د. رضا بن عيسى اللواتي

لقد أمر الله -سبحانه وتعالى- الإنسانَ بأن يتفكر في هذا الكون وفي خلقته، وأن يُطلق العنان لعقله بالتأمل والبحث والاستقصاء؛ حتى يصل إلى كُنه عظمة الله -سبحانه وتعالى- وقدرته على خلق هذا الكون اللا مُتناهي؛ فقال سبحانه وتعالى: “وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون” (الذاريات: 20،21). وقد حثَّ القرآن الكريم الإنسانَ على أن يبحث في نفسه، ويتفكَّر في خلقته التي تتجلَّى فيها قدرة الخالق وعظمته؛ فقال الله سبحانه وتعالى: “فلينظر الإنسان ممَّ خلق خُلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر” (الطارق: 5-8). وقد عمل المسلمون الأوائل بهذه الأوامر القرآنية المباركة؛ فجدُّوا واجتهدوا في البحث والتفكر وطلب العلم، وعملوا بوصايا النبي الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم- حيث رُوي عنه أنه قال: “اطلبوا العلم ولو في الصين”.

واستمرَّت في هذه البيئة مسيرة العلم في التطور والنمو منذ ذلك الوقت؛ فكانت مذكرات العلماء الأوائل وملاحظاتهم وما خطُّوه بأقلامهم هي البداية، ثم جاءت الأبحاث العلمية لتُكمل مسيرة تطور العلم، وقد تبنَّى عدد من العلماء بعض النظريات العلمية الدقيقة، التي ساهمتْ في تطور الأرض والإنسان؛ حيث إننا نسمع كلَّ يوم عن إنجاز علمي جديد في مجال أو آخر من مجالات العلوم المختلفة، ونقرأ عن تطور جديد شهدته الساحة العلمية.. ولمسنا الكثيرَ من تلك الإنجازات، خاصة في العقود القليلة الماضية. ومما لا شك فيه أنَّ التطور في المجالين: الهندسي، والطبي، ساهم كثيرًا في زيادة رصيد تلك الإنجازات العلمية؛ فهذان المجالان الواسعان قد أنتجا معاً ما يُسمى بـ”الهندسة الوراثية”، أو “هندسة الجينات”، التي يُتوقع أن تكون لها مساهمة كبيرة على صعيد العلوم النظرية والتطبيقية.

– ما هي الهندسة الوراثية؟

يُعرِّف العلماء الهندسة الوراثية بأنها “العلم الذي يهتم بدراسة التركيب الوراثي الجيني (DNA) للمخلوقات بشتى أنواعها؛ لمعرفة كيفية تناقل الصفات الوراثية من جيل إلى آخر؛ بهدف التدخل في تلك الصفات في مرحلة لاحقة، وتعديلها؛ لإصلاح الخلل الذي قد يطرأ عليها”. ويُعرِّفها اتحاد العلماء المهتمين بالعلوم الوراثية -عبر موقعهم على الإنترنت- بأن “الهندسة الوراثية هي التقنيات التي تُستخدم لتطوير المواد الوراثية (الجينات) الموجودة في الخلايا؛ من خلال نقل تلك الجينات إلى كائنات حية من نفس النوع، أو نقلها إلى كائنات حية أخرى؛ لتطوير وتحسين هذه الكائنات. وتُعتبر تلك الوسائل من التقنيات المعقدة المستخدمة لمعالجة المواد الوراثية والحيوية والكيميائية في الخلايا” (1).

لقد كانتْ البكتيريا هي أول الكائنات التي تم التعديل على موادها الوراثية هندسيًّا، وكان ذلك في العام 1973 للميلاد، ومن خلال ذلك تم إنتاج هُرمون الأنسولين من هذه البكتيريا، وتمَّ لاحقا الاستفادة منه في عملية تسويقية لعلاج مرض السكري. فيما كانت الفئران هي ثاني الكائنات الحية التي يتم تعديل جيناتها هندسيًّا، وكان ذلك في العام 1975 للميلاد. وقد تبع ذلك أبحاثٌ كثيرة في الهندسة الوراثية جرتْ على الحيوانات البرية، خاصة الخنازير.

– ما هي خطوات الهندسة الوراثية؟

من المُهم جدًّا معرفة الخطوات التي تمرُّ بها الهندسة الوراثية قبل الدخول في تطبيقاتها واستخداماتها؛ لأن ذلك سيساعد على الفهم الصحيح لهذه التطبيقات والاستخدامات، ولا أريدُ الدخولَ هنا في التفاصيل العلمية الدقيقة لعملية الهندسة الوراثية، ولكن سأتحدث في هذا المقال عن الخطوات الأساسية والمهمة جدًّا، وبشكل مبسَّط وسهل للغاية؛ وهي أربع خُطوات رئيسية:

* الخطوة الأولى: يتم خلالها عزل الجين المطلوب استنساخه عن طريق تحديد الجين أو العامل الوراثي الذي نرغب بإدخاله إلى الخلايا المستهدفة، ويُمكن معرفة العامل الوراثي المطلوب استنساخه عن طريق معلومات سابقة عن المورثات، ومن ثم يتم استنساخه عن طريق عمل نسخ لـ(DNA) بتفاعلات معينة.

* الخطوة الثانية: يتم خلالها إدخال الجين المستنسخ إلى حامل مناسب مثل الحوامل الفيروسية أو البلازميدية، وهي كائنات صغيرة لا تُرى بالعين المجردة.

* الخطوة الثالثة: إدخال ما نتج من الخطوة الثانية إلى الخلايا التي يُراد تعديلها.

* الخطوة الرابعة: يتم عزل وفصل هذه الخلايا التي تم تعديلها وراثيًّا عن الخلايا الطبيعية، ومن ثم تنشيطها وإجراء عمليات التكاثر عليها.

وبعد الانتهاء من هذه الخطوات، يتم دراسة الخلايا التي تم تعديلها وراثيًّا بنجاح، ومقارنتها بالخلايا الطبيعية، ومعرفة الفروقات بينهما.

– تطبيقات الهندسة الوراثية:

الحديثُ عن تطبيقات الهندسة الوراثية حديثٌ مُتشعب وطويل جدًّا، إلا أنه يُمكن تلخيص مجالات استخدامها في الآتي:

(المجال الزراعي): سابقاً كان من الصعب جدًّا حماية النباتات من الأمراض الفيروسية؛ فكانت المحاصيل الزراعية تموت بسرعة كبيرة، خصوصًا في مواسم انتشار هذه الفيروسات، وكان المزارعون والعلماء المختصون بالهندسة الزراعية وتطوير المحاصيل الزراعية يقتصرون في تحصين تلك النباتات من الفيروسات على التخلص من بقايا المحاصيل السابقة، التي قد تكون عائلاً للفيروسات، أو استعمال المبيدات الحشرية القاتلة للحشرات التي تقوم بنقل هذه الفيروسات. وقد كان لهذه الإجراءات نتائج محدودة جدًّا. ولكن مع نشأة علوم الهندسة الوراثية وتطوُّرها أصبحتْ مُقاومة النباتات للأمراض الفيروسية أقوى من ذي قبل وأفضل بكثير؛ بحيث يتم أخذ عينة من الفيروسات التي تقتل النباتات، ويتم تضعيفها بعد ذلك باستخدام تطبيقات الهندسة الوراثية، ومن ثم حقنها في النباتات -كما هو حاصل في التحصين عند الإنسان- وبالتالي تتمكَّن النباتات من مُواجهة تلك الفيروسات، والدفاع عن نفسها.

“إنتاج نباتات مُقاومة للحشرات”.. كان الإنجاز الثاني لتطبيقات الهندسة الوراثية في المجال الزراعي؛ حيث يتم بموجبه أخذ بروتينات ينتجها نوع من البكتيريا النباتية، ومن ثمَّ عزلها وتطويرها، ثم وضعها في المبيدات الحشرية، وتساهم تلك المبيدات المحتوية على هذا النوع من البروتينات في قتل بعض أنواع الحشرات. وقد أثبتتْ الدراسات أنه لا يوجد أي تأثير سلبي لهذه المبيدات الحشرية الخاصة على الثدييات عند تناولها لهذه النباتات.

(المجال الحيواني): إنَّ أول تطبيقات الهندسة الوراثية في المجال الحيواني كانت إنتاج هرمونات تساعد على زيادة سرعة النمو في الحيوانات؛ لأهمية ذلك من الناحية التجارية، خاصة وأنه تم استخدام هرمونات النمو المعدَّلة في الفئران منذ فترة طويلة، وقد أثبتت جدواها وكفاءتها، ولكن التجارب التي أجريتْ على الحيوانات الأخرى -وبالخصوص الخنزير- لم تعطِ نتائج جيدة؛ فكانت نتائج الأبحاث مُتضاربة من منطقة لأخرى. ونظرًا لما لنجاح هذا التطبيق من أهمية كبيرة تجاريًّا، فلا تزال المحاولات والأبحاث والتجارب مُستمرة إلى يومنا هذا.

أما التطبيق الثاني في مجال الإنتاج الحيواني، فقد تركَّز على مُحاولات لإنتاج حليب بقري شبيه بالحليب البشري؛ وذلك لتحسين خواص الحليب المقدَّم لتغذية الأطفال، ولا تزال الدراسات والأبحاث قائمة في هذا المجال، إلا أنه لم يتوصل العلماء حتى الآن إلى تحضير حليب بقري مُشابه في خواصه للحليب البشري تمامًا.

(المجال الطبي): لقد استطاع العلماء من خلال الهندسة الوراثية إنتاج هرمون الأنسولين، وهرمونات النمو البشري (Growth hormone)، كما استطاع العلماء من خلال تلك التقنيات الحديثة صناعة اللقاحات…وغيرها من الأدوية، كما استطاع العلماء تعديل بعض الجينات المعطوبة؛ من خلال تغيير تلك الجينات بجينات أخرى معدَّلة وراثيا، وربما تكون الأمراض المناعية هي أهم الأمراض التي تم فيها الاستفادة من الهندسة الوراثية لمُعالجة المرضى المصابين بها. ومع ذلك، فإنَّ تلك العلاجات تتم في مراكز مُتخصصة جدًّا؛ حتى يتم تفادي أي أثر سلبي لهذه العمليات.

كما أنَّ تطبيقات الهندسة الوراثية تُستخدم في تشخيص مختلف الأمراض الوراثية التي تصيب الإنسان، ومعرفة مدى تأثيرها على مُستقبل الفرد من خلالها. وكذلك قد يكون باستطاعة الفرد أن يستخدم الخريطة الوراثية لاختيار زوجة مناسبة أو زوج مناسب لإنجاب أطفال أصحَّاء في ضوء معلومات مخزَّنة في بطاقة إلكترونية صغيرة.

– سلبيات استخدام الهندسة الوراثية:

من الوَهْلة الأولى، يبدو الحديث عن الهندسة الوراثية والتطور الكبير الذي أحدثته، رائعًا جدًّا، وأن تلك التطبيقات سوف تجلب السعادة للبشرية، ولكن وُجد من خلال الأبحاث المستفيضة في هذا المجال، والملاحظات المقدَّمة من العلماء، أنَّ للهندسة الوراثية عددًا من المخاطر والسلبيات فيما لو تمَّت إساءة استخدام تلك التقنيات الحديثة؛ فأول تلك المخاطر: أن التجارب التي تجري حاليًا في مجال الهندسة الوراثية -على الرغم من أنها تجارب مُبسطة وغير مُعقدة- شكلت هذه النقلة النوعية، ولكن ما الذي سيحدث إذا ما أجريت التجارب الأكثر تعقيدا، والتي قد تغيِّر الخريطة الوراثية، أو التركيب الوراثي للإنسان، وحيث إنه لا توجد أي دراسات حديثة في هذا المجال، فلا يُمكن الجزم بنتائج التجارب المعقَّدة، والتي قد يكون لها تأثيرات سلبية على الإنسان.

ثانيا: يقول بعض العلماء إن أيَّ خطأ قد يحدث في إجراء تجارب الهندسة الوراثية، فإنه خطأ غير معكوس؛ أي: لا يُمكن العودة إلى نقطة البداية. وبالتالي؛ فإنَّ تلك الأخطاء قد تُنتِج سلالات جديدة من المخلوقات الحية؛ نتيجة دمج المواد الوراثية لكائنات مُختلفة، وهذا الأمر قد يُشكِّل خطرا على التوازن البيئي للكرة الأرضية.

وقد أجرتْ جامعة القاهرة دراسة -نُشرت نتائجها في جريدة “المصري اليوم”، بعددها الصادر في يوم الأحد؛ الموافق: 12/8/2012 للميلاد- مُلخصها: أنَّ فئران التجارب التي تناولتْ الأطعمة المعدلة وراثيا قد أصابتها أمراض مناعية ومشاكل في الجهاز الهضمي، إضافة إلى فقدان قدرتها على الإنجاب، وسرعة شيخوختها مُقارنة بفئران التجارب التي تناولتْ الأطعمة غير المعدلة وراثيا. وهذه النتائج جاءتْ مُطابقة لبعض الدراسات التي أجريت على فئران التجارب في مختلف دول العالم (2).

– الرؤية الشرعية حول الهندسة الوراثية:

وبسبب وُجود تلك المشكلات والعواقب والأخطار المتوقَّعة، والتي ذكرناها سابقاً، كان لابد من معرفة وجهة النظر الشرعية حول عمليات الهندسة الوراثية؛ لأجل معرفة رأي الشرع في مثل تلك الموضوعات المهمة؛ في ضوء فوائدها العديدة وفي الوقت نفسه سلبياتها الكثيرة. وقد وَجدنا أنَّ علماء الفقه والأصول قد انقسموا إلى ثلاثة أقسام؛ فبعضهم يُؤيِّد استخدام تطبيقات الهندسة الوراثية بجميع أشكالها، مهما كانت؛ باعتبارها وسيلة مهمة لتطوير المجتمع البشري، ومجالاً رحبًا لطلب العلم، خاصة وأنه يمكن الاستفادة منها في علاج الأمراض المستعصية. وقسم آخر يُحرِّم استخدام تقنيات الهندسة الوراثية؛ باعتبارها تدخلاً غير مرغوب فيما خلقه الله تعالى، الذي خلق فسوَّى، واستناداً لما ورد في القرآن الكريم على لسان إبليس: “ولآمرنهم فليغيرن خلق الله” (النساء: 119). والقسم الثالث من العلماء يُجيز استخدامها في مجالات الخدمة الإنسانية، ويحرِّمها إذا كان فيها تغييرًا لخلقة الإنسان أو الحيوان.

وختاما -ومن خلال ما استعرضناه حول تطبيقات الهندسة الوراثية، وبعض مخاطرها، والرؤية الشرعية بخصوصها- فإنَّ عمليات وتقنيات الهندسة الوراثية قد تؤدي إلى تطوُّر كبير في العلم الحديث، كما هو حاصل الآن، وقد تُحدث نقلات نوعية كبيرة في المجالات المختلفة التي تم تطبيقها عليها، وما قد يتم تطبيقه مُستقبلا، إلا أنَّ الحذرَ الشديد مطلوبٌ عند استخدام تلك التطبيقات، والذي يجب أن يتم بعد إجراء أبحاث دقيقة ومتأنية حتى تكون في صالح المجتمع الإنساني والكون بأسره.

 —————

(1)- http://www.ucsusa.org/food_and_agriculture/our-failing-food-system/genetic-engineering/what-is-genetic-engineering.html

(2)- http://www.egyptindependent.com/news/tests-rats-suggest-genetically-modified-foods-pose-health-hazards

6,843 total views, 11 views today