محمد‭ ‬العجمي –‭ ‬باحث‭ ‬وكاتب‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬والفكر


بَيْن‭ ‬الرياضيات‭ ‬والفلسفة‭ ‬اتصالٌ‭ ‬وانقطاع؛‭ ‬اتصال‭ ‬لأنَّ‭ ‬كل‭ ‬حقل‭ ‬يستمد‭ ‬شيئا‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬الآخر،‭ ‬وانقطاع‭ ‬لأن‭ ‬الرياضيات‭ ‬تتمرَّد‭ ‬دائما‭ ‬على‭ ‬الفلسفة‭.. ‬الفلسفة‭ ‬هنا‭ ‬هي‭ ‬حقل‭ ‬التفكير‭ ‬الواسع‭ ‬الذي‭ ‬يعترض‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يجهله‭ ‬الإنسان،‭ ‬والرياضيات‭ ‬هي‭ ‬ذاك‭ ‬النطاق‭ ‬المحدَّد‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬ودقيق؛‭ ‬للدرجة‭ ‬التي‭ ‬بات‭ ‬يطرد‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬فلسفة‭ ‬من‭ ‬ساحته‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يتأثر‭ ‬بذاتيتها‭ ‬العالية‭. ‬الفلسفة‭ ‬لا‭ ‬تترك‭ ‬شيئا‭ ‬على‭ ‬حاله‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬دولوز،‭ ‬تماما‭ ‬مثلما‭ ‬تترك‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬على‭ ‬حاله‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬فيتنغنشتاين،‭ ‬وهذا‭ ‬يجعلها‭ ‬الوحيدة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬حدود‭ ‬الذهن‭ ‬البشري،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الرياضيات‭ ‬معرفته؛‭ ‬وبذلك‭ ‬فقط‭ ‬هي‭ ‬تفتتح‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬مسارا‭ ‬جديدا‭ ‬للتفكير‭. ‬ربما‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬يجهله‭ ‬الإنسان‭ ‬أكثر‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬يعرفه‭. ‬منذ‭ ‬ظُهور‭ ‬المبرهنات‭ ‬الرياضية‭ ‬الأولى‭ ‬عند‭ ‬الإغريق؛‭ ‬يمكن‭ ‬تلمُّس‭ ‬أولى‭ ‬المحاولات‭ ‬للرياضيات‭ ‬لكي‭ ‬تنفصل‭ ‬عن‭ ‬الفلسفة‭. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة؛‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬ينكر‭ ‬فضيلة‭ ‬التفلسف‭ ‬بمجرد‭ ‬الظن‭ ‬بأنه‭ ‬امتلك‭ ‬الحقيقة‭ ‬الرياضية؟‭ ‬يُمكن‭ ‬فهم‭ ‬ذلك‭ ‬كتعميم‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬ظاهرة‭ ‬تتكرر،‭ ‬وما‭ ‬تكرارها‭ ‬إلا‭ ‬لوجود‭ ‬حقيقة‭ ‬ما‭ ‬خارجية‭ ‬في‭ ‬الأشياء‭. ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬الموضوعية‭ ‬هي‭ ‬مادة‭ ‬الرياضيات‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬الطويل‭ ‬للتفكير‭ ‬الفلسفي‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭. ‬كما‭ ‬لو‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬تعب‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬وآن‭ ‬الأوان‭ ‬لأن‭ ‬يثق‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬ما‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يستعمله‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬العالم‭. ‬يسعى‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬إلى‭ ‬ملاحظة‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الحقائق‭ ‬الرياضية؛‭ ‬وكيف‭ ‬أنها‭ ‬على‭ ‬تَمَاس‭ ‬شديد‭ ‬مع‭ ‬جذورها‭ ‬وآثارها‭ ‬الفلسفية؛‭ ‬وذلك‭ ‬بُغية‭ ‬تأكيد‭ ‬كيف‭ ‬أنه‭ ‬بالفلسفة‭ ‬وحدها‭ ‬أو‭ ‬بدونها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتقدم‭. ‬وهكذا‭ ‬فنحن‭ ‬مطالبون‭ ‬بالاثنين‭ ‬معا؛‭ ‬بالتفكير‭ ‬الفلسفي‭ ‬المتواصل،‭ ‬وبالمشاريع‭ ‬والتصورات‭ ‬المعيارية‭ (‬الرياضيات‭ ‬والمنطق‭ ‬والفيزياء‭ ‬والأخلاق‭) ‬التي‭ ‬ستمثل‭ ‬خلاصة‭ ‬وثمرة‭ ‬الفلسفة‭.‬

بداية‭.. ‬يُمكن‭ ‬القول‭ ‬إنَّ‭ ‬الفلسفة‭ ‬لغة‭ ‬تشاغب‭ ‬وتُشعل‭ ‬وتكنس‭ ‬وتشحن،‭ ‬وقبل‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬تفضح‭ ‬الفراغ؛‭ ‬ما‭ ‬نجهله‭. ‬ما‭ ‬يُظن‭ ‬أنه‭ ‬عيبها؛‭ ‬وهو‭ ‬التجريد،‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬مصدر‭ ‬قوتها‭. ‬عبر‭ ‬التجريد‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تختبر‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬هذا‭ ‬التجريد‭ ‬الفلسفي‭ ‬هو‭ ‬الخطوة‭ ‬الأولى‭ ‬نحو‭ ‬التجريد‭ ‬الرياضي‭. ‬الفرق‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬الرياضيات‭ ‬تضيق‭ ‬ذرعا‭ ‬باللغة‭ ‬الفلسفية؛‭ ‬واللغة‭ ‬اليومية‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬أولى،‭ ‬فتُجرِّد‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬رموز‭ ‬وبُنى‭ ‬تطرد‭ ‬التشويش‭. ‬الفلسفة‭ ‬تعشق‭ ‬التشويش،‭ ‬لكنها‭ ‬تجرده‭ ‬إلى‭ ‬الدرجة‭ ‬التي‭ ‬تجعله‭ ‬مادة‭ ‬خام‭ ‬يمكن‭ ‬للرياضيات‭ ‬أن‭ ‬تشتغل‭ ‬عليه‭ ‬لتجرده‭ ‬أكثر؛‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يتبقى‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬سوى‭ ‬خيال‭ ‬الممارسين‭ ‬للرياضيات‭. ‬ذاتية‭ ‬الفلسفة‭ ‬وموضوعية‭ ‬الرياضيات؛‭ ‬كلاهما‭ ‬انعطاف‭ ‬وانقلاب‭ ‬على‭ ‬الطبيعة،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬الفلسفة‭ ‬تفعل‭ ‬ذلك‭ ‬لتكشف‭ ‬عمَّا‭ ‬لا‭ ‬تقوله‭ ‬الطبيعة،‭ ‬بينما‭ ‬الرياضيات‭ ‬تفعل‭ ‬ذلك‭ ‬لتجعل‭ ‬الطبيعة‭ ‬تكشف‭ ‬عما‭ ‬لا‭ ‬تريد‭. ‬كل‭ ‬من‭ ‬الفلسفة‭ ‬والرياضيات‭ ‬أدوات‭ ‬بشرية‭ ‬لمقاومة‭ ‬الغموض‭ ‬في‭ ‬الطبيعة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬تطلبه‭ ‬الفلسفة‭ ‬تحرير‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬الطبيعة،‭ ‬بينما‭ ‬تطلب‭ ‬الرياضيات‭ ‬تحرير‭ ‬الطبيعة‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭. ‬وهذا‭ ‬يفسر‭ ‬لماذا‭ ‬تسبق‭ ‬الرياضيات‭ ‬بقية‭ ‬العلوم‭ ‬بفترات‭. ‬فبين‭ ‬البرهان‭ ‬الرياضي‭ ‬والدليل‭ ‬العلمي‭ ‬مسافة‭ ‬زمنية‭ ‬تطول‭ ‬وتقصر؛‭ ‬فالرياضيات‭ ‬تصف‭ ‬الطبيعة‭ ‬كما‭ ‬هي؛‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الذاتية‭. ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬أنَّها‭ ‬لا‭ ‬تهتم‭ ‬بتفسير‭ ‬الظواهر؛‭ ‬لهذا‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تعترف‭ ‬بالمعرفة‭ ‬الفلسفية‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬تفسير‭ ‬هذه‭ ‬الظواهر‭. ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬التفسير‭ ‬وفق‭ ‬بعض‭ ‬النظريات‭ ‬ليس‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تفاعل‭ ‬نفسي‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭ ‬الخارجي‭ (‬1‭).‬

لنأخذ‭ ‬هنا‭ ‬مثالا‭ ‬قديما‭ ‬لتوضيح‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة؛‭ ‬وهو‭ ‬عن‭ ‬قصة‭ ‬إراتوستينس‭ ‬مع‭ ‬قياس‭ ‬محيط‭ ‬الأرض‭.. ‬إراتوستينس‭ ‬كان‭ ‬رياضيا‭ ‬وجغرافيا‭ ‬وعالم‭ ‬فلك‭ ‬إغريقي‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الثالث‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد،‭ ‬عاش‭ ‬في‭ ‬الإسكندرية‭ ‬وكان‭ ‬أمين‭ ‬مكتبتها،‭ ‬وهناك‭ ‬قرأ‭ ‬مرة‭ ‬أن‭ ‬الأشياء‭ ‬لا‭ ‬تلقي‭ ‬ظلالا‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬أسوان‭ ‬وقت‭ ‬الظهيرة‭ ‬من‭ ‬21‭ ‬يونيو؛‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬قرص‭ ‬الشمس‭ ‬عموديا‭ ‬فوق‭ ‬الرأس‭ ‬تماما‭. ‬عمِد‭ ‬إراتوستينس‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬بقياس‭ ‬طول‭ ‬الظل‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬بالإسكندرية،‭ ‬وبحساب‭ ‬الزاوية‭ ‬الرأسية‭ ‬للظل‭ ‬الساقط‭ ‬من‭ ‬عمود‭ ‬ما‭ ‬استنتج‭ ‬أن‭ ‬الأرض‭ ‬محدبة‭ ‬وليست‭ ‬مستوية،‭ ‬وأن‭ ‬مقدار‭ ‬التحدب‭ ‬بين‭ ‬أسوان‭ ‬والإسكندرية‭ ‬هو‭ ‬سبع‭ ‬درجات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُعادل‭ ‬نحو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬خمسين‭ ‬من‭ ‬محيط‭ ‬الأرض‭ ‬المساوي‭ ‬360‭ ‬درجة‭. ‬استأجر‭ ‬إراتوستينس‭ ‬رجلا‭ ‬ليقيس‭ ‬المسافة‭ ‬من‭ ‬الإسكندرية‭ ‬إلى‭ ‬أسوان‭ ‬بالخطوات؛‭ ‬فوجدها‭ ‬تعادل‭ ‬800‭ ‬كيلومتر‭ ‬تقريبا،‭ ‬وبضرب‭ ‬هذه‭ ‬المسافة‭ ‬في‭ ‬خمسين‭ ‬وجد‭ ‬أن‭ ‬محيط‭ ‬الأرض‭ ‬هو‭ ‬40‭ ‬ألف‭ ‬كيلومتر،‭ ‬وهذا‭ ‬رقم‭ ‬دقيق‭ ‬جدا،‭ ‬حيث‭ ‬نعرف‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬محيط‭ ‬الأرض‭ (‬40,075‭) ‬كيلومتر‭ (‬2‭). ‬هذا‭ ‬الوصف‭ ‬الرياضي‭ ‬الدقيق‭ ‬للأرض‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬تأملات‭ ‬فلسفية‭ ‬طويلة‭ ‬لمحاولة‭ ‬فهم‭ ‬طبيعة‭ ‬الأرض‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالشمس،‭ ‬ومعرفة‭ ‬المسافات،‭ ‬وضبط‭ ‬المواسم‭ ‬الزراعية‭. ‬فذاتية‭ ‬التأمل‭ ‬الفلسفي‭ ‬تم‭ ‬تجاوزها‭ ‬مع‭ ‬إراتوستينس‭ ‬بموضوعية‭ ‬الرياضيات‭ ‬وحياديتها‭.‬

الرياضيات‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تطرد‭ ‬الفلسفة‭ ‬من‭ ‬الساحة؛‭ ‬لأن‭ ‬الأخيرة‭ ‬تظل‭ ‬باستمرار‭ ‬تطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬الـ‭”‬لماذا‭” ‬و‭”‬الحقيقة‭”. ‬الرياضيات‭ ‬تعرض‭ ‬الحقيقة‭ ‬كميًّا‭ ‬لتنهي‭ ‬الجدل‭ ‬وتبدأ‭ ‬في‭ ‬تركيب‭ ‬حقائق‭ ‬جديدة‭. ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬الحدود‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬الرياضيات‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬اقتحامها،‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬تحفزها‭ ‬على‭ ‬ذلك‭. ‬فالفلسفة‭ ‬تفتتح‭ ‬الآفاق‭ ‬الممكنة‭ ‬للبحث‭ ‬الرياضي‭. ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الرياضيات‭ ‬ستنجح‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬الحقيقة‭ ‬كما‭ ‬تطمح؛‭ ‬إذ‭ ‬إنَّ‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحدود‭ ‬العصية‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬الذهن‭ ‬البشري‭. ‬لنتأمل‭ ‬هنا‭ ‬مثلا‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‭”‬برهان‭ ‬يوم‭ ‬القيامة‭”‬،‭ ‬وهو‭ ‬برهانٌ‭ ‬حسابي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬عملية‭ ‬احتمالية‭ ‬صرفة‭ ‬لتحديد‭ ‬العمر‭ ‬الافتراضي‭ ‬المتبقي‭ ‬للنوع‭ ‬البشري؛‭ ‬وذلك‭ ‬بالاعتماد‭ ‬على‭ ‬موقعنا‭ ‬الحالي‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬للقيام‭ ‬بتنبؤ‭ ‬إحصائي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التوزيع‭ ‬الاحتمالي‭ ‬الذي‭ ‬تنتجه‭ ‬معادلة‭ ‬رياضية‭ ‬طورها‭ ‬عالم‭ ‬الفيزياء‭ ‬الفلكية‭ ‬الأمريكي‭ ‬جون‭ ‬ريتشارد‭ ‬غوت‭. ‬وليم‭ ‬باوندستون‭ ‬سيستخدم‭ ‬المعادلة‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬نشره‭ ‬مُؤخرا‭ ‬ليستنتج‭ ‬أن‭ ‬البشرية‭ ‬أمامهم‭ ‬احتمال‭ ‬50‭% ‬لينقرضوا‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الـ760‭ ‬القادمة‭ (‬3‭). ‬يوضح‭ ‬هذا‭ ‬المثال‭ ‬كيف‭ ‬تنفصل‭ ‬الرياضيات‭ ‬عن‭ ‬الفلسفة‭ ‬بشكل‭ ‬فج،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬البرهان‭ ‬صحيح‭ ‬رياضيا،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الجدل‭ ‬الفلسفي‭ ‬الذي‭ ‬أثاره‭ ‬شديد‭ ‬حول‭ ‬علاقة‭ ‬الرياضيات‭ ‬بالفلسفة،‭ ‬ويعكس‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تفقد‭ ‬الرياضيات‭ ‬المعنى‭ ‬بدون‭ ‬الفلسفة‭ ‬التي‭ ‬تبرر‭ ‬نتائجها‭.‬

‏الرياضيات‭ -‬وبسبب‭ ‬دقتها‭ ‬ونطاقها‭ ‬الواضح‭- ‬تحقق‭ ‬تقدما‭ ‬وإنجازا،‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬الفلسفة‭ ‬التي‭ ‬تظل‭ ‬تراوح‭ ‬مكانها‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬ندر؛‭ ‬تظل‭ ‬تطرح‭ ‬نفس‭ ‬الأسئلة‭ ‬وتجتهد‭ ‬في‭ ‬اختبار‭ ‬أي‭ ‬حقيقة‭ ‬تنتجها‭ ‬الرياضيات‭. ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬للرياضيات‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬قفزات‭ ‬واختراقات‭ ‬علمية‭ ‬مهمة،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬النادر‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬ذلك‭. ‬‏الحقيقة‭ ‬في‭ ‬الرياضيات‭ ‬كمية،‭ ‬وفي‭ ‬الفلسفة‭ ‬جدلية‭. ‬الفلاسفة‭ ‬قد‭ ‬يغيرون‭ ‬مواقفهم‭ ‬وأجوبتهم‭ ‬خلال‭ ‬حياتهم،‭ ‬وربما‭ ‬يتبنون‭ ‬وجهات‭ ‬نظر‭ ‬معاكسة‭ ‬تمامًا‭ ‬لما‭ ‬كانوا‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬بداياتهم،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬عند‭ ‬الرياضياتيين‭. ‬‏هيلاري‭ ‬بتنام‭ ‬يرى‭ ‬أنه‭ ‬كلما‭ ‬اكتشفت‭ ‬الفلسفة‭ ‬خطأ‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬العلوم،‭ ‬ويجب‭ ‬بالتالي‭ ‬أن‭ ‬تتغير،‭ ‬نكتشف‭ ‬بعد‭ ‬مدة‭ ‬أن‭ ‬الخطأ‭ ‬أصلا‭ ‬في‭ ‬الفلسفة،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتغير،‭ ‬وأن‭ ‬الرياضيات‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬غنية‭ ‬عنه‭ ‬هو‭ ‬التفسيرات‭ ‬الفلسفية‭ (‬4‭). ‬ولكن‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الثقة‭ ‬الشديدة‭ ‬في‭ ‬نفسها،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تستغني‭ ‬عن‭ ‬الفلسفة؛‭ ‬لأنها‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬تفتح‭ ‬لها‭ ‬الآفاق‭ ‬وبوابتها‭ ‬إلى‭ ‬الثقافة‭ ‬اليومية‭. ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬نستدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬بملاحظة‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬مفاهيم‭ ‬مثل‭ ‬الحركة‭ ‬والفضاء‭ ‬والفرصة‭ ‬واللانهاية؛‭ ‬ظلت‭ ‬إلى‭ ‬عهد‭ ‬قريب‭ ‬حكرا‭ ‬على‭ ‬الفلسفة؛‭ ‬خارج‭ ‬الرياضيات،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تطور‭ ‬البحث‭ ‬الرياضي‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر‭ ‬أنتج‭ ‬نظريات‭ ‬تقدم‭ ‬وصفا‭ ‬رياضيا‭ ‬لهذه‭ ‬المفاهيم‭.‬

وإضافة‭ ‬لهذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬الفلسفية‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬مواضيعَ‭ ‬في‭ ‬الرياضيات،‭ ‬يُمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المبرهنات‭ ‬والمشكلات‭ ‬الرياضية‭ ‬التي‭ ‬أصبح‭ ‬لها‭ ‬تأثيرات‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬الفلسفي،‭ ‬وهذه‭ ‬المبرهنات‭ ‬تمثل‭ ‬تشابكا‭ ‬مهما‭ ‬بين‭ ‬الفلسفة‭ ‬والرياضيات؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تأت‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬جدل‭ ‬فلسفي‭ ‬عريض،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬جدل‭ ‬فلسفي‭ ‬آخر،‭ ‬ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬المهمة‭ ‬هنا‭: ‬مبرهنات‭ ‬عدم‭ ‬الاكتمال‭ ‬لكورت‭ ‬غودل؛‭ ‬كورت‭ ‬غودل‭ ‬منطقي‭ ‬وعالم‭ ‬رياضيات‭ ‬وفيلسوف‭ ‬نمساوي‭ ‬نشر‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1931‭ ‬ورقته‭ ‬العلمية‭ ‬الشهيرة‭ ‬عن‭ ‬مبرهنات‭ ‬عدم‭ ‬الاكتمال،‭ ‬والتي‭ ‬شغلت‭ ‬المناطقة‭ ‬وعلماء‭ ‬الرياضيات‭ ‬طيلة‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭. ‬تنصُّ‭ ‬المبرهنة‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬استحالة‭ ‬تعميم‭ ‬أية‭ ‬برهان‭ ‬لنظرية‭ ‬في‭ ‬الأعداد‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬البديهيات‭ ‬الرياضية،‭ ‬وتنص‭ ‬المبرهنة‭ ‬الثانية‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬نظام‭ ‬بديهيات‭ ‬أن‭ ‬يثبت‭ ‬انسجامه‭ ‬وتوافقه‭ ‬الداخلي‭ (‬5‭). ‬لهذه‭ ‬المبرهنات‭ ‬تأثير‭ ‬واسع‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬الرياضي‭ ‬المنطقي؛‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬المناطقة‭ ‬والرياضيون‭ ‬منذ‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬ومطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬يحاولون‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬موحد‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬الرياضيات‭. ‬ولكن‭ ‬مبرهنات‭ ‬غودل‭ ‬أثبتت‭ ‬فيها‭ ‬استحالة‭ ‬وجود‭ ‬هكذا‭ ‬نظام‭ ‬مكتمل‭ ‬ونهائي،‭ ‬بل‭ ‬واستحالة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الدماغ‭ ‬البشري‭ ‬مثل‭ ‬جهاز‭ ‬الكمبيوتر،‭ ‬فأي‭ ‬نظام‭ ‬منطقي‭ ‬لاختزال‭ ‬الرياضيات‭ ‬في‭ ‬بضعة‭ ‬مسلمات‭ ‬وبدهيات‭ ‬سيكون‭ ‬بالضرورة‭ ‬غير‭ ‬مكتمل؛‭ ‬أي‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يثبت‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المسلمات‭.‬

تنطلقُ‭ ‬مُبرهنات‭ ‬عدم‭ ‬الاكتمال‭ ‬لغودل‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬الرياضيات؛‭ ‬وهي‭ ‬أنَّ‭ ‬جوهر‭ ‬الرياضيات‭ ‬هو‭ ‬المنطق؛‭ ‬بمعنى‭ ‬أنه‭ ‬يُمكن‭ ‬رد‭ ‬كل‭ ‬الحقائق‭ ‬الرياضية‭ ‬إلى‭ ‬المنطق‭. ‬وهذه‭ ‬الفكرة‭ ‬بدأت‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬مع‭ ‬نظرية‭ ‬المجموعات‭ ‬عند‭ ‬جورج‭ ‬كانتور‭ ‬في‭ ‬1874،‭ ‬ضمن‭ ‬الجدل‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يدور‭ ‬حينئذ‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬المنطق‭ ‬فرعا‭ ‬من‭ ‬الرياضيات‭ ‬وبين‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬المنطق‭ ‬علما‭ ‬مستقلا‭ ‬بذاته‭. ‬هذا‭ ‬الجدل‭ ‬انتهى‭ ‬تقريبا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بات‭ ‬يُعرف‭ ‬بالمنطق‭ ‬الرياضي‭ (‬الرمزي‭)‬؛‭ ‬وذلك‭ ‬مع‭ ‬نظرية‭ ‬المجموعات‭ ‬لكانتور‭. ‬الثورة‭ ‬الفلسفية‭ ‬في‭ ‬نظرية‭ ‬المجموعات‭ ‬هو‭ ‬التعامل‭ ‬الرياضي‭ ‬مع‭ ‬مفهوم‭ ‬اللانهاية‭ ‬في‭ ‬أنظمة‭ ‬الأعداد‭. ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬مفهوم‭ ‬اللانهاية،‭ ‬فامتزاج‭ ‬الرياضيات‭ ‬مع‭ ‬المنطق‭ ‬في‭ ‬نظرية‭ ‬المجموعات‭ ‬وفر‭ ‬الأرضية‭ ‬لاختراقات‭ ‬واسعة‭ ‬لاحقا‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬اللغة‭ ‬والحوسبة،‭ ‬وفي‭ ‬تنظيم‭ ‬وتحليل‭ ‬القضايا‭ ‬الفلسفية‭ ‬بطريقة‭ ‬رياضية‭. ‬الفلسفة‭ ‬المعاصرة‭ ‬بمحاولاتها‭ ‬المستميتة‭ ‬لإقصاء‭ ‬الميتافيزيقا؛‭ ‬مدينة‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬للإنجازات‭ ‬التي‭ ‬حققها‭ ‬المنطق‭ ‬الرياضي‭.‬

‭.. ‬إنَّ‭ ‬هذا‭ ‬التأثير‭ ‬المتبادل‭ ‬بين‭ ‬الرياضيات‭ ‬والفلسفة‭ ‬سينعكس‭ ‬بالضرورة‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬الفلسفة‭ ‬بالعلوم‭ ‬الأخرى‭ ‬أيضا‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الرياضيات‭ ‬مع‭ ‬ثقتها‭ ‬المفرطة‭ ‬في‭ ‬حقائقها‭ ‬لا‭ ‬تكاد‭ ‬تستطيع‭ ‬تبرير‭ ‬منطقها‭ ‬خارج‭ ‬الفلسفة،‭ ‬فإنه‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬أولى‭ ‬أن‭ ‬العلوم‭ ‬الأخرى‭ ‬ستظل‭ ‬على‭ ‬تجاذب‭ ‬مع‭ ‬الفلسفة‭. ‬تتبادلان‭ ‬فيما‭ ‬بينهما‭ ‬الأدوات‭ ‬والتطبيقات‭ ‬والتفسيرات،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬ادعى‭ ‬العلم‭ ‬استغناءه‭ ‬عن‭ ‬الفلسفة‭. ‬فنفسها‭ ‬فكرة‭ ‬النظام‭ ‬الرياضي‭ ‬المكتمل‭ ‬والمغلق؛‭ ‬هي‭ ‬فكرة‭ ‬فلسفية؛‭ ‬تستطيع‭ ‬الفلسفة‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬شيئا‭ ‬ما‭ ‬عنها‭.‬


المراجع

‭[‬1‭] ‬لويس‭ ‬تايسون،‭ ‬النظريات‭ ‬النقدية‭ ‬المعاصرة‭ ‬الدليل‭ ‬الميسر‭ ‬للقارئ،‭ ‬ترجمة‭: ‬أنس‭ ‬مكتبي،‭ ‬دار‭ ‬جامعة‭ ‬الملك‭ ‬سعود‭ ‬للنشر

2014،‭ ‬ص181

‭[‬2‭] ‬كارل‭ ‬ساغان،‭ ‬الكون،‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬للثقافة‭ ‬والفنون‭ ‬والأدب‭ ‬–‭ ‬الكويت،‭ ‬عالم‭ ‬المعرفة‭ – ‬أكتوبر‭ ‬1993،‭ ‬ص25‭-‬27

‭[‬3‭] ‬William Poundstone‭, ‬The Wall Street Journal‭ – ‬June 27‭, ‬2019‭. (‬url‭:‬

https‭://‬www.wsj.com/articles/doomsday-math-says-humanity-may-have-just-760-years‭-‬

left-11561655839‭ – ‬date‭: ‬22/07/2019‭)‬

‭[‬4‭] ‬Hilary Putnam‭, ‬Mathematics without Foundations‭, ‬The Journal of Philosophy‭, ‬1967‭ / ‬04‭ ‬Vol‭. ‬64‭; ‬Iss‭. ‬1‭. (‬DOI‭: ‬10.2307/2024603‭)‬

‭[‬5‭] ‬Internet Encyclopedia of Philosophy‭, ‬The Lucas-Penrose Argument about Gödel‭&#‬39‭;‬s Theorem‭, (‬URL‭: ‬https‭://‬www.iep.utm.edu/lp‭-‬argue‭/ – ‬Date‭: ‬24/07/2019‭)‬