أحمد‭ ‬يوسف

ورقة مشاركة في “منتدى اليوم العالمي للفلسفة”، الذي أقامته جامعة السلطان قابوس ومجلة “شرق غرب” الثقافية، بالنادي الثقافي مساء 29 نوفمبر 2017م

‭”‬إنَّ‭ ‬العقول‭ ‬التي‭ ‬تتشرَّب‭ ‬الروحَ‭ ‬النقدية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غَيْرها‭ ‬قُادرة‭ ‬على‭ ‬الإبداع‭”.. ‬لافيل‭ ‬

توطئة

لم‭ ‬تعُد‭ ‬مشاريع‭ ‬الفلسفة،‭ ‬بوصفها‭ ‬معرفة‭ ‬عقلية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬الأنساق‭ ‬الفكرية‭ ‬الكبرى،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬سالف‭ ‬العهود،‭ ‬ثمَّ‭ ‬ما‭ ‬لبثت‭ ‬أنْ‭ ‬انشغلت‭ ‬بتأمُّل‭ ‬تاريخها،‭ ‬ولم‭ ‬تعُد‭ ‬لها‭ ‬موضوعات‭ ‬كبرى‭ ‬بعينها،‭ ‬فأصبحت‭ ‬مُنشغلة‭ ‬بنقد‭ ‬خِطَابها،‭ ‬خاصة‭ ‬وأنَّ‭ ‬الخطاب‭ ‬الفلسفي‭ ‬عاش‭ ‬إخفاقات‭ ‬متتالية،‭ ‬واستكشف‭ ‬الهُوة‭ ‬السحيقة‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬الواقع،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬نجاحات‭ ‬العلم‭ ‬وتقدمه‭ ‬أحرجت‭ ‬وضعه،‭ ‬فلم‭ ‬تتحقَّق‭ ‬أحلامُ‭ ‬الفلاسفة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المدن‭ ‬الفاضلة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يُوجد‭ ‬فيها‭ ‬الشعراء‭ ‬الذين‭ ‬يتَّبعهم‭ ‬الغاوون،‭ ‬ويهيمون‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬واد،‭ ‬ويعيثون‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬فسادًا،‭ ‬ولا‭ ‬يُوجد‭ ‬فيها‭ ‬المغالطون‭ ‬من‭ ‬مُعلِّمي‭ ‬الخطابة‭ ‬مثل‭ ‬السفسطائيين؛‭ ‬ولكن‭ ‬لم‭ ‬يستسلم‭ ‬الفلاسفة،‭ ‬ووصف‭ ‬ماكس‭ ‬فيبر‭ ‬العلمَ‭ ‬بأنه‭ ‬مجرد‭ ‬مهنة،‭ ‬وهذه‭ ‬المهنة‭ ‬لا‭ ‬قدرة‭ ‬لها‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬معنى‭ ‬للعالم‭.‬

يبدو‭ ‬أنَّ‭ ‬الفلسفة‭ ‬لم‭ ‬تعُد‭ ‬طبًّا‭ ‬للأصحاء‭ -‬كما‭ ‬زعم‭ ‬إخوان‭ ‬الصفا‭- ‬ولم‭ ‬يمنع‭ ‬التنوير‭ ‬زهق‭ ‬أرواح‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬حربين‭ ‬كونيتين‭ ‬لم‭ ‬تُبقِ،‭ ‬ولم‭ ‬تذر‭. ‬لهذا؛‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬الخطاب‭ ‬الفلسفي‭ ‬المعاصر‭ ‬غضاضة‭ ‬أو‭ ‬ضيرًا‭ ‬في‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬أحلامه‭ ‬الأولى،‭ ‬فانكفأ‭ ‬على‭ ‬مدارسة‭ ‬خطابه،‭ ‬والعناية‭ ‬بالروح‭ ‬النقدية‭ ‬وإبداع‭ ‬المفاهيم،‭ ‬وتأمل‭ ‬المعيش‭ ‬اليومي‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬أن‭ ‬الموضوعات‭ ‬مطروحة‭ ‬في‭ ‬الطرقات،‭ ‬وأن‭ ‬التفلسُف‭ ‬حقٌّ‭ ‬مشروع‭ ‬يمارسه‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬عاقل‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬نصيبه‭ ‬من‭ ‬الدهشة‭ ‬قائمًا،‭ ‬ومن‭ ‬الحيرة‭ ‬وافرًا‭. ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬المركوزة‭ ‬التي‭ ‬تدفعه‭ ‬لطرح‭ ‬الأسئلة،‭ ‬والتدبُّر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يستجد‭ ‬في‭ ‬زمانه‭.‬

ومن‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية،‭ ‬يتبدَّى‭ ‬أن‭ ‬الفلسفة‭ ‬نسقٌ‭ ‬نقدي‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬المتصورات‭ ‬التي‭ ‬يبدعها‭ ‬الإنسان،‭ ‬ويكاد‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬حضور‭ ‬لافت‭ ‬في‭ ‬المعارف‭ ‬والعلوم‭ ‬جميعها؛‭ ‬فكانت‭ ‬منذ‭ ‬فجر‭ ‬تاريخها‭ ‬متطلعة‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬المبادئ‭ ‬الأولى‭ ‬وعِلل‭ ‬الظواهر،‭ ‬مُعتنية‭ -‬أشدَّ‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬الاعتناء‭- ‬بالميتافيزيقا‭ ‬والجدل؛‭ ‬ولكن‭ ‬بتطوُّر‭ ‬العلوم‭ ‬أضحتْ‭ ‬منصرفة‭ ‬إلى‭ ‬فلسفة‭ ‬العلوم‭ ‬ومناهجها‭. ‬ولمَّا‭ ‬أعياها‭ ‬الطريق‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬منزلة‭ ‬العلم‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الحسِّ‭ ‬والمادة،‭ ‬انفصلت‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬عنها‭ ‬أملًا‭ ‬في‭ ‬إحراز‭ ‬الكفايات‭ ‬العقلية؛‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الإسهام‭ ‬في‭ ‬حلِّ‭ ‬مشكلات‭ ‬الإنسان‭ ‬خارج‭ ‬خيالات‭ ‬لعبة‭ ‬الكهف‭ ‬الأفلاطوني؛‭ ‬بَيْد‭ ‬أن‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬قدر‭ ‬كل‭ ‬ممارسة‭ ‬فلسفية‭.‬

وعلى‭ ‬الرَّغم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فإنَّ‭ ‬هذه‭ ‬العلوم‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬مشكلات‭ ‬وإشكالات‭ ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬دائما‭ ‬إعمال‭ ‬فيها‭ ‬المناهج‭ ‬التي‭ ‬تُطبَّق‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية‭ ‬والموصوفة‭ ‬بالدقيقة،‭ ‬ولم‭ ‬تفلح‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬متصورات‭ ‬منهجية‭ ‬دقيقة‭ ‬وموحدة‭. ‬لهذا؛‭ ‬وَجَدْتَ‭ ‬هذه‭ ‬العلوم‭ ‬الموسومة‭ ‬بالإنسانية‭ ‬نفسها‭ ‬مشدودة‭ ‬للفلسفة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬بحُكم‭ ‬أنها‭ ‬تلتقي‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬مسائل‭ ‬العناية‭ ‬بالإنسان‭ ‬ومشكلاته‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عنايتها‭ ‬بالكون‭ ‬وأسئلته،‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الحدود‭ ‬التي‭ ‬تنتهي‭ ‬إليها‭ ‬بعض‭ ‬نتائج‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية‭ (‬البيولوجيا‭ ‬والفيزياء‭ ‬والفلك‭…). ‬وهي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬تشترك‭ ‬في‭ ‬الوظيفة‭ ‬الغائية،‭ ‬التي‭ ‬تبحث‭ ‬عما‭ ‬يحقق‭ ‬السعادة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان،‭ ‬والشفاء‭ ‬الحقيقي‭ – ‬بتعبير‭ ‬أبيقور‭.‬

إن‭ ‬علاقة‭ ‬الفلسفة‭ -‬كونها‭ ‬صناعة‭ ‬إنسانية‭- ‬بالتفكير‭ ‬النقدي،‭ ‬ضاربة‭ ‬في‭ ‬القدم،‭ ‬مُتجددة‭ ‬بتجدد‭ ‬الحاجة‭ ‬إليها؛‭ ‬ذلك‭ ‬أننا‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬بوصفه‭ ‬حسابًا‭ ‬ذهنيا،‭ ‬وسيرورة‭ ‬سيميائية‭ ‬تدفع‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬فقه‭ ‬حقائق‭ ‬الأشياء‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬ما‭ ‬تسمح‭ ‬به‭ ‬طاقته‭ ‬العقلية،‭ ‬وأن‭ ‬أهمية‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الفلسفي،‭ ‬والحاجة‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬المعاصرة،‭ “‬إصابة‭ ‬الحق‭”‬،‭ ‬و‭”‬العمل‭ ‬به‭”‬،‭ ‬و‭”‬الانتصار‭ ‬له‭”‬،‭ ‬و‭”‬الدفاع‭ ‬عنه‭”‬،‭ ‬و‭”‬العيش‭ ‬في‭ ‬سلام‭”.‬‭. ‬وترتكز‭ ‬مقاربتنا‭ ‬لهذا‭ ‬الموضوع‭ ‬على‭ ‬المحاور‭ ‬الآتية‭:‬

‭- ‬أهمية‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬وأهدافه‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬المعاصر‭.‬

‭- ‬مبادئ‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬وأسسها‭ ‬السيميائية‭.‬

‭- ‬خصائص‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭.‬

‭- ‬المنطق‭ ‬السيميائي‭ ‬والمسألة‭ ‬اللغوية‭.‬

‭- ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ (‬الغزالي‭ ‬وابن‭ ‬رشد‭ ‬وابن‭ ‬خلدون‭).‬

‭- ‬إيمانويل‭ ‬كانط‭ ‬والفلسفة‭ ‬النقدية‭.‬

‭- ‬السلب‭ ‬والنقد‭ (‬الهيجيلية‭).‬

‭- ‬مدرسة‭ ‬فرانكفورت‭ ‬والنظرية‭ ‬النقدية‭.‬

ومن‭ ‬الأهمية‭ ‬بمكان‭ ‬التنبيه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بيوم‭ ‬للفلسفة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬منظمة‭ ‬اليونسكو‭ ‬رمزي‭ ‬بالأساس؛‭ ‬فالتفلسف‭ ‬نشاطٌ‭ ‬إنسانيٌّ‭ ‬مُتشبع‭ ‬بروح‭ ‬السؤال،‭ ‬فلا‭ ‬يرتبط‭ ‬بفلسفة‭ ‬بعينها،‭ ‬ولا‭ ‬يُحد‭ ‬بزمان‭ ‬ولا‭ ‬بمكان،‭ ‬ولا‭ ‬يختص‭ ‬بأمة‭ ‬دون‭ ‬أخرى،‭ ‬والحاجة‭ ‬إليه‭ ‬محفوظة‭ ‬عبر‭ ‬الأمصار‭ ‬والأعصار‭. ‬ولقد‭ ‬علَّمنا‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬سيدنا‭ ‬إبراهيم‭ -‬عليه‭ ‬السلام‭- ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬والنظر‭ ‬والتدبر‭ ‬والتفكر‭ ‬والتعقل‭ ‬طريقُ‭ ‬الحق‭ ‬المُوْصِل‭ ‬إلى‭ ‬الإيمان‭ ‬بالخالق،‭ ‬طريقه‭ ‬وغايته‭ ‬حُصول‭ ‬الطمأنينة‭ ‬في‭ ‬النفوس‭ ‬والعقول‭ ‬بعد‭ ‬الأسئلة‭ ‬الحارقة‭: “‬وَإِذْ‭ ‬قَالَ‭ ‬إِبْرَاهِيمُ‭ ‬رَب‭ ‬أَرِنِي‭ ‬كَيْفَ‭ ‬تُحْيِي‭ ‬الْمَوْتَى‭ ‬قَالَ‭ ‬أَوَلَمْ‭ ‬تُؤْمِن‭ ‬قَالَ‭ ‬بَلَى‭ ‬وَلَكِن‭ ‬ليَطْمَئِن‭ ‬قَلْبِي‭” (‬البقرة‭:‬260‭). ‬وقد‭ ‬لاحظ‭ ‬فرانسيس‭ ‬بيكون‭ ‬أن‭ ‬القليل‭ ‬من‭ ‬الفلسفة‭ ‬يؤدي‭ ‬للإلحاد،‭ ‬وأن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الفلسفة‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الإيمان‭.‬

أهمية‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬وأهدافه‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬المعاصر‭: ‬

ما‭ ‬الحاجة‭ ‬للتفكير‭ ‬النقدي؟‭ ‬إنَّه‭ ‬سؤال‭ ‬يبدو‭ ‬لفرط‭ ‬بداهته‭ ‬مشروعًا،‭ ‬وقد‭ ‬يتبادر‭ ‬إلى‭ ‬الأذهان‭ ‬لأول‭ ‬وهلة،‭ ‬ومرد‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬راجع‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الفلسفة‭ ‬وتاريخها‭ ‬قائمان‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬النقد؛‭ ‬ولهذا‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬غريبا؛‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬تحصيل‭ ‬الحاصل‭. ‬ولعل‭ ‬وجه‭ ‬الغرابة‭ ‬متأتٍّ‭ -‬أيضًا‭- ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الاعتقاد‭ ‬السائد‭ ‬بأنَّ‭ ‬كل‭ ‬تفكير‭ ‬يمتلك‭ ‬بالضرورة‭ ‬خصِّيصة‭ ‬نقدية؛‭ ‬بَيْد‭ ‬أننا‭ ‬نحسب‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الاعتقاد‭ ‬على‭ ‬وجاهته‭ ‬لا‭ ‬تحوطه‭ ‬السلامة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬جانب‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬كان‭ ‬الدافع‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬نابعًا‭ ‬من‭ ‬إحساس‭ ‬لا‭ ‬تتملكه‭ “‬فوبيا‭ ‬المؤامرة‭”‬،‭ ‬بأنَّ‭ ‬ثمة‭ ‬خطرًا‭ ‬يتهدَّد‭ ‬منظومة‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬هذا‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التحديد،‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬الشمولية،‭ ‬ومجتمعات‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬وسياسات‭ ‬الشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات،‭ ‬ومقاصد‭ ‬الأسواق‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬استغلالها‭ ‬لفضيلتي‭ ‬الحرية‭ ‬والتحرُّر؛‭ ‬وليس‭ ‬أدلَّ‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬مما‭ ‬يعاينه‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬هجوم‭ ‬مُنظَّم‭ ‬على‭ ‬فضيلة‭ ‬النقد‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬العامة،‭ ‬وفي‭ ‬مؤسساتنا‭ ‬التعليمية‭ ‬والثقافية‭ ‬والسياسية،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬بمثابة‭ ‬الفريضة‭ ‬الغائبة‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬العملية‭. ‬فكل‭ ‬غياب‭ ‬لهذه‭ ‬الفريضة‭ ‬انتصارٌ‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬للأيديولوجيات‭ ‬المفرطة‭ ‬في‭ ‬عدائها‭ ‬للإنسان‭ ‬وللفضيلة‭ ‬وللتقدم،‭ ‬والتي‭ ‬ليس‭ ‬فيها‭ ‬مكان‭ ‬للموضوعية،‭ ‬وانتصار‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬لثقافة‭ ‬الاستهلاك‭.‬

سَبق‭ ‬ماركيوز‭ ‬أنْ‭ ‬لاحظ‭ ‬هذا‭ ‬الهجوم‭ ‬الذي‭ ‬يُشن‭ ‬بطريقة‭ ‬منهجية‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬المستقل؛‭ ‬وردَّه‭ ‬إلى‭ ‬جنوح‭ ‬قوى‭ ‬الهيمنة‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬سعيا‭ ‬دؤوبًا‭ ‬للسيطرة‭ ‬الشمولية‭ ‬على‭ ‬مفاصل‭ ‬الحياة‭ ‬كلها‭. ‬إن‭ ‬الفلسفة‭ ‬بلا‭ ‬نقد‭ ‬جسمٌ‭ ‬بلا‭ ‬روح؛‭ ‬لأنها‭ ‬ليست‭ ‬من‭ ‬المعارف‭ ‬المعيارية‭ ‬التي‭ ‬تُسلم‭ ‬بالقواعد،‭ ‬وتقبل‭ ‬أنْ‭ ‬تتكلس‭ ‬في‭ ‬قوالبها،‭ ‬وترتهن‭ ‬إلى‭ ‬مسلماتها‭. ‬إنها‭ ‬قوة‭ ‬دفع‭ ‬للإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يفكر،‭ ‬ويمتلك‭ ‬الإرادة‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬واقعه‭. ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يشكل‭ ‬مصدرَ‭ ‬ثراء‭ ‬للفكر‭ ‬الذي‭ ‬يتعقل‭ ‬الظواهر،‭ ‬ويحاجج،‭ ‬ويبرهن،‭ ‬ويحكم،‭ ‬ويستقرئ،‭ ‬ويستنبط‭. ‬لقد‭ ‬انتقد‭ ‬التفكير‭ ‬الفلسفي‭ ‬فكرة‭ ‬الاستلاب‭ ‬لدى‭ ‬هيجل‭ ‬وفيورباخ‭ ‬وماركس،‭ ‬وانتصر‭ ‬لحرية‭ ‬الإنسان‭ ‬ضد‭ ‬الإكراهات‭ ‬الدينية،‭ ‬والسياسية،‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬والاقتصادية‭.‬

وتتمثَّل‭ ‬أهمية‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬المعاصرة‭ ‬في‭ ‬مُساعدتنا‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬المسائل‭ ‬التي‭ ‬تحيرنا،‭ ‬وحل‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬تعترض‭ ‬تقدُّمنا،‭ ‬ودفع‭ ‬عقولنا‭ ‬للابتكار،‭ ‬وخيالنا‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬الخلق‭ ‬والإبداع،‭ ‬ومقاومة‭ ‬كلِّ‭ ‬أشكال‭ ‬الاغتراب‭ ‬والاستلاب،‭ ‬والاعتقاد‭ ‬بلا‭ ‬انتقاد،‭ ‬والتحيز‭ ‬إلى‭ ‬قيم‭ ‬الحرية‭ ‬والتسامح‭ ‬والسلم‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يَجْعل‭ ‬الإنسان‭ ‬مِلكًا‭ ‬لغيره،‭ ‬ولا‭ ‬يكُون‭ ‬مسلوبَ‭ ‬الإرادة‭. ‬وقد‭ ‬خاضَ‭ ‬فلاسفة‭ ‬التنوير‭ ‬الذين‭ ‬دعوا‭ ‬الإنسان‭ ‬للتحلي‭ ‬بالشجاعة‭ ‬في‭ ‬استعمال‭ ‬عقله،‭ ‬وشن‭ ‬بعض‭ ‬الرومانسيين‭ ‬الألمان‭ -‬مثل‭: ‬جوته،‭ ‬وشيللر‭- ‬حملةً‭ ‬على‭ ‬الصفات‭ ‬المنافية‭ ‬لروح‭ ‬الإنسانية‭.‬‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬الإرادة‭ ‬والوعي‭ ‬يتطلعان‭ ‬إلى‭ ‬التحرُّر‭ ‬من‭ ‬سطوة‭ ‬العالم‭ ‬الموضوعي‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬هيجل،‭ ‬التي‭ ‬ترفض‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬الفلسفة‭ ‬بالأنا‭ ‬المطلقة‭. ‬إنَّ‭ ‬فكرة‭ ‬الاستلاب‭ ‬ليست‭ ‬بوقف‭ ‬على‭ ‬عصر‭ ‬دون‭ ‬آخر؛‭ ‬وإنما‭ ‬نكاد‭ ‬نلحظها‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬تطور‭ ‬المجتمعات‭. ‬وأمام‭ ‬الضغوط‭ ‬التي‭ ‬يمارسها‭ ‬المجتمع‭ ‬بآلياته‭ ‬الروحية‭ ‬والمادية،‭ ‬يكون‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬سلاحَ‭ ‬الإنسان‭ ‬ضد‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬الاستلاب‭ ‬والاغتراب‭ ‬الشعورية‭ ‬والمادية،‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ “‬متى‭ ‬استعبدتم‭ ‬الناس‭ ‬وقد‭ ‬ولدتهم‭ ‬أمهاتهم‭ ‬أحرارًا؟‭”‬،‭ ‬المتقدِّم‭ ‬على‭ ‬المقولة‭ ‬الهجيلية‭ “‬يولد‭ ‬الإنسان‭ ‬ليكون‭ ‬حرًّا‭”.‬

إنَّ‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ -‬كما‭ ‬أسلفنا‭ ‬القول‭- ‬ملازمٌ‭ ‬أشد‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬اللزوم‭ ‬بتاريخ‭ ‬الحاضر‭ (‬histoire du présent‭)‬؛‭ ‬فهو‭ ‬ليس‭ ‬بوقف‭ ‬على‭ ‬فلسفة‭ ‬دون‭ ‬أخرى،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬زمن‭ ‬دون‭ ‬آخر‭. ‬وعليه،‭ ‬فإنَّه‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ -‬بل‭ ‬من‭ ‬الواجب‭- ‬أن‭ ‬يُلازم‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬كل‭ ‬نشاط‭ ‬فلسفي،‭ ‬وكل‭ ‬بحث‭ ‬علمي،‭ ‬وكل‭ ‬المؤسسات‭ ‬التربوية‭ ‬والأكاديمية‭ ‬والبحثية‭. ‬ولا‭ ‬غرو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قدر‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬إلا‭ ‬أصيلًا،‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬الاجترار‭ ‬والتكرار،‭ ‬ولا‭ ‬يخضع‭ ‬لإرادة‭ ‬التسليم،‭ ‬ولا‭ ‬يهادن‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الحق‭.‬

المتسلحون‭ ‬بالتفكير‭ ‬النقدي‭ ‬شجعان‭ ‬بالأصالة،‭ ‬أحرار‭ ‬بالإرادة،‭ ‬مبدعون‭ ‬بالعزيمة،‭ ‬فلاسفة‭ ‬بالفطرة،‭ ‬مشدودون‭ ‬إلى‭ ‬الكينونة‭ ‬والحقيقة،‭ ‬إنسانيون‭ ‬بالجوهر،‭ ‬بل‭ ‬هم‭ ‬مُسرفون‭ ‬في‭ ‬الإنسانية‭ – ‬بتعبير‭ ‬نيتشه‭. ‬ولا‭ ‬ريب‭ ‬أن‭ ‬يعلمنا‭ ‬هؤلاء‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بالتفكير‭ ‬النقدي،‭ ‬وتمجيد‭ ‬الحق‭ ‬الذي‭ ‬به‭ ‬نعرف‭ ‬الرجال،‭ ‬ونقوم‭ ‬الأحكام،‭ ‬ونستقرئ‭ ‬الظواهر،‭ ‬ونفحص‭ ‬الفروض،‭ ‬ونستنبط‭ ‬النتائج،‭ ‬ثم‭ ‬نعمم‭ ‬القواعد،‭ ‬فنجني‭ ‬الفوائد‭. ‬ومن‭ ‬يتدبر‭ ‬حال‭ ‬الخطاب‭ ‬الفلسفي،‭ ‬يلفيه‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬الأنطولوجيا‭ ‬والإبستيمولوجيا،‭ ‬علمًا‭ ‬بأن‭ ‬الفلسفة‭ ‬الحديثة‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تستغل‭ ‬نتائج‭ ‬العلم‭ ‬لغايات‭ ‬تدعم‭ ‬بها‭ ‬خطابها؛‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يرفضه‭ ‬غاستون‭ ‬باشلار،‭ ‬ولكن‭ ‬هوسرل‭ ‬دعا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الفلسفة‭ ‬علمًا‭ ‬دقيقًا،‭ ‬وأحيانا‭ ‬تفوق‭ ‬دقة‭ ‬العلوم،‭ ‬واتفق‭ ‬مع‭ ‬كانط‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬بناء‭ ‬فلسفة‭ ‬ترنسندنتالية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تلوح‭ ‬لنا‭ ‬السيميائيات‭ ‬الكانطية‭ ‬التي‭ ‬أسَّست‭ ‬لنفسها‭ ‬مقعدَ‭ ‬صدقٍ‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬مبادئ‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬بين‭ ‬المنطق‭ ‬المتعالي‭ ‬والنزعة‭ ‬التجريبية‭.‬

مبادئ‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬وأسسها‭ ‬السيميائية

ينهضُ‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ -‬بوصفه‭ ‬ممارسة‭ ‬فلسفية‭- ‬على‭ ‬مبادئ‭ ‬ثلاثة‭:‬

1-‭ ‬المبدأ‭ ‬المعرفي‭:‬‭ ‬وقوامه‭ ‬التأمل‭ ‬والكفاية‭ ‬العقلية،‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬الذاكرة‭ ‬والفهم‭ ‬والتحليل‭ ‬والشك‭ ‬دعامتها‭. ‬وهناك‭ ‬مفهوم‭ ‬الإبستمولوجيا‭ ‬الذي‭ ‬ابتدعه‭ ‬ج‭.‬ف‭ ‬فيريير‭ ‬سنة‭ ‬1854،‭ ‬ويعني‭ -‬من‭ ‬جملة‭ ‬ما‭ ‬يعنيه‭- ‬نقد‭ ‬أسس‭ ‬المعرفة‭ ‬ومناهجها‭ ‬وفرضياتها‭ ‬ونتائجها،‭ ‬والغرض‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬منطق‭ ‬العلوم‭ ‬وأبنيته‭ ‬وموضوعيته‭. ‬ولكي‭ ‬تتقدَّم‭ ‬المعارف‭ ‬والعلوم‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬الأساس‭ ‬النقدي‭ ‬الذي‭ ‬يزيل‭ ‬المعوقات‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬تطور‭ ‬هذه‭ ‬المعارف‭. ‬وهذا‭ ‬يؤدي‭ ‬لما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالقطيعة‭ ‬الإبستمولوجية‭ ‬كحال‭ ‬اللسانيات‭ ‬مع‭ ‬التفكير‭ ‬اللغوي‭ ‬القديم؛‭ ‬بَيْد‭ ‬أن‭ ‬الإبستمولوجيا‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬تختص‭ ‬بعلم‭ ‬واحد؛‭ ‬وعليه‭ ‬نراها‭ ‬ملازمة‭ ‬من‭ ‬وجوه‭ ‬لتاريخ‭ ‬العلوم،‭ ‬وما‭ ‬ينبغي‭ -‬حسب‭ ‬باشلار‭- ‬أن‭ ‬تتدخل‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬العلوم،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬العلوم‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬نسق‭ ‬تراكمي‭ ‬محفوف‭ ‬بالمزالق‭.‬

لازمت‭ ‬المعارفَ‭ ‬أسسٌ‭ ‬منهجية‭ ‬كبرى،‭ ‬يُمكن‭ ‬إجمالها‭ ‬فيما‭ ‬يأتي‭:‬

‭- ‬الشك‭ ‬المنهجي‭ (‬أبو‭ ‬حامد‭ ‬الغزالي‭ ‬وروني‭ ‬ديكارت‭).‬

‭- ‬القابلية‭ ‬للتحقُّق‭ (‬verification‭) ‬والتأييد‭ (‬فيتجنشتاين‭ ‬وموريس‭ ‬شليك‭ ‬وكارناب‭).‬

‭- ‬القابلية‭ ‬للدحض‭ (‬falsification‭) ‬والفحص‭ ‬الاستدلالي‭ (‬كارل‭ ‬بوبر‭).‬

‭- ‬دعوى‭ ‬عدم‭ ‬إمكان‭ ‬المقارنة‭ (‬بول‭ ‬فايرابند‭). ‬

هناك‭ ‬فلسفات‭ -‬مثل‭ ‬الوضعانية‭ ‬والمادية‭- ‬حملت‭ ‬لواء‭ “‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لمعرفة‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬العلوم‭ ‬الدقيقة‭” (‬العقل‭ ‬والصدق‭ ‬والتاريخ‭ ‬لهيلاري‭ ‬بنتام،‭ ‬ص‭:‬239‭). ‬وقد‭ ‬جرَّدت‭ ‬الوضعانية‭ ‬المنطقية‭ ‬قضايا‭ ‬الميتافيزيقا‭ ‬من‭ ‬كلِّ‭ ‬معنى،‭ ‬وتذكر‭ ‬تحذير‭ ‬نيوتن‭ ‬للفيزياء‭ “‬أيتها‭ ‬الفيزياء،‭ ‬إياك‭ ‬والميتافيزيقا‭”‬،‭ ‬ورأى‭ ‬هيجل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التحذير‭ ‬استخفافًا‭ ‬بالتفكير؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬الميتافيزيقا‭ ‬شكلٌ‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الاصطفاف‭ ‬وراء‭ ‬قضايا‭ ‬الإنسان‭ ‬غير‭ ‬المادية‭.‬

2-‭ ‬المبدأ‭ ‬الجدلي‭ ‬يُقر‭ ‬بواقع‭ ‬مناقض‭ ‬لآرائنا،‭ ‬ومفاهيمنا،‭ ‬ورؤيتنا‭ ‬للعالم‭. ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬يرفده‭ ‬خطاب‭ ‬فلسفي‭ ‬نسقي‭ ‬وحجاجي‭.‬

إنَّ‭ ‬الفكرَ‭ ‬الجدليَّ‭ ‬تمظهُر‭ ‬للقوة‭ ‬الذهنية‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬لبسط‭ ‬نفوذها‭ ‬العقلي‭ ‬مقابل‭ ‬تفكير‭ ‬مغاير،‭ ‬ويتألف‭ ‬الاستدلال‭ ‬الجدلي‭ ‬من‭ ‬مركَّب‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬مقدمات‭ ‬ظنية‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬الاستدلال‭ ‬البرهاني‭ ‬الذي‭ ‬نهض‭ -‬في‭ ‬نظر‭ ‬أرسطو‭- ‬على‭ ‬مبادئ‭ ‬كُلية‭ ‬يقينية،‭ ‬بخلاف‭ ‬الاستدلال‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬المغالطات،‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬حال‭ ‬السفسطائيين‭.‬والنهج‭ ‬السفسطائي‭ -‬بصورته‭ ‬السلبية‭- ‬ماثلٌ‭ ‬في‭ ‬خطابة‭ ‬السياسيين‭ ‬الذي‭ ‬يمارسون‭ ‬بإتقان‭ ‬مهارة‭ ‬الكذب‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬اللغة‭. ‬

3-‭ ‬مبدأ‭ ‬الحرية‭:‬‭ ‬يعدُّ‭ ‬الضامن‭ ‬لفضاء‭ ‬النقد‭ ‬الفلسفي؛‭ ‬إذ‭ ‬تكون‭ ‬فيه‭ ‬الحرية‭ ‬وكرامة‭ ‬الإنسان‭ ‬مكفولة،‭ ‬ومحفوظة،‭ ‬ومحترمة‭. ‬وقد‭ ‬دلَّنا‭ ‬تاريخُ‭ ‬الفلسفة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬سقراط‭ ‬دفع‭ ‬ضريبة‭ ‬هذه‭ ‬الحرية،‭ ‬فتجرع‭ ‬السمَّ،‭ ‬ولم‭ ‬يُهادن‭ ‬أو‭ ‬يتراجع،‭ ‬فأدين‭ ‬سنة‭ ‬399‭ ‬ق‭.‬م،‭ ‬علما‭ ‬بأن‭ ‬هيجل‭ ‬يربط‭ ‬التصور‭ ‬كونه‭ ‬الفكرة‭ ‬الشاملة‭ ‬بالحرية،‭ ‬وليس‭ ‬بالضرورة‭.‬

خصائص‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭:‬

يُمكن‭ ‬إجمال‭ ‬خصائص‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬أربع‭:‬

أ‭- ‬الحُكم‭ (‬الإثبات‭ ‬أو‭ ‬النفي‭):‬

إن‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬يعني‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬الحُكم،‭ ‬والتقويم‭. ‬وكان‭ ‬كانط‭ ‬يستعمله‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬التقابل‭ ‬بين‭ ‬النقد‭ ‬والمذهب‭ ‬النقدي‭. ‬ولقد‭ ‬ارتكز‭ ‬تراث‭ ‬فلسفة‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬الحدسين‭: ‬العقلي،‭ ‬والروحي‭. ‬والناظر‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬التقليدية‭ ‬يلفي‭ ‬أنها‭ ‬فلسفة‭ ‬مفاهيم‭ ‬وخطاب‭ ‬عقلي،‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬فلسفة‭ ‬حكم‭. ‬وإذا‭ ‬وقفنا‭ ‬على‭ ‬فلسفات‭ ‬جون‭ ‬لوك‭ ‬وهيوم،‭ ‬لوجدنها‭ ‬معنية‭ ‬بتحديد‭ ‬كفايات‭ ‬الذهن‭ ‬البشري،‭ ‬ومحاولة‭ ‬تفسير‭ ‬سيرورات‭ ‬الإحساس‭ ‬والتأمل،‭ ‬ضمن‭ ‬متصورات‭ ‬رد‭ ‬الأفكار‭ ‬المركبة‭ ‬إلى‭ ‬أصلها‭ ‬البسيط‭. ‬وهذا‭ ‬التفسير‭ ‬قوامه‭ ‬المقاربة‭ ‬السيكولوجية‭. ‬إن‭ ‬الأحكام‭ ‬موضوعها‭ ‬المنطق‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬ستيوارت‭ ‬مل؛‭ ‬لأن‭ ‬المنطق‭ ‬ليست‭ ‬وظيفته‭ ‬الملاحظة‭ ‬والاختراع‭ ‬والاكتشاف؛‭ ‬وإنما‭ ‬الحكم؛‭ ‬أي‭: ‬أن‭ ‬المنطق‭ ‬لا‭ ‬يخترع،‭ ‬ولكن‭ ‬يراقب‭ ‬سيرورة‭ ‬الاختراع،‭ ‬وسلامة‭ ‬إعمال‭ ‬الفكر،‭ ‬فهو‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬البرهان،‭ ‬بينما‭ ‬يستند‭ ‬الإبداع‭ ‬إلى‭ ‬ملكة‭ ‬الحدوس‭. ‬

وفي‭ ‬مقابل‭ ‬ذلك،‭ ‬آمنت‭ ‬الفلسفة‭ ‬النقدية‭ ‬لدى‭ ‬كانط‭ ‬بيقين‭ ‬الرياضيات‭ ‬والفيزياء؛‭ ‬خصوصًا‭ ‬بعدما‭ ‬أيقظه‭ ‬ديفيد‭ ‬هيوم‭ ‬من‭ ‬سباته‭ ‬الدوغمائي؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬هيوم‭ ‬أنكر‭ ‬ذلك‭ ‬الاعتقاد‭ ‬السائد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬العقل‭ ‬الإنساني‭ ‬نسخة‭ ‬مُصغَّرة‭ ‬من‭ “‬العقل‭ ‬الإلهي‭”‬،‭ ‬ورأت‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الصعوبة‭ ‬بمكان‭ ‬أن‭ ‬تنطبق‭ ‬على‭ ‬نشاط‭ ‬الذهن‭ ‬البشري‭ ‬آليات‭ ‬المقاربة‭ ‬السيكولوجية؛‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬كانط‭ ‬لا‭ ‬يحمِّل‭ ‬الحواس‭ ‬أي‭ ‬خطأ؛‭ ‬لأن‭ ‬أحكامها‭ ‬صائبة‭ ‬على‭ ‬الدوام،‭ ‬وإنما‭ ‬الذهن‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يتحمَّل‭ ‬مسؤولية‭ ‬الخطأ؛‭ ‬وعليه‭ ‬فإن‭ ‬العمليات‭ ‬الذهنية‭ ‬وأفعالها‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬أحكام‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬كانط‭. ‬وما‭ ‬الذهن‭ ‬لديه‭ ‬إلا‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الحكم؛‭ ‬لهذا‭ ‬يغدو‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬هو‭ ‬الحكم‭.‬

هُناك‭ ‬أحكامٌ‭ ‬عقلية‭ ‬ومنطقية،‭ ‬وأحكام‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الحس‭ ‬المشترك،‭ ‬مثلما‭ ‬هي‭ ‬حال‭ ‬الحكم‭ ‬الجمالي،‭ ‬الذي‭ ‬يراه‭ ‬كانط‭ (‬1724-1804‭) ‬موضوعيًّا‭. ‬فالأحكام‭ ‬تحلل‭ ‬الأفكار،‭ ‬وتبحث‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬القائمة‭ ‬بينها؛‭ ‬ولهذا‭ ‬يصنفها‭ ‬لانيو‭ (‬Lagneau‭) ‬في‭ ‬باب‭ ‬المعرفة‭ ‬بالفعل‭. ‬أما‭ ‬الأحكام‭ ‬الإشكالية‭ ‬لدى‭ ‬كانط،‭ ‬فهي‭ ‬التي‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬الإثبات‭ ‬والنفي‭ ‬ممكنًا،‭ ‬ولا‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نجزم‭ ‬بقضية‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬عزلناها‭ ‬عن‭ ‬القضايا‭ ‬الأخرى،‭ ‬وعكس‭ ‬هذه‭ ‬الأحكام‭ ‬هي‭ ‬الأحكام‭ ‬الإخبارية‭ ‬والأحكام‭ ‬الضرورية‭.‬

وفي‭ ‬مقابل‭ ‬بناء‭ ‬الأحكام‭ ‬والبرهنة‭ ‬عليها،‭ ‬هناك‭ “‬تعليق‭ ‬الأحكام‭”‬،‭ ‬ويرى‭ ‬دعاتها‭ ‬أنها‭ ‬ضرب‭ ‬من‭ ‬السيرورات‭ ‬المعرفية‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬سمياء‭ ‬العقل‭ ‬الرشيدية‭. ‬وقد‭ ‬أبان‭ ‬إدموند‭ ‬هوسرل‭ ‬عن‭ ‬المنهج‭ ‬الترانسندنتالي‭ ‬الذي‭ ‬تمتاز‭ ‬به‭ ‬الذات‭ ‬وهي‭ ‬تضطلع‭ ‬بــ‭”‬الرد‭ ‬الفينومينولوجي‭”‬،‭ ‬ثم‭ ‬يقوم‭ ‬التفكير‭ ‬الترانسندنتالي‭ ‬بتعليق‭ ‬الأحكام‭ ‬عن‭ ‬عالم‭ ‬الأعيان‭ (‬العالم‭ ‬التجريبي‭)‬؛‭ ‬لأن‭ ‬أساس‭ ‬المعرفة‭ ‬في‭ ‬فلسفته‭ ‬يتقصد‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الأنا‭ ‬الترانسندنتالي‭.‬‭ ‬وقد‭ ‬سبق‭ ‬كانط‭ ‬أن‭ ‬جعل‭ ‬المعرفة‭ ‬الترانسندنتالية‭ ‬طريقا‭ ‬للعناية‭ ‬بالأشياء‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬العناية‭ ‬بالتصورات‭ ‬القبلية‭ ‬للأشياء‭. ‬ولهذا‭ ‬امتاز‭ ‬التحليل‭ ‬الفينومينولوجي‭ ‬بوصف‭ ‬المعاني‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬التجرُّد‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أحكام‭ ‬الوجود‭ (‬الإيبوخا‭).‬

إنَّ‭ ‬ممارسة‭ ‬النقد‭ ‬ليستْ‭ ‬مُختزلة‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬أحكام‭ (‬والتعبير‭ ‬عنها‭)‬،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬المدرسة‭ ‬الشكية‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬الحكمة‭ ‬عدم‭ ‬إصدار‭ ‬الأحكام‭ ‬بالإيجاب‭ ‬أو‭ ‬بالسلب،‭ ‬بالقبول‭ ‬أو‭ ‬بالرفض‭. ‬ومن‭ ‬الأفضل‭ ‬الخلود‭ ‬إلى‭ ‬الصَّمت؛‭ ‬لأن‭ ‬اليقين‭ ‬مستحيل‭. ‬أما‭ ‬التحليل‭ ‬الفينومينولوجي،‭ ‬فيدعو‭ ‬لتعليق‭ ‬أحكامنا‭ (‬époché‭) ‬لكي‭ ‬يتسنَّى‭ ‬رد‭ ‬الذات‭ ‬النفسية‭ ‬إلى‭ ‬الذات‭ ‬الترانسندنتالية؛‭ ‬حيث‭ ‬تحصل‭ ‬الخبرة‭ ‬الباطنية،‭ ‬وتسمح‭ ‬بالبحث‭ ‬في‭ ‬شروط‭ ‬التجربة‭ ‬نفسها‭. ‬ويعلِّل‭ ‬هوسرل‭ ‬بأن‭ ‬من‭ ‬فوائد‭ ‬تعليق‭ ‬الحكم‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مجال‭ ‬الحياة‭ ‬الشعورية‭ ‬الخالصة،‭ ‬الذي‭ ‬يتسم‭ ‬بالانفتاح‭ ‬والحرية‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬الفكر؛‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬كونه‭ ‬موضوعه‭ ‬القَصْدي‭.‬

ب‭- ‬التجريد‭ (‬Abstraction‭):‬

‭ ‬التجريد‭.. ‬مُوْصِل‭ ‬إلى‭ ‬جوهر‭ ‬الأشياء،‭ ‬واستخلاص‭ ‬المفاهيم،‭ ‬بإسقاط‭ ‬الصفات‭ ‬العرضية؛‭ ‬إذ‭ ‬يقوم‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬فيفصل‭ ‬بين‭ ‬الأشياء،‭ ‬وينزع‭ ‬عنها‭ ‬بعض‭ ‬صفاتها،‭ ‬ويفصل‭ ‬بعضها‭ ‬عن‭ ‬بعض،‭ ‬وهو‭ ‬أمرٌ‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬في‭ ‬الواقع‭. ‬يُصبح‭ ‬الفكر‭ ‬مجردًا‭ ‬عندما‭ ‬يتحرَّر‭ ‬من‭ ‬العيني،‭ ‬وهو‭ ‬فعلٌ‭ ‬ذاتي‭ ‬حسب‭ ‬كانط،‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬الذات‭ ‬المفكرة؛‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬مُتضمَّن‭ ‬في‭ ‬التصور‭ ‬ذاته،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬الذات‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬هيجل‭ ‬تجرِّد‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬ميولاتها‭ ‬العينية‭. ‬ومثال‭ ‬ذلك‭: ‬الكائنات‭ ‬الرياضية،‭ ‬فهي‭ ‬كائنات‭ ‬مجردة‭ ‬يبدعها‭ ‬الرياضي،‭ ‬ويقدم‭ ‬لها‭ ‬تعريفًا‭ ‬من‭ ‬وضعه،‭ ‬ويبني‭ ‬لها‭ ‬تصورًا‭ ‬حسب‭ ‬كانط‭. ‬ويتجلى‭ ‬الخلاف‭ ‬بين‭ ‬الفلسفة‭ ‬وعلماء‭ ‬الرياضيات،‭ ‬في‭ ‬أنَّ‭ ‬الرياضيات‭ ‬تبدأ‭ ‬بالتعريفات،‭ ‬بينما‭ ‬الفلاسفة‭ ‬يدعون‭ ‬التعريفات‭ ‬إلى‭ ‬النهاية،‭ ‬بخلاف‭ ‬إسبينوزا،‭ ‬الذي‭ ‬ساير‭ ‬عمل‭ ‬الهندسة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬مولعًا‭ ‬بمنهجها‭. ‬

فكلٌّ‭ ‬من‭ ‬الحس‭ ‬والخيال‭ ‬والعقل،‭ ‬يضطلع‭ -‬كل‭ ‬حسب‭ ‬درجته‭- ‬بفصل‭ ‬الصورة‭ ‬عن‭ ‬المادة،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬الحقل‭ ‬وحده‭ ‬من‭ ‬يُجرِّد‭ ‬الصورة‭ ‬عن‭ ‬المادة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬وجه،‭ ‬ويعزلها‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬وضع،‭ ‬وأين‭ ‬وكم‭ ‬وكيف،‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الحكيم‭ ‬ابن‭ ‬سينا‭. ‬وهو‭ ‬الطريق‭ ‬المؤدِّي‭ ‬للكليات‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬العلامات‭ ‬اللفظية‭ ‬الدالة‭ ‬على‭ ‬المجردات‭. ‬وإن‭ ‬رُمنا‭ ‬التعبير‭ ‬السيميائي،‭ ‬لقلنا‭ ‬إنها‭ ‬تمثل‭ ‬رتبة‭ ‬الممثل‭ ‬من‭ ‬العلامات،‭ ‬وفق‭ ‬مصطلحية‭ ‬بورس؛‭ ‬فاللون‭ ‬والرائحة‭ ‬أكثر‭ ‬تجريدا‭ ‬من‭ ‬الما‭ ‬صدق،‭ ‬كرائحة‭ ‬الوردة‭ ‬الحمراء،‭ ‬أو‭ ‬كعطر‭ ‬القنينة‭ ‬الصفراء‭. ‬

ويقومَ‭ ‬التفكيرُ‭ ‬الفلسفي‭ ‬على‭ ‬دراسة‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬تُعتبر‭ ‬عامة،‭ ‬ومُجردة،‭ ‬وليست‭ ‬مادية‭ ‬واقعية؛‭ ‬مثل‭: ‬متصورات‭ ‬الوجود‭ ‬والكليات‭ ‬والسببية‭ ‬والبينة‭… ‬ويمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬مفاهيم‭ ‬المنطق‭ ‬والرياضيات‭ ‬تتسم‭ ‬بالتجريد‭ ‬الجوهري؛‭ ‬لذا‭ ‬كانت‭ ‬الأحكام‭ ‬الفلسفية‭ ‬أحكامًا‭ ‬وجوبية،‭ ‬وليست‭ ‬وجودية،‭ ‬فهو‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬التفكير‭ ‬العلمي‭ ‬الذي‭ ‬يدرس‭ ‬الظواهر‭ ‬الطبيعية‭ ‬المادية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬عرف‭ ‬أرسطو‭ ‬التفكير‭ ‬الفلسفي‭ ‬بأنه‭ “‬علم‭ ‬الكليات‭”.‬‭ ‬إنَّ‭ ‬التجريد‭ ‬ينصرف‭ ‬إلى‭ ‬صور‭ ‬التفكير‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬مادته،‭ ‬مثل‭ ‬العلوم‭ ‬النظرية‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬العلوم‭ ‬التجريبية‭. ‬ولكي‭ ‬يكون‭ ‬التجريد‭ ‬مثمرًا،‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يستكشف‭ ‬الصفات‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬الأشياء،‭ ‬يستبدلها‭ ‬بمفاهيم‭ ‬تحلُّ‭ ‬محلها،‭ ‬وتساعد‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بحسابات‭ ‬ذهنية،‭ ‬ويسمح‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه‭ ‬بتعميمها‭.. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬التجريد‭ ‬من‭ ‬سمات‭ ‬عصر‭ ‬التنوير‭.‬

إذا‭ ‬كان‭ ‬العلم‭ ‬مسلكًا‭ ‬لتحويل‭ ‬الظواهر‭ ‬إلى‭ ‬مُتصورات؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬ذلك‭ ‬يعني‭ ‬أنَّ‭ ‬الذهن‭ ‬يقوم‭ ‬بعمليات‭ ‬حسابية‭ ‬عقلية؛‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إدراك‭ ‬المعاني‭ ‬المشتركة‭ ‬المجرَّدة‭ ‬أو‭ ‬تأليفها‭. ‬ولكن‭ ‬وقع‭ ‬خلاف‭ ‬بين‭ ‬الاسميين‭ ‬والواقعيين‭ ‬في‭ ‬النظر‭ ‬للكليات؛‭ ‬فالواقعيون‭ ‬يقرون‭ ‬بوجودها‭ ‬في‭ ‬الواقع؛‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬الاسميون‭ ‬أيَّ‭ ‬وجود‭ ‬لها‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬العقل‭.‬

ج‭- ‬الاستقراء‭ (‬Induction‭): ‬

بما‭ ‬أنَّ‭ ‬الكون‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬من‭ ‬الكمال‭ ‬في‭ ‬الخلق‭ ‬والإبداع،‭ ‬فثمَّة‭ ‬قوانين‭ ‬ثابتة‭ ‬وعامة‭ ‬تحكمه،‭ ‬وأنَّ‭ ‬مجرى‭ ‬الطبيعة‭ ‬لا‭ ‬يتغيَّر،‭ ‬ويسير‭ ‬على‭ ‬منوال‭ ‬واحد‭. ‬وعليه،‭ ‬فالاستقراء‭ ‬يضطلع‭ ‬بتتبع‭ ‬الحالات‭ ‬الفردية‭ ‬في‭ ‬الظواهر‭ ‬المدركة،‭ ‬فهو‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬التجربة‭ ‬إلى‭ ‬الفروض،‭ ‬ثم‭ ‬يستخلص‭ ‬قواعدها‭ ‬وقوانينها،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬يكون‭ ‬ملازمًا‭ ‬للتصوُّر‭ -‬حسب‭ ‬غاستون‭ ‬باشلار‭- ‬مثل‭: ‬تتبع‭ ‬الصيغ‭ ‬اللغوية‭ ‬للوقوف‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الأفعال‭ ‬في‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬حركات‭ ‬الجر‭.‬

إذا‭ ‬كان‭ ‬الاستقراء‭ -‬حسب‭ ‬رسل‭- ‬لا‭ ‬حيلة‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ ‬الاستقراء‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬التطبيقي‭ ‬للعلم؛‭ ‬فإن‭ ‬الاستقراء‭ ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬صعوبة؛‭ ‬لأنه‭ ‬يحتاج‭ ‬إعمالَ‭ ‬البصيرة‭ ‬في‭ ‬الحدوس‭ ‬والخيالات‭ ‬والمماثلات،‭ ‬عكس‭ ‬الاستنباط‭ ‬الذي‭ ‬ينهض‭ ‬على‭ ‬العقل،‭ ‬ولا‭ ‬تُعد‭ ‬هذه‭ ‬نقيصة‭ ‬للاستقراء؛‭ ‬لكونها‭ ‬دفعت‭ ‬المعارف‭ ‬والعلوم‭ ‬إلى‭ ‬إحداث‭ ‬إبدالات‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬تاريخها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬العقول‭ ‬البشرية‭.‬

إنَّ‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬التصوُّر‭ ‬السيميائي‭ ‬للاستقراء‭: ‬أن‭ ‬بورس‭ ‬يعتقد‭ -‬شأنه‭ ‬شأن‭ ‬كارل‭ ‬بوبر‭- ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬بجديد؛‭ ‬فهو‭ ‬يكتفي‭ ‬بالتحقُّق‭ ‬من‭ ‬صحة‭ ‬الافتراضات،‭ ‬بخلاف‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬الاعتقاد‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المنطق‭ ‬من‭ ‬وضع‭ ‬الفروض‭ ‬وصوغ‭ ‬القوانين،‭ ‬كما‭ ‬سبق‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬رأى‭ ‬فيه‭ ‬عملية‭ ‬التعميم‭ ‬من‭ ‬أمثلة‭ ‬عديدة،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬مثال‭ ‬واحد‭ ‬بخلاف‭ ‬المعتاد،‭ ‬فهو‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬حكم‭ ‬قيمة‭ ‬إلى‭ ‬كونه‭ ‬عملية‭ ‬تعميم؛‭ ‬لهذا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬حصر‭ ‬الملاحظة‭ ‬في‭ ‬الرؤية‭ ‬المباشرة‭ ‬للظواهر؛‭ ‬وإنما‭ ‬تتعدَّى‭ ‬إلى‭ ‬وصفها‭ ‬وتصنيفها‭ ‬بُغية‭ ‬إدراك‭ ‬أوجه‭ ‬التباين‭ ‬بينها‭.‬

وتتقصَّد‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬المنطقية‭ ‬الحكمَ‭ ‬على‭ ‬الكليات‭ ‬التي‭ ‬تجد‭ ‬لها‭ ‬وجودًا‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬جزئياتها‭. ‬وبناء‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الاستقراء‭ ‬يؤدي‭ ‬بنا‭ ‬للوضوح‭ ‬والثبات،‭ ‬ولا‭ ‬يقودنا‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬اليقينيات‭ ‬والعلوم‭ ‬التي‭ ‬تتسم‭ ‬بالمؤقت‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬غوبلو‭ (‬Goblot‭)‬؛‭ ‬بخلاف‭ ‬هيمنس‭ (‬Heymans‭) ‬الذي‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الاستقراء‭ ‬بإمكانه‭ ‬أن‭ ‬يسلمنا‭ ‬إلى‭ ‬اليقينيات‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬منهجيًّا‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الاستقراء‭ -‬بوصفه‭ ‬آلية‭ ‬منهجية‭ ‬منطقية‭- ‬قد‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تقدم‭ ‬المعارف‭ ‬والعلوم؛‭ ‬كونه‭ ‬يعد‭ ‬جوهرَ‭ ‬التراكم‭ ‬العلمي‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬رسل‭ ‬متمسكًا‭ ‬به؛‭ ‬أي‭ ‬بتصور‭ ‬بورس‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬الاستقراء‭ ‬الكمي‭ ‬لديه‭ ‬لاحقًا‭ ‬استقراء‭ ‬كيفيا،‭ ‬كفيلا‭ ‬بأن‭ ‬يوصلنا‭ ‬لشاطئ‭ ‬الحقيقة‭. ‬ولا‭ ‬توجد‭ ‬حقيقة‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يقبلها‭ ‬العقل‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬هبرماس؛‭ ‬لأنها‭ ‬المزية‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬الأنساق‭ ‬الفكرية‭.‬

وهناك‭ ‬نوعان‭ ‬من‭ ‬الاستقراء‭:‬

‭- ‬الاستقراء‭ ‬التام‭:‬‭ ‬يحصل‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الاستقراء‭ ‬لما‭ ‬يُوجِد‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬جزئيات‭ ‬الكلي‭ ‬وجودًا‭ ‬كاملًا‭.‬

‭- ‬الاستقراء‭ ‬الناقص‭:‬‭ ‬ويُطْلِق‭ ‬عليه‭ ‬ابن‭ ‬سينا‭ “‬الاستقراء‭ ‬المشهور‭”‬،‭ ‬وهو‭ ‬بخلاف‭ ‬الاستقراء‭ ‬التام‭.‬

د‭- ‬التعميم‭:‬‭ ‬

التعميم‭.. ‬وقوفٌ‭ ‬على‭ ‬الصفات‭ ‬المشابهة‭ ‬في‭ ‬الظواهر،‭ ‬ثم‭ ‬تعميمها‭ ‬وفق‭ ‬قانونيْ‭ ‬السببية‭ ‬والحتمية؛‭ ‬لهذا‭ ‬فإن‭ ‬التجريد‭ ‬يسبق‭ ‬بالضرورة‭ ‬التعميم‭.‬

هـ‭- ‬قانون‭ ‬السببية‭:‬

إنَّ‭ ‬مبدأ‭ ‬السببية‭ ‬الذي‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬أنَّ‭ ‬لكل‭ ‬سبب‭ ‬مُسبِّبًا،‭ ‬يعدُّ‭ ‬هذا‭ ‬أساس‭ ‬كل‭ ‬معرفة‭ -‬كما‭ ‬بلورته‭ ‬الفلسفة‭ ‬الأرسطية‭ ‬في‭ ‬رد‭ ‬السببية‭ ‬إلى‭ “‬مادية،‭ ‬وصورية،‭ ‬وفاعلية،‭ ‬وغائية‭”. ‬وقد‭ ‬عرَّفه‭ ‬رسل‭ ‬بأن‭ “‬بموجبه‭ ‬نستنبط‭ ‬واقعة‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬كافٍ‭ ‬من‭ ‬الوقائع‭ ‬عند‭ ‬عدد‭ ‬كافٍ‭ ‬من‭ ‬اللحظات‭”. ‬وكان‭ ‬لديفيد‭ ‬هيوم‭ ‬قصب‭ ‬السبق‭ ‬في‭ ‬تسديد‭ ‬سهام‭ ‬النقد‭ ‬لقانون‭ ‬السببية‭ ‬الذي‭ ‬تأثر‭ ‬به‭ ‬كانط،‭ ‬وجعله‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لهذا‭ ‬القانون‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الحسي،‭ ‬وإنما‭ ‬مكانه‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬النظري‭. ‬والمعلوم‭ ‬أن‭ ‬الأسباب‭ ‬تسبق‭ ‬النتائج‭ ‬زمنيا‭ ‬ومنطقيا‭. ‬ويعتقدُ‭ ‬هيجل‭ ‬أنَّ‭ ‬السبب‭ ‬مُتضايف‭ ‬مع‭ ‬النتيجة،‭ ‬فهما‭ ‬متلازمان‭ ‬منطقيا‭ ‬ومتفاعلان،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬النتيجة‭ ‬متحد‭ ‬بالقوة‭ ‬في‭ ‬النتيجة؛‭ ‬لهذا‭ ‬ترتبط‭ ‬سلامة‭ ‬النتائج‭ ‬بسلامة‭ ‬المقدمات‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬المنطقي‭. ‬واللافت‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬مفهوم‭ ‬السببية‭ ‬ما‭ ‬سجله‭ ‬هيوم‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬مجرد‭ ‬انتظام‭ ‬مُعيَّن‭ ‬لتسلسل‭ ‬ما،‭ ‬وليست‭ ‬مرتبطة‭ ‬بمفهوم‭ “‬الضرورة‭”‬؛‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬فتح‭ ‬الطريق‭ ‬ليتبوأ‭ ‬المنهج‭ ‬التجريبي‭ ‬منزلته‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬الحديثة‭.‬

وبناءً‭ ‬عليه،‭ ‬فإنَّ‭ ‬القوانين‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬هيجل‭ ‬تبدو‭ ‬في‭ “‬الظاهر‭” ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تبدو‭ ‬في‭ ‬السببية‭. ‬والغالب‭ ‬أن‭ ‬النتائج‭ ‬تنطمس‭ ‬فيها‭ ‬الأسباب؛‭ ‬ولهذا‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬يركز‭ ‬تفكيرنا‭ ‬على‭ ‬الوجود‭ ‬بالفعل،‭ ‬ويغفل‭ ‬عما‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬حدوث‭ ‬هذه‭ ‬النتيجة‭ ‬أو‭ ‬تلك‭. ‬وما‭ ‬هو‭ ‬جدير‭ ‬بالانتباه‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬اختلافًا‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬اشتراك‭ ‬العلة‭ ‬والمعلول‭ ‬في‭ ‬المحتوى‭ ‬ذاته؛‭ ‬لأن‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬غير‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬الالتباس‭.‬

و‭- ‬قانون‭ ‬الحتمية‭: ‬

كلُّ‭ ‬الظواهر‭ ‬ذات‭ ‬الصفات‭ ‬المشابهة‭ ‬تجري‭ ‬على‭ ‬نسق‭ ‬واحد‭ ‬إذا‭ ‬تعرضت‭ ‬لحدث‭ ‬ما‭. ‬وبدون‭ ‬وجود‭ ‬هذا‭ ‬القانون،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للعلم‭ ‬أن‭ ‬ينجز‭ ‬ما‭ ‬أنجزه،‭ ‬وما‭ ‬سينجزه،‭ ‬وأنه‭ ‬بوجود‭ ‬الحتمية‭ ‬فإنَّ‭ ‬مجال‭ ‬العلم‭ ‬لا‭ ‬محدود؛‭ ‬وكثيرًا‭ ‬ما‭ ‬يلتبس‭ ‬علينا‭ ‬الأمر‭ ‬عندما‭ ‬يتبادر‭ ‬إلى‭ ‬أذهاننا‭ ‬مفهوم‭ ‬الحتمية،‭ ‬يعني‭ ‬لنا‭ ‬ذلك‭ ‬أنها‭ ‬نقيض‭ ‬للحرية‭. ‬وللعلم،‭ ‬فإن‭ ‬رسل‭ ‬نفى‭ ‬الوحدة‭ ‬بين‭ ‬السببية‭ ‬والحتمية؛‭ ‬بينما‭ ‬نفى‭ ‬هازنبرج‭ ‬مبدأ‭ ‬الحتمية،‭ ‬وقال‭ ‬بمبدأ‭ ‬اللا‭ ‬تعيين،‭ ‬الذي‭ ‬تنتصر‭ ‬إليه‭ ‬النسبية‭ ‬ونظرية‭ ‬الكم‭ ‬في‭ ‬الفيزياء‭. ‬

ز‭- ‬الاستنباط‭ (‬Déduction‭): ‬

يبدأ‭ ‬الاستنباط‭ ‬من‭ ‬الكُليَّات‭ ‬إلى‭ ‬الجزئيات؛‭ ‬بينما‭ ‬ينطلق‭ ‬الاستقراء‭ ‬من‭ ‬الجزئيات‭ ‬إلى‭ ‬الكليات‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬سيميائيات‭ ‬ش‭.‬س‭ ‬بورس‭ ‬نسخة‭ ‬مُطابقة‭ ‬للمنطق؛‭ ‬كونه‭ ‬علمًا‭ ‬معياريًّا،‭ ‬بل‭ ‬عالجته‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬نظرية‭ ‬في‭ ‬المنهج،‭ ‬واعتنت‭ ‬بمعيار‭ ‬الصحة،‭ ‬ثم‭ ‬انصرفت‭ ‬إلى‭ ‬تصنيف‭ ‬الاستدلالات‭. ‬وقادها‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬ابتداع‭ ‬مفهوم‭ ‬جديد‭ ‬عُرف‭ ‬بـ‭”‬الاستدلال‭ ‬الافتراضي‭”. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬الاستدلالات‭ ‬المنطقية‭ ‬الصارمة؛‭ ‬فإن‭ ‬الفتوحات‭ ‬العلمية‭ ‬قادتها‭ ‬الحدوس‭ ‬والخيالات‭ ‬الخلاقة‭ ‬وتأملات‭ ‬البصيرة؛‭ ‬ولكن‭ ‬الظواهر‭ ‬لا‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تهتد‭ ‬بالاستدلالات‭ ‬والتفكير‭ ‬النقدي‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬أذهاننا‭ ‬يقظة‭ ‬على‭ ‬الدوام‭.‬

المنطق‭ ‬السيميائي‭ ‬والمسألة‭ ‬اللغوية‭:‬

وعطفًا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬فإن‭ ‬المنطق‭ ‬السيميائي‭ ‬الذي‭ ‬رسم‭ ‬معالمه‭ ‬بورس‭ ‬بالارتكاز‭ ‬على‭ ‬دونيس‭ ‬سكوت،‭ ‬والفلسفة‭ ‬النقدية‭ ‬لكانط،‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬الأعيان‭ (‬التجربة‭)‬،‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬الأذهان‭ (‬العقل‭)‬،‭ ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬للواقع‭ ‬لكي‭ ‬يتأكد‭ ‬من‭ ‬صحة‭ ‬الفروض،‭ ‬وصلة‭ ‬عالم‭ ‬الأعيان‭ ‬بعالم‭ ‬الأذهان،‭ ‬وهذه‭ ‬الطريقة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬يسلكها‭ ‬المنهج‭ ‬الافتراضي‭ ‬الاستنباطي‭ ‬في‭ ‬استكشاف‭ ‬القوانين،‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الحوادث‭ ‬والظواهر‭ ‬التي‭ ‬تبحث‭ ‬في‭ ‬الأسباب؛‭ ‬لكن‭ ‬بورس‭ ‬يبحث‭ ‬في‭ ‬عِلل‭ ‬الكون‭ ‬والطبيعة‭. ‬إنه‭ ‬بحث‭ ‬في‭ ‬النتائج‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬بحث‭ ‬في‭ ‬الأسباب؛‭ ‬ولكن‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬عالم‭ ‬الألفاظ‭ ‬غائب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المسلك‭ ‬المنطقي‭. ‬فإلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬لمسألة‭ ‬اللغة‭ ‬حظوة‭ ‬في‭ ‬النظرية‭ ‬السيميائية‭ ‬وارتباطها‭ ‬بالتفكير‭ ‬النقدي؟

لا‭ ‬يُخطئ‭ ‬نظر‭ ‬المتأمل‭ ‬الحصيف‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬التفكير‭ ‬اللغوي‭ ‬المسائل‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬قوام‭ ‬المنطق‭ ‬السيميائي‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬أنساق‭ ‬العلامات‭. ‬وقبل‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬النقدية‭ ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬هذا‭ ‬المنطق،‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬مسألة‭ ‬اللغة‭ ‬شغلت‭ ‬حيزًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬عناية‭ ‬التفكير‭ ‬السيميائي‭ ‬ذي‭ ‬الصبغة‭ ‬النقدية،‭ ‬وقد‭ ‬دعا‭ ‬فيتجنشتاين‭ ‬الفلسفة‭ ‬إلى‭ ‬خوض‭ ‬معركة‭ ‬لا‭ ‬هوادة‭ ‬فيها،‭ ‬ضد‭ ‬افتتان‭ ‬عقولنا‭ ‬بسحر‭ ‬الكلمات‭. ‬وهذا‭ ‬اعتراف‭ ‬صريح‭ ‬بأن‭ ‬اللغة‭ ‬تمارس‭ ‬التضليل‭ ‬على‭ ‬العقول،‭ ‬وعلى‭ ‬النقد‭ ‬الفلسفي‭ ‬أن‭ ‬يفضح‭ ‬سحر‭ ‬العلامات‭ ‬وأكاذيبها‭ ‬وأوهامها؛‭ ‬لأن‭ ‬المذهب‭ ‬الإسمي‭ ‬الحديث‭ ‬يتصور‭ ‬العلوم‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬لغات‭ ‬صيغت‭ ‬صوغًا‭ ‬محكمًا،‭ ‬ويدعون‭ ‬إلى‭ ‬فحص‭ ‬أسمائها‭ ‬لا‭ ‬موضوعاتها؛‭ ‬أي‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬جهاز‭ ‬مفاهيمها‭ ‬ومصطلحاتها‭.‬

وتتمثَّل‭ ‬وظيفة‭ ‬النقد‭ ‬السيميائي‭ ‬للغة‭ ‬في‭ ‬فحص‭ ‬علاقتها‭ ‬بالذات‭ ‬والواقع‭.. ‬وعليه‭ ‬تطرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬الآتية‭:‬

‭- ‬أيقتصر‭ ‬دور‭ ‬اللغة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬لنا‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬موجود؟

‭- ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬ينحصر‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬وسيطًا‭ ‬بيننا‭ ‬وبين‭ ‬عالم‭ ‬الأعيان؟

‭- ‬ما‭ ‬وظيفتها؟‭ ‬أهي‭ ‬تواصلية‭ ‬أم‭ ‬تفاعلية؟‭ ‬أهي‭ ‬وصفية‭ ‬أم‭ ‬إنجازية؟

‭- ‬وبناءً‭ ‬عليه،‭ ‬أي‭ ‬لغة‭ ‬نتوخى؟‭ ‬أنختار‭ ‬لغة‭ ‬الماضي‭ ‬والمقدس‭ ‬والمتون؛‭ ‬لأنها‭ ‬تمثل‭ ‬الأصل،‭ ‬والكمال‭ ‬والذكورة،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬لغة‭ ‬الحاضر‭ ‬واللهجات‭ ‬والعاميات‭ ‬والدخيل‭ ‬والسوقي‭ ‬والهزلي؟

إنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬ستنبه‭ ‬وعينا‭ ‬النقدي‭ ‬إلى‭ ‬خطورة‭ ‬التاريخ‭ ‬الذي‭ ‬نتلقاه،‭ ‬والذي‭ ‬نشيده‭ ‬بأنفسنا‭. ‬إن‭ ‬نقد‭ ‬النسق‭ ‬السيميائي‭ ‬للغة‭ ‬نقد‭ ‬للسرديات‭ ‬الكبرى‭ ‬والصغرى‭ ‬على‭ ‬السواء؛‭ ‬لكونها‭ ‬تشكل‭ ‬وعينا،‭ ‬وتثير‭ ‬بأنساقها‭ ‬عواطفنا‭ ‬الإنسانية‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تصف‭ ‬لنا‭ ‬الأشياء؛‭ ‬ولهذا‭ ‬يبدو‭ ‬دورها‭ ‬التفاعلي‭ ‬أخطر‭ ‬وأعظم‭ ‬من‭ ‬دورها‭ ‬التواصلي،‭ ‬وبناء‭ ‬عليه‭ ‬فكل‭ ‬تفكير‭ ‬نسقي‭ ‬ينتهي‭ ‬إلى‭ ‬التأمل‭ ‬الفلسفي،‭ ‬شأنه‭ ‬شأن‭ ‬نهاية‭ ‬العلم‭ ‬التي‭ ‬تؤول‭ ‬إلى‭ ‬ضرب‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬الفلسفي‭.‬

كان‭ ‬السفسطائيون‭ ‬سبَّاقين‭ ‬إلى‭ ‬لفت‭ ‬انتباهنا‭ ‬إلى‭ ‬خطورة‭ ‬المسألة‭ ‬اللغوية،‭ ‬وألاعيبها،‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬تعليمهم‭ ‬فنَّ‭ ‬الخطابة‭ ‬والفضيلة‭ ‬والمعرفة،‭ ‬وانتهوا‭ ‬إلى‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬المعرفة‭ ‬الإنسانية‭ ‬نسبية‭. ‬فهم‭ ‬لم‭ ‬يعملوا‭ ‬آلتهم‭ ‬النقدية‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬اللغة‭ ‬تحليلًا‭ ‬فلسفيًّا،‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬ما‭ ‬نذرت‭ ‬مدرسة‭ ‬سقراط‭ ‬نفسها‭ ‬لذلك؛‭ ‬إذ‭ ‬فحصت‭ ‬اللغة‭ ‬وماهيتها،‭ ‬ومدى‭ ‬مطابقتها‭ ‬للأشياء،‭ ‬وتبعا‭ ‬لذلك‭ ‬علاقتها‭ ‬بالحقيقة‭ ‬وفصل‭ ‬الخطاب‭. ‬إنَّ‭ ‬فن‭ ‬الخطابة‭ ‬كُتِبتْ‭ ‬له‭ ‬الحياة‭ -‬حسب‭ ‬شيشيرون‭- ‬في‭ ‬ظل‭ ‬النظام‭ ‬الدستوري،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬سائدًا‭ ‬في‭ ‬أثينا،‭ ‬بوجود‭ ‬مجالس‭ ‬للتشريع‭ ‬ومحاكم‭ ‬للمحلفين‭.‬

لم‭ ‬تعُد‭ ‬اللغة‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬مدرسة‭ ‬سقراط‭ -‬إذا‭ ‬جازت‭ ‬هذه‭ ‬التسمية‭- ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬العالم،‭ ‬وتقريب‭ ‬الأشياء‭ ‬إلينا،‭ ‬بل‭ ‬التفكر‭ ‬في‭ ‬ماهيتها‭ ‬بغية‭ ‬بناء‭ ‬الأحكام‭ ‬ونقدها‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬منطقية‭ ‬واستدلالات‭ ‬سيميائية‭. ‬ولهذا‭ ‬دفع‭ ‬التفكير‭ ‬السيميائي‭ ‬المنطق‭ ‬إلى‭ ‬إثارة‭ ‬المسألة‭ ‬اللغوية‭ ‬كما‭ ‬ألمحنا‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬سلفا،‭ ‬ونقد‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬مادة‭ ‬اللغة‭ ‬ومحتواها،‭ ‬وترتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬التساؤل‭ ‬عن‭ ‬علاقتها‭ ‬بالفكر،‭ ‬وصلتها‭ ‬بمفهوم‭ ‬الاعتباطية‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬المواضعة‭ ‬الذي‭ ‬تحركه‭ ‬المتصورات‭ ‬الوجودية‭ ‬التي‭ ‬تسلم‭ ‬بالصيرورات‭ ‬الكلية‭.‬

كلُّ‭ ‬ذلك‭ ‬يجعلنا‭ ‬لا‭ ‬نقتنع‭ ‬اقتناعًا‭ ‬سهلًا‭ ‬بأنَّ‭ ‬اللغة‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬لنا‭ ‬فقط‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬حلية‭ ‬إلا‭ ‬التسليم‭ ‬بالرأي‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬وسيط‭ ‬بيننا‭ ‬وبين‭ ‬عالم‭ ‬الأعيان؛‭ ‬لكنها‭ ‬تتجاوز‭ ‬هذه‭ ‬الوظيفة‭ ‬لتُسهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬علاقتنا‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬عواطفنا‭ ‬الإنسانية‭. ‬فبها‭ ‬ننجز‭ ‬الأشياء،‭ ‬ونتعاون‭ ‬على‭ ‬التواصل‭ ‬والحوار‭ ‬وتجسير‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬ذواتنا‭ ‬والآخرين‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬الإنسان‭ ‬وفق‭ ‬المقولة‭ ‬السفسطائية‭ ‬مقياسًا‭ ‬لكل‭ ‬شيء،‭ ‬فإنَّ‭ ‬هذه‭ ‬المقولة‭ ‬جعلت‭ ‬خصوم‭ ‬السفسطائيّين‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬الخطبة‭ ‬والخطاب‭ ‬على‭ ‬السواء‭ ‬أداة‭ ‬تدميريّة‭ ‬لجلال‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وإغراقها‭ ‬في‭ ‬الأباطيل‭ ‬والمغالطات‭ ‬التي‭ ‬تلقي‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬هوَّة‭ ‬الهباء‭. ‬وليس‭ ‬أدلَّ‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬اعتقاد‭ ‬بروتاغوراس‭ ‬أن‭ ‬الصدق‭ ‬والحقيقة‭ ‬مفهومان‭ ‬وهميَّان‭.‬

لا‭ ‬يُمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الدلالات‭ ‬الواقعيَّة‭ ‬من‭ ‬المنظور‭ ‬الأفلاطوني،‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬كائنات‭ ‬موجودة‭ ‬بالفعل؛‭ ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬فإنَّ‭ ‬اللغة‭ ‬تنهض‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬محاكاة‭ ‬الأشياء‭ ‬الواقعية‭. ‬ويصبُّ‭ ‬هذا‭ ‬المتصور‭ ‬السيميائي‭ ‬لأنساق‭ ‬العلامات‭ ‬لدى‭ ‬أفلاطون‭ ‬في‭ ‬مجرى‭ ‬صور‭ ‬الموجودات‭ ‬الحقيقية‭.‬‭ ‬وهكذا‭ ‬فإن‭ ‬النظرة‭ ‬السيميائية‭ ‬الأفلاطونية‭ ‬تسلِّم‭ ‬بأن‭ ‬المدلولات‭ ‬سابقة‭ ‬على‭ ‬العلامات‭.‬

ومن‭ ‬الناحية‭ ‬التاريخية،‭ ‬فإن‭ ‬سقراط‭ -‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تتوق‭ ‬روحه‭ ‬إلى‭ ‬الكمال‭ ‬الروحي‭- ‬يُعَد‭ ‬مع‭ ‬مرديه‭ ‬من‭ ‬الأوائل‭ ‬الذين‭ ‬دشَّنوا‭ ‬مرحلة‭ ‬نقد‭ ‬اللغة،‭ ‬وتقويض‭ ‬خطاب‭ ‬المغالطات‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتبناه‭ ‬السفسطائيون،‭ ‬وشرعوا‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬التعريفات‭ ‬بوصفها‭ ‬أبواب‭ ‬العلم‭ ‬وعتبات‭ ‬المنطق‭. ‬وكان‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭ ‬أن‭ ‬يبكت‭ ‬أوهام‭ ‬اللغة،‭ ‬ويفضح‭ ‬أكاذيبها،‭ ‬وألاعيبها‭ ‬البلاغية،‭ ‬وتحسيناتها‭ ‬البديعية‭.‬

تعدُّ‭ ‬محاورة‭ ‬كراتيلوس‭ ‬البداية‭ ‬الحقيقية‭ ‬للتفكير‭ ‬النقدي‭ ‬للغة‭ ‬من‭ ‬الوجهة‭ ‬السيميائية،‭ ‬وفضح‭ ‬تضليل‭ ‬الخطابة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تصنع‭ “‬الأشباح‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬الخطاب‭”‬،‭ ‬ولهذا‭ ‬تخبرنا‭ ‬المرويات‭ ‬الخرافية‭ ‬بأن‭ ‬كراتيلوس‭ ‬فقدَ‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬اللغة،‭ ‬وتخلَّى‭ ‬عن‭ ‬سلطة‭ ‬الكلام،‭ ‬واستبدلها‭ ‬بالإيماءات‭ ‬في‭ ‬أثناء‭ ‬تواصله‭ ‬مع‭ ‬محاوريه‭. ‬فكانت‭ ‬المناظرة‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬هيرموجينز‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ “‬صحة‭ ‬العلامات‭ ‬وملاءمتها‭ ‬لما‭ ‬تسميه‭”‬،‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬الأمر‭ ‬مطروحًا‭ ‬بخصوص‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬لغتنا‭ ‬مُناسبة‭ ‬لما‭ ‬تسميه؛‭ ‬ولكن‭ ‬سقراط‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬فعل‭ ‬التسمية‭ ‬بإمكاننا‭ ‬تغييره‭ ‬بأفعالنا‭ ‬الفردية،‭ ‬أو‭ ‬نزواتنا‭ ‬الذاتية‭.‬‭ ‬

والحاصل‭ ‬أن‭ ‬سقراط‭ ‬يستخلص‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المناظرة‭ ‬أن‭ ‬لغتنا‭ ‬وظيفية،‭ ‬وما‭ ‬تتوخاه‭ ‬ماثل‭ ‬في‭ ‬بنائها،‭ ‬وهي‭ ‬نتاج‭ ‬مواضعة‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬البشري،‭ ‬وعناصرها‭ ‬متضايفة‭ ‬مع‭ ‬وظيفتها،‭ ‬وعكس‭ ‬ذلك‭ ‬ستكون‭ ‬عاجزة‭ ‬لا‭ ‬محالة‭ ‬عن‭ ‬أداء‭ ‬ما‭ ‬وُضعت‭ ‬له‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يعتقده‭ ‬أفلاطون‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬نقده‭ ‬للسفسطائيين‭ ‬وللساسة‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يُعلِّمونهم‭ ‬مهارات‭ ‬الخطابة،‭ ‬وحتى‭ ‬ممَّن‭ ‬كانوا‭ ‬يزعمون‭ ‬أنهم‭ ‬أشياع‭ ‬الديمقراطية‭ ‬بأنَّ‭ ‬كل‭ ‬هؤلاء‭ ‬كانوا‭ ‬يستعملون‭ ‬اللغة‭ ‬استعمالًا‭ ‬لحاجة‭ ‬في‭ ‬نفوسهم،‭ ‬وليس‭ ‬توخِّيا‭ ‬للحقيقة،‭ ‬وطلبًا‭ ‬للصدق‭. ‬إن‭ ‬مرافعة‭ ‬سقراط‭ ‬وأفلاطون‭ ‬تضع‭ ‬المسألة‭ ‬اللغوية‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وتجرد‭ ‬كينونتها‭ ‬من‭ ‬الإرادة‭ ‬الفردية‭ ‬لتضعها‭ ‬في‭ ‬برزخ‭ ‬المثال‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬جورج‭ ‬غوسدورف‭ ‬يخشى‭ ‬أن‭ ‬ينشغل‭ ‬الإنسان‭ ‬عن‭ ‬الاستلاب‭ ‬الفكري،‭ ‬ويظل‭ ‬يركض‭ ‬وراء‭ “‬أوهام‭ ‬الخطاب‭”‬؛‭ ‬بينما أشار‭ ‬ماركيوز‭ -‬في‭ “‬الإنسان‭ ‬ذي‭ ‬البعد‭ ‬الواحد‭”- ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفي‭ ‬المعاصر،‭ ‬خاصة‭ ‬الفلسفة‭ ‬التي‭ ‬تسود‭ ‬في‭ ‬إنجلترا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬ترزح‭ ‬تحت‭ ‬طابع‭ ‬القبول،‭ ‬وتفتقر‭ ‬إلى‭ ‬صفة‭ ‬النقد‭. ‬وأنها‭ ‬ترضخ‭ ‬لتتبع‭ ‬المجتمع‭ ‬وكلامه،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تأخذ‭ ‬بُعدا‭ ‬نقديا‭ ‬منه،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬الفلسفة‭ ‬دائمًا‭ ‬تستنفر‭ ‬الوعي،‭ ‬وتنبِّهه‭ ‬من‭ ‬خطر‭ ‬اختصاره‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬جامد،‭ ‬إذن‭ ‬هو‭ ‬يرفض‭ “‬استقالة‭ ‬الفلسفة‭”‬،‭ ‬وتحولها‭ ‬إلى‭ ‬آلة‭ ‬لشرح‭ ‬وتوضيح‭ ‬اللغة‭.‬

لم‭ ‬تعُد‭ ‬اللغة‭ ‬وصفًا‭ ‬للعالم‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬صارت‭ ‬لها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬الحقائق‭ ‬والأفكار‭ ‬حسب‭ ‬نظرية‭ ‬وورف؛‭ ‬فهي‭ ‬تمتلك‭ ‬تصوُّرًا‭ ‬شاملًا‭ ‬للحياة‭ ‬والعالم،‭ ‬وهي‭ ‬استعمالٌ‭ ‬وإنجازٌ‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬التداوليات‭. ‬فباللغة‭ ‬ننجز‭ ‬أشياء‭ ‬العالم‭ ‬عبر‭ ‬أفعال‭ ‬الكلام،‭ ‬وبها‭ ‬نحاجج؛‭ ‬لأننا‭ ‬لا‭ ‬نتكلم‭ ‬لمجرد‭ ‬الكلام؛‭ ‬وإنما‭ ‬نتخاطب‭ ‬بنيَّة‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الآخر‭ ‬الذي‭ ‬يُفترض‭ ‬أنه‭ ‬يخالفنا‭ ‬الفكر‭ ‬والمعتقد‭ ‬ووجهة‭ ‬النظر؛‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬حجاج‭ ‬مع‭ ‬اتفاق‭.. ‬والمحاججة‭ ‬ضَرْب‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬عبر‭ ‬آليات‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬يحصل‭ ‬بها‭ ‬الإقناع‭ ‬كما‭ ‬يحصل‭ ‬بها‭ ‬الإمتاع‭.‬

التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬بين‭ “‬تهافت‭ ‬الفلسفة‭” ‬و‭”‬تهافت‭ ‬التهافت‭”‬

إذا‭ ‬أمعنَّا‭ ‬النظر‭ ‬فيما‭ ‬سَلف‭ ‬من‭ ‬ذكر‭ ‬مبادئ‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي،‭ ‬وأسسه‭ ‬المنطقية،‭ ‬وخصائصه،‭ ‬وأهميته،‭ ‬لألفينا‭ ‬له‭ ‬حضورًا‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وسنقف‭ ‬عند‭ ‬محطات‭ ‬ثلاث،‭ ‬ونحن‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬تاريخ‭ ‬التفكير‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬حافلٌ‭ ‬بالإضاءات‭ ‬النقدية‭ ‬في‭ ‬المعارف‭ ‬والعلوم‭ ‬والفنون،‭ ‬وقد‭ ‬اكتفينا‭ ‬بالغزالي‭ ‬وابن‭ ‬رشد‭ ‬وابن‭ ‬خلدون‭ ‬لبيان‭ ‬بعض‭ ‬سمات‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬خطابهم‭ ‬الفلسفي‭.‬

أبو‭ ‬حامد‭ ‬الغزالي‭ (‬450‭ ‬هـ‭ – ‬505‭ ‬هـ‭):‬

اجتهد‭ ‬أبو‭ ‬حامد‭ ‬الغزالي‭ ‬في‭ ‬طلب‭ ‬العلم‭ ‬بحقائق‭ ‬الأمور،‭ ‬وتبيَّن‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬العلم‭ ‬اليقيني‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬إلا‭ ‬واضحًا،‭ ‬ولا‭ ‬يُخالطه‭ ‬أدنى‭ ‬ريب‭ ‬أو‭ ‬وهم‭ ‬أو‭ ‬مغالطة‭. ‬وهو‭ ‬القائل‭: “‬إن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬أعلمه‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الوجه،‭ ‬ولا‭ ‬أتيقنه‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬اليقين،‭ ‬فهو‭ ‬علم‭ ‬لا‭ ‬ثقة‭ ‬به،‭ ‬ولا‭ ‬أمان‭ ‬معه،‭ ‬فليس‭ ‬بعلم‭ ‬يقيني‭… ‬فلعله‭ ‬لا‭ ‬ثقة‭ ‬إلا‭ ‬بالعقليات‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬الأوليات،‭ ‬كقولنا‭: ‬العشرة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الثلاثة،‭ ‬والنفي‭ ‬والإثبات‭ ‬لا‭ ‬يجتمعان‭ ‬في‭ ‬الشيء‭ ‬الواحد،‭ ‬والشيء‭ ‬الواحد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬حادثًا‭ ‬قديمًا،‭ ‬موجودًا‭ ‬معدومًا،‭ ‬واجبًا‭ ‬محالًا‭”. ‬وهذا‭ ‬الرأي‭ ‬يندرجُ‭ ‬ضمن‭ ‬فلسفة‭ ‬المنهج‭ ‬الذي‭ ‬سلكه‭ ‬الغزالي،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسه‭ ‬مبدأ‭ ‬الشك‭. ‬وكان‭ ‬للمنطق‭ ‬حظ‭ ‬وافر‭ ‬في‭ ‬فلسفته؛‭ ‬فعده‭ ‬القانون‭ ‬الذي‭ ‬نَفْحَص‭ ‬به‭ ‬سلامة‭ ‬الحدود،‭ ‬وتمييز‭ ‬القياسات‭ ‬عن‭ ‬غيرها،‭ ‬فاستحق‭ ‬صفة‭ ‬الميزان‭ ‬والمعيار‭ ‬التي‭ ‬به‭ ‬تعرف‭ ‬العلوم‭ ‬اليقينية‭ ‬من‭ ‬العلوم‭ ‬غير‭ ‬اليقينية،‭ ‬كما‭ ‬ذكر‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ “‬مقاصد‭ ‬الفلاسفة‭”.‬

يعدُّ‭ ‬الشك‭ ‬لدى‭ ‬أبي‭ ‬حامد‭ ‬الغزالي‭ ‬أعلى‭ ‬مراتب‭ ‬اليقين،‭ ‬وأن‭ “‬الشكوك‭ ‬هي‭ ‬الموصلة‭ ‬إلى‭ ‬الحق؛‭ ‬فمن‭ ‬لم‭ ‬يشك‭ ‬لم‭ ‬ينظر،‭ ‬ومن‭ ‬لم‭ ‬ينظر‭ ‬لم‭ ‬يُبصر،‭ ‬ومن‭ ‬لم‭ ‬يُبصر‭ ‬بقي‭ ‬في‭ ‬العمى‭ ‬والضلالة‭” (“‬ميزان‭ ‬العمل‭”‬،‭ ‬ص‭:‬409‭). ‬وأن‭ “‬العلم‭ ‬اليقيني‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يكشف‭ ‬فيه‭ ‬المعلوم‭ ‬انكشافا‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬معه‭ ‬ريب‭ ‬ولا‭ ‬يقارنه‭ ‬إمكان‭ ‬الغلط‭ ‬والوهم‭”‬،‭ ‬و‭”‬كل‭ ‬علم‭ ‬لا‭ ‬أمان‭ ‬معه،‭ ‬فليس‭ ‬بعلم‭ ‬يقيني‭” (“‬المنقذ‭ ‬من‭ ‬الضلال‭”‬،‭ ‬ص‭:‬60‭). ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬دَيْدن‭ ‬الغزالي‭ ‬قبل‭ ‬‭”‬تهافت‭ ‬الفلسفة‭”‬؛‭ ‬فإنه‭ ‬مارس‭ ‬الفلسفة‭ ‬حتى‭ ‬وهو‭ ‬يأتي‭ ‬عليها‭ ‬بمعول‭ ‬الهدم،‭ ‬ويثير‭ ‬الشكوك‭ ‬حولها‭ ‬لدى‭ ‬العامة،‭ ‬ويشكِّك‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬العقل‭ ‬على‭ ‬الإحاطة‭ ‬بأمور‭ ‬الإلهيات؛‭ ‬فالغزالي‭ ‬وهو‭ ‬يطعن‭ ‬على‭ ‬الفلسفة؛‭ ‬فإنه‭ ‬كان‭ ‬يمارس‭ ‬فعل‭ ‬التفلسف،‭ ‬ليُثبت‭ ‬أن‭ ‬الفلسفة‭ ‬قاصرة‭ ‬وعاجزة؛‭ ‬فهو‭ ‬بذلك‭ ‬يتخذ‭ ‬موقفًا‭ ‬سلبيا‭ ‬من‭ ‬الفلسفة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬التفلسف،‭ ‬فله‭ ‬كلُّ‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يخالف‭ ‬آراء‭ ‬الفلاسفة،‭ ‬بشرط‭ ‬ألا‭ ‬يدلس‭ ‬على‭ ‬آرائهم،‭ ‬وأن‭ ‬يقدم‭ ‬أفكارهم‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬مظانها‭. ‬إن‭ ‬حملة‭ ‬الغزالي‭ ‬على‭ ‬الفلسفة‭ ‬تُذكِّرنا‭ ‬بالنقد‭ ‬الراديكالي‭ ‬الذي‭ ‬شنه‭ ‬بول‭ ‬فايرانبد‭ ‬على‭ ‬المنهج،‭ ‬كما‭ ‬تجلى‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الشهير‭ “‬ضد‭ ‬المنهج‭”.‬

أبو‭ ‬الوليد‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬رشد‭ (‬520‭ ‬هـ‭ – ‬595‭ ‬هـ‭):‬

يعد‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬الحفيد‭ ‬أيقونة‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي،‭ ‬كان‭ ‬سليل‭ ‬أسرة‭ ‬أندلسية‭ ‬عُرفت‭ ‬بعنايتها‭ ‬بطلب‭ ‬العلم‭ ‬وتقلُّد‭ ‬مناصب‭ ‬الفتوى،‭ ‬ولا‭ ‬غرو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬الحفيد‭ ‬فقيهًا‭ ‬وقاضيًا‭ ‬وطبيبًا‭ ‬وفلكيًّا‭ ‬وفيلسوفًا،‭ ‬وتمرَّس‭ ‬على‭ ‬المذهب‭ ‬المالكي‭ ‬والعقيدة‭ ‬الأشعرية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬قرطبة‭ ‬التي‭ ‬حصل‭ ‬فيها‭ ‬طلب‭ ‬العلوم،‭ ‬فألف‭ ‬فيها‭ ‬كتابَ‭ “‬الكليات‭ ‬في‭ ‬الطب‭”‬،‭ ‬ورد‭ ‬على‭ ‬كتاب‭ “‬تهافت‭ ‬الفلاسفة‭” ‬لأبي‭ ‬حامد‭ ‬الغزالي‭ ‬بكتاب‭ “‬تهافت‭ ‬التهافت‭”‬،‭ ‬وكان‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬اشتغل‭ ‬بطب‭ ‬التشريح‭ ‬ازداد‭ ‬إيمانًا‭ ‬بالله‭. ‬

جمعتْ‭ ‬آثار‭ ‬القاضي‭ ‬أبي‭ ‬الواليد‭ ‬بن‭ ‬رشد‭ ‬بين‭ ‬التأليف؛‭ ‬مثل‭: “‬الكليات‭”‬،‭ ‬و‭”‬التحصيل‭”‬،‭ ‬و‭”‬تهافت‭ ‬التهافت‭”‬،‭ ‬و‭”‬مناهج‭ ‬الأدلة‭”‬،‭ ‬و‭”‬فصل‭ ‬المقال‭ ‬فيما‭ ‬بين‭ ‬الحكمة‭ ‬والشريعة‭ ‬من‭ ‬الاتصال‭ ‬والتلخيص‭”‬؛‭ ‬مثل‭: “‬الإلهيات‭” ‬لنيقولاس،‭ ‬و‭”‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الطبيعة‭”‬،‭ ‬و‭”‬الأخلاق‭ ‬والبرهان‭ ‬والسماع‭ ‬الطبيعي‭”‬،‭ ‬وكلها‭ ‬لأرسطوطاليس،‭ ‬و‭”‬الأسطقسات‭” ‬و‭”‬المزاج‭” ‬و‭”‬القوى‭ ‬الطبيعية‭” ‬و‭”‬العلل‭” ‬و‭”‬الأغراض‭”..‬وغيرها‭ ‬لجالينوس،‭ ‬والشرح‭ ‬مثل‭: “‬السماء‭ ‬والعالم‭ ‬والنفس‭” ‬لأرسطوطاليس،‭ ‬وله‭ ‬مقالات‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬واتصال‭ ‬العقل‭ ‬المفارق‭ ‬بالإنسان،‭ ‬والتعريف،‭ ‬والقياس،‭ ‬وفي‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬أبي‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬سينا،‭ ‬وله‭ ‬مسائل‭ ‬في‭ ‬الحكمة‭ ‬وحركة‭ ‬الفلك‭ ‬وفي‭ ‬الزمان‭.‬

يُمثل‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬منارة‭ ‬من‭ ‬منارات‭ ‬التنوير‭ ‬العقلي‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬القديم،‭ ‬وقد‭ ‬منح‭ ‬العقل‭ ‬منزلة‭ ‬جعلته‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الحَسَن‭ ‬ما‭ ‬حَسَّنه‭ ‬العقل،‭ ‬والقبيح‭ ‬ما‭ ‬قبَّحَه‭ ‬العقل،‭ ‬وأن‭ ‬الحكمة‭ ‬لديه‭ ‬هي‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الأشياء‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬تقتضيه‭ ‬طبيعة‭ ‬البرهان،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬ير‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الحكمة‭ ‬عدوة‭ ‬للشريعة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬صاحبتها،‭ ‬والأخت‭ ‬الرضيعة‭ ‬لها،‭ ‬وهما‭ ‬المصطحبتان‭ ‬بالطبع،‭ ‬المتحابتان‭ ‬بالجوهر‭.‬

قادتْ‭ ‬الرشدية‭ ‬التفكير‭ ‬الإنساني‭ ‬إلى‭ ‬التحلي‭ ‬بالأخلاق‭ ‬العلمية،‭ ‬والالتزام‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬فحص‭ ‬الحقائق‭ ‬وبناء‭ ‬الأحكام؛‭ ‬وهذا‭ ‬يقتضي‭ ‬ممن‭ ‬يتصف‭ ‬بالأمانة‭ ‬العلمية‭ ‬أن‭ ‬يعترف‭ ‬بأخطائه،‭ ‬بصواب‭ ‬الآخرين‭ ‬إذا‭ ‬تبين‭ ‬له‭ ‬ذلك‭ ‬بالدليل‭ ‬والحجة،‭ ‬وهذا‭ ‬يقوده‭ ‬إلى‭ ‬الحوار‭ ‬الحضاري‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬يخالفه‭ ‬الرأي،‭ ‬ويسعى‭ ‬سعيا‭ ‬لاستيعاب‭ ‬خطابه‭ ‬وفهم‭ ‬آرائه،‭ ‬والإحاطة‭ ‬بخلفيتها‭ ‬المرجعية‭. ‬إنَّ‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬الرشدي‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬المنطق‭ ‬البرهاني،‭ ‬وعلى‭ ‬القواعد‭ ‬العقلية‭ ‬في‭ ‬الحوار‭ ‬مع‭ ‬المخالفين‭ ‬والمعارضين‭ ‬والخصوم‭. ‬والغرض‭ ‬الأسمى‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التفكير‭: ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الحق‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يضاد‭ ‬الحق،‭ ‬بل‭ ‬يوافقه‭ ‬ويشهد‭ ‬له؛‭ ‬لهذا‭ ‬كله‭ ‬فإنه‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬لم‭ ‬يمنحنا‭ ‬عقولًا،‭ ‬ويمنحنا‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه‭ ‬شرائع‭ ‬تخالف‭ ‬عقولنا‭. ‬وخاض‭ ‬حربًا‭ ‬على‭ ‬الجهل‭ ‬لكونه‭ ‬أكبر‭ ‬عدو‭ ‬للإسلام،‭ ‬وهو‭ ‬المحرض‭ ‬على‭ ‬التكفير‭. ‬ولا‭ ‬غرو‭ ‬أن‭ ‬يحتل‭ ‬احترام‭ ‬المرأة‭ ‬منزلة‭ ‬رفيعة‭ ‬في‭ ‬تفكيره‭ ‬التنويري‭ ‬العقلاني؛‭ ‬إذ‭ ‬للمرأة‭ -‬في‭ ‬نظره‭- ‬كفاية‭ ‬لأن‭ ‬تمارس‭ ‬أعمال‭ ‬الحرب‭ ‬وأعمال‭ ‬السلم‭ ‬معًا،‭ ‬وأنها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬دراسة‭ ‬الفلسفة‭.‬

ابن‭ ‬خلدون‭ ‬والنقد‭ ‬التاريخي‭:‬

إننا‭ ‬نبدو‭ ‬مجتمعات‭ ‬مُثقلة‭ ‬بالتاريخ؛‭ ‬فذواتنا‭ ‬لا‭ ‬تأبى‭ ‬الحياة‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬اللازمنية‭ ‬وفي‭ ‬الخرافة؛‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬حركتنا‭ ‬بطيئة‭ ‬في‭ ‬التقدم‭.. ‬فما‭ ‬أحوجنا‭ ‬إلى‭ ‬النقد‭ ‬التاريخي‭ ‬الذي‭ ‬يُحرِّر‭ ‬ذواتنا‭ ‬المتضخمة‭ ‬بالأخطاء،‭ ‬والمتورمة‭ ‬بالأوهام،‭ ‬والمفتونة‭ ‬بسحر‭ ‬العلامات‭. ‬ولا‭ ‬غرو‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬الميتافيزيقا‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تطمئن‭ ‬إلى‭ ‬وجودها‭ ‬في‭ ‬رحاب‭ ‬التاريخ‭. ‬والسبب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬العقل‭ ‬لا‭ ‬سُلطة‭ ‬له‭ ‬على‭ ‬الميتافيزيقا؛‭ ‬لأنها‭ ‬معرفة‭ ‬قبلية‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ “‬أصل‭ ‬العقل‭” ‬قد‭ ‬يقذف‭ ‬بنا‭ ‬إلى‭ ‬ملكوت‭ ‬الميتافيزيقا؛‭ ‬فإن‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬امتدت‭ ‬آلته‭ ‬إلى‭ ‬العقل‭ ‬نفسه،‭ ‬كما‭ ‬قامت‭ ‬بذلك‭ ‬فلسفة‭ ‬كانط‭ ‬المتعالية‭. ‬وهذه‭ ‬الآلة‭ ‬قوامها‭ ‬المنطق‭ ‬الذي‭ ‬جعله‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭ ‬علمًا‭ ‬يَعْصِم‭ ‬الأذهان‭ ‬عن‭ ‬الأخطاء‭ ‬عندما‭ ‬تقتنص‭ ‬المعاني‭ ‬المجهولة‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬المعلومة‭. ‬إنه‭ ‬ميزان‭ ‬نميز‭ ‬به‭ ‬الصواب‭ ‬من‭ ‬الخطأ،‭ ‬والغاية‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ “‬تحقيق‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الكائنات‭ ‬نفيا‭ ‬وثبوتًا،‭ ‬بمنتهى‭ ‬فكره‭”.‬

درجنا‭ ‬على‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬الحركة‭ ‬الزمنية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الاتصال‭ ‬لا‭ ‬الانفصال؛‭ ‬وأن‭ ‬الأصل‭ ‬في‭ ‬الأشياء‭ ‬الوحدة‭ ‬لا‭ ‬التفكك؛‭ ‬والملاحظ‭ ‬غياب‭ ‬الحس‭ ‬النقدي‭ ‬للتاريخ‭ ‬في‭ ‬تفكيرنا‭ ‬المتشبع‭ ‬بفائض‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬مضى‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬ويتبدى،‭ ‬وبالأصل‭ ‬على‭ ‬الفرع،‭ ‬وبالمقدس‭ ‬على‭ ‬الدنيوي،‭ ‬وبالكمال‭ ‬على‭ ‬النقصان،‭ ‬وبالأعلى‭ ‬على‭ ‬الأدنى،‭ ‬وبالذكر‭ ‬على‭ ‬الأنثى،‭ ‬وبالمركز‭ ‬على‭ ‬المحيط،‭ ‬وبالمتن‭ ‬على‭ ‬الهامش‭ ‬وبالجد‭ ‬على‭ ‬الهزل‭. ‬وبناءً‭ ‬عليه،‭ ‬يبدو‭ ‬للناظر‭ ‬أن‭ ‬تاريخنا‭ ‬تاريخ‭ ‬أصول،‭ ‬ومتون،‭ ‬وذكور،‭ ‬ومقدسات،‭ ‬وكمالات،‭ ‬ورسميات،‭ ‬ويقينيات،‭ ‬وعلويات،‭ ‬وجديات‭. ‬وإذا‭ ‬أنت‭ ‬أمعنت‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المهمَّشين‭ ‬والأفراد‭ ‬العاديين،‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬ما‭ ‬ينقع‭ ‬الغليل،‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬ظفرت‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الشعريات‭ ‬الشفهية‭ ‬من‭ ‬أساطير،‭ ‬وحكايات‭ ‬خرافية‭ ‬وشعبية،‭ ‬وأخبار،‭ ‬ونوادر،‭ ‬ومسامرات،‭ ‬وهزليات،‭ ‬ولا‭ ‬تظفر‭ ‬به‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬ندر‭ ‬فيما‭ ‬يُسمَّى‭ ‬بالتاريخ‭ ‬الرسمي‭ (‬تاريخ‭ ‬الأمم،‭ ‬والخلفاء،‭ ‬والوزراء،‭ ‬والأعيان،‭ ‬والعلماء،‭ ‬والأبطال،‭ ‬والأشراف،‭ ‬وأصحاب‭ ‬المعالي‭ ‬والسعادة‭…). ‬

لا‭ ‬نحسب‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬ذكرناه‭ ‬أعلاه،‭ ‬يتصف‭ ‬به‭ ‬النقد‭ ‬التاريخي‭ ‬لدى‭ ‬ابن‭ ‬خلدون؛‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬نظره‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬محصورًا‭ ‬في‭ ‬تقييد‭ ‬الأخبار‭ “‬عن‭ ‬الأيام‭ ‬والدول‭ ‬والسوابق‭ ‬من‭ ‬القرون‭ ‬الأولى‭” ‬فقط؛‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬يعد‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬متصورات‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬ظاهره‭. ‬ومما‭ ‬يُحسب‭ ‬لتفكير‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭ ‬النقدي‭ ‬أن‭ ‬نظره‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬باطن‭ ‬التاريخ،‭ ‬ولم‭ ‬يكتف‭ ‬بظاهر‭ ‬الوقائع‭ ‬التاريخية؛‭ ‬لأن‭ ‬التاريخ‭ “‬في‭ ‬ظاهره‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬أخبار‭ ‬عن‭ ‬الأيام‭ ‬والدول‭ ‬والسوابق‭ ‬من‭ ‬القرون‭ ‬الأولى،‭ ‬وفي‭ ‬باطنه‭ ‬نظر‭ ‬وتحقيق‭ ‬وتعليل‭ ‬للكائنات‭ ‬ومبادئها‭ ‬دقيق،‭ ‬وعلم‭ ‬بكيفيات‭ ‬الوقائع‭ ‬وأسبابها‭ ‬عميق،‭ ‬فهو‭ ‬لذلك‭ ‬أصيل‭ ‬في‭ ‬الحكمة،‭ ‬عريق‭ ‬وجدير‭ ‬بأن‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬علومها‭ ‬وخليق‭”. ‬

وليس‭ ‬مُستغربًا‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬توينبي‭ ‬عن‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭: “‬إنه‭ ‬لم‭ ‬يستلهم‭ ‬أحدا‭ ‬من‭ ‬السابقين،‭ ‬ولا‭ ‬يدانيه‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬معاصريه،‭ ‬بل‭ ‬لم‭ ‬يثر‭ ‬قبس‭ ‬الإلهام‭ ‬لدى‭ ‬تابعيه،‭ ‬مع‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬مقدمته‭ ‬للتاريخ‭ ‬العالمي‭ ‬قد‭ ‬تصور‭ ‬وصاغ‭ ‬فلسفة‭ ‬للتاريخ‭ ‬تعد‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬أعظم‭ ‬عمل‭ ‬من‭ ‬نوعه‭”. ‬لكن‭ ‬نقد‭ ‬التاريخ‭ ‬لدى‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭ ‬كانت‭ ‬توجهه‭ ‬إيديولوجية‭ ‬نفعية‭ ‬الغرض،‭ ‬منها‭ ‬استخلاص‭ ‬العبر‭ ‬كما‭ ‬وسم‭ ‬بذلك‭ ‬عنوان‭ ‬مؤلفه‭. ‬ولم‭ ‬يتجه‭ ‬إلى‭ ‬فهم‭ ‬طبيعة‭ ‬التاريخ‭ ‬وتفسير‭ ‬مناهجه‭. ‬وهذا‭ ‬المسلك‭ ‬رأى‭ ‬فيه‭ ‬هيجل‭ ‬إساءة‭ ‬إلى‭ ‬الشخصية‭ ‬العظيمة‭.‬

ومن‭ ‬دُون‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ ‬مرجعيات‭ ‬النقد‭ ‬التاريخي‭ ‬لدى‭ ‬ابن‭ ‬خلدون،‭ ‬وأصالة‭ ‬أطاريحه،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬فحص‭ ‬أطره‭ ‬المعرفية‭ ‬والإبستيمولوجية،‭ ‬فإن‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬النظري‭ ‬الذي‭ ‬انطلق‭ ‬منه‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصله‭ ‬عن‭ ‬أساسه‭ ‬النصي؛‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعد‭ ‬عيبًا‭ ‬في‭ ‬ذاته؛‭ ‬لأن‭ ‬تفكيره‭ ‬مرتبط‭ ‬بمحددات‭ ‬سوسيوثقافية‭ ‬لها‭ ‬علاقة‭ ‬برؤية‭ ‬أصولية‭ ‬فقهية‭ ‬أشعرية‭ ‬مشدودة‭ ‬إلى‭ ‬النص‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭ ‬لم‭ ‬ينكر‭ ‬مرجعيته‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬نقده‭ ‬للتاريخ،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬النقد‭ ‬ما‭ ‬ينبغي‭ ‬وضعه‭ ‬خارج‭ ‬أطر‭ ‬الإدراك،‭ ‬وخارج‭ ‬الإكراهات‭ ‬الأيديولوجية‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬يستقيم‭ ‬تسفيه‭ ‬المنجز‭ ‬الخلدوني‭ ‬وإخراج‭ “‬فكرة‭ ‬العمران‭” ‬من‭ ‬حيزها‭ ‬السوسيولوجي‭ ‬والأنثروبولوجي‭ ‬وحتى‭ ‬الفلسفي؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬خطابه‭ ‬لم‭ ‬يدع‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬حتى‭ ‬نعنت‭ ‬أنفسنا‭ ‬في‭ ‬دحض‭ ‬دعوى‭ ‬ليست‭ ‬محصنة‭ ‬معياريا‭ ‬في‭ ‬الأصل‭. ‬فهذه‭ ‬ليست‭ ‬مشكلة‭ ‬الخطاب‭ ‬الخلدوني‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬مشكلات‭ ‬المقاربات‭ ‬النقدية‭ ‬لهذا‭ ‬الخطاب‭ ‬التي‭ ‬دفعها‭ ‬الحماس‭ ‬لإنزاله‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬غير‭ ‬سياقه،‭ ‬وإخراجه‭ ‬من‭ ‬زمنيته،‭ ‬وإضفاء‭ ‬سمة‭ ‬الحداثة‭ ‬عليه‭ ‬أو‭ ‬صفة‭ ‬التحديث،‭ ‬وتوظيفه‭ ‬خدمة‭ ‬لفكرة‭ ‬التقدُّم‭ ‬في‭ ‬عصر‭ “‬اليقظة‭” ‬العربية،‭ ‬ونحن‭ ‬نستعمل‭ ‬مفهوم‭ “‬اليقظة‭” ‬بدلًا‭ ‬من‭ “‬النهضة‭”‬؛‭ ‬لاعتقادنا‭ ‬بأن‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬استيقظ‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬النهوض‭. ‬وهذا‭ ‬حال‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬فقد‭ ‬في‭ ‬نظرنا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬وطنًا‭ ‬عربيًّا‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭. ‬إن‭ ‬كل‭ ‬قراءة‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬المنطلق‭ ‬تتجه‭ ‬للخطأ،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬ألتوسير‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬قراءة‭ ‬بريئة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المقاربات‭ ‬التي‭ ‬سعت‭ ‬لتبخيس‭ ‬هذا‭ ‬المنجز،‭ ‬وبما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬استبدالنا‭ ‬للنهضة‭ ‬باليقظة،‭ ‬والوطن‭ ‬بالعالم‭. ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬كرامات‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬وبركاته‭.‬

إيمانويل‭ ‬كانط‭ ‬والفلسفة‭ ‬النقدية

وُسِمت‭ ‬فلسفة‭ ‬كانط‭ ‬بالنقدية،‭ ‬وكما‭ ‬سبق‭ ‬القول‭ ‬فإنَّ‭ ‬كانط‭ ‬استخدم‭ ‬عبارتي‭ “‬النقد‭” ‬و‭”‬المذهب‭ ‬النقدي‭” ‬لتمتد‭ ‬إلى‭ ‬الملكات‭ ‬العقلية‭ ‬العملية‭ (‬الأخلاقية‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬تعول‭ ‬على‭ ‬الذهن‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬معارفنا‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬من‭ ‬المقولات‭ ‬الخاصة،‭ ‬سيمياؤها‭ ‬الصدق،‭ ‬ومنطلقاتها‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬سنوردها‭ ‬لاحقًا،‭ ‬وهذا‭ ‬النقد‭ ‬منصرف‭ ‬إلى‭ ‬كفايات‭ ‬العقل،‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬تحصيل‭ ‬المعرفة‭ ‬خارج‭ ‬التجربة‭. ‬وهذه‭ ‬الفلسفة‭ ‬لا‭ ‬تسلم‭ ‬بقدرة‭ ‬العقل‭ ‬على‭ ‬الإحاطة‭ ‬إلا‭ ‬بالمعرفة‭ ‬البعدية،‭ ‬ولا‭ ‬قبل‭ ‬له‭ ‬بإدراك‭ ‬ما‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬الميتافيزيقا،‭ ‬وعالم‭ ‬المطلق‭. ‬ويوضح‭ ‬كانط‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يقصده‭ ‬بالنقد‭ ‬لا‭ ‬صلة‭ ‬له‭ ‬بنقد‭ ‬الآثار‭ ‬والمؤلفات؛‭ ‬ولكن‭ “‬نقد‭ ‬قدرة‭ ‬العقل‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬التجربة‭”‬؛‭ ‬لاسيما‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬لا‭ ‬يتضمن‭ ‬شيئًا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الممكنات‭. ‬ويصنف‭ ‬كانط‭ ‬درجات‭ ‬الاعتقاد‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الآتي‭:‬

‭- ‬الظن‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يغني‭ ‬من‭ ‬الحق‭ ‬شيئًا‭.. ‬وهو‭ ‬على‭ ‬وعي‭ ‬بافتقاره‭ ‬للكفايات‭ ‬الذاتية‭ ‬والموضوعية‭.‬

‭- ‬الإيمان‭.. ‬وهو‭ ‬يتوافر‭ ‬على‭ ‬الكفايات‭ ‬الذاتية‭ ‬دون‭ ‬الكفايات‭ ‬الموضوعية‭.‬

‭- ‬العلم‭.. ‬وهو‭ ‬وحده‭ ‬الذي‭ ‬يحظى‭ ‬بالاعتقاد‭ ‬الكافي‭ ‬بين‭ ‬الذاتية‭ ‬والموضوعية‭.‬

طرح‭ ‬إيمانويل‭ ‬كانط‭ ‬ثلاثة‭ ‬أسئلة‭ ‬جسَّدت‭ ‬مشروع‭ ‬فلسفته‭ ‬النقدية؛‭ ‬فتركزت‭ ‬أسئلته‭ ‬على‭ ‬طبيعة‭ ‬المعرفة‭ ‬البشرية،‭ ‬وحتميتها،‭ ‬وحدودها،‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالوجود‭. ‬وسيكون‭ ‬التعالي‭ (‬transcendantal‭) ‬في‭ ‬فلسفته‭ ‬الشرط‭ ‬القبلي‭ ‬لتكون‭ ‬المعرفة‭ ‬ممكنة،‭ ‬وينكب‭ ‬التحليل‭ ‬المتعالي‭ ‬على‭ ‬مدارسة‭ ‬الصور‭ ‬الأولى‭ ‬للإدراك‭ ‬الذهني‭.. ‬وهي‭ ‬كالآتي‭:‬

1‭. ‬ماذا‭ ‬في‭ ‬إمكاني‭ ‬أن‭ ‬أعرف؟

‭ ‬2‭. ‬ماذا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬أعمل؟

‭ ‬3‭. ‬ماذا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬آمل؟

ما‭ ‬شروط‭ ‬المعرفة‭ ‬وحدود‭ ‬العقل؟

وإذا‭ ‬سألنا‭ ‬كانط‭: ‬أين‭ ‬نعثر‭ ‬على‭ ‬الفلسفة؟‭ ‬لأجابنا‭ ‬بأننا‭ ‬نجدها‭ ‬حيثما‭ ‬تُعلم‭ ‬المعرفة‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬والجامعات،‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬الكهوف‭. ‬ومن‭ ‬الواجب‭ ‬أنْ‭ ‬ينال‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬حظها‭ ‬الوافر‭ ‬بتدريس‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬والمعاهد‭ ‬والجامعات‭ ‬وفي‭ ‬جميع‭ ‬التخصصات،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬تحنيط‭ ‬الدرس‭ ‬الفلسفي‭ ‬في‭ ‬مقررات‭ ‬تعليمية‭ ‬تُفقد‭ ‬المتعلم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التفلسف،‭ ‬والنقد،‭ ‬وسلامة‭ ‬بناء‭ ‬الأحكام،‭ ‬وإبداع‭ ‬المفاهيم‭.‬

يُميِّز‭ ‬كانط‭ ‬بين‭ ‬نوعين‭ ‬من‭ ‬المثالية؛‭ ‬الأول‭: ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬المثالية‭ ‬التجريبية،‭ ‬والتي‭ ‬تسلم‭ ‬بأن‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان‭ ‬مُعطيان‭ ‬في‭ ‬ذاتهما،‭ ‬ومستقلان‭ ‬عن‭ ‬إحساسنا‭. ‬والنوع‭ ‬الثاني‭ ‬يسميه‭ ‬المثالية‭ ‬الترنسندنتالية،‭ ‬وهي‭ ‬تنظر‭ ‬للظواهر‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬تمثلات،‭ ‬وما‭ ‬يُحدَس‭ ‬لدى‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬ظواهر‭ ‬لها‭ ‬وجود‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬خارج‭ ‬الفكر،‭ ‬وبخلاف‭ ‬المبادئ‭ ‬الكامنة‭ ‬هي‭ ‬الموجودة‭ ‬داخل‭ ‬التجربة‭ ‬الممكنة،‭ ‬وما‭ ‬يتجازوها‭ ‬يُسمى‭ ‬بالمبادئ‭ ‬المتعالية‭.‬

الميتافيزيقا‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬العقل

إذا‭ ‬كان‭ ‬مصدر‭ ‬المعرفة‭ ‬لدى‭ ‬هيوم‭ ‬هو‭ ‬الإحساس‭ ‬والأفكار،‭ ‬فمصدرها‭ ‬لدى‭ ‬كانط‭: ‬الحساسية‭ ‬والفهم‭.. ‬وتكون‭ ‬الحساسية‭ ‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬تنظيم‭ ‬الانطباعات‭ ‬الحسية‭ ‬المتفرقة‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬التجربة‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬مُدركات‭ ‬حسية؛‭ ‬أي‭ ‬أنها‭ ‬تُقدِّم‭ ‬لنا‭ ‬الموضوعات،‭ ‬بينما‭ ‬يحول‭ ‬الفهم‭ ‬تلك‭ ‬المدركات‭ ‬الحسية‭ ‬إلى‭ ‬معرفة؛‭ ‬وذلك‭ ‬بواسطة‭ ‬مقولات‭ ‬قبلية‭ ‬تنصبُّ‭ ‬فيها‭ ‬معطيات‭ ‬التجربة‭ ‬الحسية،‭ ‬فتتحول‭ ‬إلى‭ ‬معرفة،‭ ‬وهنا‭ ‬نعني‭ ‬بالفهم‭ ‬أنها‭ ‬تقوم‭ ‬بتعقل‭ ‬تلك‭ ‬الموضوعات‭.‬

إنَّ‭ ‬آلة‭ ‬النقد‭ ‬العقل،‭ ‬والعقل‭ ‬كما‭ ‬تصوَّره‭ ‬كانط‭: “‬ملكة‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭ ‬يتألف‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬ومبادئ‭ ‬قبلية‭ ‬سابقة‭ ‬على‭ ‬التجربة،‭ ‬يقوم‭ ‬بتنظيم‭ ‬معطيات‭ ‬التجربة،‭ ‬ويقوم‭ ‬بتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬يقينية،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬على‭ ‬لسانه‭ ‬بأن‭ ‬العقل‭ ‬منظومة‭ ‬من‭ ‬المبادئ‭ ‬القبلية،‭ ‬وهو‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬إدراك‭ ‬الوحدة‭ ‬والكثرة‭ ‬مثلًا‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يتسامح‭ ‬كانط‭ ‬مع‭ ‬المخيلة‭ ‬بوصفها‭ ‬قوة‭ ‬نشيطة‭ ‬تؤلف‭ ‬بين‭ ‬الأشياء‭ ‬المتنافرة‭ ‬إنْ‭ ‬هي‭ ‬اشتطت،‭ ‬وبلغ‭ ‬بها‭ ‬الاندفاع‭ ‬مبلغ‭ ‬الهذيان؛‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬نراه‭ ‬مُتسامحًا‭ ‬مع‭ ‬الذهن‭ ‬بوصفه‭ ‬قوة‭ ‬نقدية؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬مهمته‭ ‬تكمُن‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬الذي‭ ‬بإمكانه‭ ‬أن‭ ‬يقف‭ ‬سدًّا‭ ‬منيعًا‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬اندفاع‭ ‬الخيال‭ ‬الحر‭.‬

إنَّ‭ ‬المعرفة‭ -‬في‭ ‬نظر‭ ‬كانط‭- ‬عملية‭ ‬مُعقَّدة،‭ ‬صعبة،‭ ‬يُسهم‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬العقل‭ ‬والحواس‭. ‬فلا‭ ‬وجود‭ ‬للموضوعات‭ ‬خارج‭ ‬الإدراكات‭ ‬الحسية،‭ ‬وأن‭ ‬الحدوس‭ ‬الحسية‭ ‬بدون‭ ‬مفاهيم‭ ‬تظل‭ ‬عمياء،‭ ‬والمفاهيم‭ ‬بدون‭ ‬حدوس‭ ‬حسية‭ ‬تظل‭ ‬جوفا؛‭ ‬وهكذا‭ ‬يبدو‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬العقل‭ ‬عند‭ ‬كانط‭ ‬يتجسَّد‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬بناء‭ ‬مقولات،‭ ‬أو‭ ‬صور‭ ‬قبلية‭ ‬ستكون‭ ‬عديمة‭ ‬الفائدة‭ ‬لولا‭ ‬معطيات‭ ‬التجربة‭ ‬الحسية‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬بأن‭ ‬العقل‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬ينتج‭ ‬معرفة‭ ‬أكيدة‭ ‬يقينية،‭ ‬دون‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التجربة،‭ ‬فإن‭ ‬تجاوز‭ ‬العقل‭ ‬التجربة‭ ‬أصبح‭ ‬عقلا‭ ‬جداليا‭ ‬سجاليا،‭ ‬لا‭ ‬ينتج‭ ‬معرفة‭ ‬يقينية،‭ ‬ومن‭ ‬ثمَّ‭ ‬ينتج‭ ‬دعاوى‭ ‬متناقضة‭ ‬ليس‭ ‬ثمة‭ ‬سبيل‭ ‬إلى‭ ‬حلها،‭ ‬وإذا‭ ‬حورنا‭ ‬مقولة‭ ‬كانط‭ ‬لكان‭ “‬النقد‭ ‬بلا‭ ‬نظرية‭ ‬أعمى‭”‬،‭ ‬ولكن‭ ‬النظرية‭ ‬بلا‭ ‬نقد‭ ‬مجرد‭ ‬ترف‭ ‬فكري‭.‬

وتتجلَّى‭ ‬نسقية‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬والثلاثية‭ ‬الكانطية‭ ‬في‭:‬

‭- ‬نقد‭ ‬العقل‭ ‬الخالص‭ ‬1781‭ (‬العقل‭) ‬ملكة‭ ‬المعرفة‭.‬

‭- ‬نقد‭ ‬العقل‭ ‬العملي‭ ‬1788‭ (‬الأخلاق‭):‬‭ ‬الواجب‭ ‬مبدأ‭ ‬أخلاقي‭ ‬كوني،‭ ‬وهو‭ ‬أساس‭ ‬السلوك‭/ ‬ملكة‭ ‬الإرادة‭.‬

‭- ‬نقد‭ ‬ملكة‭ ‬الحكم‭ ‬1795‭ (‬الجمال‭):‬‭ ‬الذوق‭ ‬الكلي‭ ‬معيار‭ ‬كوني‭ ‬موحَّد‭ ‬للجمال‭/‬ملكة‭ ‬الشعور

وإذا‭ ‬كُنا‭ ‬نتقبل‭ ‬قول‭ ‬شوبنهاور‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬التجوز‭: ‬إن‭ ‬الفلسفة‭ ‬الحقة‭ ‬بدأت‭ ‬مع‭ ‬أفلاطون،‭ ‬واختتمت‭ ‬مع‭ ‬كانط؛‭ ‬فإن‭ ‬هيجل‭ ‬والهيجلية‭ ‬تعد‭ ‬أساس‭ ‬التفكير‭ ‬العقلاني‭ ‬الذي‭ ‬تجاوز‭ ‬ثنائية‭ ‬الفلسفتين‭ ‬التجريبية‭ ‬والعقلانية‭.‬

السلب‭ ‬والنقد‭ (‬الهيجيلية‭)‬

يعتقد‭ ‬هيجل‭ ‬أنَّ‭ ‬اللغة‭ ‬الألمانية‭ -‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬العائلة‭ ‬الجرمانية‭- ‬تمتلك‭ ‬قوة‭ ‬نظرية،‭ ‬ومرونة‭ ‬تركيبية‭ ‬تجعل‭ ‬اشتقاق‭ ‬المصطلحات‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا،‭ ‬وطالب‭ ‬الفلسفة‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬نسقية،‭ ‬وأن‭ ‬تتكلم‭ ‬بلسان‭ ‬الألمانية‭ ‬التي‭ ‬تتوافر‭ ‬على‭ ‬ثراء‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬المنطقي؛‭ ‬ولهذا‭ ‬تحتل‭ ‬المسألة‭ ‬اللغوية‭ ‬منزلة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬الألماني؛‭ ‬إذ‭ ‬رفعوا‭ ‬من‭ ‬شأنها،‭ ‬ووسمها‭ ‬فيكو‭ ‬الإيطالي‭ ‬بالحيوية‭ ‬والبطولة،‭ ‬ولكن‭ ‬فلسفة‭ ‬هردر‭ ‬أضفت‭ ‬عليها‭ ‬روحًا‭ ‬شعبية‭.. ‬إن‭ ‬القول‭ ‬بحيوية‭ ‬لغة‭ ‬دون‭ ‬لغات‭ ‬أخرى‭ ‬مسألة‭ ‬فيها‭ ‬نظر‭.‬

أثرى‭ ‬هيجل‭ -‬بعد‭ ‬تراث‭ ‬فولف‭ ‬وكانط‭- ‬الخطاب‭ ‬الفلسفي‭ ‬الذي‭ ‬أراد‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬عصره‭ ‬وزمنه‭ ‬الذي‭ ‬هز‭ ‬قوام‭ ‬الفكر،‭ ‬ولا‭ ‬يخفى‭ ‬على‭ ‬الناظر‭ ‬مظاهر‭ ‬النظرة‭ ‬العنصرية‭ ‬للشرق‭ ‬في‭ ‬كتابات‭ ‬هيجل‭ ‬وغيره‭. ‬وكلما‭ ‬ذكر‭ “‬الروح‭ ‬المطلق‭” ‬استدعي‭ ‬هيجل‭ ‬إلى‭ ‬الأذهان؛‭ ‬إذ‭ ‬الروح‭ ‬المطلق‭ ‬لحظة‭ ‬حاسمة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬نمو‭ ‬الفكر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يفصل‭ ‬المنطق‭ ‬عن‭ ‬الميتافيزيقا‭. ‬إنه‭ ‬الوعي‭ ‬المطابق‭ ‬لموضوعه،‭ ‬ويكون‭ ‬مجردًا‭ ‬عن‭ ‬الضرورات‭ ‬الطبيعية‭ ‬أو‭ ‬المضامين‭ ‬المشخصة‭ ‬للذهن‭. ‬ويتجلى‭ “‬الروح‭ ‬المطلق‭” ‬في‭ ‬الوحدة‭ ‬بين‭ ‬الفكر‭ ‬والواقع،‭ ‬وفي‭ ‬المثال‭ ‬الأعلى‭ ‬للجمال،‭ ‬والدين‭ ‬في‭ ‬مظهر‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬توحي‭ ‬بها‭ ‬العاطفة‭ ‬والوجدان،‭ ‬والمعرفة‭ ‬العقلية‭ ‬الخالصة‭. ‬وهو‭ ‬يميز‭ ‬بين‭ ‬الوجود‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أنه‭ ‬شعور‭ ‬بالحياة،‭ ‬والحياة‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬الجانب‭ ‬العضوي؛‭ ‬لهذا‭ ‬كان‭ ‬الوجود‭ ‬ذا‭ ‬طبيعة‭ ‬إنسانية؛‭ ‬وعليه‭ ‬فإن‭ ‬الدين‭ ‬والفلسفة‭ ‬والفن‭ ‬هي‭ ‬موضوع‭ ‬واحد‭ ‬لدى‭ ‬هيجل؛‭ ‬لكنها‭ ‬تختلف‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الشكل‭.‬

تقبَّل‭ ‬هيجل‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬الفرضية‭ ‬الكانطية‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬إنَّ‭ ‬العالم‭ ‬يظهر‭ ‬لنا‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬عليه؛‭ ‬لأن‭ ‬العقل‭ ‬ينظمه‭ ‬بطريقة‭ ‬معينة،‭ ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬مدة‭ ‬يجد‭ ‬ضرورة‭ ‬في‭ ‬معارضة‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬الكانطية‭ ‬بسبب‭ ‬نقطتين؛‭ ‬بالنسبة‭ ‬لكانط‭ ‬هناك‭ ‬دائما‭ ‬تمايز‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬كما‭ ‬يبدو‭ ‬لنا‭ ‬والواقع‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬الحقيقة،‭ ‬الأشياء‭ ‬كما‭ ‬نراها‭ ‬والأشياء‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬موجودة‭. ‬ولكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬لا‭ ‬تحظى‭ ‬بوجودها‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المفاهيم،‭ ‬وقد‭ ‬آمن‭ ‬بأن‭ ‬كل‭ ‬واقع‭ ‬معقول،‭ ‬وكل‭ ‬معقول‭ ‬واقع،‭ ‬ولا‭ ‬ريب‭ ‬أن‭ ‬يتبنى‭ ‬هيجل‭ ‬التصوُّر‭ ‬الأرسطي‭ ‬الذي‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الأفكار‭ ‬كامنة‭ ‬في‭ ‬الأشياء،‭ ‬وهي‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬واقعنا،‭ ‬ولا‭ ‬تسكن‭ ‬في‭ ‬العوالم‭ ‬المثلى،‭ ‬وهناك‭ ‬أفكار‭ ‬خالصة‭ ‬لا‭ ‬يشترط‭ ‬وجودها‭ ‬موجودًا‭ ‬آخر‭ ‬مثل‭ “‬الله‭”‬،‭ ‬وإن‭ ‬عدل‭ ‬هيجل‭ ‬فكرته‭ ‬لاحقًا،‭ ‬وسلم‭ ‬بأن‭ ‬العالم‭ ‬متتالية‭ ‬من‭ ‬الشروط‭ ‬المرفوعة؛‭ ‬إذ‭ ‬الأفكار‭ ‬المنطقية‭ ‬شرط‭ ‬للطبيعة،‭ ‬بل‭ ‬شرط‭ ‬للروح‭. ‬وعندما‭ ‬تتحد‭ ‬الفكرة‭ ‬بالمطلق‭ ‬تعد‭ ‬علامة‭ ‬دالة‭ ‬على‭ ‬المسار‭ ‬الأخير‭ ‬للمنطق‭.‬

غيَّر‭ ‬هيجل‭ ‬مجرى‭ ‬تاريخ‭ ‬الفلسفة،‭ ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬النظرية‭ ‬يتقفَّى‭ ‬سلسلة‭ ‬الأحداث‭ ‬التاريخية؛‭ ‬وإنما‭ ‬يتَّجه‭ ‬إليها‭ ‬بالنقد‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬محاولة‭ ‬فهم‭ ‬طبيعة‭ ‬الأحداث‭ ‬التاريخية،‭ ‬وتفسير‭ ‬مناهجها‭. ‬وتأمل‭ ‬سير‭ ‬مراحل‭ ‬تاريخ‭ ‬الإنسانية‭ ‬وتطوره‭ ‬من‭ ‬الطور‭ ‬الميتافيزيقي‭ (‬اللاهوتي‭) ‬والطور‭ ‬البطولي،‭ ‬إلى‭ ‬الطور‭ ‬الإنساني،‭ ‬يعدُّ‭ ‬ضربًا‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬العقلي‭ ‬للروح‭ ‬في‭ ‬الزمان‭. ‬وعبر‭ ‬هذه‭ ‬الأطوار‭ ‬تدرج‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬الحسي‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬المجرد،‭ ‬ومن‭ ‬مرحلة‭ ‬البطولة‭ ‬إلى‭ ‬أخلاق‭ ‬الضمير،‭ ‬ومن‭ ‬طور‭ ‬امتيازات‭ ‬الأسياد‭ ‬إلى‭ ‬طور‭ ‬المساواة‭ ‬والحقوق‭. ‬لقد‭ ‬حظي‭ ‬مفهوم‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬هيجل‭ ‬بأهمية‭ ‬قصوى؛‭ ‬لأن‭ ‬المجتمعات‭ ‬لا‭ ‬تعتني‭ ‬بتاريخ‭ ‬هي‭ ‬مجتمعات‭ ‬فاقدة‭ ‬لحس‭ ‬النقد‭ ‬لماضيها‭ ‬وتراثها،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬هذا‭ ‬الحس‭ ‬النقدي‭ ‬لا‭ ‬تمتلك‭ ‬أسباب‭ ‬التقدم‭ ‬والتطور‭. ‬

إنَّ‭ ‬فلسفة‭ ‬هيجل‭ ‬سالبة‭ ‬ونقدية‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬وهي‭ ‬تسند‭ ‬مقولة‭ ‬الوجود‭ ‬للفيلسوف‭ ‬الإغريقي‭ ‬بارمينيدس؛‭ ‬بما‭ ‬أنَّ‭ ‬الموجود‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ليس‭ ‬بموجود؛‭ ‬فإن‭ ‬الوجود‭ ‬يتنافى‭ ‬مع‭ ‬السلب‭ ‬والتعيين‭ ‬والصيرورة،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬الوجود‭ ‬في‭ ‬الأدبيات‭ ‬الأفلاطونية‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بعالم‭ ‬المثل،‭ ‬بخلاف‭ ‬هراقليطس‭ ‬الذي‭ ‬ينتصر‭ ‬إلى‭ ‬الصيرورة،‭ ‬ووجد‭ ‬فيها‭ ‬فلاسفة‭ ‬الألمان‭ ‬ضالتهم،‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أن‭ ‬رأى‭ ‬فيها‭ “‬إيكهارت‭” ‬ماهية‭ ‬الله،‭ ‬وما‭ ‬جعل‭ ‬نيتشه‭ ‬يرى‭ ‬بأن‭ ‬الفلاسفة‭ ‬الألمان‭ ‬هيجليون،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يوجد‭ ‬بينهم‭ ‬هيجل؛‭ ‬كونهم‭ ‬ينتصرون‭ ‬للصيرورة‭ ‬والتطور‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬احتفائهم‭ ‬بالوجود‭. ‬وأساس‭ ‬الصيرورة‭ ‬لدى‭ ‬هيجل‭ ‬التناقض‭ ‬والصراع،‭ ‬ويشبِّهها‭ ‬بالنار‭ ‬التي‭ ‬تأكل‭ ‬نفسها‭ ‬بنفسها‭ ‬حتى‭ ‬تأتي‭ ‬على‭ ‬الأشياء‭ ‬المادية،‭ ‬وتنتهي‭ ‬إلى‭ ‬الوجود‭ ‬المتعيَّن،‭ ‬وهو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬ينصهر،‭ ‬أو‭ ‬يتحد،‭ ‬في‭ ‬السلب‭ ‬داخل‭ ‬هوية‭ ‬واحدة‭.‬

أسهم‭ ‬هيجل‭ -‬بدعوة‭ ‬من‭ ‬شلنج‭- ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬أعداد‭ ‬من‭ ‬المجلة‭ ‬النقدية‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1802‭ ‬و1803،‭ ‬واستهلَّها‭ ‬بالحديث‭ ‬عن‭ ‬ماهية‭ “‬النقد‭ ‬الفلسفي‭”‬؛‭ ‬بمعنى‭: ‬كيف‭ ‬ينقد‭ ‬الفيلسوف‭ ‬فلسفة‭ ‬أخرى؟‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬النقد‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬إبراز‭ ‬العيوب‭ ‬والأخطاء‭ ‬كما‭ ‬ينصرف‭ ‬الاعتقاد‭ ‬العام‭ ‬لذلك؛‭ ‬وإنما‭ ‬تتجلى‭ ‬وظيفة‭ ‬النقد‭ ‬الفلسفي‭ ‬في‭ ‬إبداع‭ ‬فلسفي‭ ‬جديد‭. ‬وقد‭ ‬أسدت‭ ‬إليه‭ ‬المجلة‭ ‬النقدية‭ ‬للفلسفة‭ -‬التي‭ ‬تقفت‭ ‬بعد‭ ‬وفاة‭ ‬شلنج‭- ‬خدمات‭ ‬جليلة‭ ‬ساعدته‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬إشكالات‭ ‬الفلسفة‭ ‬المعاصرة‭. ‬ولا‭ ‬غرو‭ ‬أن‭ ‬يثور‭ ‬هيجل‭ ‬على‭ ‬دعوة‭ ‬الفيلسوف‭ ‬هردر‭ ‬إلى‭ ‬جعل‭ ‬الفلسفة‭ ‬شعبية؛‭ ‬وذلك‭ ‬نتيجة‭ ‬نقده‭ ‬لفلسفة‭ ‬كانط‭. ‬إنه‭ ‬كان‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬تصور‭ ‬أرستقراطي‭ ‬لفعل‭ ‬التفلسف‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬للعامة؛‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬لصفوة‭ ‬العقول‭.‬

إن‭ ‬مفهوم‭ ‬السلب‭ ‬قوَّة‭ ‬محركة‭ ‬في‭ ‬الجدل،‭ ‬والسلب‭ ‬فلسفيًّا‭ ‬يُقابل‭ ‬الإيجاب،‭ ‬لكن‭ ‬الإيجاب‭ ‬قد‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عقلي‭.. ‬إن‭ ‬المفهوم‭ ‬الهيجيلي‭ ‬للسلب‭ ‬لا‭ ‬يمرق‭ ‬من‭ ‬التصورات‭ ‬المنطقية‭ ‬ومحمولاتها،‭ ‬ومرد‭ ‬مفهوم‭ ‬السلب‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬الفلسفي‭ ‬الألماني‭ ‬إلى‭ ‬فكرة‭ “‬التناهي‭” (‬l’infini‭)‬،‭ ‬فكل‭ ‬متناهٍ‭ ‬سلبي،‭ ‬وكل‭ ‬سلب‭ ‬تعيين‭ ‬لما‭ ‬ينفيه‭. ‬وإذا‭ ‬امتد‭ ‬السلب‭ ‬إلى‭ ‬السلب‭ ‬كان‭ ‬إثباتًا،‭ ‬وأن‭ ‬الإثبات‭ ‬هذا‭ ‬يكون‭ ‬مغايرًا‭ ‬للإيجاب‭ ‬السلبي،‭ ‬وما‭ ‬يعني‭ ‬هيجل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬كونه‭ ‬خصيصة‭ ‬للفكرة‭ ‬الشاملة،‭ ‬وليس‭ ‬آلية‭ ‬للأحكام‭ ‬المنطقية،‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬أفكار‭ ‬السلب‭ ‬إنْ‭ ‬في‭ ‬التصورات،‭ ‬وإنْ‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭.‬

يعني‭ ‬الجدل‭ ‬أفلاطونيا‭ ‬المنهج‭ ‬الفلسفي‭ ‬السليم،‭ ‬علمًا‭ ‬بأن‭ ‬مُؤرِّخي‭ ‬الفلسفة‭ ‬يرجعون‭ ‬الجدل‭ ‬لزينون‭ ‬الإيلي،‭ ‬ومثاله‭ ‬الشهير‭ ‬حول‭ ‬الحركة‭. ‬وفي‭ ‬مقابل‭ ‬الجدل‭ ‬السفسطائي،‭ ‬الذي‭ ‬ذمَّه‭ ‬تاريخ‭ ‬الفلسفة،‭ ‬هناك‭ ‬الجدل‭ ‬السقراطي‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬إستراتيجية‭ ‬تقويض‭ ‬حجج‭ ‬الخصم‭ ‬عبر‭ ‬إظهار‭ ‬التناقضات‭ ‬في‭ ‬تعريفات‭ ‬المحَاوَر‭. ‬وخلافًا‭ ‬للجدل‭ -‬بصورتيْه‭ ‬الإيجابية‭ ‬والسلبية‭- ‬فإنه‭ ‬لدى‭ ‬هيجل‭ ‬يعدُّ‭ ‬ممارسة‭ ‬نقدية‭ ‬ذاتية‭ ‬عفوية،‭ ‬أو‭ ‬هو‭ ‬تطور‭ ‬ذاتي‭ ‬لصورة‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬الوعي؛‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬كانط‭ ‬نقد‭ ‬الجدل‭ ‬ووسمه‭ ‬بمنطق‭ ‬الوهم‭ ‬تحقيرًا‭ ‬لها‭. ‬ويتدرج‭ ‬الجدل‭ ‬الهيجلي‭ ‬عبر‭ ‬المراحل‭ ‬الآتية‭:‬

‭- ‬مرحلة‭ ‬الفهم،‭ ‬وتمثل‭ ‬طور‭ ‬التجريد‭.‬

‭- ‬مرحلة‭ ‬العقل‭ ‬الجدلي‭ ‬أو‭ ‬السلبي‭.‬

‭- ‬مرحلة‭ ‬العقل‭ ‬النظري‭ ‬أو‭ ‬الإيجابي‭.‬

بما‭ ‬أنَّ‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬هيجل‭ ‬تعني‭ “‬الدراسة‭ ‬الفكرية‭ ‬للأشياء‭”‬؛‭ ‬فهي‭ ‬تفكير‭ ‬نسقي‭ ‬كلي‭ ‬يتطلع‭ ‬لمعرفة‭ ‬ما‭ ‬يتطلع‭ ‬إليه‭ ‬الدين؛‭ ‬ولكن‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬المقاربة‭ ‬العقلية‭ ‬التصورية‭ ‬لا‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬المقاربة‭ ‬الإيمانية،‭ ‬وإنْ‭ ‬كانت‭ ‬الفلسفة‭ ‬تفكر‭ ‬في‭ ‬الموضوعات‭ ‬الدينية؛‭ ‬بَيْد‭ ‬أن‭ ‬تفكيرها‭ ‬ينبني‭ ‬على‭ ‬الحرية‭. ‬صحيح‭ ‬أنَّ‭ ‬هيجل‭ ‬وحَّد‭ ‬بين‭ ‬العقل‭ ‬والواقع،‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬مبدأ‭ ‬الصيرورة‭ ‬لتنتظم‭ ‬في‭ ‬الفكرة‭ ‬الشاملة،‭ ‬وجعل‭ ‬التحرُّر‭ ‬يتحقق‭ ‬بفعل‭ ‬السلب؛‭ ‬سواء‭ ‬لدى‭ ‬الإنسان‭ ‬والطبيعة؛‭ ‬فإن‭ ‬الماركسية‭ ‬استثمرت‭ ‬فلسفة‭ ‬هيجل‭ ‬في‭ ‬الجدل‭ ‬والتاريخ‭ ‬والصراع‭ ‬والتناقض،‭ ‬ولكن‭ ‬جعلتْ‭ ‬من‭ ‬السَّلب‭ ‬والجدل‭ ‬طريقًا‭ ‬لرفض‭ ‬الواقع‭ ‬وتغييره،‭ ‬ونظرتْ‭ ‬إلى‭ ‬العلم‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬كونه‭ ‬معرفة،‭ ‬تستند‭ ‬للحس‭ ‬والواقع،‭ ‬إلى‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬التاريخ‭ ‬وتطويره‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬العالم‭ ‬انعكاسًا‭ ‬للفكرة‭ ‬الشاملة‭ ‬عند‭ ‬هيجل،‭ ‬فإن‭ ‬الأفكار‭ ‬انعكاسٌ‭ ‬للعالم‭ ‬المادي‭ ‬عند‭ ‬ماركس،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬الماركسية‭ ‬وحدها‭ ‬التي‭ ‬استثمرت‭ ‬هيجل،‭ ‬وتجاوزته؛‭ ‬وإنما‭ ‬عادت‭ ‬إليه‭ ‬مدرسة‭ ‬فرانكفورت‭ ‬لبناء‭ ‬نظريتها‭ ‬النقدية‭.‬

مدرسة‭ ‬فرانكفورت‭ ‬والنظرية‭ ‬النقدية

يعود‭ ‬ظهور‭ ‬النظرية‭ ‬النقدية‭ ‬لمدرسة‭ ‬فرانكفورت‭ ‬إلى‭ ‬العشرينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬واستندت‭ ‬لجُملة‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬والقيم؛‭ ‬مثل‭: ‬العقل،‭ ‬والحرية،‭ ‬والعدالة،‭ ‬والتسامح،‭ ‬والاعتراف،‭ ‬مُستلهمة‭ ‬مشروع‭ ‬التنوير‭ ‬الذي‭ ‬يعني‭ ‬التقدُّم،‭ ‬وتحرير‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬العبودية‭ ‬والخوف،‭ ‬وأخذت‭ ‬على‭ ‬عاتقها‭ ‬نقد‭ ‬الأنظمة‭ ‬الشمولية‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬بل‭ ‬إنَّ‭ ‬النقد‭ ‬الأهم‭ ‬وُجِّه‭ ‬إلى‭ ‬العقل‭ ‬الأداتي‭ ‬الذي‭ ‬سُخر‭ ‬للسيطرة‭ ‬أولا‭ ‬على‭ ‬الطبيعة،‭ ‬ثم‭ ‬انتقلت‭ ‬السيطرة‭ ‬إلى‭ ‬الإنسان‭ ‬نفسه،‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬رسمت‭ ‬معالم‭ ‬جديدة‭ ‬للعقلانية‭ ‬الأداتية،‭ ‬ومهَّدت‭ ‬لمرحلة‭ ‬التشيؤ‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬هيمنة‭ ‬قوى‭ ‬الإنتاج‭ ‬وسيطرة‭ ‬ثقافة‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬فحوَّلت‭ ‬العقلانية‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬انحدرت‭ ‬من‭ ‬بيكون‭ ‬وديكاررت‭ ‬واسبينوزا،‭ ‬وتألقت‭ ‬بفعل‭ ‬التنوير‭ ‬في‭ ‬القرنين‭ ‬السابع‭ ‬عشر‭ ‬والثامن‭ ‬عشر‭ -‬مع‭ ‬جون‭ ‬لوك،‭ ‬وهوبز،‭ ‬ومونتسكيو،‭ ‬وجون‭ ‬جاك‭ ‬روسو،‭ ‬وفولتير،‭ ‬وديدرو‭- ‬العقل‭ ‬إلى‭ ‬أسطورة‭ ‬بحسب‭ ‬هوركهايمر‭ ‬وأدورنو‭.‬

إذا‭ ‬كانتْ‭ ‬فلسفة‭ ‬التنوير‭ ‬قد‭ ‬خلصت‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬الخرافات‭ ‬والأوهام‭ ‬والأساطير،‭ ‬وأشاعت‭ ‬ثقافة‭ ‬التسامح؛‭ ‬فإنها‭ ‬فشلتْ‭ ‬في‭ ‬تجنيب‭ ‬الإنسانية‭ ‬نشوب‭ ‬حربيْن‭ ‬عالميتيْن‭ ‬لم‭ ‬تُبق‭ ‬ولم‭ ‬تذر،‭ ‬بل‭ ‬أنتجت‭ ‬أنظمة‭ ‬نازية‭ ‬وفاشية،‭ ‬أوقعت‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬تاريخية،‭ ‬جعلت‭ ‬قيمها‭ ‬الإنسانية‭ ‬على‭ ‬المحك؛‭ ‬وعليه‭ ‬فإن‭ ‬مدرسة‭ ‬فرانكفورت‭ ‬نقدت‭ ‬الممارسات‭ ‬الديمقراطية‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬الرأسمالي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فضح‭ ‬الهيمنة‭ ‬اللا‭ ‬مباشرة‭ ‬لمؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬تطور‭ ‬الوعي‭ ‬الجماعي،‭ ‬والكشف‭ ‬عن‭ ‬الديناميات‭ “‬العقلانية‭”‬؛‭ ‬لردع‭ ‬كل‭ ‬محاولة‭ ‬جذرية‭ ‬تمتلك‭ ‬طاقة‭ ‬الرفض‭.‬

للأدب‭ ‬والفن‭ ‬مكانة‭ ‬مُتميزة‭ ‬في‭ ‬النظرية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لمدرسة‭ ‬فرانكفورت؛‭ ‬باعتبارهما‭ ‬المجال‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يُمكن‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬مقاومة‭ ‬المجتمع‭ ‬الرأسمالي،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬أنَّ‭ ‬هيجل‭ ‬كان‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الفن‭ ‬يتوسط‭ ‬بين‭ ‬الروح‭ ‬والطبيعة‭. ‬وبناء‭ ‬عليه،‭ ‬كانتْ‭ ‬له‭ ‬منزلة‭ ‬مرموقة‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭. ‬وتحت‭ ‬تأثير‭ ‬الدعاية‭ ‬السياسية‭ ‬والإعلانات‭ ‬التجارية،‭ ‬صارت‭ ‬اللغة‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬طيِّعة‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬التي‭ ‬تقود‭ ‬للهيمنة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والجور‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وتسخير‭ ‬طاقة‭ ‬الإنسان‭ ‬وعقله‭ ‬لهذه‭ ‬الدعاية‭ ‬التي‭ ‬تراها‭ ‬المدرسة‭ ‬النقدية‭ ‬مُعادية‭ ‬للقيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬ولمبادئ‭ ‬الحرية‭. ‬تؤكِّد‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬الصبغة‭ ‬النقدية‭ ‬للعقل،‭ ‬وتجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬صانعا‭ ‬لظروفه‭ ‬التاريخية‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬المستمر‭. ‬إنها‭ ‬ليست‭ ‬حركة‭ ‬فلسفية‭ ‬نقدية،‭ ‬لا‭ ‬تفصل‭ ‬خطابها‭ ‬عن‭ ‬سعيها‭ ‬لتحرير‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬الخوف‭ ‬والقيود‭ ‬التي‭ ‬تكبله،‭ ‬وتدفعه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يستجيب‭ ‬لمتطلباته،‭ ‬ويتناغم‭ ‬مع‭ ‬حاجات‭ ‬عقله‭ ‬وجسمه،‭ ‬وهذا‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬فكرة‭ ‬الأنوار‭ ‬الداعية‭ ‬لتحرير‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬عجزه‭ ‬وقصوره،‭ ‬كما‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬كانط‭. ‬

خاتمة‭:‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬الفكر‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬تطلُّع‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون،‭ ‬داحضًا‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬كائن،‭ ‬وكان‭ ‬النقد‭ ‬جذوة‭ ‬التفكير‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنطفئ،‭ ‬وقد‭ ‬تجسَّد‭ ‬هذا‭ ‬النقد‭ ‬في‭ ‬الإبداع‭ ‬الفني‭ ‬والأدبي‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل،‭ ‬كما‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يواجه‭ ‬الأصوليات‭ ‬والتطرُّف‭ ‬بجميع‭ ‬أشكاله،‭ ‬مثلما‭ ‬صرَّح‭ ‬القاضي‭ ‬أبو‭ ‬الوليد‭ ‬بن‭ ‬رشد‭ ‬بأن‭ ‬أكبر‭ ‬عدو‭ ‬للإسلام‭ ‬جاهلٌ‭ ‬يكفر‭ ‬الناس؛‭ ‬ولكن‭ ‬الفكر‭ ‬النقدي‭ ‬يمتد‭ ‬للفضاء‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬ومذاهب‭ ‬ومؤسسات،‭ ‬ويدافع‭ ‬عن‭ ‬فضيلة‭ ‬التسامح،‭ ‬ويحترم‭ ‬حرية‭ ‬الآخرين،‭ ‬ويتيح‭ ‬لهم‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬أفكارهم‭ ‬وآرائهم‭ ‬وممارسة‭ ‬عقائدهم،‭ ‬دون‭ ‬إكراه‭ ‬أو‭ ‬اضطهاد،‭ ‬أو‭ ‬الخشية‭ ‬من‭ ‬الانتقام،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬احترام‭ ‬القوانين‭ ‬المتعارف‭ ‬عليها،‭ ‬والسماح‭ ‬بالعيش‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحقيقة‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬إسبينوزا‭. ‬وبالتفكير‭ ‬العقلي‭ ‬النقدي،‭ ‬نكتسب‭ ‬المعركة‭ ‬ضد‭ ‬اللامعقول؛‭ ‬ولا‭ ‬غرو‭ ‬أن‭ ‬يدعونا‭ ‬باستور‭ ‬إلى‭ ‬عبادة‭ ‬الفكر‭ ‬النقدي‭.‬

إنَّ‭ ‬حضور‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬حَصَانة‭ ‬للإنسان‭ ‬من‭ ‬الاستعباد‭ ‬بكل‭ ‬أشكاله،‭ ‬وانتصار‭ ‬للقيم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وفضيلة‭ ‬التقدم‭ ‬والمساواة‭ ‬والعيش‭ ‬في‭ ‬سلام،‭ ‬وضمان‭ ‬للعدالة‭ ‬العقلانية‭ ‬وشرط‭ ‬الحرية‭. ‬ولا‭ ‬تتم‭ ‬العقلانية‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬بوبر‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬أحسنَّا‭ ‬الإصغاء‭ ‬إلى‭ ‬النقد،‭ ‬والإفادة‭ ‬من‭ ‬الخبرات‭ ‬السابقة،‭ ‬ومن‭ ‬المعاني‭ ‬السامية‭ ‬للعقل‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬النقد،‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬لدينا‭ ‬القابلية‭ ‬لتقبل‭ ‬النقد،‭ ‬وممارسة‭ ‬النقد‭ ‬الذاتي‭.. ‬فالنقد‭ ‬نقطة‭ ‬التقاء‭ ‬الفلسفة‭ ‬بالعلم‭.‬

402 total views, 2 views today