د‭. ‬جاسم‭ ‬العلوي

محددات‭ ‬الفعل‭ ‬التاريخي‭ ‬

التاريخُ‭ ‬نهرٌ‭ ‬جارٍ،‭ ‬يتدفَّق‭ ‬بعُنفوان،‭ ‬يَسُوق‭ ‬البشرية‭ ‬إلى‭ ‬مُنعطفات‭ ‬حادَّة،‭ ‬يجرعها‭ ‬كل‭ ‬ألوان‭ ‬العذابات،‭ ‬وإن‭ ‬استقام‭ ‬جرى‭ ‬بهم‭ ‬الهويدة‭ ‬وأذاقهم‭ ‬من‭ ‬لحظات‭ ‬السعادة‭ ‬والهناء،‭ ‬لكنه‭ ‬نادرا‭ ‬ما‭ ‬يفعل؛‭ ‬لأن‭ ‬الإنسان‭ ‬ظلوم‭ ‬كفار‭.‬

يَتَميَّز‭ ‬الإنسان‭ ‬بأن‭ ‬له‭ ‬حضُوْرين‭: ‬حضورٌ‭ ‬في‭ ‬الطبيعة؛‭ ‬وهو‭ ‬فيها‭ ‬خاضعٌ‭ ‬ومقهورٌ‭ ‬لقوانينها،‭ ‬ولا‭ ‬يختلفُ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحضور‭ ‬عن‭ ‬حضور‭ ‬الحيوان‭.‬‭ ‬وحضورٌ‭ ‬آخر‭ ‬ينفرد‭ ‬به‭ ‬عن‭ ‬غيره؛‭ ‬وهو‭: ‬حضورٌ‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭. ‬وحده‭ ‬الإنسان‭ ‬يحضر‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬يصنع‭ ‬التاريخ‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التاريخ‭ ‬يصنعه‭. ‬إنه‭ ‬حضور‭ ‬مقصور‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬لما‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬والكلام،‭ ‬وتغيير‭ ‬حياته،‭ ‬وتسخير‭ ‬قوانين‭ ‬الطبيعة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬رفاهيته‭. ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬بُعده‭ ‬الروحي‭ ‬يملك‭ ‬إرادة‭ ‬يُدير‭ ‬بها‭ ‬تناقضاته‭ ‬وصراعاته‭ ‬الداخلية،‭ ‬وينفتح‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬مسارات‭ ‬مختلفة‭ ‬لحياته‭. ‬فإرادته‭ ‬الحرة‭ ‬تبني‭ ‬وتهدم،‭ ‬تخاصم‭ ‬وتسالم،‭ ‬تبسط‭ ‬يدها‭ ‬وتقبضها‭. ‬إنه‭ ‬حضور‭ ‬يمكِّن‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬الحدث‭ ‬الذي‭ ‬يحول‭ ‬الزمان‭ ‬الكوزمولوجي‭-‬الطبيعي‭ ‬إلى‭ ‬زمان‭ ‬إنساني‭ ‬يحضر‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬الراهن‭ ‬بقوة،‭ ‬ويؤثر‭ ‬الراهن‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يكون‭ ‬للتاريخ‭ ‬حركة‭ ‬مُمتدة‭ ‬مُتصلة،‭ ‬يتصل‭ ‬فيها‭ ‬ماضي‭ ‬الإنسان‭ ‬بحاضره‭ ‬ويشكل‭ ‬مستقبله‭. ‬لا‭ ‬حركة‭ ‬للتاريخ‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الحيوان؛‭ ‬فماضيه‭ ‬وحاضره‭ ‬ومستقبله‭ ‬سيَّان‭. ‬يعيش‭ ‬الحيوان‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬الكوزمولوجي‭ (‬الطبيعي‭) ‬فقط،‭ ‬وليس‭ ‬له‭ ‬زمانه‭ ‬الخاص‭.‬

وَإِذَا‭ ‬كَانَ‭ ‬للتاريخ‭ ‬حركة‭ ‬مُتصلة‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬الإنساني‭ -‬الذي‭ ‬يلتحم‭ ‬فيه‭ ‬الماضي‭ ‬بالحاضر‭ ‬والمستقبل‭- ‬فلابد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬فعل‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬معين،‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬نسميه‭ “‬الفعل‭ ‬التاريخي‭”‬،‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬التاريخ،‭ ‬فليست‭ ‬كل‭ ‬أفعال‭ ‬الإنسان‭ ‬تصنع‭ ‬للتاريخ‭ ‬حركته‭. ‬فالإنسان‭ ‬يأكل،‭ ‬وينام،‭ ‬ويمرض،‭ ‬ويموت،‭ ‬ويتزاوج،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬أفعال‭ ‬بيولوجية‭-‬فيسيولوجية‭ ‬وليست‭ ‬أفعالًا‭ ‬تاريخية‭. ‬إنَّ‭ ‬الفعل‭ ‬الإنساني‭ ‬الذي‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬التاريخي،‭ ‬ويصنع‭ ‬حدثا‭ ‬تاريخيا،‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬يتميز‭ ‬عن‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الأفعال‭ ‬أو‭ ‬الأحداث‭. ‬فما‭ ‬هي‭ ‬مُحدِّدات‭ ‬الحدث‭ ‬التاريخي‭ ‬الذي‭ ‬يرتبط‭ ‬فيه‭ ‬الماضي‭ ‬بالحاضر‭ ‬والمستقبل‭ ‬في‭ ‬وحدة‭ ‬عضوية؟‭ ‬ويُمكن‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تقريب‭ ‬الصورة‭ ‬أن‭ ‬نصف‭ ‬حدثا‭ ‬تاريخيا‭ ‬مُمتدا‭ ‬ومُتصلا‭ ‬في‭ ‬الزمان،‭ ‬بالاستعانة‭ ‬بالفيزياء‭. ‬فالحدثُ‭ ‬التاريخيُّ‭ ‬يُمكن‭ ‬تشبيهه‭ ‬بالموجة؛‭ ‬لأنه‭ ‬يصنع‭ ‬تموُّجا‭ ‬أو‭ ‬اضطرابا‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬وهذا‭ ‬التموُّج‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬مركز‭ ‬الاضطراب،‭ ‬ويتحرك‭ ‬مؤثرا‭ ‬في‭ ‬الأحداث‭ ‬من‭ ‬حوله،‭ ‬ويستمر‭ ‬تأثيره‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬وبعض‭ ‬هذه‭ ‬التموُّجات‭ ‬ضخمة‭ ‬جدًّا؛‭ ‬بحيث‭ ‬تتفلت‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬سياق‭ ‬محرك‭ ‬للتاريخ،‭ ‬لكنها‭ ‬عبر‭ ‬مفاعيلها‭ ‬الروحية‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬توجه‭ ‬حركة‭ ‬التاريخ‭ ‬لنهايته‭ ‬الحتمية‭.‬

لَكِن،‭ ‬وَكَيْ‭ ‬نتمكن‭ ‬معرفة‭ ‬المحدِّدات‭ ‬التاريخية‭ ‬للحدث‭ ‬الموصوف‭ ‬بالتاريخي،‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتعرَّف‭ ‬على‭ ‬التأثيرات‭ ‬التي‭ ‬يتركها‭ ‬حدث‭ ‬تاريخي‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬إسباغ‭ ‬ديناميكية‭ ‬خاصة‭ ‬للتاريخ‭. ‬فمِن‭ ‬تعقُّب‭ ‬الأثر‭ ‬الذي‭ ‬يخلفه‭ ‬الحدث‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬نتمكَّن‭ ‬من‭ ‬وعي‭ ‬مُحدداته‭ ‬التاريخية؛‭ ‬فهل‭ ‬للأحداث‭ ‬التاريخية‭ ‬نتائج‭ ‬محددة،‭ ‬أم‭ ‬لها‭ ‬تأثيرات‭ ‬عشوائية‭ ‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬ثمة‭ ‬قوانين‭ ‬خاصة‭ ‬تنتظم‭ ‬في‭ ‬سياقها‭ ‬التاريخي‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬القوانين‭ ‬الطبيعة؛‭ ‬بحيث‭ ‬نعرف‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬نهايات‭ ‬محددة‭ ‬لهذه‭ ‬التي‭ ‬عبَّرنا‭ ‬عنها‭ ‬بالتموُّجات‭ ‬التاريخية‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الجواب‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬فَهْم‭ ‬السؤال،‭ ‬فدعونا‭ ‬نستوضح‭ ‬السؤال‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬المقارنات‭ ‬بين‭ ‬الطبيعة‭ ‬والتاريخ؛‭ ‬فالإنسان‭ ‬يحضر‭ ‬في‭ ‬الاثنين‭ ‬معا‭. ‬الإنسان‭ ‬محكومٌ‭ ‬ومقهورٌ‭ ‬بقوانين‭ ‬الطبيعة؛‭ ‬فهل‭ ‬حضوره‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬تحكمه‭ ‬قوانين‭ ‬ترسم‭ ‬مصيره؟‭ ‬بمعنى‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬التاريخ‭ ‬تصنعه‭ ‬أفعال‭ ‬الإنسان‭ ‬بمحدداتها‭ ‬التاريخية،‭ ‬فهل‭ ‬لأفعاله‭ ‬عواقب‭ ‬حتمية؟‭ ‬وهل‭ ‬هذه‭ ‬العواقب‭ ‬هي‭ ‬نتاج‭ ‬منطق‭ ‬خاص‭ ‬يحكم‭ ‬الفعل‭ ‬التاريخي‭. ‬وكما‭ ‬أنَّ‭ ‬الإنسان‭ ‬يتعرف‭ ‬على‭ ‬قوانين‭ ‬الطبيعة‭ ‬ويسخرها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬العمران‭ ‬وبناء‭ ‬الحضارة،‭ ‬فهل‭ ‬معرفة‭ ‬الإنسان‭ ‬بقوانين‭ ‬التاريخ‭ ‬تمكِّنه‭ ‬من‭ ‬معرفة‭ ‬مصيره‭ ‬في‭ ‬المستقبل؟‭ ‬وهل‭ ‬هذه‭ ‬القوانين‭ ‬التاريخية‭ ‬تتناقض‭ ‬مع‭ ‬حرية‭ ‬الإنسان‭ ‬واختياره؟‭ ‬وما‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬القوانين‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬تحكمه‭ ‬في‭ ‬التاريخ؟

الإجَابَة‭ ‬عَنْ‭ ‬هَذِه‭ ‬التساؤلات‭ ‬تحدِّد‭ ‬وعينا‭ ‬بالتاريخ‭ ‬وعَلاقتنا‭ ‬به‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬التاريخ‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬المتناثرة‭ ‬والعشوائية،‭ ‬وتمارس‭ ‬تأثيراتها‭ ‬في‭ ‬الدائرة‭ ‬القريبة‭ ‬منها،‭ ‬ولا‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬سلطة‭ ‬على‭ ‬المستقبل؛‭ ‬فمستقبل‭ ‬الإنسان‭ ‬تُشكِّله‭ ‬إرادته‭ ‬في‭ ‬الظرف‭ ‬الخاص‭-‬الراهن‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬لفهم‭ ‬التاريخ‭ ‬أو‭ ‬العودة‭ ‬للماضي‭. ‬فهذا‭ ‬يجعل‭ ‬التاريخ‭ ‬محصورا‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬فقط،‭ ‬والمعرفة‭ ‬به‭ ‬لا‭ ‬تعطي‭ ‬ثمرة‭ ‬الحاضر‭ ‬ولا‭ ‬تصنع‭ ‬ثمرة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬التاريخ‭ ‬له‭ ‬وِحْدَة‭ ‬عضوية‭ ‬وتيار‭ ‬متصل‭ ‬يسير‭ ‬في‭ ‬مسارات‭ ‬محددة،‭ ‬فكلُّ‭ ‬خيار‭ ‬لنا‭ ‬يوجه‭ ‬هذا‭ ‬التيار‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬محدد‭ ‬نحو‭ ‬مآلات‭ ‬محددة‭ ‬ومحتومة،‭ ‬فإن‭ ‬وعينا‭ ‬بالتاريخ‭ ‬له‭ ‬أهميته‭ ‬البالغة‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬مسارات‭ ‬الحركة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬نحو‭ ‬الوجهة‭ ‬التي‭ ‬نريد‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مصيرنا‭ ‬المحتوم‭. ‬بهذا؛‭ ‬يكون‭ ‬المستقبل‭ ‬يحدده‭ ‬الماضي‭ ‬وخيارات‭ ‬الحاضر،‭ ‬ويُشبه‭ ‬تماما‭ ‬المعادلات‭ ‬التحددية‭ ‬التي‭ ‬تمكن‭ ‬الفيزيائي‭ -‬مثلا‭- ‬من‭ ‬معرفة‭ ‬موقع‭ ‬جسم‭ ‬أو‭ ‬سرعته‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬معرفته‭ ‬بحالته‭ ‬الراهنة‭. ‬يتحول‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬وعينا‭ ‬إلى‭ ‬تاريخ‭ ‬علمي‭ ‬له‭ ‬قوانين‭ ‬تنظم‭ ‬مسيرة‭ ‬الاجتماع‭ ‬البشري،‭ ‬وأنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬بحال‭ ‬الانفكاك‭ ‬عن‭ ‬قهرية‭ ‬هذه‭ ‬القوانين؛‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬وعينا‭ ‬بالحدث‭ ‬التاريخي‭ ‬ضرورة‭ ‬لأنه‭ ‬يشكل‭ ‬مصيرنا‭. ‬عندها،‭ ‬يكون‭ ‬فهمنا‭ ‬للماضي‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الترف،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬لمعرفة‭ ‬أين‭ ‬يتحرك‭ ‬بنا‭ ‬التاريخ،‭ ‬وأين‭ ‬سيضعنا‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬وكيف‭ ‬نعمل‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬حركته‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬مختلف‭. ‬هنا‭ ‬يغدو‭ ‬التاريخ‭ ‬مصنعاً‭ ‬ضخماً‭ ‬يُصنع‭ ‬فيه‭ ‬مُستقبلنا‭ ‬عبر‭ ‬مسارات‭ ‬تحركت‭ ‬في‭ ‬الماضي،‭ ‬وإنْ‭ ‬لم‭ ‬نفهم‭ ‬كيف‭ ‬يعمل،‭ ‬وكيف‭ ‬نؤثر‭ ‬فيه‭ -‬بحيث‭ ‬يأخذنا‭ ‬في‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬نريد‭- ‬فإنه‭ ‬سيجرفنا‭ ‬نحو‭ ‬نهاية‭ ‬شكَّلتها‭ ‬إرادات‭ ‬الفاعلين‭ ‬في‭ ‬الماضي‭.‬

مُحدِّدات‭ ‬الفعل‭ ‬التاريخي‭ ‬

لَم‭ ‬يهتدِ‭ ‬الإنسانُ‭ ‬إلى‭ ‬قوانين‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬تتحكَّم‭ ‬في‭ ‬الاجتماع‭ ‬الإنساني‭ ‬وتقرَّر‭ ‬على‭ ‬ضوئها‭ ‬مصيره‭ ‬ومآلاته،‭ ‬إلا‭ ‬مع‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭. ‬القرآن‭ ‬هو‭ ‬الكتاب‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬فتح‭ ‬العقل‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬آيات‭ ‬كثيرة‭ ‬صريحة‭ ‬واضحة‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬قوانين‭ ‬يُطلق‭ ‬عليها‭ ‬القرآن‭ “‬سُنن‭” ‬تحكم‭ ‬اجتماعه‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬والثقافي‭. ‬بعد‭ ‬نزول‭ ‬القرآن‭ ‬بثمانية‭ ‬قرون،‭ ‬عمل‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬التاريخ‭ ‬فهما‭ ‬علميا،‭ ‬يضع‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬مصاف‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية،‭ ‬له‭ ‬دوراته‭ ‬التاريخية‭ ‬تماما‭ ‬كدورة‭ ‬الماء‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ (‬1‭: ‬ص332‭-‬333‭). ‬فما‭ ‬هي‭ ‬الرؤية‭ ‬القرآنية‭ ‬لسُنن‭ ‬التاريخ؟‭ ‬لنكتشف،‭ ‬ولو‭ ‬بصورة‭ ‬موجزة،‭ ‬من‭ ‬آيات‭ ‬القرآن‭ ‬المتواترة‭ ‬في‭ ‬سوره‭ ‬المختلفة‭ ‬هذه‭ ‬السُّنن‭ ‬التي‭ ‬يصفها‭ ‬القران‭ ‬بأنها‭ ‬لا‭ ‬تتبدَّل‭ ‬ولا‭ ‬تتحَّول‭. ‬فسُنن‭ ‬التاريخ‭ -‬قوانينه‭- ‬مضطردة‭ ‬ثابتة،‭ ‬تمتلك‭ ‬موضوعية،‭ ‬ومتى‭ ‬ما‭ ‬تحققت‭ ‬الشروط‭ ‬الموضوعية‭ ‬للحدث‭ ‬التاريخي‭ ‬فإنها‭ ‬تفضي‭ ‬دائما‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬محددة‭. ‬فكما‭ ‬أن‭ ‬قوانين‭ ‬الطبيعة‭ ‬تمتلك‭ ‬ثباتا‭ ‬واضطرادًا‭ -‬حيث‭ ‬تتحقق‭ ‬الظاهرة‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ ‬كلما‭ ‬استوفت‭ ‬شروطها‭ ‬الموضوعية‭- ‬فكذلك‭ ‬تكون‭ ‬سُنن‭ ‬التاريخ‭.‬

يفرِّق‭ ‬القرآن‭ ‬بَيْن‭ ‬وجود‭ ‬الإنسان‭ ‬كفرد‭ ‬وبَيْن‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬المجموع،‭ ‬جاعلا‭ -‬القرآن‭- ‬من‭ ‬المجموع‭ ‬البشري‭ ‬كائنا‭ ‬كبيرا‭ ‬له‭ ‬حياة‭ ‬وله‭ ‬موت‭ ‬وله‭ ‬حسابه‭ ‬الخاص‭. ‬المجتمع‭ ‬كائن‭ ‬حي‭ ‬ينصهر‭ ‬الفرد‭ ‬فيه‭ ‬بالمجموع؛‭ ‬فيحاسب‭ ‬المجتمع‭ ‬على‭ ‬قراراته‭ ‬الجمعية‭ ‬وعلى‭ ‬سلوكه‭ ‬الجمعي‭. ‬هكذا‭ ‬يُعبِّر‭ ‬القرآن‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الكائن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬العملاق‭ ‬بأن‭ ‬له‭ ‬أجلا‭ “‬لكلِّ‭ ‬أمةٍ‭ ‬أَجَل‭…” (‬يونس‭:‬49‭)‬،‭ ‬وحساب‭ “‬وَتَرَى‭ ‬كلَّ‭ ‬أمَّةٍ‭ ‬جَاثِيَة‭ ‬كلُّ‭ ‬أمةٍ‭ ‬تُدْعَى‭ ‬إلى‭ ‬كِتَابِها‭ ‬اليَوْم‭ ‬تُجْزَوْن‭ ‬مَا‭ ‬كُنْتُم‭ ‬تَعْمَلُوْن‭” (‬الجاثية‭:‬25‭). ‬ويعبِّر‭ ‬القرآن‭ ‬تعبيرا‭ ‬صريحا‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬هذه‭ ‬السُّنن‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬منطق‭ ‬التاريخ،‭ ‬وأن‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يتتبَّع‭ ‬أحداث‭ ‬الماضين‭ ‬لاكتشافها؛‭ ‬لكي‭ ‬يتجنب‭ ‬مصير‭ ‬الماضين‭ ‬ويوجِّه‭ ‬بوصلة‭ ‬التاريخ‭ ‬نحو‭ ‬مستقبل‭ ‬أفضل‭ “‬قَدْ‭ ‬خَلَتْ‭ ‬مِنْ‭ ‬قَبِلكُم‭ ‬سُنَن‭ ‬فَسِيْرُوا‭ ‬فِي‭ ‬الأَرْضِ‭ ‬فَانْظُرُوا‭ ‬كَيْف‭ ‬كَانَ‭ ‬عَاقِبَة‭ ‬المُكذِّبيْن‭” (‬آل‭ ‬عمران‭:‬137‭). ‬وقد‭ ‬أعطانا‭ ‬القرآن‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬السُّنن؛‭ ‬فيُخبرنا‭ ‬الله‭ -‬عزَّ‭ ‬وجلَّ‭- ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬بأن‭ ‬الانتصار‭ ‬له‭ ‬شروطه‭ ‬الموضوعية‭ “‬وَلَقَد‭ ‬كُذِّبَتْ‭ ‬رُسُلٌ‭ ‬مِنْ‭ ‬قَبلك‭ ‬فَصَبَرُوا‭ ‬عَلَى‭ ‬مَا‭ ‬كُذِّبُوا‭ ‬وَأُوْذُوا‭ ‬حتَّى‭ ‬أَتَاهُم‭ ‬نَصْرُنَا‭ ‬وَلَا‭ ‬مُبدِّل‭ ‬لِكَلِمَاتِ‭ ‬الله‭ ‬وَلَقَد‭ ‬جَاءَكَ‭ ‬مِنْ‭ ‬نَبَأ‭ ‬المُرْسَلِيْن‭” (‬الأنعام‭:‬7‭)‬،‭ ‬ويرسم‭ ‬القرآن‭ ‬مستقبل‭ ‬الإنسان‭ ‬كفرد،‭ ‬وفي‭ ‬المجموع‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬خياراته،‭ ‬ليحمله‭ ‬مسؤولية‭ ‬مصيره؛‭ ‬فليس‭ ‬القضاء‭ ‬والقدر‭ ‬إلا‭ ‬أنْ‭ ‬يأخذ‭ ‬الإنسانُ‭ ‬والكائنُ‭ ‬الاجتماعيُّ‭ ‬قرارَ‭ ‬مستقبله‭ ‬عندما‭ ‬يَحْسِم‭ ‬خياراته‭ ‬الداخلية‭: “‬إنَّ‭ ‬اللهَ‭ ‬لَا‭ ‬يُغيِّر‭ ‬مَا‭ ‬بِقَوْمٍ‭ ‬حتَّى‭ ‬يُغيِّرُوا‭ ‬مَا‭ ‬بأنفُسِهِم‭” (‬فاطر‭:‬43‭). ‬مصير‭ ‬الأمة‭ ‬بيدها،‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تختار،‭ ‬وعندما‭ ‬تختار‭ ‬فإنَّ‭ ‬سُنن‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬تتحرَّك‭ ‬بها‭ ‬نحو‭ ‬مصيرها‭ ‬المحتوم‭ ‬والمقدَّر،‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تحويله‭ ‬أو‭ ‬تغييره‭. ‬هذه‭ ‬السُّنن‭ ‬تجري‭ ‬على‭ ‬كافة‭ ‬المجتمعات‭ ‬دون‭ ‬استثناء،‭ ‬ولا‭ ‬يستثنى‭ ‬منها‭ ‬حتى‭ ‬الأنبياء‭ ‬والصالحون،‭ ‬يَضْرِب‭ ‬الله‭ ‬لنا‭ ‬مِثالا‭ ‬يُخْبِرنا‭ ‬فيه‭ ‬عن‭ ‬النتيجة‭ ‬المحتومة‭ ‬لأمة‭ ‬من‭ ‬الأمم‭ ‬عندما‭ ‬تُمَارِس‭ ‬فِعْلًا‭ ‬ما‭ “‬ذَلِك‭ ‬بأنَّ‭ ‬اللهَ‭ ‬لَمْ‭ ‬يَكُن‭ ‬مُغيِّرا‭ ‬نعمةً‭ ‬أنْعَمَهَا‭ ‬عَلَى‭ ‬قَوْمٍ‭ ‬حتَّى‭ ‬يُغيِّروا‭ ‬مَا‭ ‬بأنفُسِهِم‭” (‬الأنفال‭:‬35‭) (‬1‭: ‬ص321-330‭).‬

القرآنُ‭ ‬الكريم‭ ‬يُخبرنا‭ ‬عن‭ ‬سُنَن‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬لكنها‭ ‬سُنَنَ‭ ‬تحكم‭ ‬نوعًا‭ ‬خاصًّا‭ ‬من‭ ‬الأحداث؛‭ ‬إِذ‭ ‬ْليس‭ ‬كل‭ ‬حَدَث‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬يصحُّ‭ ‬أن‭ ‬نصفه‭ ‬بأنه‭ ‬حدثٌ‭ ‬تاريخيٌّ‭. ‬وعند‭ ‬التأمل‭ ‬في‭ ‬آيات‭ ‬الله،‭ ‬فإنَّ‭ ‬بإمكاننا‭ ‬أن‭ ‬نهتدي‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬المحدِّدات‭ ‬التاريخية،‭ ‬لما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسميه‭ “‬الفعل‭ ‬التاريخي‭” ‬أو‭ “‬الحدث‭ ‬التاريخي‭”. ‬أولا‭: ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نُدرك‭ ‬أنَّ‭ ‬ما‭ ‬نصفه‭ ‬بالأفعال‭ ‬التاريخية‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تخضع‭ ‬لسُنن‭ ‬التاريخ‭ ‬كما‭ ‬بيَّنا‭ ‬نحوًا‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬الآيات‭ ‬السابقة،‭ ‬وهذه‭ ‬سُنن‭ ‬ثابتة‭ ‬ومُضطردة‭. ‬فالأفعال‭ ‬التاريخية‭ ‬المتشابهة‭ ‬تنتهي‭ ‬دائما‭ ‬إلى‭ ‬نفس‭ ‬المآلات‭. ‬القرآن‭ ‬يُخبرنا‭ ‬عن‭ ‬دائرة‭ ‬تُحيط‭ ‬بنوعية‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬الأفعال،‭ ‬تنشط‭ ‬فيها‭ ‬سُنن‭ ‬التاريخ،‭ ‬وهي‭ ‬تلك‭ ‬الأفعالُ‭ ‬التي‭ ‬تتحدَّد‭ ‬بثلاثة‭ ‬أبعاد‭. ‬البُعد‭ ‬الأول‭ ‬والثاني‭ ‬هما‭ ‬ظهور‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الفعل‭ ‬والغاية‭. ‬فكلُّ‭ ‬فعل‭ ‬تاريخي‭ ‬يمتاز‭ ‬بنمط‭ ‬من‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬الفعل‭ ‬الإنساني‭ ‬وغايته،‭ ‬أو‭ ‬بالتعبير‭ ‬الفلسفي‭ ‬بين‭ ‬النشاط‭ ‬الإنساني‭ ‬وعِلته‭ ‬الغائية‭. ‬ولكنَّ‭ ‬هذين‭ ‬البعدين‭ ‬لا‭ ‬يكفيان‭ ‬لتمييز‭ ‬الفعل‭ ‬التاريخي‭ ‬عن‭ ‬غيره‭. ‬فالإنسان‭ ‬الفرد‭ ‬يرتبط‭ ‬دائما‭ ‬فعله‭ ‬بهدف‭ ‬ويرتبط‭ ‬نشاطه‭ ‬بغاية‭. ‬لابد‭ ‬من‭ ‬إضافة‭ ‬بُعد‭ ‬ثالث‭ ‬يعطي‭ ‬تميزا‭ ‬خاصا‭ ‬ومحددا‭ ‬للفعل‭ ‬التاريخي،‭ ‬إنه‭ ‬ذلك‭ ‬الفعل‭ ‬الذي‭ ‬يتعدى‭ ‬الفاعل‭ ‬الفرد‭ ‬ليطال‭ ‬الكيان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للأمة‭. ‬إنه‭ ‬الفعل‭ ‬الذي‭ ‬يُحدث‭ ‬تموُّجا‭ ‬في‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭-‬التاريخي‭ ‬للأمة‭ ‬ليصنع‭ ‬زمانها‭ ‬الخاص‭. ‬كل‭ ‬أمة‭ ‬من‭ ‬الأمم‭ ‬لها‭ ‬زمانها‭ ‬الإنساني‭ ‬الخاص‭ ‬الممتد،‭ ‬يتصل‭ ‬فيها‭ ‬الماضي‭ ‬بالحاضر‭ ‬والمستقبل،‭ ‬في‭ ‬وحدة‭ ‬عضوية‭ ‬واحدة‭. ‬فحاضر‭ ‬الأمة‭ ‬قد‭ ‬شكله‭ ‬ماضيها،‭ ‬ومستقبلها‭ ‬تشكله‭ ‬خيارات‭ ‬الأمة‭ ‬في‭ ‬حاضرها‭. ‬إذن؛‭ ‬هذه‭ ‬السُّنن‭ ‬كما‭ ‬بيَّن‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الآيات‭ ‬التي‭ ‬استعرضناها‭ ‬تأخذ‭ ‬مجراها‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬أفعال‭ ‬تاريخية‭ ‬لها‭ ‬غاية،‭ ‬وتتخذ‭ ‬من‭ ‬الساحة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أرضية‭ ‬لها‭.‬

وَلَا‭ ‬شكَّ‭ ‬أن‭ ‬كربلاء‭ ‬حدثٌ‭ ‬تاريخيٌّ‭ ‬بامتياز‭.. ‬وليست‭ ‬حدثا‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬عاديا‭ ‬كغيرها‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬تجري‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬التاريخية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬حدثٌ‭ ‬تاريخيٌّ‭ ‬ضخم‭ ‬وعظيم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬محدداته‭ ‬التاريخية؛‭ ‬فسببه‭: ‬شخص‭ ‬الحسين‭ -‬عليه‭ ‬السلام‭- ‬وغايته‭: ‬الإصلاح،‭ ‬وساحته‭: ‬أمة‭ ‬الإسلام‭. ‬ولنا‭ ‬أن‭ ‬نتساءل‭ ‬عن‭ ‬السبب‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬فاعلا‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الأمة،‭ ‬وحيًّا‭ ‬في‭ ‬الضمير‭ ‬الإنساني،‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مضي‭ ‬ألف‭ ‬عام‭ ‬عليه؟‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬بهذا‭ ‬التجدُّد‭ ‬المستمر،‭ ‬فإنه‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬له‭ ‬دلالة‭ ‬ما،‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬رمزية‭ ‬تُبقيه‭ ‬حيًّا‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬السنوات؛‭ ‬لأنها‭ ‬تحيل‭ ‬دائما‭ ‬إلى‭ ‬معانٍ‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬الإنساني‭ ‬الأبدي‭ ‬لثنائية‭ ‬الخير‭ ‬والشر‭.‬

الحَدَث‭ ‬الحسيني‭ ‬والدلالة‭ ‬الرمزية

تَدْخُل‭ ‬الأخلاق‭ ‬في‭ ‬صَمِيم‭ ‬البنية‭ ‬المكوِّنة‭ ‬للإنسان؛‭ ‬فأفعال‭ ‬الإنسان‭ ‬دائما‭ ‬تتحدَّد‭ ‬بمعنى‭ ‬أخلاقي،‭ ‬وهذا‭ ‬البُعد‭ ‬الأخلاقي‭ ‬يُضْفِي‭ ‬على‭ ‬الفعل‭ ‬الإنساني‭ ‬دلالة‭ ‬رمزية‭. ‬فكما‭ ‬يصح‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬الإنسان‭ ‬بأنه‭ ‬حيوان‭ ‬ناطق‭ ‬أو‭ ‬عاقل،‭ ‬فيصح‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬نعرفه‭ ‬بأنه‭ ‬حيوان‭ ‬رامز‭ (‬2‭:‬ص58‭). ‬والرامزية‭ ‬تتأتى‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬طبيعة‭ ‬الفعل‭ ‬الإنساني‭ ‬لا‭ ‬تنفك‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬أخلاقية‭ ‬معينة؛‭ ‬إذ‭ ‬هي‭ ‬دائما‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬دلالات‭ ‬معينة‭ ‬في‭ ‬ثنائية‭ ‬الخير‭ ‬والشر‭. ‬وإن‭ ‬مستوى‭ ‬الرامزية‭ ‬هنا‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬يستجيب‭ ‬بها‭ ‬الإنسان‭ ‬للتحديات‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬به‭ ‬للنشاط‭ ‬والتحرك‭. ‬فكل‭ ‬تحدٍّ‭ ‬يُواجه‭ ‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تحدٍّ‭ ‬أخلاقي؛‭ ‬لأن‭ ‬الاستجابة‭ ‬يُمكن‭ ‬معايرتها‭ ‬بموازين‭ ‬الخير‭ ‬أو‭ ‬الشر‭. ‬وعظمة‭ ‬الرامزية‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬عظمة‭ ‬الاستجابة‭ ‬للتحدي‭ ‬الأخلاقي‭.‬

والحَدَثُ‭ ‬الحسينيُّ‭ ‬هو‭ ‬بهذا‭ ‬الاعتبار‭ ‬حدث‭ ‬رامز‭ ‬بامتياز،‭ ‬له‭ ‬دلالالته‭ ‬الرمزية،‭ ‬لكنَّ‭ ‬دلالته‭ ‬تخطت‭ ‬السياق‭ ‬الثقافي‭ ‬والحضاري‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي،‭ ‬وتحولت‭ ‬إلى‭ ‬رمزية‭ ‬كونية؛‭ ‬إذ‭ ‬يمتد‭ ‬تأثيرها‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬النطاقات‭ ‬الثقافية‭ ‬والحضارية‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬ليست‭ ‬كل‭ ‬الأحداث‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬تستوفي‭ ‬المحددات‭ ‬التاريخية،‭ ‬وتنطبق‭ ‬عليها‭ ‬سنن‭ ‬التاريخ،‭ ‬هي‭ ‬أحداث‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬مدلولها‭ ‬الرمزي؛‭ ‬ففي‭ ‬التاريخ‭ ‬الإنساني‭ ‬حُروب‭ ‬وصراعات‭ ‬صنعت‭ ‬تموُّجات‭ ‬في‭ ‬النسيج‭ ‬التاريخي،‭ ‬لكنها‭ ‬تموُّجات‭ ‬تَضْعُف‭ ‬وتخبُو‭ ‬بالتدريج‭ ‬مع‭ ‬امتداد‭ ‬الزمان‭ ‬الطبيعي،‭ ‬لتحل‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬التاريخ،‭ ‬ويطويها‭ ‬النسيان،‭ ‬وتفقد‭ ‬دلالتها‭ ‬الرمزية‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬الإنساني،‭ ‬ولم‭ ‬يَعُد‭ ‬لها‭ ‬تأثير‭ ‬في‭ ‬حاضر‭ ‬الأمة‭ ‬أو‭ ‬مستقبلها‭. ‬وبعض‭ ‬الأحداث‭ ‬تموُّجاتها‭ ‬كبيرة،‭ ‬أشبه‭ ‬بالزلزال،‭ ‬تسري‭ ‬تموُّجاتها‭ ‬في‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬التاريخي‭ ‬للأمة،‭ ‬ويستمر‭ ‬تأثيرها‭ ‬إلى‭ ‬أحقاب‭ ‬طويلة‭. ‬ونحن‭ ‬بإزاء‭ ‬حدث‭ -‬الحدث‭ ‬الحسيني‭- ‬لا‭ ‬يزيده‭ ‬الزمان‭ ‬إلا‭ ‬حيوية‭ ‬وتجددا‭ ‬وعنفوانا،‭ ‬إنَّه‭ ‬حدث‭ ‬تجاوز‭ ‬التاريخ‭ ‬ليسكن‭ ‬الخلود،‭ ‬ويعمل‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬الحراك‭ ‬التاريخي‭ ‬الإنساني‭ ‬بما‭ ‬يمتلكه‭ ‬من‭ ‬مفاعيل‭ ‬روحية‭ ‬ورامزية‭ ‬عظيمة،‭ ‬نحو‭ ‬تحقيق‭ ‬الانتصار‭ ‬التاريخي‭ ‬الإنساني‭ ‬للخير‭ ‬والعدالة‭. ‬وما‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬كذلك،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬توافر‭ ‬على‭ ‬شروط‭ ‬وضعته‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المكانة‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭. ‬وسنحاول‭ ‬ما‭ ‬وسعنا‭ ‬أن‭ ‬نحلل‭ ‬هذه‭ ‬المكانة‭ ‬التاريخية‭ ‬للحدث‭ ‬الحسيني؛‭ ‬لنفهم‭ ‬سرَّ‭ ‬هذا‭ ‬التجدد‭ ‬والحيوية،‭ ‬وسر‭ ‬هذه‭ ‬الروح‭ ‬الساكنة‭ ‬فوق‭ ‬التاريخ‭ ‬والمحرِّكة‭ ‬له‭.‬

أَوْلا‭:‬‭ ‬إن‭ ‬عظمة‭ ‬الحدث‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬ترتبط‭ ‬بعظمة‭ ‬الشخصية‭ ‬التي‭ ‬يتمحور‭ ‬حولها‭ ‬الحدث‭. ‬ومحور‭ ‬الحدث‭ ‬هو‭ ‬الحسين‭ ‬بن‭ ‬علي‭ -‬عليهما‭ ‬السلام‭- ‬الإمام‭ ‬المعصوم‭. ‬وسنتحدَّث‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬العِصْمَة‭ ‬من‭ ‬مُطلق‭ ‬الدائرة‭ ‬الخاصة‭ ‬للمذهب‭ ‬الإمامي،‭ ‬والتي‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬أدلتها‭ ‬من‭ ‬القرآن‭ ‬والروايات،‭ ‬التي‭ ‬تعتبرها‭ ‬–العصمة‭- ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬التكوين،‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬الكون‭ ‬وبنيته‭ ‬التي‭ ‬بها‭ ‬استقراره‭ ‬واستقامته‭. ‬فكما‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬انعدام‭ ‬الشمس‭ ‬مثلا‭ ‬خراب‭ ‬الكون،‭ ‬فكذلك‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬فقد‭ ‬الإمام‭ ‬المعصوم‭ ‬خراب‭ ‬الكون‭. ‬وسنحاول‭ ‬بإيجاز‭ ‬أن‭ ‬نوضِّح‭ ‬للقارئ‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬المهم‭ ‬في‭ ‬التفسير‭ ‬الإمامي‭ ‬للعصمة‭. ‬إنَّ‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الإنسان‭ ‬قريبا‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يتشبَّه‭ ‬بأخلاق‭ ‬وصفات‭ ‬الله‭. ‬فكلما‭ ‬كان‭ ‬الإنسان‭ ‬أكثر‭ ‬قُربا‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬عِلْمًا‭ ‬وقدرة،‭ ‬وأكثر‭ ‬كمالا‭. ‬وبالتالي؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬للقرب‭ ‬الإلهي‭ ‬اثرا‭ ‬تكوينيا؛‭ ‬فالقريب‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬له‭ ‬أثره‭ ‬في‭ ‬التصرف‭ ‬بالموجودات،‭ ‬وكلما‭ ‬زاد‭ ‬الإنسان‭ ‬قربا‭ ‬أصبح‭ ‬له‭ ‬تأثير‭ ‬أوسع‭ ‬وأكبر،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يصطلح‭ ‬عليه‭ ‬بـ‭”‬الولاية‭ ‬التكوينية‭”. ‬وبالعكس‭: ‬كلما‭ ‬كان‭ ‬الإنسان‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬كان‭ ‬أثره‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬التكوين‭ ‬أقل‭. ‬نحن‭ ‬نجد‭ ‬الروايات‭ ‬عند‭ ‬جميع‭ ‬الفرق‭ ‬الإسلامية‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬بوضوح؛‭ ‬فمثلا‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬قرب‭ ‬النوافل‭: ‬‭”‬لا‭ ‬يزال‭ ‬عبدي‭ ‬يتقرب‭ ‬إليَّ‭ ‬بالنوافل‭ ‬حتى‭ ‬أحبه؛‭ ‬فإذا‭ ‬أحببته‭ ‬كنت‭ ‬سمعه‭ ‬الذي‭ ‬يسمع‭ ‬به،‭ ‬وبصره‭ ‬الذي‭ ‬يبصر،‭ ‬ويده‭ ‬التي‭ ‬يبطش‭ ‬بها‭”. ‬وفي‭ ‬رواية‭ ‬قرب‭ ‬الفرائض‭: “‬إن‭ ‬العبد‭ ‬يكون‭ ‬يد‭ ‬الله‭ ‬وعين‭ ‬الله‭ ‬وسمع‭ ‬الله‭”‬؛‭ ‬يعني‭ ‬يكون‭ ‬العبد‭ ‬مظهرا‭ ‬لمشيئة‭ ‬الله‭ ‬الفعلية‭. ‬وهناك‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬الواردة‭ ‬عن‭ ‬أهل‭ ‬البيت‭ -‬عليهم‭ ‬السلام‭- ‬ما‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬الإمام‭ ‬المعصوم‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الكوني‭ ‬ضرورة‭ ‬لاستمراره‭ ‬وبقائه؛‭ ‬فعن‭ ‬الإمام‭ ‬الباقر‭ -‬عليه‭ ‬السلام‭- “‬لو‭ ‬أن‭ ‬الإمام‭ ‬رفع‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬ساعة‭ ‬لساخت‭ ‬بأهلها‭ ‬وماجت‭ ‬كما‭ ‬يموج‭ ‬البحر‭ ‬بأهله‭”‬،‭ ‬وعنه‭ -‬عليه‭ ‬السلام‭- ‬ورد‭ ‬أيضا‭: “‬لو‭ ‬بقيت‭ ‬الأرض‭ ‬يوما‭ ‬واحدا‭ ‬بلا‭ ‬إمام‭ ‬لساخت‭ ‬الأرض‭ ‬بأهلها،‭ ‬ولعذَّبهم‭ ‬الله‭ ‬بأشد‭ ‬عذابه،‭ ‬وذلك‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬جعلنا‭ ‬حجة‭ ‬في‭ ‬أرضه،‭ ‬وأمانا‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬لأهل‭ ‬الأرض،‭ ‬لن‭ ‬يزالوا‭ ‬بأمان‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تسيخ‭ ‬بهم‭ ‬الأرض‭ ‬ما‭ ‬دمنا‭ ‬بين‭ ‬أظهرهم؛‭ ‬فإذا‭ ‬أراد‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يهلكهم‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬يمهلهم‭ ‬ولا‭ ‬ينظرهم،‭ ‬ذهب‭ ‬بنا‭ ‬من‭ ‬بينهم،‭ ‬ثم‭ ‬يفعل‭ ‬الله‭ ‬بهم‭ ‬ما‭ ‬يشاء‭”.‬

وَمِنْ‭ ‬هَذا‭ ‬المنظور،‭ ‬يكون‭ ‬الحسين‭ ‬بن‭ ‬علي‭ -‬عليهما‭ ‬السلام‭- ‬الإمام‭ ‬الممثِّل‭ ‬لله‭ ‬على‭ ‬الأرض؛‭ ‬لأنه‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬زمان‭ ‬إمامته،‭ ‬وهو‭ ‬المظهر‭ ‬الحقيقي‭ ‬لأسماء‭ ‬لله‭ ‬وصفاته؛‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإنه‭ ‬يحتل‭ ‬مكانة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬سُلَّم‭ ‬الوجود‭ ‬الكوني،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬شخصه‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬رمزيتها‭ ‬الهائلة؛‭ ‬لأن‭ ‬أفعالها‭ ‬مظهر‭ ‬لمشيئة‭ ‬لله،‭ ‬وتقع‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬درجات‭ ‬الكمال‭ ‬الأخلاقي‭.‬

ثَانِيا‭:‬‭ ‬الأحداث‭ ‬التاريخية‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬رمزية‭ -‬كما‭ ‬أشرنا‭- ‬ورمزيتها‭ ‬تُعْطِي‭ ‬الحدث‭ ‬التاريخي‭ ‬بقاءً‭ ‬وحيوية،‭ ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬تناقض‭ ‬بين‭ ‬رمزية‭ ‬الحدث‭ ‬وواقعيته‭. ‬وهذه‭ ‬الدلالة‭ ‬الرمزية‭ ‬تفتح‭ ‬آفاق‭ ‬التأويل؛‭ ‬لأن‭ ‬التأويل‭ ‬هو‭ ‬الجهد‭ ‬المبذول‭ ‬لتفكيك‭ ‬رمزية‭ ‬الحدث‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الرمزية‭ ‬هي‭ ‬أفضل‭ ‬وسيلة‭ ‬لتمثل‭ ‬تجربة‭ ‬تاريخية،‭ ‬وتوحي‭ ‬بإمكانات‭ ‬مختلفة‭ ‬لعرض‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬في‭ ‬مسرودة‭ ‬تاريخية‭ ‬لها‭ ‬حبكتها‭ ‬تماما،‭ ‬فكما‭ ‬للسرد‭ ‬الروائي‭ ‬حبكته‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬سير‭ ‬الأحداث‭ ‬والشخصيات‭ ‬داخل‭ ‬الرواية‭. ‬إنما‭ ‬يمتاز‭ ‬الحدث‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬التاريخي‭ ‬السردي‭ ‬عن‭ ‬الروائي‭ ‬بأنه‭ ‬واقعي،‭ ‬وفي‭ ‬الآخر‭ ‬خيالي‭ ‬من‭ ‬إبداع‭ ‬الراوي‭. (‬3‭:‬ص26،‭ ‬46،60‭-‬60‭-‬64‭)‬؛‭ ‬فالتاريخ‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬قصص‭ ‬تُحْكَى،‭ ‬لكن‭ ‬الأحداث‭ ‬فيها‭ ‬واقعية‭ ‬وليست‭ ‬من‭ ‬صُنع‭ ‬الخيال‭. ‬والسردية‭ ‬التاريخية‭ ‬للحدث‭ ‬الحسيني‭ ‬تتميَّز‭ ‬بحبكتها‭ ‬المتفردة؛‭ ‬حيث‭ ‬تطورت‭ ‬الأحداث‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬الواقعية‭ ‬من‭ ‬بدايتها‭ ‬إلى‭ ‬نهايتها،‭ ‬مرورا‭ ‬بمفاصل‭ ‬تشكل‭ ‬عقدا‭ ‬فيها‭ ‬بصورة‭ ‬تفتح‭ ‬فضاء‭ ‬لا‭ ‬متناهيا‭ ‬من‭ ‬تمثل‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬في‭ ‬انساق‭ ‬لسانية‭ ‬وبصرية‭ ‬وفنية؛‭ ‬لما‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬طغيان‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬الرمزية،‭ ‬لن‭ ‬نبالغ‭ ‬إذا‭ ‬شبهناه‭ ‬بـ‭”‬تسونامي‭” ‬ضخم‭ ‬يكتسح‭ ‬التاريخ،‭ ‬ويمده‭ ‬بمفاعيل‭ ‬التغيير‭ ‬لصالح‭ ‬الخلاص‭ ‬الإنساني‭. ‬دعونا‭ ‬إذن‭ ‬نتفهَّم‭ ‬الحدث‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬التحدي‭ ‬والاستجابة،‭ ‬وهي‭ ‬مفتاح‭ ‬الفهم‭ ‬التاريخي‭ ‬لدى‭ ‬المؤرخ‭ ‬الإنجليزي‭ ‬آرنولد‭ ‬توينبي،‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬أسس‭ ‬لرؤية‭ ‬عالمية‭ ‬لأسباب‭ ‬نشوء‭ ‬الحضارات،‭ ‬وازدهارها،‭ ‬ومن‭ ‬ثمَّ‭ ‬تدهورها‭ ‬وسقوطها‭.‬

شَكَّل‭ ‬يزيد‭ ‬تحديا‭ ‬خطيرا‭ ‬للأمة‭ ‬والإسلام،‭ ‬وتكمن‭ ‬خطورته‭ ‬في‭ ‬استغلال‭ ‬السلطة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إفراغ‭ ‬الأمة‭ ‬من‭ ‬مضمونها‭ ‬الديني،‭ ‬وإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الوعي‭ ‬الديني‭ ‬والثقافي‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أخلاق‭ ‬الطاعة‭ ‬والعبودية؛‭ ‬فيُصبح‭ ‬الناس‭ ‬عبيدا‭ ‬للحاكم‭ ‬المستبد،‭ ‬وليسوا‭ ‬عبيدا‭ ‬لله‭. ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأمة‭ ‬مُهدَّدة‭ ‬بالموت‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعطيل‭ ‬وتغييب‭ ‬الفاعلية‭ ‬الدينية‭ ‬كما‭ ‬أسس‭ ‬لها‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ -‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وآله‭- ‬فهو‭ ‬في‭ ‬الخطورة‭ ‬يماثل‭ ‬السرطان‭ ‬الذي‭ ‬يقضي‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬ويتركه‭ ‬فريسة‭ ‬سهلة‭ ‬للموت‭. ‬إذن؛‭ ‬نحو‭ ‬إزاء‭ ‬تحدٍّ‭ ‬يهدد‭ ‬الأمة‭ ‬في‭ ‬وجودها‭ -‬الثقافي‭ ‬والحضاري‭- ‬ويعرِّضها‭ ‬للموت‭ ‬من‭ ‬الداخل‭. ‬كان‭ ‬واجبا‭ ‬على‭ ‬الأمة‭ ‬أن‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬هذا‭ ‬التحدي،‭ ‬وأن‭ ‬يولِّد‭ ‬هذا‭ ‬التحدي‭ ‬الكبير‭ ‬فيها‭ ‬روح‭ ‬الاستجابة‭ ‬السريعة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬المنجز‭ ‬الحضاري‭ ‬والثقافي‭ ‬للأمة‭. ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تستجب،‭ ‬واتخذت‭ ‬موقف‭ ‬الصمت‭ ‬والتسليم‭.. ‬ومن‭ ‬موقف‭ ‬الصمت‭ ‬والخذلان،‭ ‬أخذت‭ ‬سُنن‭ ‬الله‭ ‬الحاكمة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬مجراها،‭ ‬وأورثت‭ ‬الأمة‭ ‬حُرُوبا‭ ‬وانقسامات‭ ‬وضياعا‭ ‬وتشتتا‭. ‬ولنا‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬نحيل‭ ‬السر‭ ‬في‭ ‬أزماتنا‭ ‬الراهنة‭ ‬إلى‭ ‬صمت‭ ‬الأمة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬واستسلامها‭ ‬لخنجر‭ ‬يزيد‭ ‬انغراسًا؛‭ ‬حيث‭ ‬رسخ‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬الحاكم‭ ‬هو‭ ‬قدر‭ ‬الله‭ ‬لهذه‭ ‬الأمة،‭ ‬وأن‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تقبل‭ ‬بما‭ ‬أراده‭ ‬الله‭ ‬لها‭. ‬كان‭ ‬لابد‭ ‬للإمام‭ ‬الحسين‭ -‬الذي‭ ‬يعرف‭ ‬مكمن‭ ‬الخطورة‭ ‬في‭ ‬تولي‭ ‬أمر‭ ‬الأمة‭ ‬راع‭ ‬مثل‭ ‬يزيد‭- ‬أن‭ ‬يستجيب،‭ ‬وإن‭ ‬لاذت‭ ‬الأمة‭ ‬إلى‭ ‬الصمت؛‭ ‬لأن‭ ‬الصمت‭ ‬يعني‭ ‬موت‭ ‬الأمة‭ ‬والقضاء‭ ‬على‭ ‬الرسالة‭. ‬ولكن‭ ‬الاستجابة‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بطريقة‭ ‬خاصة؛‭ ‬بحيث‭ ‬تبقي‭ ‬رسالة‭ ‬الإسلام‭ ‬حية‭ ‬في‭ ‬ضمير‭ ‬الأمة،‭ ‬وإن‭ ‬تسلط‭ ‬عليها‭ ‬الطغاة‭. ‬وتطور‭ ‬الأحداث‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المأساة‭ ‬يشي‭ ‬بفرادة‭ ‬الاستجابة‭ ‬الحسينية،‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الحدث‭ ‬برمته‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬رسالة‭ ‬جده‭ -‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وآله‭- ‬حية‭ ‬في‭ ‬الضمير‭ ‬والوعي‭ ‬الجمعي‭ ‬للأمة‭. ‬لذلك؛‭ ‬كان‭ ‬الحدث‭ ‬يسكن‭ ‬القلوب‭ ‬وليس‭ ‬التاريخ،‭ ‬فكانت‭ ‬مصدرا‭ ‬للأمة،‭ ‬يمدها‭ ‬بالحياة‭ ‬والعزة‭ ‬كلما‭ ‬غالبها‭ ‬غالب‭ ‬أو‭ ‬قهرها‭ ‬قاهر‭. ‬وعند‭ ‬استعراض‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحدث‭ ‬الحسيني‭ ‬والتأمل‭ ‬فيه،‭ ‬سندرك‭ ‬الفرادة‭ ‬على‭ ‬كافة‭ ‬المستويات‭ ‬كاشفة‭ ‬عن‭ ‬أفق‭ ‬ممتد‭ ‬لا‭ ‬نهائي‭ ‬من‭ ‬الدلالات؛‭ ‬فهناك‭ ‬فرادة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬شخصيات‭ ‬الحدث،‭ ‬وفرادة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬التراجيدي،‭ ‬وفرادة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الاخلاقي‭.. ‬فرادة‭ ‬تُلهم‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬كربلاء‭ ‬ليرتشف‭ ‬من‭ ‬نبعها‭ ‬الصافي‭ ‬ما‭ ‬يضفي‭ ‬لحياته‭ ‬معنى‭ ‬يقف‭ ‬وراء‭ ‬أسوار‭ ‬المادة‭ ‬وقيود‭ ‬الظالمين،‭ ‬إنها‭ ‬تحيلنا‭ ‬إلى‭ ‬معانٍ‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭.‬

الحَدثُ‭ ‬الحسينيُّ‭ ‬خالدٌ‭ ‬في‭ ‬الشعور‭ ‬الإنساني،‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬إنسان‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬ينشد‭ ‬الحق‭ ‬والعدل،‭ ‬وهو‭ ‬خالد‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬الشعور‭ ‬الديني؛‭ ‬قال‭ ‬رسول‭ ‬لله‭ -‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وآله‭- “‬إن‭ ‬لقتل‭ ‬الحسين‭ ‬حرارة‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬المؤمنين‭ ‬لا‭ ‬تبرد‭ ‬أبدا‭”. ‬وما‭ ‬دام‭ ‬الحدث‭ ‬الحسيني‭ ‬بهذه‭ ‬الأهمية‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الإنساني‭ ‬الحقوقي،‭ ‬فهل‭ ‬ستكون‭ ‬لهذا‭ ‬الحدث‭ ‬إمكانات‭ ‬الانتصار‭ ‬والتحقق؟‭ ‬هل‭ ‬لمفاعيله‭ ‬الروحية‭ ‬أن‭ ‬تقود‭ ‬سفينة‭ ‬البشرية‭ ‬وترسيها‭ ‬على‭ ‬الشاطئ‭ ‬الذي‭ ‬فيه‭ ‬خلاص‭ ‬البشرية‭ ‬من‭ ‬الظلم‭ ‬والظالمين؟‭ ‬هل‭ ‬من‭ ‬حتمية‭ ‬تاريخية‭ ‬لانتصار‭ ‬الحق‭ ‬وزوال‭ ‬الظلم‭ ‬من‭ ‬وجه‭ ‬الأرض؟

الحَدث‭ ‬الحسينيُّ‭ ‬وحتميَّة‭ ‬التجلِّي‭ ‬والانتصار

انقسمَ‭ ‬الفلاسفة‭ ‬حول‭ ‬الحتمية‭ ‬التاريخية؛‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬للتاريخ‭ ‬الإنساني‭ ‬مسارٌ‭ ‬يؤدِّي‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬معينة‭. ‬وفي‭ ‬مقابل‭ ‬الحتمية‭ ‬التاريخية،‭ ‬توجد‭ ‬حتمية‭ ‬التغير‭ ‬وعدم‭ ‬الثبات‭ ‬والتدفق‭ ‬المستمر؛‭ ‬بحيث‭ ‬يستحيل‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬شيئا‭ ‬محددا‭ ‬عن‭ ‬المصير‭ ‬النهائي‭ ‬للتاريخ‭. ‬حتمية‭ ‬التغيُّر‭ ‬هي‭ ‬رؤية‭ ‬كونية‭ ‬لشأن‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬هيرقليطس؛‭ ‬حيث‭ ‬يغدو‭ ‬المصير‭ ‬الإنساني‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للتحديد‭. ‬لا‭ ‬شك‭ ‬إذن‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬تصيب‭ ‬الإنسانية‭ ‬بقلق‭ ‬بالغ‭ ‬حول‭ ‬مستقبلها؛‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أفلاطون‭ ‬الذي‭ ‬آمن‭ ‬بعالم‭ ‬المثل‭ ‬الثابت،‭ ‬أن‭ ‬يضع‭ ‬مصيرا‭ ‬مشابها‭ ‬للإنسانية‭ ‬في‭ ‬عالمها‭ ‬المادي؛‭ ‬تتخلص‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬الفساد‭ ‬والانحلال‭ ‬الذي‭ ‬طال‭ ‬كافة‭ ‬شئون‭ ‬الحياة؛‭ ‬وذلك‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬التعقل‭ ‬الكامل‭ ‬لعلل‭ ‬الفساد،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬برنامج‭ ‬عقلي‭ ‬يُزِيل‭ ‬آثار‭ ‬الفساد،‭ ‬ويحقق‭ ‬للإنسانية‭ ‬حُلمها‭ ‬في‭ ‬العدالة‭ ‬والسعادة؛‭ ‬فكانت‭ ‬مدينته‭ ‬المثالية‭. ‬ينظر‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الإلماني‭ ‬الكبير‭ ‬هيجل‭ -‬الذي‭ ‬تعد‭ ‬فلسفته‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيرا‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭- ‬إلى‭ ‬مسيرة‭ ‬التاريخ‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬مسيرة‭ ‬تطوُّر‭ ‬العقل‭. ‬وأنَّ‭ ‬التاريخ‭ ‬الإنساني‭ ‬هو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬جدلية‭ ‬ديالكتيكية‭ ‬بين‭ ‬المادة‭ ‬والعقل،‭ ‬وسينتصر‭ ‬العقل‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬ويحكم‭ ‬سيطرته‭ ‬على‭ ‬العالم‭. ‬اعتقد‭ ‬ماركس‭ ‬بمسار‭ ‬حتمي‭ ‬للتاريخ‭ ‬ينتهي‭ ‬بزوال‭ ‬الطبقة‭ ‬الرأسمالية،‭ ‬وتحقق‭ ‬الشيوعية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬كهدف‭ ‬نهائي‭ ‬لحركة‭ ‬التاريخ‭.‬

يَرْفُض‭ ‬كارل‭ ‬بوبر‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ “‬المجتمع‭ ‬المفتوح‭ ‬وأعداؤه‭” ‬ما‭ ‬يصطلح‭ ‬عليه‭ ‬بالمداخلة‭ ‬اليوتوبية،‭ ‬أو‭ ‬الهندسة‭ ‬اليوتيوبية‭.. ‬ومقصوده‭ ‬من‭ ‬المداخلة‭ ‬اليوتيوبية‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬النشاط‭ ‬السياسي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬هدف‭ ‬سياسي‭ ‬نهائي‭ ‬يتم‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬تحديد‭ ‬برنامج‭ ‬عملي‭ ‬للوصول‭ ‬إليه‭. ‬قد‭ ‬تبدو‭ -‬كما‭ ‬يقول‭ ‬بوبر‭- ‬هذه‭ ‬المداخلة‭ ‬جذَّابة‭ ‬ومُقنعة،‭ ‬خصوصا‭ ‬لهؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬تجذبهم‭ ‬الأفكار‭ ‬المسبقة،‭ ‬والتي‭ ‬تختزل‭ ‬تجارب‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬نهائي‭. ‬يرى‭ ‬بوبر‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬المغلق‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬بداية‭ ‬ونهاية‭ ‬للتاريخ،‭ ‬وينظر‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التحديد‭ ‬النهائي‭ ‬للتاريخ‭ ‬وفق‭ ‬برنامج‭ ‬سياسي‭ ‬عملي‭ ‬يتم‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬توجيه‭ ‬المسار‭ ‬السياسي‭ ‬نحو‭ ‬هدف‭ ‬نهائي‭ ‬وكبير؛‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬دولة‭ ‬مثالية،‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬محاولة‭ ‬يوتيوبية،‭ ‬وستؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ديكتاتورية‭ (‬4‭:‬ص259‭-‬263‭). ‬ويضع‭ ‬بوبر‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬بمثابة‭ ‬ركائز‭ ‬في‭ ‬نقد‭ ‬الحتمية‭ ‬التاريخية؛‭ ‬فهو‭ ‬يقرر‭ ‬أن‭ ‬مسيرة‭ ‬التاريخ‭ ‬تتأثر‭ ‬بنمو‭ ‬المعرفة‭ ‬البشرية‭. ‬وبما‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬التنبؤ‭ ‬بالطريقة‭ ‬التي‭ ‬تنمو‭ ‬بها‭ ‬أفكارنا،‭ ‬فإنه‭ ‬كذلك‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬التنبؤ‭ ‬بمستقبل‭ ‬المسيرة‭ ‬التاريخية؛‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬نظرية‭ ‬علمية‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬التاريخ‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬التنبؤ‭ (‬5‭:‬ص190‭).‬

إنَّ‭ ‬رَفْض‭ ‬كارل‭ ‬بوبر‭ ‬لرؤية‭ ‬كونية‭ ‬لمسار‭ ‬التاريخ‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬قدرتنا‭ ‬على‭ ‬الإحاطة‭ ‬التامة‭ ‬بمستقل‭ ‬تطور‭ ‬الفكر‭ ‬البشري‭ -‬الذي‭ ‬هو‭ ‬عامل‭ ‬مؤثر‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬التاريخ‭- ‬لهو‭ ‬كلامٌ‭ ‬دقيقٌ‭ ‬يَصْدُر‭ ‬عن‭ ‬فيلسوف‭ ‬ذي‭ ‬منهجية‭ ‬نقدية‭ ‬عالية‭ ‬ويتمتع‭ ‬باستقلالية‭ ‬غير‭ ‬متأثرة‭ ‬بالأفكار‭ ‬السائدة‭ ‬وهو‭ ‬جدير‭ ‬بالاحترام‭. ‬ولكن‭ ‬دعونا‭ ‬نضيف‭ ‬عنصرا‭ ‬مهما‭ ‬ومؤثرا‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬التاريخ،‭ ‬يدعم‭ ‬مناقشة‭ ‬بوبر‭ ‬الرافضة‭ ‬للحتميات‭ ‬التاريخية؛‭ ‬وهو‭: ‬العنصر‭ ‬الأخلاقي‭. ‬الأخلاق‭ ‬هي‭ ‬الجانب‭ ‬المعنوي‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان،‭ ‬وكل‭ ‬عمل‭ ‬تاريخي‭ -‬كما‭ ‬أسلفنا‭- ‬له‭ ‬بُعده‭ ‬الأخلاقي‭. ‬فلو‭ ‬افترضنا‭ ‬أننا‭ ‬استطعنا‭ ‬أن‭ ‬نحيط‭ ‬علما‭ ‬بتطور‭ ‬المعرفة‭ ‬البشرية،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬للتنبؤ‭ ‬بمستقبل‭ ‬المسيرة‭ ‬التاريخية؛‭ ‬لأننا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نتنبأ‭ ‬كذلك‭ ‬بالموقف‭ ‬العملي‭ ‬والفلسفي‭ ‬الأخلاقي‭ ‬العام‭ ‬لمن‭ ‬يباشر‭ ‬الفعل‭ ‬السياسي؛‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬التفسير‭ ‬العلمي‭ ‬للتاريخ‭ ‬مُعقَّدا‭ ‬جدًّا؛‭ ‬فمثلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬سادت‭ ‬العقلانية‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأوروبية،‭ ‬ظهرت‭ ‬النازية‭ ‬ذات‭ ‬التوجه‭ ‬العنصري،‭ ‬وأشعلت‭ ‬فتيل‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬وقضت‭ ‬على‭ ‬منجزات‭ ‬التنوير،‭ ‬وقضت‭ ‬على‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭ ‬الفلسفية‭ ‬المستقلة‭ ‬عن‭ ‬الدين‭ ‬مصدرا‭ ‬لسعادة‭ ‬البشرية‭.‬

وَالحَقِيْقة‭: ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الموقف‭ ‬العقدي‭ ‬المعتزلي‭ ‬صحيحًا‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬استقلال‭ ‬العبد‭ ‬في‭ ‬أفعاله‭ ‬عن‭ ‬الله؛‭ ‬حيث‭ ‬تعتقد‭ ‬المعتزلة‭ -‬أو‭ ‬قسم‭ ‬منهم‭- ‬أن‭ ‬أفعال‭ ‬العباد‭ ‬قد‭ ‬فوَّضها‭ ‬الله‭ ‬إليهم،‭ ‬لكانت‭ ‬رؤية‭ ‬كارل‭ ‬بوبر‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬الصحة‭. ‬لكنَّ‭ ‬النصوص‭ ‬الصريحة‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬والروايات‭ ‬الصَّادرة‭ ‬عن‭ ‬أهل‭ ‬البيت‭ -‬عليهم‭ ‬السلام‭- ‬لا‭ ‬تدع‭ ‬لنا‭ ‬مجالا‭ ‬للحياد‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬حتمية‭ ‬معينة‭ ‬للتاريخ‭ ‬الإنساني‭.‬

يَنْبَغِي‭ ‬أن‭ ‬نُدرك‭ ‬أن‭ ‬مسيرة‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬تحيطها‭ ‬العناية‭ ‬الإلهية؛‭ ‬فلم‭ ‬يخلق‭ ‬الإنسان‭ ‬ليضيع‭ ‬في‭ ‬متاهات‭ ‬الحياة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعي‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬خُلق،‭ ‬وإلا‭ ‬لأصبح‭ ‬الخلق‭ ‬عبثا‭ ‬وبدون‭ ‬حكمة‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬ندرك‭ ‬خطأ‭ ‬المعتزلة‭ ‬في‭ ‬مُعتقدهم‭ ‬المتمثل‭ ‬باستقلال‭ ‬الخلق‭ ‬عن‭ ‬الخالق؛‭ ‬لأن‭ ‬الله‭ ‬لطيف‭ ‬بعباده،‭ ‬ومن‭ ‬مقتضى‭ ‬هذا‭ ‬اللطف‭ ‬يحيطهم‭ ‬بعنايته،‭ ‬ويوجِّههم‭ ‬باتجاه‭ ‬الهدف‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬قامت‭ ‬السموات‭ ‬والأرض،‭ ‬وإلا‭ ‬للزم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬نقض‭ ‬الغرض‭. ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬استعنا‭ ‬بالفلسفة‭ ‬لوصف‭ ‬الغاية‭ ‬النهائية‭ ‬لحركة‭ ‬التاريخ،‭ ‬فإنه‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأنَّ‭ ‬التاريخ‭ ‬يملك‭ ‬استعدادا‭ ‬إمكانيًّا‭ ‬للتفتح‭ ‬عن‭ ‬ثمرة‭ ‬نهائية‭ ‬تقطفها‭ ‬الإنسانية‭ ‬بعد‭ ‬مسيرة‭ ‬العذابات‭ ‬والظلمات‭ ‬في‭ ‬مزالق‭ ‬التاريخ‭ ‬الوعرة،‭ ‬والتي‭ ‬قذفت‭ ‬بالإنسانية‭ ‬في‭ ‬متاهات‭ ‬التشتت‭ ‬والضياع،‭ ‬تماما‭ ‬كما‭ ‬تملك‭ ‬البذرة‭ ‬إمكانا‭ ‬استعداديا‭ ‬لتصبح‭ ‬ثمرة‭ ‬بعد‭ ‬مسار‭ ‬طبيعي‭ ‬خاص،‭ ‬ووفق‭ ‬شروط‭ ‬موضوعية‭ ‬خاصة‭. ‬ومن‭ ‬مظاهر‭ ‬العناية‭ ‬الإلهية‭ ‬بهذا‭ ‬العالم‭: ‬

أولا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الكون‭ ‬خُلِق‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الأحسن‭ “‬الذي‭ ‬أحسن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬خلقه‭”‬،‭ ‬وإلا‭ ‬لتنافى‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬كمال‭ ‬لله،‭ ‬وعِلم‭ ‬لله،‭ ‬وحِكمة‭ ‬لله‭. ‬

ثانيا‭: ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬استقلالية‭ ‬تامة‭ ‬للقوانين‭ ‬الطبيعية‭ ‬والتاريخية؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الأثر‭ ‬والمؤثر،‭ ‬أو‭ ‬السبب‭ ‬والمسبِّب،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬ضرورية،‭ ‬هي‭ ‬علاقة‭ ‬جعلية‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬وليست‭ ‬ناشئة‭ ‬من‭ ‬نفسها‭ ‬واقتضاء‭ ‬ذاتها‭ (‬6‭:‬ص25‭-‬29‭). ‬النظام‭ ‬العلي‭ ‬في‭ ‬الكون‭ ‬هو‭ ‬نظام‭ ‬جعلي؛‭ ‬فترتب‭ ‬السبب‭ ‬على‭ ‬المسبب‭ ‬ليس‭ ‬ترتيبا‭ ‬ذاتيا،‭ ‬وإنما‭ ‬بجعل‭ ‬من‭ ‬الله‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعلنا‭ ‬لا‭ ‬نحيد‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬حتمية‭ ‬معينة‭ ‬لحركة‭ ‬التاريخ،‭ ‬يتجلى‭ ‬فيها‭ ‬الحق،‭ ‬وينبلج‭ ‬كالصباح‭ ‬عندما‭ ‬يشرق‭ ‬بنور‭ ‬الشمس‭.‬

وَبتتبُّع‭ ‬النصوص‭ ‬القرآنية،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬حتمية‭ ‬ينتصر‭ ‬فيها‭ ‬الحق‭ ‬على‭ ‬الباطل؛‭ ‬نطلق‭ ‬عليها‭ ‬حتمية‭ ‬الانتصار‭.. ‬ففي‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الآيات‭ ‬التي‭ ‬تعطي‭ ‬وعدا‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬للمؤمنين‭ ‬بالانتصار‭ ‬النهائي‭ ‬والاستخلاف‭. ‬والوعد‭ ‬الإلهي‭ ‬قضاء‭ ‬مبرم‭ ‬وليس‭ ‬فيه‭ ‬تغيير،‭ ‬يقول‭ ‬الله‭ -‬عزَّ‭ ‬وجل‭- ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬العزيز‭ ‬واصفا‭ ‬وعده‭ ‬بالتحقق‭: “‬وَعْدًا‭ ‬عَلَيْنَا‭ ‬إنَّا‭ ‬كُنَّا‭ ‬فَاعِلِيْن‭” (‬الأنبياء‭:‬103‭)‬،‭ ‬وقوله‭ -‬عزَّ‭ ‬من‭ ‬قائل‭- “‬إنَّه‭ ‬كَانَ‭ ‬وَعْدَه‭ ‬مَأتِيًّا‭” (‬مريم‭:‬60‭).. ‬لنستعرض‭ ‬بعضا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الآيات‭ ‬التي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬حتمية‭ ‬الانتصار،‭ ‬يقول‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭: “‬لقد‭ ‬سبقت‭ ‬كلمتنا‭ ‬لعبادنا‭ ‬المرسلين‭ ‬إنهم‭ ‬لهم‭ ‬المنصورون‭” (‬الصافات‭:‬170‭-‬172‭)‬،‭ ‬ويقول‭ ‬أيضا‭: “‬وعد‭ ‬الله‭ ‬الذين‭ ‬آمنوا‭ ‬منكم‭ ‬وعملوا‭ ‬الصالحات‭ ‬ليستخلفنهم‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬كما‭ ‬استخلف‭ ‬الذين‭ ‬من‭ ‬قبلهم‭ ‬وليبدلنهم‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬خوفهم‭ ‬أمنا‭ ‬يعبدونني‭ ‬لا‭ ‬يشركون‭ ‬بي‭ ‬شيئا‭ ‬ومن‭ ‬كفر‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬فأولئك‭ ‬هم‭ ‬الفاسقون‭” (‬النور‭:‬54‭).‬

وَهُنَاك‭ ‬غَاية‭ ‬أخرى‭ ‬لحركة‭ ‬التاريخ‭ ‬يستعرضها‭ ‬القرآن‭ ‬في‭ ‬جُملة‭ ‬من‭ ‬آياته؛‭ ‬نُطلق‭ ‬عليها‭ ‬حتمية‭ ‬التجلي؛‭ ‬حيث‭ ‬تتجلى‭ ‬صفات‭ ‬الله‭ ‬لمخلوقاته‭ ‬فيدركون‭ ‬عظمته،‭ ‬وكمال‭ ‬قدرته‭ ‬وعلمه‭. ‬يقول‭ ‬الله‭ ‬عز‭ ‬وجل‭: “‬الله‭ ‬الذي‭ ‬خلق‭ ‬سبع‭ ‬سموات‭ ‬ومن‭ ‬الأرض‭ ‬مثلهن‭ ‬يتنزل‭ ‬الأمر‭ ‬بينهن‭ ‬لتعلموا‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬قدير‭ ‬وأن‭ ‬الله‭ ‬قد‭ ‬أحاط‭ ‬بكل‭ ‬شيء‭ ‬علما‭” (‬الطلاق‭: ‬11‭)‬،‭ ‬ويقول‭ ‬أيضا‭: “‬سنريهم‭ ‬آيتنا‭ ‬في‭ ‬الآفاق‭ ‬وفي‭ ‬أنفسهم‭ ‬حتى‭ ‬يتبين‭ ‬لهم‭ ‬أنه‭ ‬الحق‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬يكف‭ ‬بربك‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬شهيد‭” (‬فصلت‭:‬52‭).‬

وَلَا‭ ‬شكَّ‭ ‬أنَّ‭ ‬الحدثَ‭ ‬الحسينيَّ‭ ‬بما‭ ‬يمتلكه‭ ‬من‭ ‬مفاعيل‭ ‬روحية‭ ‬هائلة،‭ ‬ويختزن‭ ‬إمكانات‭ ‬التحقق‭ ‬عبر‭ ‬توجيه‭ ‬بوصلة‭ ‬الحركة‭ ‬التاريخية‭ ‬نحو‭ ‬حتمية‭ ‬الانتصار‭ ‬والتجلي‭. ‬وكما‭ ‬أشرنا،‭ ‬فإنَّ‭ ‬مسيرة‭ ‬التاريخ‭ ‬ترعاها‭ ‬العناية‭ ‬الإلهية،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نلتزم‭ ‬برؤية‭ ‬تفسيرية‭ ‬للتاريخ‭ ‬تستبعد‭ ‬الدور‭ ‬الإلهي‭ ‬في‭ ‬الانتصار‭ ‬للحق‭ ‬وتجلي‭ ‬صفات‭ ‬لله‭ ‬لخلقه؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬الهدفَ‭ ‬الحقيقيَّ‭ ‬من‭ ‬الخلق‭ ‬أن‭ ‬يتعرف‭ ‬الخلق‭ ‬عليه‭. ‬الحتمية‭ ‬التاريخية‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬تتضمن‭ ‬العنصر‭ ‬الرباني‭ ‬ستؤدي‭ ‬إلى‭ ‬شمولية‭ ‬تحطم‭ ‬الإنسان،‭ ‬كما‭ ‬برهنت‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬تجربة‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬أضفنا‭ ‬البُعد‭ ‬الرباني،‭ ‬فإنَّ‭ ‬ذلك‭ ‬يمنح‭ ‬الإنسان‭ ‬الثقة‭ ‬والأمل‭ ‬بانتصار‭ ‬الحق‭ ‬وتجليه‭.‬

—————————————————-

المراجع‭:‬

1-المجتمع‭ ‬و‭ ‬التاريخ‭ ‬،‭ ‬المفكر‭ ‬الاسلامي‭ ‬الكبير‭ ‬الشهيد‭ ‬مرتضى‭ ‬المطهري،‭ ‬دار‭ ‬المرتضى‭ ‬بيروت،‭ ‬1988‭.‬

2-‭ ‬علامات‭ ‬فارقة‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬و‭ ‬اللغة‭ ‬و‭ ‬الادب،‭ ‬أحمد‭ ‬يوسف،‭ ‬منشورات‭ ‬ضفاف،‭ ‬الطبعة‭ ‬الاولى2013‭ .‬

3-‭ ‬السرد‭ ‬التاريخي‭ ‬عند‭ ‬بول‭ ‬ريكور،‭ ‬جنات‭ ‬بلخن،‭ ‬منشورات‭ ‬ضفاف‭ ‬،‭ ‬الطبعة‭ ‬الاولى‭ ‬2014‭.‬

4-‭ ‬المجتمع‭ ‬المفتوح‭ ‬و‭ ‬اعداؤه‭ ‬،‭ ‬كارل‭ ‬بوبر‭ ‬،‭ ‬ترجمة‭ ‬السيد‭ ‬نفادي،‭ ‬التنوير‭ ‬للطباعة‭ ‬و‭ ‬النشر‭ ‬،‭ ‬الطبعة‭ ‬الاولى‭ ‬2014‭. ‬

5-‭ ‬الفلسفة‭ ‬السياسية‭ ‬،‭ ‬د‭ ‬علي‭ ‬عبود‭ ‬المحمداوي‭ ‬،‭ ‬منشورات‭ ‬ضفاف‭ ‬،‭ ‬الطبعة‭ ‬الاولى‭ ‬2015‭.‬

6-‭ ‬الولاية‭ ‬التكوينية‭ ‬حقيقتها‭ ‬و‭ ‬مظاهرها‭ ‬،‭ ‬السيد‭ ‬كمال‭ ‬الحيدري‭ ‬،‭ ‬بقلم‭ ‬الشيخ‭ ‬علي‭ ‬حمود‭ ‬العبادي‭ ‬،‭ ‬دار‭ ‬القارىء‭ ‬،‭ ‬الطبعة‭ ‬الاولى‭ ‬2010‭. ‬

1,163 total views, 8 views today