبستيمولوجيا هي المتبقي مِن الفلسفة في القرن العشرين، ولم يستطع هوكنج نفسه الخروج عن التفكير بلا إطار، ولا أَدَل على ذلك من عنوان كتابه «التصميم الفخم» وكذلك طرحه في الكتاب لأهمية فهم نظرية موحدة للكون عن طريق النموذج.

الفلسفة .. محمية علمانيًّا

في الوقت الراهن وعَودة إلى المقدمة بخصوص التسامح يبدو أنَّ العالم المتقدِّم يتجه بالفعل إلى ازدواجية الأخذ بالعِلْم والنقد ذات الصبغة الفلسفية في آنٍ واحد، فالسياسة -مكان الصراع- صارت متعلمنة تفصل التوجهات الدينية والأيديولوجية عن مِضمار الدولة، بينما للفرد والمؤسسات أنْ تعتنق ما تشاء مِن أفكار وديانات، وتمارسها كيفما تشاء دون إدخالها في البرلمان أو الحكومة أو حتى القضاء. ولحقوق الإنسان دورها كذلك في إدخال الفلسفة والأسطورة والثقافات إلى الحياة المدنية. إِذ وبعد محاولات لطرد الأسطورة والفلسفة مِن نافذة يبدو أَنَّها دخلت مِن نافذة نقدية أخرى تحاول أنْ تعوض قصور العِلْم في تكوين صورة عن الحياة من منظور الإنسان.

([1]) العقل المستقيل في الاسلام -جورج طرابيشي – دار الساقي- ط1-2004.

([2]) الفلسفة الألمانية والتصوف اليهودي – يورغن هابرماس-ص43- المركز الثقافي العربي- ط1 -1995.

([3]) نفس المصدر السابق- ص 43-44.

6,412 total views, 2 views today