مُحمَّد بن رضا اللواتي

بطتْ الفلسفةُ باللغة العربية في دائرةِ الفكرِ الإسلاميِّ الذي حقَّقه العلماء المسلمون من عَرب، بطبيعة الحال، وفُرس، بطريقةٍ تَجْعلنا نُثير تساؤلاً عن سر ارتباطها بها تحديداً، وما يَحْمِله من دَلَالات للمقاربة الثقافية في الحقلِ الفلسفيِّ بين قوميَّتين إسلاميَّتين كبيرتين، قد تَسْمح -إن أُحْسِن استغلالها- لتحقِّق مشاريع مُشتركة تَمْضِي بالمسيرة الفلسفية إلى الأمام في قادم الأيام.

فالفلسفة -دون غيرها- معنيَّة بتقديم الإجابات عن الأسئلة الوجودية الكُبرى، وهي المعنيَّة كذلك بتأسِيْس رُؤية كونية يستند إليها سلوك الإنسان الخارجي وطريقة عَيْشِه، وهي الوحيدة التي تَسْتَطيع مَنْح الثِّقة للفضيلة والقيم النبيلة مُجددًّا، وجلبها في إيقاع الإنسان العصري الذي يُعاني من الخواء الرُّوحي والقِيَمي إلى أبْعَد حد.

فبجانب الرَّكائز الأخرى التي تَرْبُط بين الثقافة العربية والثقافة الفارسية، والتي يعُوْد أغلبُها إلى مفرزات الدين الإسلامي، إلا أنَّ البحثَ الفلسفيَّ يظل بؤرةً لوحده، وأنموذجاً فريداً يكشف عن حَجْم تعاطي الثقافتين له بنحو يكاد لا يكون له نظير.

فرَغْم أنَّ أوَّل فلاسفة المسلمين يُعدُّ العربي الكندي أبا يُوسف يعقوب بن إسحاق، المولود بالكوفة عام 185 للهجرة، والمتوفَّى في بغداد عام 260 للهجرة، إلا أنَّ أشهر تلامذته -على كثرتهم- كان “السرخسي أحمد بن طيب” من “خراسان” الإيرانية، صاحب حوالي خمسين تأليفا في الحِكْمة؛ أهمها: اختراعه لأبجدية صوتية في أربعين حرفاً لأداء أصوات اللغة الفارسية والسريانية واليونانية؛ وذلك باللغة العربية دون سواها.

وعِنْدَما ننتقلُ إلى الرَّمز الثاني في الثقافة العربية للفلسفة، أعني المعلم الثانيكما –ويلقبونه أبو النصر الفارابي- نجده من مواليد “فاراب” الواقعة في “خراسان” الإيرانية، إلا أنَّ فلسفته -ومرة أخرى نلاحظ ذلك- كان قد سطَّرها في العديد من كُتبه التي ألفها بالعربية.

ولا تختلفُ الحَال مع الفيلسوف الأشهر في سلسلة “فلاسفة الإسلام”، وأعني “أبا علي الحسين ابن سينا”، المولود في قرية من قرى شمال إيران تُدعَى “أفشنة” قُرب “بخارى”، من والد فارسي يُدعَى “عبدالله” من مدينة “بلخ”، التي هي من أمَّات المدن الكبيرة التابعة لمنطقة “خراسان”، ولقبه الشهير “ابن سينا” أو “ابن سينه”؛ أي: ذو المقام السامي والمكانة المرموقة (باللغة الفارسية). ومع هذا، فقد تأدَّب بأدب العرب، وعشق اللغة العربية، وشغفته حُبًّا؛ فقد وَجَدها الأداة التي يستطيع من خلالها إطلاق فكره، وبالنحو الذي لا يمكنه ذلك في غيرها، فها هو ذا يصيغ كل كتاباته الشهيرة بالعربية فقط.

وفي الواقع، فإنَّ ابن سينا دَمَج في أعماله توجُّهيْن بارزيْن؛ هما: توجُّه المشاء؛ المتمثل في المنطق والطبيعيات والإلهيات، ومنطق حكمة الإشراق والعرفان، وهو توجُّه أهل فارس وخراسان. لقد قدَّم هذا الدمج باللغة العربية، لتكون بُؤرة معرفية وضعت بين أيدي الفلاسفة القادمين أدوات لابتكار منظومات فلسفية تتجاوز لغة المشاء إلى أفق عال جدا، تمثل ذلك الأفق في الفلسفة الإشراقية ومدرسة الحكمة المتعالية، ولتكون العربية وَحْدها الممثلة لهذا التقدُّم الكبير في الحقل الفلسفي في العالم الإسلامي.

وبعد الرئيس، شهدتْ “سهرورد” الواقعة شمال غربي إيران، ولادة “شهاب الدين” المعروف بـ”السهروردي” أو “الشيخ المقتول”، مُبتكِر “فلسفة الإشراق” التي وَصَفها الباحثون بكونها بَعْثًا جديدًا لحكمة “فارسية” قديمة أراد “شهاب الدين” بها إتمام ما لم يتممه “ابن سينا”. كَتَب “السهروردي” العديدَ من الكُتب والرسائل باللغتين العربية والفارسية، إلا أنَّه اختصَّ العربية -ويا للعجب- لأهم كتابيه؛ وهما: “حكمة الإشراق”، و”هياكل النور”.

ما الذي يَدْفَع بفلاسفة فارس أنْ يَجْعَلوا من اللغة العربية هي الركيزة في تسطير فلسفاتهم؟ هذا السؤال لا نَمْلُك إجابة دقيقة عنه، ولعلَّنا في حاجة إلى بحوث “فيلولوجية” تكشف عن صلة اللغة العربية بالفارسية، والقرابة الوراثية أو الجغرافية أو التاريخية بينهما، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، صِلَة الفكر الفلسفي بالعربية تحديدًا، وما الذي جَعَلها مصبَّ هذه صناعة تحديدا دون غيرها؟

الأمرُ يستحق تجشُّم بَحْث وسَبْر الغور علميًّا وأكاديميًّا؛ فالمسألة لا تتوقَّف عند الفارابي، أو الرئيس، أو شهاب الدين، وإنما تتجاوزهما إلى أكبر موسوعة فلسفية “عربية” كتبها آخر فلاسفة فارس الكبار، نعني به “محمد بن إبراهيم” المعروف بـ”صدر الدين الشيرازي”، أو “الملا صدرا”. وبحسب وصف “أبو ريان” له: ((كبير المتألِّهين، وشيخ الحكماء، صاحب الموسوعة الفلسفية الكبرى المسمَّاة “الأسفار الأربعة”)).

لقد أَنْتَج “الملا صدرا” “الحكمة المتعالية”، والتي أتممت بنجاح منقطع النظير “الحكمة المشرقية” وأعمال “شهاب الدين” الإشراقية، وبنحوٍ لا ينقصُه مَنْطِق هذه المرة. كَتَب “محمد حسين الطباطبائي” عن ذلك يقول: “وضعت المتابعة المستوفية لحقائق الدين ومفاهيم العرفان والكشف وتطبيقها على البرهان القياسي بين يدي صدر المتألهين أدوات وأفكارا مستجدة، وأتاحت له إمكانات كبيرة لتطوير وتوسعة البحوث الفلسفية، واستحداث بحوث في متن مفردات الفلسفة، كما أعانته على استبصار أفكار ونظريات جديدة، وفي غاية العُمق. ولم يكن كل ذلك ممكنا على الإطلاق عن طريق العقل المحض والفكر المجرَّد. ومن هنا، كانتْ الفلسفة في مدرسة صدر المتألهين مُجدِّدة لروح الفلسفة العتيقة المتعبة، بروح أكثر جدة، أزاحتْ غُبار الإعياء عمَّا أصاب الفلسفة منه نتيجة الإجهاد، كما أضافتْ لأبحاث الفلسفة عَدَدا يُعتد به من البحوث الفلسفية”.

إذن، الحديثُ هُنا عن تحميل اللغة العربية -مرة بعد أخرى- من قبل فيلسوف فارسي، مجمع هائل من البحوث الفلسفية، لا سابق لها في عُرف الفلسفة العتيقة. لقد أغنتْ الحكمة المتعالية مُتُوْن الفلسفة باللغة العربية. أو لنقُل إنَّ معارفَ جديدة تم تدشينها في الفكر الفلسفي باللغة العربية.
يبدو أنَّ تحميل الثقافة العربية بالإرث الفلسفي من قبل فلاسفة فارس عملٌ لا يتوقف.. فالفيلسوف “الملا هادي السبزواري” كبير شراح “الحكمة المتعالية”، ألَّف “المنظومة” قد عَرَض فيها مسائل الفلسفة بالأراجيز العربية وليس غيرها، والفيلسوف “الميرداماد” وَضَع نظريته حول “الحدوث الدهري للعالم” في كتابه “القبسات” وباللغة العربية، وأخيرا لا آخرا، كَتَب “محمد حسين الطباطبائي” الفيلسوف، تأليفيْن قيِّميْن للغاية في الفلسفة؛ هما: “بداية الحكمة”، و”نهاية الحكمة”، أيضا بالعربية.

اليوم، وبفضل ذلك كله، تمتلكُ الثقافة العربية نصوصاً فلسفيَّة تنفردُ بها. ومن هُنا، وصفنا “الفلسفة” بالمَعْلَم المعرفي البارز لملتقى الثقافة الفارسية والعربية، لا بد من نَفْض الغُبار المتراكم عليه، وتلميعه للجيليْن العربي والفارسي؛ ليكون مُلْهِمًا لهما؛ لإنتاج مزيدٍ من الأعمال، والأخذ بيد الفلسفة إلى آفاق جديدة تناسب وذوق العالم الحديث وتطلعاته.

448 total views, 8 views today