د‭. ‬صَالِح‭ ‬بن‭ ‬هاشل‭ ‬المسكري

الحَدِيثُ‭ ‬عن‭ ‬الحرية‭ ‬الفكرية‭ ‬حديثٌ‭ ‬ذو‭ ‬شُجون،‭ ‬إذ‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬سحرية‭ ‬تُدغدغ‭ ‬العواطف،‭ ‬وتحرك‭ ‬المشاعر،‭ ‬وتلامس‭ ‬نبض‭ ‬القلوب،‭ ‬لها‭ ‬مكانة‭ ‬رفيعة‭ ‬عند‭ ‬الناس‭ -‬أفراداً،‭ ‬وجماعات،‭ ‬وحتى‭ ‬الدول‭- ‬تشقُّ‭ ‬طريقها‭ ‬في‭ ‬مساريْن؛‭ ‬الأول‭: ‬الحرية‭ ‬السالبة؛‭ ‬وتتمثَّل‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬ما‭ ‬كحقٍّ‭ ‬إنسانيٍّ‭ ‬طبيعيٍّ‭. ‬والثاني‭: ‬الحرية‭ ‬الموجبة؛‭ ‬والتي‭ ‬تعني‭ ‬استخدام‭ ‬الوسائل‭ ‬والأدوات‭ ‬المتاحة‭ ‬لممارسة‭ ‬هذه‭ ‬الحقوق‭ ‬الطبيعية؛‭ ‬وأهمها‭ ‬بالتأكيد‭: ‬الحقوق‭ ‬المدنية‭ ‬والسياسية،‭ ‬والتي‭ ‬تحفظ‭ ‬للإنسان‭ ‬كرامته،‭ ‬وتُشعره‭ ‬بوجوده‭ ‬في‭ ‬مجتمعه،‭ ‬وأنه‭ ‬جُزء‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬النظام‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬بلده،‭ ‬إضافة‭ ‬لمدى‭ ‬ارتباط‭ ‬هذه‭ ‬الحريات‭ ‬بالحقوق‭ ‬والواجبات‭ ‬العامة،‭ ‬أو‭ ‬تعارضها‭ ‬مع‭ ‬المعتقدات‭ ‬والأديان،‭ ‬وصولاً‭ ‬للحرية‭ ‬المطلقة،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يُسمِّيه‭ ‬البعض‭ ‬بـ‭”‬الحرية‭ ‬الوجودية‭”‬،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تلتزم‭ ‬بهُوية‭ ‬ثابتة،‭ ‬ولا‭ ‬تحدها‭ ‬قيود‭ ‬أو‭ ‬ضوابط،‭ ‬ويرى‭ ‬أصحابها‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬يتمتع‭ ‬بحرية‭ ‬الإرادة‭ ‬والاختيار،‭ ‬ولا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مُوجِّه‭ ‬يسيطر‭ ‬عليه،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الموجِّه‭ ‬هو‭ ‬الإله‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬خلق‭ ‬الوجود؛‭ ‬فهي‭ ‬حريةٌ‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الاختيار،‭ ‬وهي‭ ‬فوق‭ ‬القانون،‭ ‬وقد‭ ‬مارس‭ ‬أبو‭ ‬البشرية‭ ‬آدم‭ -‬عليه‭ ‬السلام‭- ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الحرية‭ -‬كما‭ ‬يدَّعي‭ ‬البعض‭- ‬وأعني‭ ‬حرية‭ ‬التفكير‭ ‬والاختيار،‭ ‬عندما‭ ‬نهاهُ‭ ‬الله‭ -‬عزَّ‭ ‬وجلَّ‭- ‬عن‭ ‬أن‭ ‬يأكل‭ ‬من‭ ‬الشجرة‭ ‬الملعونة،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬ينتهِ‭ ‬وأكل‭ ‬منها،‭ ‬وكان‭ ‬اختياره‭ ‬سببًا‭ ‬في‭ ‬نزوله‭ ‬من‭ ‬جنات‭ ‬الخلد‭ ‬إلى‭ ‬دار‭ ‬الشقاء،‭ ‬ويقول‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬الكبير‭ ‬إيماويل‭ ‬كانت‭ “‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يُلزمني‭ ‬بطريقته‭ ‬لأصبِح‭ ‬سعيداً؛‭ ‬فكلٌّ‭ ‬منا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬سعادته‭ ‬وفرحه‭ ‬بالطريقة‭ ‬التي‭ ‬يريد،‭ ‬شرط‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬ينسى‭ ‬حرية‭ ‬الآخرين‭ ‬وحقهم‭ ‬في‭ ‬الشيء‭ ‬ذاته‭”. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬أقرَّه‭ ‬الإعلانُ‭ ‬الأمميُّ‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ -‬الصادر‭ ‬عام‭ ‬1789‭- ‬حين‭ ‬ذكر‭ ‬أنَّ‭ “‬للفرد‭ ‬حق‭ ‬أن‭ ‬يفعل‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يضر‭ ‬بالآخرين‭”.‬

وَفِي‭ ‬الإسلام،‭ ‬لَمْ‭ ‬تأتِ‭ ‬كلمة‭ ‬الحرية‭ ‬كمُفردة‭ ‬مُستقلة‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬الإشارة‭ ‬إليها‭ ‬كانت‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬الحر‭ ‬والعبد‭: ‬‭”‬يَا‭ ‬أَيُّهَا‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬آَمَنُوا‭ ‬كُتِبَ‭ ‬عَلَيْكُمُ‭ ‬الْقِصَاصُ‭ ‬فِي‭ ‬الْقَتْلَى‭ ‬الْحُرُّ‭ ‬بِالْحُرِّ‭ ‬وَالْعَبْدُ‭ ‬بِالْعَبْدِ‭ ‬وَالْأُنْثَى‭ ‬بِالْأُنْثَى‭ ‬فَمَنْ‭ ‬عُفِيَ‭ ‬لَهُ‭ ‬مِنْ‭ ‬أَخِيهِ‭ ‬شَيْءٌ‭ ‬فَاتِّبَاعٌ‭ ‬بِالْمَعْرُوفِ‭ ‬وَأَدَاءٌ‭ ‬إِلَيْهِ‭ ‬بِإِحْسَانٍ‭ ‬ذَلِكَ‭ ‬تَخْفِيفٌ‭ ‬مِنْ‭ ‬رَبِّكُمْ‭ ‬وَرَحْمَةٌ‭ ‬فَمَنِ‭ ‬اعْتَدَى‭ ‬بَعْدَ‭ ‬ذَلِكَ‭ ‬فَلَهُ‭ ‬عَذَابٌ‭ ‬أَلِيمٌ‭” (‬البقرة‭:‬178‭). ‬وعكس‭ ‬الحرية‭ ‬هو‭ ‬العبودية،‭ ‬والإسلام‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬وأصوله‭ ‬جاء‭ ‬ليحرِّر‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬العبودية‭ ‬والتبعية‭: “‬وَيَضَعُ‭ ‬عَنْهُمْ‭ ‬إِصْرَهُمْ‭ ‬وَالْأَغْلَالَ‭ ‬الَّتِي‭ ‬كَانَتْ‭ ‬عَلَيْهِمْ‭” (‬الأعراف‭:‬157‭)‬؛‭ ‬فالإسلام‭ ‬دين‭ ‬الحرية‭ ‬ولولا‭ ‬المساحة‭ ‬الواسعة‭ ‬التي‭ ‬أتاحها‭ ‬الإسلام‭ ‬للحرية‭ ‬الفكرية،‭ ‬وحثه‭ ‬لأتباعه‭ ‬بالتفكير‭ ‬والتعبير‭ ‬والتدبر‭ ‬السليم‭ ‬بما‭ ‬ينفع‭ ‬الناس‭ ‬ويجمعهم،‭ ‬ويسهل‭ ‬معيشتهم،‭ ‬لما‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬تفاسير‭ ‬للقرآن‭ ‬الكريم‭ ‬والفقهُ‭ ‬بقسميه‭ ‬الواسعيْن‭: ‬فقه‭ ‬العبادات‭ ‬وفقه‭ ‬المعاملات،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬اجتهاد‭ ‬عند‭ ‬علماء‭ ‬المسلمين‭ ‬أو‭ ‬تنوُّع‭ ‬في‭ ‬المذاهب‭ ‬الإسلامية‭.‬

وَمِنْ‭ ‬هُنَا‭ ‬نقول‭: ‬إنَّ‭ ‬الإسلام‭ ‬لا‭ ‬يُقيِّد‭ ‬الحريات‭ ‬الفكرية‭ ‬بشتى‭ ‬أنواعها،‭ ‬بل‭ ‬يُؤسِّس‭ ‬لها،‭ ‬ويوجِّهها‭ ‬لخير‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ويضع‭ ‬لها‭ ‬الضوابط‭ ‬والأطر‭ ‬التي‭ ‬تناسب‭ ‬فطرة‭ ‬الإنسان‭ ‬وتطوره‭ ‬وحاجاته‭ ‬وطبائعه‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬الإسلام‭ ‬لا‭ ‬يُطلق‭ ‬الحريات‭ ‬الفكرية‭ ‬على‭ ‬عواهنها‭ ‬دون‭ ‬مُوجِّهات‭ ‬ولا‭ ‬مُحدِّدات‭ ‬تحفظ‭ ‬للإسلام‭ ‬مكانته،‭ ‬وللإنسان‭ ‬كرامته،‭ ‬ولا‭ ‬يُسمح‭ ‬بالحرية‭ ‬الوجودية‭ ‬بلا‭ ‬قيود‭ ‬ولا‭ ‬مُوجِّه؛‭ ‬فتخرج‭ ‬الحرية‭ ‬من‭ ‬معناها‭ ‬العقلاني‭ ‬السليم‭ ‬إلى‭ ‬الفكر‭ ‬التحرُّري‭ ‬الجامح،‭ ‬الذي‭ ‬يتمرَّد‭ ‬على‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬والمبادئ‭ ‬والقيم،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يظنه‭ ‬المتحرِّر‭ ‬أنه‭ ‬أفكار‭ ‬قديمة‭ ‬لا‭ ‬تناسب‭ ‬العصر‭ ‬المتطوِّر‭ ‬المنفتح‭ ‬على‭ ‬ثقافات‭ ‬العالم‭ -‬حسب‭ ‬رأيه‭- ‬ويصل‭ ‬به‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬إنكار‭ ‬مبادئ‭ ‬وقيم‭ ‬أصيلة‭ ‬في‭ ‬دينه‭ ‬ومجتمعه؛‭ ‬فتلتبسُ‭ ‬المفاهيم‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬المتحرر‭ ‬فكريًّا‭ ‬بين‭ ‬مفهوم‭ ‬الحرية‭ ‬freedom،‭ ‬ومفهوم‭ ‬التحرر‭ ‬liberalism،‭ ‬ويعيش‭ ‬في‭ ‬حيرة‭ ‬من‭ ‬أمره‭ ‬وعدم‭ ‬اتزان؛‭ ‬فهو‭ ‬يُطالب‭ ‬بالحرية‭ ‬الفكرية‭ ‬ويمارس‭ ‬التحرُّر‭ ‬الفكري‭ ‬المنفلت‭ ‬من‭ ‬كلِّ‭ ‬قيد،‭ ‬فيخرج‭ ‬من‭ ‬موطنه‭ ‬إلى‭ ‬غُربة‭ ‬لا‭ ‬يعلم‭ ‬بها‭ ‬إلا‭ ‬هو‭.‬

والحُريَّة‭ ‬عِنْد‭ ‬مَنْ‭ ‬يجهل‭ ‬قيمتها‭ ‬ومعناها،‭ ‬ويستخدمها‭ ‬لغير‭ ‬وجهتها‭ ‬الصحيحة‭ ‬ومقاصدها،‭ ‬كالمال‭ ‬عند‭ ‬السفهاء‭ ‬ينفقه‭ ‬صاحبه‭ ‬على‭ ‬شهواته‭ ‬وملذَّاته‭ ‬مع‭ ‬إنكاره‭ ‬الحلال‭ ‬والحرام‭ ‬في‭ ‬تصرفاته،‭ ‬وعدم‭ ‬مراعاة‭ ‬حريات‭ ‬الآخرين،‭ ‬ولا‭ ‬الواجبات‭ ‬والحقوق‭ ‬العامة‭ “‬وَلَا‭ ‬تُؤْتُوا‭ ‬السُّفَهَاءَ‭ ‬أَمْوَالَكُمُ‭ ‬الَّتِي‭ ‬جَعَلَ‭ ‬اللَّهُ‭ ‬لَكُمْ‭ ‬قِيَامًا‭” (‬النساء‭:‬5‭)‬،‭ ‬وتحتاج‭ ‬الحرية‭ ‬إلى‭ ‬أوعية‭ ‬تستوعبها،‭ ‬تكون‭ ‬بقدرها،‭ ‬وإلا‭ ‬فاضت‭ ‬وشوهت‭ ‬المكان‭ ‬من‭ ‬حولها‭.‬

وتهتمُّ‭ ‬الشُّعوب‭ ‬بالحرية‭ ‬الفكرية‭ ‬والمشاركة‭ ‬السياسية،‭ ‬وتبذل‭ ‬أقصى‭ ‬جهدها‭ ‬للحصول‭ ‬عليها‭ ‬وممارستها،‭ ‬وتسعى‭ ‬لأن‭ ‬تنص‭ ‬دساتيرها‭ ‬الوطنية‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحقوق،‭ ‬وفي‭ ‬ظروف‭ ‬معينة‭ ‬تضطر‭ ‬الشعوب‭ ‬لأن‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬وصدام‭ ‬مع‭ ‬السلطات‭ ‬والأنظمة‭ ‬السياسية‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تراه‭ ‬حقًّا‭ ‬طبيعيًّا‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬واجهت‭ ‬الشعوب‭ ‬أنظمة‭ ‬سياسية‭ ‬شمولية‭ ‬مُتسلطة،‭ ‬ترى‭ ‬الحقيقة‭ ‬بأعينها‭ ‬فقط،‭ ‬وتُمسك‭ ‬بزمام‭ ‬القرار‭ ‬وحدها؛‭ ‬فهي‭ ‬تأمر‭ ‬وتنهى،‭ ‬وتمنحُ‭ ‬وتمنع،‭ ‬ولا‭ ‬مُعقِّب‭ ‬لحكمها‭.. ‬هذه‭ ‬الأنظمة‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬تتسبَّب‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الاحتقان‭ ‬الذي‭ ‬يؤدي‭ ‬لتفجُّر‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأزمات‭ ‬والثورات‭ ‬التي‭ ‬تُنهك‭ ‬الدول،‭ ‬وتعطِّل‭ ‬التنمية،‭ ‬وتفتح‭ ‬فضاءات‭ ‬واسعة‭ ‬للفساد‭ ‬والكراهية‭.‬

وفِي‭ ‬السَّلطَنة،‭ ‬هناك‭ ‬قواعد‭ ‬ومواد‭ ‬قانونية‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الأساسي‭ ‬للدولة‭ (‬الباب‭ ‬الثالث‭: ‬الحقوق‭ ‬والواجبات‭ ‬العامة‭) ‬رسخت‭ ‬الحرية‭ ‬الفكرية،‭ ‬ودعمت‭ ‬ممارستها‭ ‬في‭ ‬المواد‭ ‬28‭ ‬إلى‭ ‬32؛‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬القانون‭. ‬وقد‭ ‬أكد‭ ‬جلالة‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس‭ ‬بن‭ ‬سعيد‭ ‬المعظم‭ -‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه‭- ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬ممارسة‭ ‬الفكر‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬الرأي‭ ‬بحرية،‭ ‬وقال‭ ‬عبارته‭ ‬الشهيرة‭ ‬عند‭ ‬لقائه‭ ‬بطلاب‭ ‬وأساتذة‭ ‬جامعة‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس‭ ‬في‭ ‬2‭ ‬مايو‭ ‬عام‭ ‬2000م‭: “‬إنَّ‭ ‬مصادرة‭ ‬الفكر‭ ‬والاجتهاد‭ ‬والتدبر‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬الكبائر،‭ ‬ولا‭ ‬نسمح‭ ‬لأحد‭ ‬بأن‭ ‬يُصادر‭ ‬الفكر‭ ‬أبداً‭”. ‬والحقيقة‭ ‬أنَّ‭ ‬الحرية‭ ‬الفكرية‭ ‬في‭ ‬عُمان‭ ‬مساحتها‭ ‬جيدة،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬الممكن‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الحالية،‭ ‬وكما‭ ‬قلت‭ ‬آنفاً‭: “‬الحرية‭ ‬الفكرية‭ ‬تحتاج‭ ‬أوعية‭ ‬تستوعبها،‭ ‬تكون‭ ‬بقدرها،‭ ‬فإذا‭ ‬زادت‭ ‬عن‭ ‬المطلوب‭ ‬فاضت‭ ‬وشوَّهت‭ ‬المكان‭”.‬

وَمَع‭ ‬هَذَا،‭ ‬نقول‭: ‬إنَّ‭ ‬الأجهزة‭ ‬الرقابية‭ ‬لممارسة‭ ‬الحرية‭ ‬الفكرية‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬تقوم‭ ‬بواجبها،‭ ‬لكنها‭ ‬أحياناً‭ ‬تجتهد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اللازم،‭ ‬وتضيف‭ ‬من‭ ‬عندها‭ ‬قيوداً‭ ‬وضوابط‭ ‬وإجراءات‭ ‬ما‭ ‬أنزل‭ ‬الله‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬سلطان،‭ ‬وتظن‭ ‬أنها‭ ‬بذلك‭ ‬تقوم‭ ‬بالواجب‭ ‬كما‭ ‬ينبغي‭ ‬لجلال‭ ‬وجه‭ ‬المسؤول؛‭ ‬فترفض‭ ‬كتباً،‭ ‬وتمنع‭ ‬مقالات،‭ ‬ولديها‭ ‬حساسية‭ ‬مُفرطة‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬كُتَّاب‭ ‬الرأي‭ ‬والمدوِّنين‭ ‬والمغرِّدين؛‭ ‬لأنهم‭ ‬مدوا‭ ‬أرجلهم‭ ‬أطول‭ ‬من‭ ‬مسطرة‭ ‬الرقيب‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬تضيق‭ ‬الحريات،‭ ‬وتضيق‭ ‬معها‭ ‬القلوب،‭ ‬وتتأزم‭ ‬الأنفس،‭ ‬ويزيد‭ ‬الضغط‭ ‬والاحتقان‭ ‬عند‭ ‬الممارسين‭ ‬للحرية‭ ‬الفكرية‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬ويأتي‭ ‬الصِّدام‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬سُنن‭ ‬الحياة،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: “‬وَلَوْلَا‭ ‬دَفْعُ‭ ‬اللَّهِ‭ ‬النَّاسَ‭ ‬بَعْضَهُمْ‭ ‬بِبَعْضٍ‭ ‬لَفَسَدَتِ‭ ‬الْأَرْضُ‭ ‬وَلَكِنَّ‭ ‬الله‭ ‬ذُو‭ ‬فَضْلٍ‭ ‬عَلَى‭ ‬الْعَالَمِينَ‭” (‬البقرة‭:‬251‭).‬

د‭. ‬صالح‭ ‬الفهدي

الحُريَّة‭ -‬بِلَا‭ ‬شك‭- ‬تُحقِّق‭ ‬مفهومَ‭ ‬الإنسانيةِ‭ ‬الأصيل؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يٌمكنُ‭ ‬للإنسانيةِ‭ ‬أن‭ ‬تحقِّق‭ ‬ذاتها‭ -‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬كرامة‭ ‬وعزة،‭ ‬وتعبير‭ ‬عن‭ ‬الرأي،‭ ‬والتفكير،‭ ‬والنقد،‭ ‬والإبداع،‭ ‬والسعي‭ ‬للطموحات‭ ‬والأهداف‭- ‬إلَّا‭ ‬بقدرِ‭ ‬مساحات‭ ‬الحرية‭. ‬إنما‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬ُما‭ ‬يسمى‭ ‬بحريةٍ‭ ‬دون‭ ‬حُدود،‭ ‬لا‭ ‬يُوجد‭ ‬ذلك‭ ‬إطلاقاً،‭ ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الحرية‭ ‬هي‭ ‬انعتاقٌ‭ ‬من‭ ‬أغلال‭ ‬العبودية،‭ ‬فإن‭ ‬عدمَ‭ ‬وجود‭ ‬حدودٍ‭ ‬لها‭ ‬سينتهي‭ ‬إلى‭ ‬العبوديةِ‭ ‬ذاتها‭! ‬يقال‭: “‬طلب‭ ‬الحرية‭ ‬بغير‭ ‬طلب‭ ‬الله،‭ ‬يؤول‭ ‬حتماً‭ ‬إلى‭ ‬نسيان‭ ‬الحرية،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬طلب‭ ‬نقيضها‭”. ‬النقيضُ‭ ‬هو‭ ‬عبودية‭ ‬الشهوات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تحدها‭ ‬حدود،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬وقعَت‭ ‬فيه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الشعوب‭ ‬الغربية،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬أثر‭ ‬الحرية‭ ‬بلا‭ ‬حدود‭ ‬في‭ ‬الأخلاق‭ ‬والسياسة‭ ‬والدين‭ ‬مدمراً‭..! ‬لهذا؛‭ ‬ظهر‭ ‬مصطلح‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬مقروناً‭ ‬بالمسؤولية؛‭ ‬لأن‭ ‬عدم‭ ‬المسؤولية‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬الانفلات،‭ ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬البهيمة‭ ‬لا‭ ‬الإنسان‭!! ‬حدث‭ ‬هذا‭ ‬الانفلات‭ ‬في‭: ‬الغرائز،‭ ‬والأخلاقيات،‭ ‬والتعبيرِ‭ ‬عن‭ ‬الرأي،‭ ‬رغم‭ ‬أنَّ‭ ‬المفهوم‭ ‬الحقيقي‭ ‬للحرية‭ ‬محدودٌ‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬نحو‭ ‬الآخرين،‭ ‬يُعرِّف‭ ‬الفيلسوف‭ ‬البريطاني‭ ‬جون‭ ‬ستيوارت‭ ‬ميل‭ ‬الحرية‭ ‬بكونها‭: “‬قدرة‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬السعي‭ ‬وراء‭ ‬مصلحته‭ ‬التي‭ ‬يراها،‭ ‬بحسب‭ ‬منظوره،‭ ‬شريطة‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬مفضية‭ ‬إلى‭ ‬إضرار‭ ‬بالآخرين‭”‬،‭ ‬والمصلحة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مادية‭ ‬أو‭ ‬معنوية‭.‬

هَذَا‭ ‬لَيْس‭ ‬مفهوماً‭ ‬بشريًّا،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬إطارٌ‭ ‬حدَّده‭ ‬الخالق‭ -‬عزَّ‭ ‬وجلَّ‭- ‬الذي‭ ‬حث‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬طلب‭ ‬الحرية،‭ ‬وعدم‭ ‬الرضوخ‭ ‬للظلم‭ ‬والاستعباد‭ ‬والإذلال‭: “‬إِن‭ ‬الذِينَ‭ ‬تَوَفاهُمُ‭ ‬الْمَلائِكَةُ‭ ‬ظَالِمِي‭ ‬أَنفُسِهِمْ‭ ‬قَالُوا‭ ‬فِيمَ‭ ‬كُنتُمْ‭ ‬قَالُوا‭ ‬كُنا‭ ‬مُسْتَضْعَفِينَ‭ ‬فِي‭ ‬الأَرْضِ‭ ‬قَالُوا‭ ‬أَلَمْ‭ ‬تَكُنْ‭ ‬أَرْضُ‭ ‬اللهِ‭ ‬وَاسِعَةً‭ ‬فَتُهَاجِرُوا‭ ‬فِيهَا‭ ‬فَأُوْلَئِكَ‭ ‬مَأْوَاهُمْ‭ ‬جَهَنمُ‭ ‬وَسَاءَتْ‭ ‬مَصِيرًا‭” ‬‭(‬النساء‭:‬97‭). ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإنَّ‭ ‬شريعته‭ -‬سبحانه‭- ‬الكافلة‭ ‬لحرية‭ ‬الإنسان‭ ‬قد‭ ‬هذَّبت‭ ‬هذه‭ ‬الحرية‭ ‬بأُطر‭ ‬تكفلُ‭ ‬له‭ ‬الكرامة‭ ‬والعزة‭ ‬دون‭ ‬إضرارٍ‭ ‬بنفسه‭ ‬أو‭ ‬بالآخرين‭ “‬لا‭ ‬يُكَلفُ‭ ‬اللهُ‭ ‬نَفْسًا‭ ‬إِلا‭ ‬وُسْعَهَا‭ ‬لَهَا‭ ‬مَا‭ ‬كَسَبَتْ‭ ‬وَعَلَيْهَا‭ ‬مَا‭ ‬اكْتَسَبَتْ‭” (‬البقرة‭:‬276‭). ‬

الإنْسَانُ‭ ‬حرٌّ‭ ‬في‭ ‬مَسْعَاه،‭ ‬وتقرير‭ ‬مَصِيره،‭ ‬واتخاذ‭ ‬قَرَاره،‭ ‬ولكنَّه‭ ‬مسؤولٌ‭ ‬عن‭ ‬نتائج‭ ‬قرارته،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يتنصل‭ ‬منها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ادعى‭ ‬بحريته‭ ‬في‭ ‬اتخاذها‭. ‬لا‭ ‬يمكنُ‭ ‬لمجتمعاتٍ‭ ‬بشرية‭ ‬أن‭ ‬ترتقي‭ ‬بمفهوم‭ ‬المواطنة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أفرادها‭ ‬مؤمنين‭ ‬بالقوانين‭ ‬والتشريعات‭ ‬التي‭ ‬تنظِّم‭ ‬حياة‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتحدد‭ ‬أهدافها،‭ ‬وتصون‭ ‬مُكتسباتها،‭ ‬وتقيم‭ ‬العدل‭ ‬بينهم،‭ ‬وتكفل‭ ‬لهم‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬وفق‭ ‬ضوابط‭ ‬متعارف‭ ‬عليها،‭ ‬وتحميهم‭ ‬من‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬الفوضى‭ ‬والاستبداد،‭ ‬والإذلال‭ ‬وأتون‭ ‬النزاعات‭ ‬المختلفة‭.‬

لَا‭ ‬يُمكُن‭ ‬للحريَّة‭ ‬الحقيقية‭ ‬أنْ‭ ‬تتحقَّق‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬إطارٍ‭ ‬يحميها‭ ‬من‭ ‬الانفلات‭ ‬والعودةِ‭ ‬إلى‭ ‬العبودية؛‭ ‬فالمستبدُّ‭ ‬الظالم‭ ‬قد‭ ‬اغتال‭ ‬الحرية‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬أسقط‭ ‬عنها‭ ‬حدودها،‭ ‬وضرب‭ ‬بمبادئها‭ ‬عرض‭ ‬الحائط،‭ ‬وهكذا‭ ‬يكون‭ ‬الإنسان‭ ‬بهيميًّا،‭ ‬منفلتًا‭ ‬في‭ ‬نزعاته‭ ‬وشهواته‭ ‬ورغباته،‭ ‬إن‭ ‬هو‭ ‬تعاطى‭ ‬مع‭ ‬الحرية‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬فضاءٌ‭ ‬لا‭ ‬تحده‭ ‬مفاهيم‭ ‬تكفلُ‭ ‬للإنسانية‭ ‬عزتها‭ ‬وكرامتها‭. ‬على‭ ‬أن‭ ‬لحدود‭ ‬الحرية‭ ‬أيضاً‭ ‬شروطا؛‭ ‬على‭ ‬رأسها‭: ‬الإنصافُ،‭ ‬والعدل،‭ ‬والمساواة؛‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬تُفرضُ‭ ‬على‭ ‬البشرِ‭ ‬فرضاً‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الطغاةِ‭ ‬المستبدين،‭ ‬وإنما‭ ‬تأتي‭ ‬طبيعية‭ ‬مما‭ ‬شَرَع‭ ‬الخالقُ‭ ‬لعبادهِ‭ ‬فيما‭ ‬يُنظِّم‭ ‬حيواتهم،‭ ‬ومما‭ ‬يَرَاهُ‭ ‬مُمثلو‭ ‬الشعوب‭ ‬في‭ ‬البرلمانات‭ ‬التشريعية‭ ‬من‭ ‬قوانين‭ ‬ونُظم‭ ‬تصبُّ‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬أوطانهم‭.‬

وَفِي‭ ‬الأخِيْر‭.. ‬أكرِّر‭ ‬المقولة‭ ‬المتعلِّقة‭ ‬بالحرية‭ ‬المسؤولة‭: “‬أنت‭ ‬حرٌّ‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تضر‭”‬؛‭ ‬ففي‭ ‬ذلك‭ ‬سَلَامة‭ ‬للجميع،‭ ‬وأمن‭ ‬وسلام‭ ‬للوطن‭ ‬وللإنسانية‭ ‬جمعاء‭.‬

عبدالله‭ ‬العجمي

كَانَتْ‭ ‬المعاركُ‭ ‬الشَّرسة‭ ‬والعَنِيْفة‭ ‬التي‭ ‬كَان‭ ‬الأساسُ‭ ‬من‭ ‬اشتعالها‭ ‬هو‭ ‬الحريَّة‭ -‬سواءً‭ ‬بهدف‭ ‬استرجاعها‭ ‬أو‭ ‬طمسها‭- ‬مِنْ‭ ‬أكثر‭ ‬المعارك‭ ‬التي‭ ‬تحملُ‭ ‬جانبيْن‭ ‬متضاديْن‭ ‬في‭ ‬آن؛‭ ‬فنراها‭ ‬مليئة‭ ‬بأعنف‭ ‬المحرمات‭ ‬التي‭ ‬استخدمت‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬طرف‭ ‬ما‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬هي‭ ‬زاخرة‭ ‬بالتضحيات‭ ‬والضحايا‭ ‬الأبرياء‭ ‬ومن‭ ‬لا‭ ‬ذنب‭ ‬لهم‭.. ‬كائنا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬نوع‭ ‬الحرية‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬تلك‭ ‬الحروب‭ ‬لأجلها؛‭ ‬كحرية‭ ‬الإرادة،‭ ‬أو‭ ‬الفِكر،‭ ‬أو‭ ‬تحديد‭ ‬المصير‭. ‬وكانت‭ ‬هذه‭ “‬الحرية‭” ‬من‭ ‬المواضيع‭ ‬الملحّة‭ ‬على‭ ‬الدوام،‭ ‬والتي‭ ‬ألقت‭ ‬بظلالها‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬الإنسان‭ ‬ثقافيًّا‭ ‬وسياسيًّا‭ ‬وعلميًّا،‭ ‬ولا‭ ‬يكاد‭ ‬يخلو‭ ‬عصر‭ ‬من‭ ‬العصور‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المعارك؛‭ ‬فهو‭ ‬صراعٌ‭ ‬شبه‭ ‬دائم‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يقيِّد‭ ‬فِكر‭ ‬وإرادة‭ ‬بني‭ ‬البشر،‭ ‬وبين‭ ‬من‭ ‬يحاول‭ ‬فتح‭ ‬آفاق‭ ‬لهذه‭ ‬الحرية؛‭ ‬الحرية‭ ‬التي‭ ‬بها‭ ‬تنمو‭ ‬قوَّته‭ ‬ويتمادى‭ ‬فِكره،‭ ‬ويتفتَّق‭ ‬منها‭ ‬وعيه‭ ‬وإدراكه،‭ ‬ليشقَّ‭ ‬طريقه‭ ‬نحو‭ ‬تحديد‭ ‬مصيره‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬من‭ ‬خطوط‭ ‬السلامة‭ ‬التي‭ ‬يبتغيها،‭ ‬بينما‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬ستضعف‭ ‬قوته‭ ‬ويتجمَّد‭ ‬فكره،‭ ‬وسينحسر‭ ‬وعيه،‭ ‬ليتعرَّج‭ ‬مسار‭ ‬مصيره‭ ‬في‭ ‬منعطفات‭ ‬القهر‭ ‬والعبودية‭.‬

وَلعلَّ‭ ‬الكثيرَ‭ ‬منا‭ ‬يغفل،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬يجهل،‭ ‬أن‭ ‬حرية‭ ‬الفِكر‭ ‬هي‭ ‬الأصل؛‭ ‬فقد‭ ‬خلق‭ ‬الله‭ ‬البشر‭ ‬أحراراً،‭ ‬ولم‭ ‬يحد‭ ‬عقولهم‭ ‬بحاجز،‭ ‬فيمكن‭ ‬لأي‭ ‬منا‭ ‬أن‭ ‬يغوص‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬لُجج‭ ‬الفِكر،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يعتلي‭ ‬أعالي‭ ‬قممه‭ ‬دونما‭ ‬مانع؛‭ ‬إذ‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬مُقدَّسات‭ ‬بالمعنى‭ ‬الحرفي‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬الفكر‭ ‬سوى‭ ‬واحدة‭.‬‭. ‬إنها‭ ‬المسؤولية؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تغلف‭ ‬هذه‭ ‬الحرية‭ ‬الفكرية‭ ‬بغلاف‭ ‬المسؤولية‭ ‬التي‭ ‬تمنع‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬الانطلاق‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الفكر‭ ‬بطريقة‭ “‬مزاجية‭”‬،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬حريته‭ ‬الفكرية‭ ‬ستكون‭ ‬مُصانة‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬مسؤولة؛‭ ‬فيفترض‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يستخدم‭ ‬لهذه‭ ‬الحرية‭ ‬الفكرية‭ ‬الأدوات‭ ‬والأسباب‭ ‬والعناصر‭ ‬الخاصة‭ ‬به،‭ ‬والتي‭ ‬يُمكنها‭ ‬أن‭ ‬تؤصل‭ ‬لحريته‭ ‬هذه‭: ‬مسؤوليةً‭ ‬تضمن‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يُحركه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬الفكرية‭ ‬هو‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الإيمان‭ ‬بفكرة‭ ‬ما؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬الإيمان‭ ‬بدوره‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الانتماء،‭ ‬وانتماؤه‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬سيقود‭ ‬حركته‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة؛‭ ‬لهذا‭ ‬فإن‭ ‬تُركت‭ ‬الحرية‭ ‬بلا‭ ‬مسؤولية‭ ‬فسنرى‭ ‬تفريخ‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬خلايا‭ ‬التطرف‭ ‬والعنف‭ ‬بالعالم‭ ‬استناداً‭ ‬لحرية‭ ‬تفكيرهم،‭ ‬واستنادهم‭ ‬لمنهجيتهم‭ ‬في‭ ‬بلورة‭ ‬بعض‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬قادتهم‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬العنف‭ ‬وتقييد‭ ‬حرية‭ ‬الغير‭.‬

وَلَعلَّ‭ ‬المشكلةَ‭ ‬الأساس‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬بعض‭ ‬المفكرين‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬الإسلامي‭ ‬أنَّهم‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬ازدواجية‭ ‬ببعض‭ ‬المعايير؛‭ ‬فأخذوا‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬الإسلام‭ ‬وخلطوه‭ ‬بأشياء‭ ‬من‭ ‬الغرب‭.. ‬إننا‭ ‬نعتقد‭ ‬بأصالة‭ ‬الانتماء،‭ ‬والحرية‭ ‬هي‭ ‬القاعدة‭ ‬التي‭ ‬نتحرك‭ ‬فيها؛‭ ‬فلا‭ ‬ينبغي‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬حرية‭ ‬حرَكية‭ (‬سلوكية‭) ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬قاعدة‭ ‬معينة،‭ ‬بحرية‭ ‬سلوكية‭ ‬منطلقة‭ ‬من‭ ‬قاعدة‭ ‬فلسفية‭ ‬أخرى؛‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭: ‬في‭ ‬دول‭ ‬الغرب،‭ ‬ينطلقون‭ ‬من‭ ‬قاعدة‭ ‬فلسفية‭ ‬تقول‭ “‬إن‭ ‬المرء‭ ‬حر‭ ‬في‭ ‬جسده؛‭ ‬فلا‭ ‬إشكال‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يتعرى،‭ ‬أو‭ ‬ينغمس‭ ‬في‭ ‬وحل‭ ‬الحرية‭ ‬الجنسية‭”… ‬وقس‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬بينما‭ ‬القاعدة‭ ‬الفلسفية‭ ‬الإسلامية‭ ‬لا‭ ‬تخوِّل‭ ‬للمرء‭ ‬أن‭ ‬يدمر‭ ‬نفسه،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يضرها؛‭ ‬فلا‭ ‬يحق‭ ‬له‭ ‬التصرف‭ ‬بجسده‭ ‬إلا‭ ‬لما‭ ‬يُصلح‭ ‬حاله،‭ ‬وتستقيم‭ ‬به‭ ‬حياته‭ ‬ماديًّا‭ ‬وروحيًّا‭ ‬على‭ ‬حدٍّ‭ ‬سواء‭.‬

إنَّه‭ ‬وبُمجرَّد‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬أني‭ ‬أكتب‭ ‬لكم‭ ‬وأنتم‭ ‬تقرؤون‭ ‬لي،‭ ‬فهذا‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مظاهر‭ ‬تطور‭ ‬الفِكر‭ ‬وحريته؛‭ ‬لأننا‭ -‬بطبيعة‭ ‬الحال‭- ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬عايشنا‭ ‬أشخاصاً‭ ‬مفكرين‭ ‬يخوضون‭ ‬النقد‭ ‬ويستفزون‭ ‬العقل‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭ ‬ليفلتروها‭ ‬بعقولهم،‭ ‬فلا‭ ‬ريب‭ ‬أننا‭ ‬سنستلهم‭ ‬منهم‭ ‬الكثير،‭ ‬وربما‭ ‬تتغيَّر‭ ‬بعض‭ ‬قناعاتنا‭ ‬لتتماشى‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬نظرياتهم‭ ‬التي‭ ‬توصلوا‭ ‬إليها،‭ ‬ويحصل‭ ‬أحياناً‭ ‬أن‭ ‬نصمت‭ ‬أمام‭ ‬الآخر‭ ‬وهو‭ ‬يشرع‭ ‬في‭ ‬تشذيب‭ ‬بعض‭ ‬الأفكار،‭ ‬أو‭ ‬ترسيخها،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تغييرها‭ ‬في‭ ‬عقولنا‭.. ‬كما‭ ‬صادفته‭ ‬وأنا‭ ‬أستمع‭ ‬لشخصٍ‭ ‬يحملُ‭ ‬كاريزما‭ ‬تُجْبِرك‭ ‬على‭ ‬التسمُّر‭ ‬أمامه‭ ‬كالمفكر‭ ‬صادق‭ ‬جواد‭ ‬سليمان‭.‬

19,630 total views, 5 views today