ابتهاج يونس

ينظر الناس لمفهوم «الحرية» بنوع من الريبة والتخوف، حيث توحي لهم تلك الكلمة –غالبا- بأنَّ هناك ما هو خطر على أنفسهم؛ خوفا مِن تَعَدي الآخر عليهم واقتحامه لحدودهم. ويُحَال هذا المصطلح دومًا للمحكمة الأخلاقية وما «يُحتمل» أنْ يؤدي بالإنسان مِن انحرافات يُعَرِّض بنفسه وبالآخرين للضرر النفسي أو المادي، وخصوصا أَنَّ هذه الكلمة تُحَرِّك التابوه الخاص بتجاوزات الشرف في مجتمعاتنا. ومِن هنا تُعَدُّ هذه الكلمة مرعبة نظرًا للمساحات المفتوحة التي تعطيها للفرد بلا رقيب ولا حسيب، فأَنْ يكونَ المرء حُرًّا يعني لم يَعُد يردعه في المقام الأول الدين والسلطة الاجتماعية والقانونية؛ بل إنَّه أصبح المسؤول عنها، أي جعل الحكم لذاته وضميره، ويُحتَمَل أهواؤه ورغباته!

ذلك بالنسبة لكلمة الحرية فقط. ماذا لو جئنا بمصطلح أكثر ريبة وأضفنا عليها كلمة الإطلاق «الحرية المطلقة»؟ ستصبح أكثر رُعبًا، تثير الاستنفار في صفوف تفكيرنا البسيط، فتوابع هذه الفكرة ليست هَيِّنَة على مَنْ اعتاد القيود والحدود النابعة مِن مؤثر خارجي يضبطه -أكان «الوحي» أو «عادات المجتمع» أو «القانون»- ومِن تعبئة لاوعيه بالتجارب الشخصية أو الاجتماعية أو السياسية التي تجعله مقتنعًا بخطورة هذه الفكرة، وأنَّ الإنسان ضعيف وجبار ومُفسِد في تنفيذها.

وعلى الرغم مِن هذا الخوف نجد أنَّ الناس تتغنى بمصطلح الحرية في مجال ضيق، ولا سيما إِنْ تَعَلَّق الأمر بالحرية السياسية، ونصرة البسطاء والمستضعفين، وإِنْ تَعَلَّقَ بتعاليم الدين، فَنَرَى أنَّ الناس تتغنى بتعاليم العزة والحرية التي جاء بها دينهم، وتردد مقولات الصالحين فيها حتى وإِنْ كان بدون وعي، ومنها: ﴿مَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾، ﴿لا إكراه في الدين﴾ «مَتَى استعبدَتم الناسَ وَقَد وَلَدَتهم أمهاتهم أحرارًا»، «إِنَّ قومًا عبدوا الله خوفًا فتلك عبادة العبيد، وإنَّ قومًا عبدوا الله طمعًا فتلك عبادة التجار، وإنَّ قومًا عبدوا الله لأنه يستحق العبادة فتلك عبادة الأحرار» على الرغم مِن هذه المبادئ السامية تجدهم يضيقون على بعضهم البعض في أقل حرياتهم وأمورهم الحياتية، ويصبحون كقُطَّاعِ طُرُق لها.

وسط اختلاط مشاعر الاعتزاز ومشاعر الريبة، كيف يمكن أنْ نفهم مصطلح الحرية والحرية المطلقة، ونحل هذا الجدل لنجعله في تناسق دونَ تناقض في نفس الإنسان؟

أولاً: مفهوم الحرية في تاريخ الفكر

عُرفت الحرية عند أرسطو بأنها الحرية السياسية في التشريع، وما قد يمنحه المُشَرِّع مِن ممارسات سياسية في ترسيخ مفهوم الديموقراطية، ولكنه قَصَر المفهوم على الأسياد والطبقات الحاكمة، واعتبر العبيد قطيعا لا بد عليهم الطاعة فقط. ثم تحوّلت الفلسفة اليونانية في عهد الرواقيين والأبيقوريين لتكون الحرية بمعنى الاستئصال مِن النفس الرغبات والأهواء الملحة، وتخلص الإنسان مِن أنانيته. أما عند الإسلاميين فقد رُبِطَت المسألة بتحرير العبيد والتحرر مِن عبادة الأصنام، وبعدَ قرون مِن استقرار الدولة الإسلامية رُبِطَت الحرية بحدود أكبر، حيث أصبحت تناقش مفهوم الحرية مع الإله والوجود، ومساحة حريته في ظل أنَّ الله خلقه، وهل هو مُخَيَّر أم مسير أو الاثنين، وما مساحة الاختيار ونوعه الذي منحه الله للإنسان. وفي عصر التنوير حُددت الحرية لتشمل مجالاً إصلاحيًّا في المعتقدات وحرية الاجتهاد، فتحددت مفاهيم الدولة الحديثة وما تعطي الفرد مِن «حريات شخصية» حيث خرج الاعتقاد مِن دائرة المسلمات ليصبح حرية شخصية، وظهر في ذلك العصر بعض المفكرين الذين حاولوا التنظير في الحرية وربطها بالضمير والإرادة والمعرفة والعقل والأخلاق والقيم والمسؤولية والدين، ومنهم «ديكارت» و«كانط» و«نيتشه» و«سارتر» … إلخ، ومِن الناحية السياسية نظّر «ماركس» و«روسو» و«لوك» وَأَصَّلُوا الفكرة في الإنسان من الناحية الطبيعية والنفسية والسياسية. وظهرت على غرارها حركات سياسية كالتنوير والعلمانية والليبرالية والاشتراكية والأناركية والدادائية. وبين إفراط وتفريط، بين شَدٍّ وجذب، بين مُؤَيِّدٍ ومعارض، بين يَمِيني ويَسَاري، بين رافض ومُنْصِف ومُغالٍ -حدث هذا الخلط عندما تحوّلت الفكرة مِن مثال وقيمة إلى واقع سيء، حيث ضاع الإنسان البسيط بين نصوع الفكرة المثالية واسوداد التنفيذ، فحكم على الفكرة من خلال التنفيذ الخاطئ.

ثانيا: نظرة سارتر للحرية

سنقتصر في مقالنا على إيضاح نظرة سارتر للحرية والحرية المطلقة، أولاً لأنَّ المقام لا يتسع، وثانيًا لأنَّ نظريته مِن أكثر النظريات تَخَصُّصًا وشمولا وملامسة لنفس الإنسان، وتوضح العلاقة بين الوجود والإرادة والإيمان والمسؤولية والمعرفة بالحرية.

يعتقد سارتر أنَّ وجود الإنسان سابق لكينونته، فهو لم يكن شيئا قبل أنْ يكون، أي لا جوهر محدد له؛ بل يمضي في هذه الحياة منطلقًا يحاول اكتشاف ذاته وعالمه، ويصنع فيها خيره وشره «بإرادته» حتى لو نافى ذلك عقله. فالعقل في النهاية يرضخ للإرادة، فهو يُسَمِّي هذا خيرًا حتى لو اتفق الجميع على أنه شر، ويُسَمِّي هذا شرًّا حتى لو أضر بالجميع، فهو سيد خطواته في نهاية المطاف، وهو المسؤول بالإطلاق عن وجوده وأفعاله بعد أنْ يكتشف ذاته، ومِن هنا تنبع فكرة «الحرية المطلقة».

وهذا لا يعني أنَّ الحرية بمعنى الفوضى ما دام الإنسان لا حد له ولا رادع؛ بل يعني أنْ يكون الإنسان باختياره إِنْ عمل خيرًا أو شرًّا، لا أنْ تكون مِن مؤثرات خارجية كالمعتقدات أو التنشئة الاجتماعية، فإنْ لم ينل منها أصبح تائهًا؛ أي إنَّ الأخلاق والفضائل والخير لا بدَّ أنْ تنبع مِن الإنسان كونه ذاته، وذلك قمة التحرر.

وقد نقد سارتر نظرة ديكارت للحرية عندما حدد ماهية الخير والباطل، وأنَّ الحرية جاءت كتهديد تجاه الباطل والشر. إضافة إلى ذلك نقد فكرته بوجود مؤثر خارجي للحرية وهو الدين، وأنَّ الإنسان مُخَيَّر بين شيئين؛ بل هناك خيارات مفتوحة وهي نسبية، وهذا ما نراه لدى الإنسان في تطبيق مثالياته ومساوماته فيها، حيث تظهر ذاتيته فيها.

ولو جئنا واقعيًّا للإنسان نجد أنَّ الطفل وُلِدَ كصفحة بيضاء لا يعرف شيئًا، لكنه بعدها يبدأ تكوين معتقداته وأفكاره وقناعاته مِن الواقع، حيث يرضى ويسمح لنفسه للتعرض للتنشئة الاجتماعية والتعليم فيكون ذاته، ويمكن له أنْ يُغَير كل ذلك عندما يُقَرر ذلك، فإنْ انصاع للتنشئة فتلك إرادته، وإنْ رفضها فتلك إرادته، فالإنسان مسؤول عن اختياراته، فالبقاء والتأثر بالسائد كذلك اختيار!

يُعلِي سارتر مِن قيمة المسؤولية مقابل الحرية، فهي ثمنها بنظره ما دام الإنسان اختار بحرية، فيقول: «على الإنسان أنْ يذهب لأبعد حدود المسؤولية، حدود يعنيها الإنسان بذاته، أكان الله موجودًا أو غير موجود. وهذا يعني أن وجود الإنسان يرتكز دائما -شئنا أم أبينا- على الاختيار بحرية، عندما أقول: هي مشيئة الله، أكون قد اخترت قبل ذلك بين الإيمان بالله أو الكفر به».

ويبعد سارتر عن إطلاق الحريات الفردية في مجتمع ليس بحر، فهو يرى أنَّ الحر لا بد أنْ يعيش بين الأحرار، ومع ذلك يدعو سارتر بضرورة الدعوة لتحرير الناس ذاتيا، ولكنه نَوَّهَ لخطورة هذه الفكرة في أنها من الممكن أنْ تَضِل الناس عن المعنى الصحيح للحرية، حيث يمكن أنْ تُستَغَل لمآرب خاصة.

يعتقد سارتر أنَّ حرية الإنسان مرتبطة بحرية الآخرين، حيث لا يمكن أنْ يكون حرًّا دون أنْ يكون الآخرين أحرارًا، وأنَّ أي فعل يصدر مِن الإنسان -حتى لو كان شديد الخصوصية كالزواج- يفعله لأنه يعتقد أنَّ هذا الفعل هو المثالي، فيكون قدوة للناس، أو يوضح أنه نتيجة أو ردة فعل معبرًّا عن سخطه، أي إِنَّ فعله مرتبط بغريزة مشاركة الجماعة، فهو إنْ اختار شيئًا يؤكد بقيمة ما اختاره، وإنْ اختار نفسه يعني أنَّه اختار الناس جميعا.

وأخيرًا يقول: «ليس المهم أنْ نعرف لماذا نحن أحرار، ولكن المهم أنْ نعرف ما هي الطرق التي تؤدي للحرية، وهنا أرى نفسي أتفق مع هيجل القائل: (ما مِن أحد يستطيع أن يكون حرًّا، إنْ كان جميع الناس غير أحرار) إنَّ أول شرط من شروط الحرية أنْ يكون الناس أحرارًا، حتى وإنْ كنت ظالمًا، وضغطت على الآخرين، فأنا لست بحر. للسبب عينه؛ لأنني أخلُق حَولِي عَالَمًا من الظلم، أكون حبيسه»!

ثالثا: محاولة تقريب

(1) يبدو أنَّ نظرة سارتر مثالية، تناقش الحرية كقضية وجودية، وهي صعبة التطبيق من ناحية التخطيط والتنفيذ وتحريك الناس بها كأيديولوجيا؛ نظرًا لأنها نظرية ذاتية تخاطب الإنسان بعيدًا عن الجماعة، وهي تعطي الإنسان إحساسًا مبهرًا بالاستعلاء والمسؤول كذات، وذلك كشعور الخليفة والمعمر عند المسلمين، وأَنَّه سيد خطواته.

(2) تكمن الإيجابية في نظرية سارتر في خروج الإنسان مِن سطوة التسيير والجبر والتقاعس باسم القدر بأنْ يختار الإنسان، ويصنع من الموجودات ما يشاء، وهذا يتناسب مع فكرة التسخير، وأنَّ الإنسان يلزم عليه التعمير ولا يخاف من شيء، فالله رحيم إن هفى.

(3) أنقذ سارتر مفهوم الحرية مِن بشاعات الحركات السياسية، وسوء تطبيق أفكارها كالاشتراكية والحركات الدينية المتطرفة والأناركية بالذات التي تعد مفهومها للحرية مفهومًا طوباويا، وتنفيذها يميل لنوع من الطفولية العدوانية، ومبدأ أنَّ الغاية تُبَرر الوسيلة، واستخدام الحرية كشعارات فقط، وجعل الحرية مرتبطة بقضية ذاتية تكمن في حرية الإرادة.

(4) يكمن تخوّف الناس مِن فكرة الحرية المطلقة، وذلك بسبب التخوف مِن المسؤولية، فالاعتقادات الدينية والعادات والأعراف ضمنت لهم مصيرهم، فالتفكير في «المصير» وتقريره، هو مِن أشد الأمور إجهادًا ورعبًا على البشرية، فهي العنصر الذي يمكن أنْ تسيطر به على أي إنسان بسبب خوفه منها، فهنا لا بد أنْ يتحرر الإنسان من هذا الخوف، ويجابه نفسه بنفسه، ويكون مسؤولاً من ذاته.

(5) تَظْهَر الازدواجية الاجتماعية وتَعَارُض القيم عند المجتمع بسبب أنَّ قناعاته جاءت مِن مصدر خارجي غير الذات، فنرى الاستغلالات التي تحدث باسم الأخلاق والعادات والدين، فيمكن أنْ يَقتل، أنْ يَهتك الأعراض، أنْ يظلم، أنْ يستعلي ويستعبد بسبب سيطرة المؤثر الخارجي عليه دون تفكير، وهنا يتضح ضرورة أنْ يتوقف الإنسان عند نفسه، ويتساءل الأسئلة الوجودية الكبرى ليجد ذاته أين، وهل أفعاله عَن اقتناع ذاتي أم إرضاء آخرين؟

(6) النسبية في رؤية سارتر للأمور تلغي الخيارات المتناقضة والثنائيات؛ بل تتيح للإنسان خيارات لا حصر لها ناتجة من تقديراته المختلفة، فالنظرة الحدية خير أو شر، أبيض أو أسود منافية للتفكير السليم الشمولي، وهي كثيرًا ما أوقعت الإنسان والمجتمع في مغالطات وأضرار بسبب عدم وعي الإنسان بذاته، وما تتيحه له مِن حلول وآفاق متعددة.

(7) ارتباط مسألة الحرية عند العالم بالحرية الغريزية وجرائم الشرف توضح مدى عبودية الإنسان لغرائزه، ومدى سطوة المصادر الخارجية عليه دون تحرير ذاته، ناهيك عن الكبت الغريزي الذي فرضته، ومِن هنا لا بد أنْ يتحرر الإنسان مِن هذه المشاعر السلبية؛ ليصل إلى المعنى الحقيقي للحرية والخلاص.

(8) دعوة سارتر للتحرر لا يعني أنها مضادة للمعتقدات الدينية والعادات والأعراف والمصادر الخارجية؛ ولكنها دعوة للتأمل في الذات، والتحري في تلك المصادر، ودعوة بأنْ يكون قناعات الإنسان عن اختيار ووعي، فيمكن أنْ يقتنع الإنسان بضرورة الالتزام بتلك المصادر إنْ رأى ذلك نافعًا، واختار هذا الطريق.

(9) ما زال مجال الحرية مُبْهَمًا ومتشابكًا، فماذا لو وصلنا للحرية الذاتية عن كل المصادر الخارجية والمشاعر السلبية؟ ألن يكون هناك عبودية أخرى؟ وتعارض آخر على مستوى الاختلافات الفردية؟ ومنها ستخرج الصراعات ومحاولات الأدلجة، وبالتالي ظهور مصادر خارجية جديدة تزيغ الإنسان وتزيغ اختياراته، يبدو أنَّ هذا الجدل أزلي، ولكن لا يمنع من الإنسان محاولة التسامي والخلاص، فليس هناك نتيجة مثالية!

المراجع:

سارتر: الذباب، منشورات مكتبة الحياة، بيروت، ترجمة: حسين مكي.

16,155 total views, 8 views today