الغزو الثقافي بوجوهه المختلفة ظاهرة عرفها التاريخ عبر كل أطواره على مرِّ العصور. ولابد من الاعتراف أيضا بأنَّ تلك الظاهرة أصبحت حقيقة، وواقعا ملموسا في حاضرنا اليوم، فرضه علينا الانفتاح الفضائي والعولمة، وشكَّلت آثاره تحديًّا خطيرًا، وأنتجت الكثيرَ من الإشكاليات، وتسبَّبتْ في نشوب أزمات مُختلفة تربويًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا.

شرق غرباستطلعتْ آراء بعضِ الكُتَّاب والمثقفين في هذا الموضوع؛ حيث تمحورتْ أسئلة الاستطلاع حول المحاور الآتية:

ما هي أهم مظاهر الغزو الفكري الغربي على أفكارنا ونمط حياتنا؟   

لماذا استطاع الغرب أن يغزو مجتمعاتنا فكريًّا؟

يُريد الغرب أن نأخذ منهم كلَّ ما من شأنه أن يُغيِّر مُجتمعاتنا للأسوء، فكيف نستطيع التحكم فيما نستمده من ثقافاتهم وفكرهم؟

ما مدى تأثُّر كُتبنا ومؤلفاتنا بالغزو الفكري؟

هل من سبيل للتخلص من هذا الغزو الذي اجتاح بلادنا العربية والإسلامية؟

هل من الممكن أن نتبادل الأدوار في المستقبل؟

فكانت هذه الرؤى ووجهات النظر:

————————————————

استطلاع: زوينة الجابرية

————————————————

Abbas

عباس آل حميد  – كاتب وباحث

فحول وجهة نظره عن مظاهر الغزو الفكري، قال الكاتب والباحث عباس آل حميد: عند الاطلاع على مجموعة من القراءات حول العولمة الثقافية، نجد أنها ترى في انتشار أنماط الحياة والثقافة الشعبية الأمريكية من المآكل السريعة، إلى الأزياء والملابس، وأدوات الزينة، والموسيقى والأفلام الأمريكية، مظهراً لهيمنة الثقافة الغربية والأمريكية بالخصوص على مناطقنا، لكنَّني شخصيا لا أرى أن هذه المظاهر الشكلية هي المشكلة الكبرى، هذا إذا سلَّمنا بأنها مشكلة في ذاتها!

وأضاف: المشكلة الكبرى والكارثة الحقيقية تكمُن في مجموعة القيم والمبادئ والصور الذهنية التي تسلَّلت من الثقافة الغربية للفرد والمجتمع المسلم، على خلاف -بل ونقيض- الثقافة الإسلامية! فمثلاً نرى الزُّهد والرضا والقناعة ممزوجة بالطموح وإرادة التغيير والتطور، وهو ما تهدف الثقافة الإسلامية لترسيخه في الفرد والمجتمع المسلم، بينما تَسْعى جاهدة إلى نبذ الترف والرفاهية المادية المبالغ بها والبذخ، وفي المقابل نجد أنَّ ثقافة المجتمع والفرد المسلم أصبحتْ على النقيض من ذلك، وأنها أصبحَ غاية ما تسعى إليه هو: الرفاهية، والترف، والبذخ؛ باعتبارها قمة النجاح والسعادة.

وتابع بقوله: بينما غاية ما يَسْعَى إليه الإسلام لترسيخه في الوجدان الإنساني هو أنَّ الحياة ليست قصيرة، وإنما هي خالدة، بل وما نحن فيه لا يكاد يُسمَّى حياة إلا مُسامحة، وإنما الحياة الحقيقة هي ما بعد هذه الدنيا، فنجد ثقافة المجتمع والفرد المسلم تكاد تكون مبنيَّة على أنَّ فكرة “الحياة قصيرة، فلنستمتع بها أقصى ما يمكننا ذلك”!

بضاعتنا التي يفترض بنا ترويجها

طرحنا سؤالنا الثاني: لماذا استطاع الغرب أن يغزو مجتمعاتنا فكريًّا؟  فجاء رد عباس آل حميد: “إنَّ بضاعتنا الإسلامية التي يفترض بنا ترويجها للبشرية جمعاء هي الفكر والمعرفة الإسلامية. أما ميزتنا التنافسية فتكمُن في جمالية هذا الفكر، وواقعيته، وسموه ومناسبته لفطرة الإنسان وروحه وعقله ومتطلباته المادية في كلِّ زمان ومكان. هذا ما نؤمن به نظريًّا وغيبيًّا؛ لأنَّ هذا ما أخبرنا به الله تعالى! ولكن عندما نأتي إلى أرض الواقع لنطرح بضاعتنا، ولنرشد المسلمين (فضلاً عن غيرهم)، لا نكاد نجد ما نطرحه في كثير من الجوانب التي تهم عموم الناس والبشرية المعاصرة لتسيير حياتهم ومعاشهم!.. وتساءل: أين مثلاً الأطروحات الإسلامية المتكاملة لمسيرة البشرية اقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وعلى جميع الأصعدة الإنسانية؟! وأين الكتابات الإسلامية لإرشاد الناس إلى كيفية تنمية ذواتهم، ومواجهة الإحباطات اليومية التي تواجههم، وقهر الاكتئاب والقلق والخوف الذي ينهش الكثير منهم؟ وكيفية اكتساب السعادة والراحة؟

وأعقب بقوله: إنَّ الغالبية العظمى من الناس المثقفين وشبه المثقفين، المتدينين منهم وغير المتدينين، المسلمين منهم وغير المسلمين، من الذين يديرون دفة هذه الحياة من أطباء ومهندسين، ومعلمين، ومحاسبين، وتجار، ومتعلمين…وغيرهم، هم في أشد الحاجة لهذا النوع من الفكر الإسلامي، ولكن بأسلوب القرآن والأدعية الإسلامية، التي تخاطب الوجدان والروح، كما تخاطب العقل، لا بالأساليب اللغوية المعقَّدة التي ألفها علماؤنا ونخبنا المثقفة. بل إنَّ الكثيرَ من هؤلاء الناس لا يهمهم سوى هذا الجانب من المعرفة، وليس لديهم لا الوقت ولا الاهتمام الكافي لغيره، فإنْ لم نستطع اجتذابهم لعظمة الإسلام والانتماء إليه من هذا الجانب، فإننا نعرِّض الإسلامَ لخطر عظيم؛ من خلال دفعنا إياهم للتوجه لغير الإسلام -وبالتحديد للغرب- ليرووا ظمأهم، فيكون للغرب ما يسعى إليه -بمعونتنا نحن لهم- ألا وهو عولمة الثقافة الغربية!

وأضاف: بالرغم من إدراك النخبة المثقفة وعلماء الأمة الإسلامية لهذا الخطر الذي يتهدَّدنا منذ عقود من الزمن، إلا أنَّنا نُلاحظ أنَّ المكتبة الإسلامية لا تزال شبه خاوية من مثل هذه الكتابات والنتاجات المعرفية! ولعلَّ ما كُتب حول ضرورة إصلاح الفكر والخطاب الإسلامي هو أكثر مما كُتب في إصلاح الفكر الإسلامي نفسه! وأما ما كتب في مجال الثقافة الإسلامية العملية المتصلة بمعترك الحياة اليومية للإنسان المعاصر فهو ربما أندر من الكبريت الأحمر!

وللأسف، فإنَّ ما يُروَّج في هذا الصدد من الكثير من دعاة الإسلام وعلمائه وخطبائه هو ضرورة استشعار الإنسان بالحقارة والتقصير، والإحساس بالذنب! وأنَّ عليه أنْ يتجنَّب السعي وراء الدنيا، لئلا تشده نحوها! إذن، فالمشكلة تكمُن في أنَّ طبقة العلماء والنخب الإسلامية المثقفة غير قادرة على سدِّ هذا الفراغ، وغير قادرة إلى الآن على الاستجابة للحاجات البشرية المستجدة والمتغيرة على هذا الصعيد، فيما عدا ادعائهم أنَّ الإسلام شامل لكل حياة البشر، وأنه قادر على تسييرها بشكل نموذجي! مستندين في دعواهم هذه إلى الإيمان بالغيب والقرآن. وهو بالرغم من صحته، وإيماننا التام به لكنه غير كافٍ، حيث إنَّ ما يحتاجه الناس في النهاية هو أطروحات وأنظمة وإجراءات محددة وواضحة ومكتملة؛ إمَّا مُجسَّدة في الخارج أو قابلة للتجسيد بسهوله ويسر حتى يتمكنوا من تسيير أمور حياتهم!

تأثر شبه مطلق

وتابع عباس آل حميد بقوله: يبدو لي أنَّ تأثر كتابنا ومفكرينا بهذا الغزو الغربي يكاد يكون شبه مُطلق؛ لأنَّ العلوم الإنسانية بشكل عام، وعلم النفس وتطوير الذات، هي في الواقع كلها علوم غربية، لم تتم أسلمتها بعد، وما نحن العرب والمسلمين عموما سوى مُترجمين لها، ربما في أحيان قليلة مع بعض التعديلات والتغييرات البسيطة المبنية على الاجتهادات الشخصية.. وأوضح: الغرب غير معني عموما بأخذنا للأسوء أو الأحسن، وإنما كل ما يعنيه أن يروِّج فينا تلك الثقافة التي تعزز قوته الناعمة للسيطرة علينا وتوجيهنا حسبما يرغب خدمة لمصالحه من دون الاضطرار للدخول في المعارك أو حتى صرف الأموال. لكن ما الأعم الأغلب من الثقافة الغربية المعولمة التي تغزونا اليوم إنما هو نتيجة طبيعية للعولمة وأساليبها وآلياتها، في الوقت الذي يُعاني فيه المفكرون والعلماء الإسلاميون من العجز للاستجابة للحاجات البشرية المستجدة والمتغيرة، كما ذكرت سابقاً. فنحن في عصر العولمة لا نملك ولا نستطيع أن نتحكم فيما نستمده من ثقافاتهم وفكرهم، بل ولا نحتاج ذلك!

ويضيف: إنَّ الفكر والطرح الإسلامي هو ما أنزله الله، فإن كنا نؤمن بذلك حقا، فليس علينا أن نخشى من فكر وضعي بشري، وإلا أصبح ذلك تناقضا! ويقول سبحانه وتعالى: “كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ”. لم يَخْشَ علماء المسلمين في الماضي من الفلسفة اليونانية، وإنما استفادوا منها في التأسيس لعلم الفلسفة الإسلامي، وكذلك لا ينبغي أن نخشى اليوم من نتاج العقل البشري من العلوم الإنسانية والاجتماعية، وإنما ينبغي أن نستفيد منها بثقة وموضوعية في تطوير فهمنا للإسلام ورسالته، وطرحها للبشرية جمعاء، بما يرتقي بالبشرية كلها وفق الرؤية الإسلامية للحياة. وببساطة، المشكلة تكمُن فينا نحن وفي تقاعسنا كأمة، وليس في الإسلام أو في العولمة. وأُجزم بكل يقين أنَّنا من الممكن أن نتبادل الأدوار في المستقبل، بل هو أمر حتمي اقتضته الإرادة الإلهية، وإن كان وقت تحققه مرهون بوعينا وسلوكنا نحن.

واستدل على ذلك بقوله عز وجل: “كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ”، وقوله أيضاً: “وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ”.

وبسؤاله: هل من سبيل للتخلص من هذا الغزو الذي اجتاح كل مجالات حياتنا؟ أجاب: نعم، وبكل بساطة، إنْ استطعنا التخطيط بشكل مدروس، وعملي، وكانت لدينا إرادة جدية لفعل ذلك. فالفكر والطرح الإسلامي عن كل فكر آخر بجماله وواقعيته، وسموه ومناسبته لفطرة الإنسان وروحه وعقله ومتطلباته المادية في كل زمان ومكان. أذكر كلمة لـ”جورج برنارد شو” عن الإسلام بأنه “الدين الوحيد الذي يبدو لي أنه يمتلك القدرة على استيعاب مراحل تغيُّر الواقع؛ مما يجعله جذاباً لكل عصر”. وأضاف: إنَّ الإستراتيجية التي أقترحها لمعالجة هذه المشكلة تستند إلى فكرة أنَّه وبالرغم من أنَّ المعرفة بالإسلام وجمالياته من خلال المنظور التطبيقي الواقعي هي الدُّعامة الأساسية لمهمة إصلاح الفكر والخطاب الإسلامي، إلَّا أنها مهمة كبيرة ومُتشعِّبة جدًّا، وتتطلَّب توافر معارف ومقدرات ومهارات وكفاءات متنوعة، في مختلف المجالات الفنية والإنسانية؛ لذا فمن غير الواقعي مُطلقاً حَصْر مسؤولية القيام بهذه المهمة على جهة مُحدَّدة مهما كانت، حتى ولو كانت المدارس والجامعات الدينية!

إنَّنا إنْ اكتفينا بما يُنتجه عُلماؤنا، فإننا لن نستطيع حتماً مواجهات التحديات المعاصرة، وربما سيؤدي بنا هذا إلى أنْ نخسر قواعدنا الشعبية المسلمة مع مرور الزمن، وعدم وجود ما يسد احتياجاتها المعرفية والثقافية. وعليه؛ فالحل يكمُن في إشراك مُثقفي أمتنا من مختلف المجالات الإنسانية والعلمية في هذه المهمة، وذلك بعد تطوير قدراتهم ومعارفهم الفقهية والأصولية، وبعد إيجاد الآليات والموارد المساعدة اللازمة لتمكينهم من أداء هذه المهمة، كلٌّ بحسب توجهاته وإبداعاته وإمكانياته، والتحديات الواقعية التي يواجهها.

وأعقب: إنَّ الطبيب في عيادته، والتاجر في تجارته، والمدرس في مدرسته، والمهندس في مصنعه…وغيرهم من أمثال هؤلاء الناس، الذين يعيشون الحياة العادية بكل مشكلاتها وإحباطاتها وتحدياتها اليومية وتناقضاتها، وبكل جمالياتها أيضاً، هم الأقدر من غيرهم على الكتابة لأنفسهم، وإرشاد أنفسهم، ولكن وفق المنهج الإسلامي.. الكاتب بكتبه، والقاص بقصصه، والسينمائي بأفلامه، والرسام بفنه ورسوماته، وآخر بالرسوم المتحركة، وآخر بشرائح البوربوينت، وآخر بالرسائل الهاتفية القصيرة، وآخر بمسلسل تليفزيوني، وآخر بمقال ينشره في الجريدة المحلية، وآخر بموقع إلكتروني، وآخر بقصائده وأناشيده، وهكذا دواليك تتكوَّن البيئة الثقافية الإسلامية، وليس هناك من طريق عملي غيره! ومع مثل هذه الأنواع من النتاجات والمخرجات الثقافية الإسلامية، يتأثر الناس ويتفاعلون، ويُغيِّرون سلوكهم، ورؤاهم؛ لأنَّ هذه النتاجات نابعة منهم، وتتحدث عنهم، وتمس واقع حياتهم اليومي بشكل واقعي، ومباشر. أما الأنشطة والإجراءات العملية اللازمة للقيام بهذا الأمر وتفاصيلها فلا يسعه المقام، لكن يمكن الرجوع فيه لكتاب “الإستراتيجية الإسلامية”، الذي يتناول هذا الموضوع بتفصيل جيد.

————————————————

ahmed

د. أحمد الاسماعيلي  – كاتب وباحث

افتقاد الذات لهوية ثقافية ناضجة

يُشاركنا الدكتور أحمد الإسماعيلي -كاتب وباحث- في هذا الاستطلاع بقوله: إنْ كان ثمة مظاهر للغزو الفكري الغربي على أفكارنا ونمط حياتنا؛ فهي افتقاد الذات لهُوية ثقافية ناضجة في الدين والسياسة والاجتماع. نحن نتخلى يوميًّا عن بناء الإنسان العربي، ثم نتساءل عن أسباب الانشطارات الثقافية التي تعترينا يوميا!

وعند سؤالنا له عن أسباب تمكنهم من غزو بلادنا فكريًّا؟! أجاب: يبدو لي أن السؤال مربك معرفيا قليلا؛ فهو يقرر ضمنيا أنَّ هناك ثقافتيْن يحملان إمبريالية الهيمنة، يتم التعبير عن ذلك الصراع الثقافي بمصطلح “الغزو”، وهو مصطلح يتضمَّن المعنى التاريخي للصراع الدموي بين الذات والآخر، في حين أن الثقافة ليست سوى مفاعلة طبيعية تحدث في المجتمعات الإنسانية؛ بهدف اكتشاف ثقافة الآخر. عندما نتصوَّر أن هناك “ذات” لها خصوصيتها الثقافية، وأن هناك “آخر” يحاول دائما اختراق تلك الخصوصية وإسقاط ثقافته على الذات، فنحن نتسبب بإحداث تراجع تأريخي في فهم المشتركات الثقافية الإنسانية، كما أننا نمارس دور الحماية التي تدفعنا حتما إلى الانغلاق على ممتلكاتنا التاريخية، أكثر من التحرك في فضاء ثقافي واسع.

نظرية المؤامرة

وويُؤكِّد الإسماعيلي أنَّ تفكيرنا الدائم بأنَّ الغرب يُحاولون السيطرة على أفكارنا وثقافتنا، وتفكيرنا في كيفية السيطرة والتحكم من قبلنا فيما نستمده منهم، لهو “أمر يتحرَّك من نظرية المؤامرة، التي هيمنتْ على ثقافة الضمير الجمعي العربي، وهذا يعود إلى عوامل تراكمية كثيرة أسهمتْ في خَلْق هذه التصوُّرات الثقافية عن الآخر؛ فنحن لا ننظر إلى الآخر إلا أنه “العدو المتربِّص” بنا، وهي نظرية بدأت في مراحل مبكرة في التأريخ العربي الحديث ظن بداية من عصر الإصلاح ثم النهضة. فقد شكَّل “الآخر” قلقا كبيرا للنخبة الثقافية في تلك الفترة، واعتقدوا بسبب التراجع الحضاري للمسلمين أنَّ جوهر الإشكال الحضاري للذات العربية هو المؤامرة الغربية. ولكني أعتقد أنَّ المشكل الثقافي أكبر من ذلك بكثير وأكثر تعقيدا.

يُجيبنا الدكتور أحمد عن سؤالنا حول تأثر مؤلفاتنا بالغزو الفكري بطريقة أخرى، فيقول: “إنْ كان المقصود بالتأثر هنا تلك الدعوات الفكرية التي ارتأت إسقاط الثقافة الغربية بكل تفاصيلها ومشروطياتها على المجتمعات العربية، فيبدو لي أنها ليست كثيرة، وهي أيضا حدثت في مرحلة زمنية محددة، ويمكنني تحديدها في النصف الأول من القرن العشرين، واستمرت قليلا حتى جزء بسيط من النصف الثاني. لكنها حدثت بسبب دعوات مقابلة لها، كانت ترى ضرورة وحتمية العودة إلى “التأريخ الإسلامي البعيد”، ومحاولة إسقاط تلك المرحلة المحمدية على “الزمان المطلق”، دون قراءة لمشكل التحقيب التاريخي. هذه الثنائية المتطرفة كانت نتاج السؤال التاريخي للأمير شكيب أرسلان: لماذا تقدم الآخر وتخلفت الذات؟

هل من سبيل للتخلص من هذا الغزو؟ 

وحول سؤال: هل من سبيل للتخلص من هذا الغزو؟ يجيب الإسماعيلي فيقول: يمكنني أن أفترض سؤالا آخر، وهو: هل من سبيل لإعادة انتاج الذات من جديد؟.. وتابع: يبدو لي هذا السؤال أكثر منطقيا؛ لأنه يحاول أن يفهم مكونات الوعي وطرائق التفكير لدى العقل العربي الجمعي، كما أنه يؤدي إلى كشف مقاربات معقولة لفهم ظاهرة “الذات العربية”، وعوامل التراجع عن الفعل الثقافي في الحضارة الإنسانية اليوم. ولماذا لم تعد الذات العربية أو الإسلامية تنتج سوى الدم والفقر والجهل والتخلف؟ هذا هو الإشكال الحضاري الكبير. نحن إذن بحاجة إلى التخلص من هذه المستنقعات التي أنتجناها بأنفسنا قبل أن نتخلص من “غزو ثقافي” يتربص بنا!

أمَّا عن امكانية أن نتبادل أدوارنا مع الغرب، فيؤكد الاسماعيلي قائلا: نعم؛ هذا ممكن جدًّا؛ لكن ما هي الشروط الموضوعية التي يجب أن نقوم بها لكي نتمكن من لعب هذا الدور الحضاري؟

————————————————

fatema

د. فاطمة بنت أنور  اللواتيَّة – كاتبة وباحثة وروائية

مظاهر الغزو الفكري

شاركتنا أيضا د. فاطمة بنت أنور اللواتيَّة، وعند سؤالنا لها عن أهم مظاهر الغزو الفكري الغربي على أفكارنا ونمط حياتنا؟ أجابت: “مع الأسف الشديد، أننا بهذا الضعف الذي نعيشه، لم نستطع الاعتماد على ذواتنا في أبسط الأمور. مازلنا بعيدين تماما عن التقدم الذي حققوه في جميع المجالات سواء العلمية أو الثقافية أو الأبحاث أو التكنولوجيا أو الطب.. قلدناهم في طريقة بناء بيوتنا ولبسنا وغيرنا أساليب حياتنا وقضينا على الكثير من قيمنا. كما قال المفكر جودت سعيد؛ لأنَّ الكثيرين منا آثر أن يقلدهم (أعني الغرب) من الأسفل أي من الرجلين فغدا بذلك التقليد فقير الذات والقيم.

غزو غربي أم ضعف عربي

وتابعت: الغرب كما الشرق يقدمون أفكارهم ورؤاهم وأساليبهم للآخرين، لكن عملية الأخذ من عدمه تعتمد على الإنسان المتلقي. فما هي شخصية ذلك الإنسان المتلقي؟ في رأيي أن موضوع غزو الغرب لمجتمعاتنا لم تعد مشكلة أساسية في القرن الواحد والعشرين. قد يكون ذلك ملاحظا من الانفتاح الذي حدث بطريقة فجائية وغير مدروسة منذ بداية السبعينيات وصاحبها انبهار شديد بالغرب كحضارة. في تلك الفترة كنا نعيش نوعا من التخلف على مستوى الحياة المعيشية من حيث الجوانب الترفيهية والمادية. لم تكن شعوبنا قد عاشت في بيوت مرفهة أو توفرت لها المواصلات أو سبل الحياة السهلة كما نعيشها حاليا، وإنْ كانت هذه الحياة المرفهة ليست مما شيدناه أو اخترعناه بأيدينا لأنفسنا. بعد اكتشاف البترول تغير وضعنا ومرت علينا سنون الانبهار. فهل يحق لنا أن نقول إنه الغزو الغربي أو الأجدى أن نقول إنه الضعف العربي؟

هناك فئات من المجتمع تعيش التأثر بالغرب في طريقة أكلهم ولباسهم وبعض تصرفاتهم. ولعل البيئة التي تربوا فيها هي التي جعلتهم منقادين للآخرين -سواء كان ذلك الآخر غربيا، أو شرقيا- وعلى المستوى العلمي، فنحن تبنينا مناهجهم مغمضي العينين والتزمنا بأساليبهم الدراسية، من غير أن نعنى بتطوير أساليبنا وطرقنا. وهذا ما يسمى بالاتكالية والتقاعس. فلا يوجد غزو غربي، بل يوجد فراغ فكري يستقطب مختلف أنواع الفيروسات لتسكنها.

وفي مقالي بعنوان: “أبـناؤنا المبتعـثـون.. عين الله ترعاكم”، المنشور بجريدة عُمان بتاريخ ١/٩/٢٠١٢، أشرتُ إلى بعض الأفكار القيمة للمفكر جودت سعيد من كتابه “فقدان التوازن الاجتماعي”. حيث يُشير المفكر جودت إلى حالة العجز التي يعيشها العرب تجاه الغرب وهو ما عبر عنها بمصطلح “فقدان الشعور بالأناقة”. ومع الأسف، هذا ما يعانيه بعض المسلمين أو العرب بشكل أخص وهي التي تسبَّب لهم في الشعور بالدونية والصَّغَار الذي ينتابهم أمام الإنسان الغربي. وسبب هذا الشعور -كما أوضحه المفكر جودت سعيد- هو أنَّ الإنسان العربي والمسلم يؤمن من داخله بأنه “لم يعد يحمل شيئا يحتاج العالم إليه”. وهنا يستحضر جودت سعيد مثالين لتقريب الفكرة أوردتهما في مقالي المذكور أعلاه.. “المثال الأول هو مثال ذلك العربي الذي استبدل لبسه باللبس الإفرنجي داخل وطنه، إلا انه بقي مع طربوشه الأحمر في محاولة لإثبات شخصيته بأسلوب سلبي. والمثال الآخر الذي طرحه هو مثال غاندي الذي كان يشعر بأنه يملك شيئا والعالم في حاجة إليه. لذلك لم يكن غاندي يشعر بأنه بحاجة إلى تقليد الآخرين في لبسهم أو أكلهم. ويضيف المفكر جودت سعيد: “لأنه لم يدخل العالم الخارجي ليقلده، بل لأجل أن يغيره”. فهو الشعور بالأناقة التي كان يحملها غاندي والتي يفتقدها أغلبنا، خصوصا حينما نكون أمام الغربيين فنشعر بالمنبوذية. الشعور بالمنبوذية ناتج من تصورنا بأننا إذا التزمنا بقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا ومعتقداتنا، فإننا نكون منبوذين فلهذا نبدأ في عملية التقليد”.

وتضيف: أجمل ما أعجبني في نظرية المفكر جودت سعيد في هذا المجال، هو كما ذكرته في مقالي السابق أنَّ “عملية التقليد لها سمتان: فإما أن نقلد من الأسفل أي من الرجلين، أو نقلد من الأعلى أي من الرأس. وحينما يكون التقليد من الرجلين، فالمرء يقلد في الملبس والمسكن والكماليات التي يتم استيرادها والتي تملأ أسواقنا. ويستحضر في هذا الصدد أيضا مثال اليابان والصين.. مشيرا إلى أنهما قلدا الغرب من الرأس (التكنولوجيا). فبينما نحن “زبائن نشتري كانت الصين واليابان تلاميذ يتعلمون”.

فكر يُطوِّر الأمة

وتجيبنا د. فاطمة عن سؤالنا عن مدى تأثر مؤلفاتنا بالغزو الفكري، فتقول: “لا أدَّعي القدرة على الرد؛ فإذا كنا ممن يتأثر أو يقلد الغرب من الرأس فهذا ينطلق من مفهومنا الديني كما ورد في المأثورة: “اطلبوا العلم ولو في الصين”. فطلب العلم من الصين هو أخذ من تراثهم وفكرهم، لكنه أيضا دعوة إلى أخذ الفكر الذي يطور الأمة والمجتمعات. أنا أقرأ للكتاب الغربيين كما أقرأ للكتاب العرب؛ وبالتالي لا أنفي أو أثبت التأثر أو التأثير، فهذه أمور طبيعية، خصوصا في عصر يُسمَّى فيه العالم بـ”قرية صغيرة”. وهذه العملية بحد ذاتها ليست خطأ إن كان الكاتب لديه رؤاه، وحسب مصطلح جودت سعيد “الشعور بالأناقة”. لكن مع الأسف فبعض الكتاب العرب أضاعوا قيمهم، ليس فقط بتقليدهم للغربي فحسب، وإنما بعدم حملهم للرسالة الأخلاقية والثقافية.

أمَّا عن إمكانية أن نتبادل الأدوار مع الغرب في المستقبل، فتقول: “نعم، كما ذكر المفكر جودت سعيد، حينما يكون لدينا ما نستطيع أن نعطيه للآخر، وحينما لا نكون مُستهلِكين فقط، وإنما منتجين.

————————————————

حمود الغيلاني

حمود الغيلاني – كاتب وباحث ومؤرخ

مظاهر أخرى للغزو الفكري الغربي

الكاتب والباحث حمود الغيلاني، يقول: يُمكننا أن نرصد الكثير من مظاهر الغزو الفكري الغربي على أفكارنا ونمط حياتنا.. ومن أمثلة ذلك:

– أولا: حملات التشويه التي تقاد للمس بديننا الإسلامي الحنيف. حيث يقول رينان الفرنسي، وهو يصور عقيدة التوحيد في الإسلام بأنها “عقيدة تؤدي إلى حيرة المسلم. كما تحط به كإنسان إلى أسفل الدرك”، ويقول المستشرق جب: “إن محمداً قد تأثر بالبيئة التي عاش فيها، وشق طريقه بين الأفكار والعقائد الشائعة في بيئته؛ فالقرآن من صُنع محمد -صلى الله عليه وسلم- ومن متوافقات هذه البيئة التي عاش فيها”، ولم يكتفوا بذلك حتى التشويه بسيرة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم.

– ثانيا: حملات تشويه التاريخ الإسلامي؛ حيث ربطوا نشر الدين الإسلامي بالسيف، وأنَّ الفتوحات الإسلامية غزو واستعمار.

– ثالثا: اتهامهم القوانين الإسلامية بالقصور وعدم مُواكبة العصر…وغيرها من المظاهر؛ مثل: الخدمات الاجتماعية، والعادات والتقاليد والاحتشام ونشر الرذيلة، وتمجيد القيم الغربية، وتسفيه القيم الإسلامية والعربية، والدعوة إلى نبذها بحجة التطور ومواكبة العصر، وتقديم دراسات مُشوَّهة عن الحياة الإسلامية العملية تُنَفّر النفس البشرية من الإسلام، وتقديم البديل الغربي بكونه الأفضل للإنسانية عموما ومنهم المسلمون. وهناك الكثير من المظاهر التي يمارسها الكثير من الشباب، ولعمري أنهم يجهلون ما هم فاعلون.

وأضاف: الأمية هي آفة الشعوب ومدمرة الحضارات، حينما كنا نقرأ ونكتب ونكتشف، كنا مسلحين ذهنيا وثقافيا، ولا أقصد في الفترة الحالية التعليم المدرسي فحسب، فكم ممَّن أنْهَى دراساته وهو لا يزال لا يفرق بين الألف الممدودة والألف المقصورة، يرفع المجرور ويجر المرفوع، لا إدراك لديه لأبعاد الكلمة ومعانيها، فتراه يتوه فيما يقرأ، ويقبل على ما يسمع دون تمحيص أو تحليل، فأصبحنا تربة خصبة لأية أفكار ترد إلينا، فنأخذ من الغرب والشرق دون وعي وإدراك بأهداف ما يتم إيصاله إلينا! إنَّ نجاح الغرب لم يأت من فراغ، بل من منهجية وخطط معتمدة وضعت لأجل ذلك، فأوروبا خصوصا والغرب عموما أدركوا أن الغزو العسكري أثبت عدم جدواه، فكان لابد من وجود آلية مختلفة يكون لها أدواتها في العالم العربي، فعملوا على غزو عقول الشعوب وتبعيتها بما يريدون من الثقافات التي تخدم العدو والتي لا تنتبه لها الشعوب إلا بعد فوات الأوان. وكما اشرت سابقا، فإنَّ أي عمل لمجابهته لا بد أن نعد له إعدادًا جيدًا، وهذا الإعداد يعتمد من خلال التعليم والإعلام. وعليه، فلابد أن تكون مناهجنا تعتمد على تراثنا الثقافي الإسلامي، ووجود الآليات التي تعد الناشئة بذخيرة تعتمد التفكير والتحليل؛ وبذلك نستطيع خلق جيلٍ واعٍ يستطيع التفريق بين الغث والسمين. كما أنَّ الإعلامَ بكل أنواعه مُطالب بإيجاد برامج ثقافية تنويرية تعتمد على منهجية هدفها التوعية بمخاطر الأفكار الغربية وإبراز ثقافتنا وأثرها الإيجابي في الفكر الإيجابي.

سبل التخلص من هذا الغزو

وبسؤاله عن رأيه في مدى تأثر كتبنا ومؤلفاتنا بالغزو الفكري؟ قال الغيلاني: “الفكر في تعريفه المنطقي -حسب ما يقول السيد الشريف الجرجاني- هو: “ترتيب أفكار معلومة للتأدي إلى المجهول”. وللأسف، ظهر الكثير من الكتاب والمؤلفين بإدراك منهم أو بغير إدراك ممن روجوا لكثير من الافكار الغربية وهم أخطر وأكثر تأثيرا بحكم أنهم الأقرب إلى أبناء العالم العربي، فيتم استغلالهم بنشر أفكارهم الغربية.. وأضاف: “إنَّ سُبل التخلص من هذا الغزو -كما أشرنا- تكمن في الإعداد له، من خلال مناهج وإعلام يصل إلى كل فئات المجتمع، وأنْ لا يقتصر الأمر على محاضرات أو ندوات مغلقة لا يحضرها إلا القليل، فلا بد أن تحتوي المناهج الدراسية على نسبة جيدة من ثقافتنا وأفكارنا وأخلاقياتنا، كما أن الإعلام -خاصة المشاهد والمسموع- عليه إيجاد مساحة أكبر للتطرق لهذا الأمر، فبدون وجود أرضية صلبة يقف عليها الشباب لن نستطيع التخلص من الغزو الفكري الغربي.

أما عن امكانية تبادل الأدوار، فأكد أنَّ الحراك الثقافي واسع الانتشار وسهل في خطوات إنجازه، وإيصال أفكارنا وثقافتنا للآخرين عملية ليست بالصعبة، وليكون لهذه الأفكار تأثير إيجابي على المتلقِّي من الطرف الآخر لابد أن نخاطبهم بلغتهم، والعمل على الوصول إليهم، لا أن ننتظر أن يصلوا هم إلينا للاطلاع على ثقافتنا وأفكارنا. فعملية تبادل الأدوار ليست صعبة أو مستحيلة إذا أعددنا لها إعدادا يقودها للنجاح، ساعتها نستطيع القول “نعم، ممكن أن نتبادل الأدوار”، ولنا في التاريخ حكمة؛ فالغرب في العصور الوسطى أنهل من المعرفة العربية والإسلامية فترجم الكثير من المؤلفات العربية لدراستها والاستفادة منها”.

————————————————

Zainab G

زينب الغريبية – كاتبة وباحثة في شؤون المرأة والطفل

تأثيرات متباينة

أمَّا زينب الغريبية، فتحدثت عن تأثيرات الغزو الثقافي على الكثير من الأصعدة كالتعليم مثلا “فجميع الجامعات والكليات تعتمد اللغة الإنجليزية كلغة رسمية للتعليم فيها، وفي كثير من الأحيان تكون هي العائق الأكبر لدى الطلاب في تحقيق التفوق العلمي لعدم إتقان اللغة، هذا فضلا عن استخدام اللغة الأجنبية في مستشفياتنا، وفي كثير من المطاعم والشركات الخدمية”. وأضافت: “كما أنَّ “موضات” الشباب من قصات شعر وملابس ونمط الأسواق العصرية والمقاهي الغربية المكلفة، والأغاني التي يسمعها الشباب، واستهلاك التكنولوجيا المستوردة في شتّى مجالاتها وربما الاستخدام الخاطئ لها، وأعني بذلك تغيير الأجهزة باستمرار نتيجة وجود الجديد، وما يصنعه ذاك الجديد إلا من أجل زيادة التسويق والربح من وراء استهلاكنا المفرط لها، كذلك نمط البناء تغير إلى نمط يشبه مباني الحضارات الأخرى، وإن كان لا يتناسب كليًّا مع مناخنا الحار، وإعلامهم الفني الأقوى يجعل أكثر المتابعين للأفلام ودور السينما يبحثون عن الفيلم الأجنبي وفيه تصدير لثقافة مجتمعاتهم. هذه إنما أمثلة ولا تكون على سبيل الحصر”.

وتقول الغريبية: “أصبحت -مع الأسف- مجتمعاتنا العربية المسلمة تعيش مرحلة من الهوان والضعف والتفكك، في كل شيء، ضعف اقتصادي ثقافي أمني مؤسساتي خدماتي إعلامي، وحتى ضعف في انتمائنا لديننا وما يحمله لنا من شريعة وأسلوب حياة، هذا الضعف جعلنا نستشعر القوة في غيرنا، ونرى الآخر الأقوى منا برَّاقا في كل ما يعمل، بتقليدنا له نستشعر أننا نعيش قوته، وبالتالي أصبحت مجتمعاتنا مرتعا لكل ما يُصدر لنا، نعتبره تطورا ومجاراة للحياة العصرية وللفكر المتفتح الذي يماشي العصر الذي نعيش فيه، وإلا فإننا متخلفون عن العالم، حتى وإن كان على حساب هويتنا العربية المسلمة، فإحساسنا بهذا الضعف والهوان وأننا دائما نحتاج الإعانة والمساعدة من الغرب والعالم بأننا تابعون لهم، ومجبرون على تقبُّل ما يأتي منهم.

طريق للتخلص من التبعية

وأوضحت: إنَّ الحياة البشرية قائمة على الصراع منذ أن بدأت الحياة البشرية، وكل شعب ينتمي لدين أو مذهب أو شريعة حياة، يعتقد أنه الأفضل، ويعتقد أن قوته ستتحقق عندما تسود عقيدته ويقضي على المعتقدات والشرائع الأخرى التي من الممكن أن تنافسه حتى لو من الناحية الروحية والخلقية، فإن كانوا مغرضين لتدمير معتقداتنا وثقافاتنا، فهذا شيء طبيعي، ونحن كمسلمين سعينا في عصور مضت إلى السيادة ونشر معتقداتنا وتعميمها بالفتوحات الإسلامية، عندما كانت الدولة الإسلامية هي الأقوى، وهنا مربط الفرس، حينما تتوافر القوة تكون السيادة لصاحبها، السيادة في السياسية والفكر والاقتصاد وما تجره معها للمجتمعات الأضعف. وإذا كان الضعف وشعورنا بالنقص أمامهم هو السبب في تقبلنا وجرينا وراء منتجهم الثقافي والفكري والصناعي وغيره، فمن الطبيعي أنَّ استعادتنا لقوتنا هي الطريق للتخلص من هذه التبعية، وإحداث الاستقلالية التي تجعلنا قادرين بأنفسنا، ولكن إذا تحدثنا عن الواقع الذي نعيشه اليوم فعلى الأقل علينا أن نستشعر الخطر حتى لا نفقد أجيالنا بالكامل ونفقد معها هويتنا الإسلامية، ويكون ذلك من خلال المؤسسات التربوية التي عليها القيام متظافرة للحد من استفحال الثقافات المستوردة، هذه المؤسسات المتمثلة في الأسرة والمدرسة والإعلام والمسجد والمؤسسات المسؤولة عن خدمات الشباب وأنشطتهم وبرامجهم. وأعقبت الغريبية بالقول: ” أمَّا عن إمكانية أن نتبادل الأدوار في المستقبل، فحتما نستطيع؛ لأنَّ النصرَ حليف من يسعى بهدف يحمل الخير للعالم، ولكن يجب أن نسعى وأن نبدأ الإصلاح من أنفسنا؛ وبالتالي نشيعه فيمن حولنا، فإذا توافرت الإرادة الحقيقية، ورافقتها الإدارة المخلصة، والمنفذون الأوفياء، واتخذ كل ذلك سبيل التخطيط السليم والتعاون والاتحاد، فإننا حتما سنصل، وسنحقق هذا التبادل، فقد كانت لنا الغلبة والسيطرة في قرون مضت وليس بمستحيل استعادتها، ولكنها تحتاج إلى كثير من العمل”.

————————————————

Mohd Reza

محمد بن رضا اللواتي – كاتب وباحث وروائي

الإحباط والانبهار

واستطلعنا رأي الكاتب والباحث محمد بن رضا اللواتي؛ لنسأله عن هذا الموضوع.. فقال: “هذا الموضوع كُتبت فيه العديد من الدراسات وناقشته العديد من وسائل الاعلام مع مختلف المفكرين العرب، ومن الصعوبة بمكان ابتكار رأي جديد لم يتم التطرق إليه، أو رؤية فاتت الاشارة إليها في كل تلك التغطيات المتنوعة للموضوع، ومع هذا فالواقع كما هو! وكأنه ما تم التطرق إلى هذا الموضوع أصلا. أود وباختصار أن أشير إلى أمرين يلعبان دورا محوريا في توجيه تخلي الإنسان المسلم عما بيده من قيم ومعارف والتزام ثقافي وفكري وأدبي، هما:

– “الإحباط” في الذي يملكه هذا الانسان من رصيد ثقافي ومعرفي وعقدي، وفقدانه الثقة فيه.

– “الانبهار” بالآخر وما يتمتع به نمط ثقافي وأخلاقي ومن تقدم مادي هائل، يعمل على حقن إحباطه حتى يبلغ ذروته فتحدث عملية احلال عقدي أخلاقي سلوكي بمنتهى السهولة واليسر.

ولو لم تكن هناك إرادة وعزم مسبق على غزو العقل المسلم وإفراغه من مضمونه، لكان العاملان الماران يكفيان لأن يرمي المرء ما بيده ويذهب للآخر الذي يمتلك رصيدا ماديا عاليا يساعده على أن يبدو الخيار الأفضل حقا، فكيف وإرادة سلب العقل المسلم من ثوابته مما لا يمكن إنكاره إلا لؤلئك الذين لا يزالون نرجسيين جدا ويعدون منطق “المؤامرة” على الإسلام مزحة كُبرى.

أمَّا عن مظاهر الغزو الفكري الغربي على أفكارنا ونمط حياتنا، فيقول: لا أرى أي جدوى في عد هذه المظاهر، وإنما لنضع اليد على أشدها خطورة. ويمكن القول بأن صيانة “العقل” وصيانة “السلوك” هما الجانبان اللذان ينبغي الحديث عنهما هنا.. صيانة العقل من التورم الإلحادي واللا ديني، والنسبية المفرطة ومنع احلال الرأسمال محل الأخلاق ومنع عد الفضيلة في التملك والإنفاق الشخصي بدل القضايا المعنوية الكبرى هي نقاط التحدي على مستوى الثقافة والمعرفة، وصون المجتمع من اتباع النمط الذي تقدمه وسائل الترفيه الغربي من سينما وموسيقى وقدوات ترفدها المسلسلات الامريكية للأطفال تحديدا مكمن تحد آخر.

القدرة على التحكم فيما هو آت

وأضاف محمد اللواتي: “قد نناقش فيما يريده الغرب، ولكن وطالما أن “فقدان الثقة” فيما باليد موجود، والانبهار قائم، فليس على الطرف المقابل أن يعمل كثيرا لسلخ المرء من أصالته وانتمائه. إن مرحلة ما قبل التحكم هي مرحلة معرفة قيمة ما باليد من ثروة معرفية وفكرية وثقافية من إرث عقدي وأخلاقي عال. أليس الغرب قد اقتات ولفترة طويلة على مؤلفات أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد…وغيرهم إلى يومنا هذا؟! أليس الدين هو الذي يستطيع أن يكون سندا لنظرية أخلاقية حقيقية؟ هل شهد العالم نظاما يكفل تنمية الأسرة بشكلها الصحيح والحقيقي يوازي ذاك الذي يكفله الاسلام في أطره التربوية؟

وأضاف: كلما كان هناك جهل بأصالة الفكر الذي يحمله المسلم وقوته البرهانية ودقته، وما يزخر به من نظرية أخلاقية وسلوكية عالية ومتوافقة مع ما يصبو إليه البشر في طبيعة موقفه، كلما كانت عملية التحكم والسيطرة فاقدة للمعنى.. الانبهار بالآخر يبدأ يقل تدريجيا ويتموضع على الشكليات فحسب كحد أقصى عندما يرتفع رصيد الإدراك بقيمة الثقافة الإسلامية وعظمتها والحلول التي ترفدها في مختلف نواحي حياة الإنسان ونشاطه الاجتماعي. يبدو لي أن هذه المرحلة ينبغي أن تتأصل بشكل جيد وكخطوة أولى وأساسية. لدينا الآن سؤالان هما: “ما هي؟”، و”هل هي؟”، والمراد بالأول: “ما هي طبيعة الثقافة الإسلامية وجذرها الفطري والعقلي قبل الديني؟”، والمراد بـ”هل هي”: “هل يمكنها أن تحتمل ثقل بناء حضاري على كاهلها المعرفي ونظامها الاخلاقي؟”. أعتقد أنَّ الاجابة عنهما بشكل دقيق جدا هي أولى مراحل تأسيس القدرة على التحكم فيما هو آت من الطرف الآخر.

وأخيرا.. سألناه عن مدى تأثر كتبنا ومؤلفاتنا بالغزو الفكري، فأجاب: “لعل الأفضل من هذا السؤال هو: ما مدى التأثير الذي يستطيع مفكرينا أن يفرضوه على الواقع المعرفي الغربي؟ وسوف أجيب قائلا: الكثير والكثير جدًّا. معاناة الغرب في انتشار الكحول والمخدرات وتفشي الدعارة والسلوك اللا أخلاقي عال، ومعاناته اليوم مع أجياله ونزوحها بعيدا عن التحصيل العلمي باتت واضحة. تبلور النظرية الاخلاقية في هيئة رأسمال عملت على إعدادها عقولا اقتصادية فلسفية عدة هناك، ونتائجها أيضا جلية، في حين يمتلك الفكر الإسلامي كل مقوِّمات البناء الحضاري، ويعالج كل الأزمات الفكرية على مستوى الاعتقاد وعلى مستوى السلوك كذلك، فلماذا لا نقيم محافلا لعرض الثقافة الاسلامية للعالم الغربي؟

————————————————

سعود الزدجالي – كاتب وباحث

يعد الغزو الفكري أو الثقافي مسألة جدلية، وترتبط بالنمو الاقتصادي والعولمة؛ وهو قضية تضم بعض الحقائق، والكثير من الأوهام، وتتوطد علاقته بما يشاع من مفاهيم كالهوية، والانفراد، والخصوصية، والعلاقة مع الآخر المختلف؛ فتتمخض عن جدليات تعد تكريسا لا شعوريا للعنف والإقصاء أحيانا؛ حين يكون “الآخر المختلف” عدوا للذات مريدا لها الشر والمحو من الوجود على الدوام؛ مما يجعل هذا الشعور المخيف عقبة أمام النقد والتطوير؛ فكل محاولات التغيير كالديمقراطية والعدالة وقيم المساواة ومفاهيم الدولة تندرج تحت المؤامرات والغزو الفكري.

إن أهم مسألة نقف حيالها عند النظر في “الغزو الفكري” مسألة “الأخطاء” التي قد نقع فيها في السياسة والاجتماع؛ إذ يجعلنا ذلك في حالة من العمى والعمه عن الحق؛ حين نجعل الآخر شمّاعة أخطائنا المتكررة في شتى مناحي الحياة، وذلك لا يجعلني ألا أستشعر وجود أصل من الحقيقة في الغزو الفكري؛ لأنها طبيعة في التدافع البشري؛ لا سيما أن العولمة الاقتصادية وتسليع السلوك الاجتماعي كاللغة ومظاهر الحياة والمعتقدات ترتبط ارتباطا قويا بحركة السوق والسلع؛ مما يترتب عليه تغيير معتقداتنا تجاه السلوك، عندما ترتبط بقيمة سلعة ما، وعلاقتها بالاستعمال اليومي الاستهلاكي، ولكن ذلك ينطبق على كل المجتمعات الإنسانية؛ وإنني أعتقد أن من أهم محاولاتنا البائسة في دفع السلوك الاستهلاكي في المجتمع العربي؛ أو الغزو الفكري هو “التعليم”؛ إذ لم تُنتج أنشطتُه وبرامجُه المتكررة في بناء شخصية ناقدة أمام السيل الفكري والمدّ المعرفي؛ مما جعلنا نتلمس الطريق في الأسلوب القمعي وثقافة الممنوع الذي ينتج مواطنا منافقا يتظاهر بالفضيلة، ويهرع إلى المتع الخفية، أو استهلاك الطاقات في هذا الجدل العقيم المفعم بالمغالطات لتخويف الإنسان من الآخر؛ في حين تستورد السلطات السياسية من الآخر نفسه كل “آليات القمع” و”التلصص” على الشعوب العربية.

قد يكون الشعور بالهوية مصدرا للبهجة – كما يرى أمارتيا صن- ولكنه أيضا مصدرٌ للقوة والثقة؛ لذلك يتم التغني بها في المجتمعات العربية عند محاولات التغيير والتحول الديمقراطي؛ فتتحول “الهوية” عند أمارتيا إلى مصدر للعنف؛ فالشعور بانتماء يقتصر على جماعة محددة؛ يحمل معه إدراكا لمسافة البعد والاختلاف عن الجماعات الأخرى؛ فيغذي العنف والتنافر والإقصاء، كما يؤدي إلى الغفلة عن الأخطاء؛ فـ”التحريض على العنف يحدث بفرض هويات مفردة انعزالية وعدوانية، يناصرها ويؤيدها محترفون بارعون للإرهاب على أناس بسطاء وساذجين” وفي السياق ذاته يرى صن “أن التصغير الانفرادي للهوية الإنسانية له عواقب بعيدة التأثير، فالوهم الذي يمكن استحضاره بغرض تقسيم الناس إلى تصنيفات جامدة متفردة يمكن استغلاله لدعم إثارة النزاع بين الجماعات” وذلك يجعل الإنسان ينظر بمنهجين متناقضين في المجتمع العربي كما رأينا؛ فهو حين يستهلك كل السلع الاستهلاكية أو المادية بنهم عجيب؛ يدفع في الوقت نفسه الفكرَ الديمقراطي والعدالة ويجعله من قبيل الغزو الفكري، ومحاولة لاجتثاث التميز والهوية، وذلك لا يتناقض مع الدين فحسب، وإنما مع القيم الإنسانية الكونية، ويهدم الصدق مع الذات؛ ويولد الانفصام الاجتماعي.

ولذلك نجد محمد عمارة في كتابه “الغزو الفكري وهم أم حقيقة؟” يجعل النقاش في هذه القضية من سمات المجتمعات العربية القلقة على مصيرها؛ فهي معلم من معالم الحركة الفكرية في بلاد “العالم الثالث” على حد تعبيره، في الوقت الذي نجد فيه مجتمعا كالمجتمع الياباني تجاوز هذا الانفصام الفكري مع الآخر بنقد الذات، والاستفادة من الآخر المختلف؛ نجد مجتمعاتنا لم تحسم النزاع البيزنطي حول هذه القضية المزعجة التي لا تخلو من أوهام “المتخيل”

أعتقد أن هذا التأصيل ضروري جدا عند كل نظرة فاحصة إلى مسألة الغزو الفكري ومنطق المؤامرة والعلاقة مع الآخر؛ وإلا فإن مجتمعاتنا ستظل في هذه الدوامة التي لن تنتهي.

20,884 total views, 2 views today