orignal.bmp

مشتاق بن موسى اللواتي

من مداخل دراسة أية حركة ثورية اجتماعية في التاريخ هو النظر في أهدافها وتحليل خطابها الفكري والتعرف على المبادئ العامة لبرنامجها الاجتماعي والسياسي في إطار البيئة الثقافية والاجتماعية المحيطة.  ثم تأتي الخطوة الأهم وهي البحث في مستوى مصداقيتها ومدى تطابق شعاراتها مع مواقف قادتها والمنتسبين اليها وأخيرا النظر في نتائجها وآثارها.

وفي هذه المقالة سنطل سريعا على بعض “الوثائق الإدارية والسياسية” المتعلقة بنهضة الإمام الحسين (عليه السلام) لنقف على أهم مرتكزات خطابه في مواجهة اعلام السلطة آنذاك.  ونتطرق الى نماذج مفعمة بعبق المناقبية السامية التي تحلى بها الحسين ورفاقه لننتهي الى ما يمكن استلهامه منها.

انطلق الاعلام السلطوي من قاعدة “الأمر الواقع” ومشروعية “سلطة المتغلب والمستبد” مهما كانت. ووظف مجموعة من المفاهيم الدينية الاجتماعية والسياسية لتجييش الجماهير ضد المعارضين وتسويغ بطش السلطة وإرهابها.

ارتكز هذا الاعلام على ان رأس السلطة السياسية يمثل محور المشروعية الواقعية ومنها تستمد شرعيته وبموجبها فهو الناطق باسم الدين وممثل الجماعة ولهذا تجب طاعته. وان أية معارضة له ولولاته   تشكل عصيانا ” لأولي الأمر أو الأئمة” وتعني بالتالي خروجا على الجماعة وتفريقا لكلمتها وإثارة للفتنة بل ومروقا من الدين مما يستوجب ملاحقة أصحابها ومقاتلتهم لإخماد الفتنة وإطفاء النائرة. وقد تأثرت بعض فروع النظرية السياسية في أدبيات “الأحكام السلطانية” بذلك. و بمراجعة النصوص التاريخية المتعلقة بواقعة كربلاء نجد أمثلة عديدة منها، نشير الى بعضها: كتب يزيد بن معاوية الى عبيد الله بن زياد لما ضم اليه الكوفة مع البصرة: ان مسلم بن عقيل يجمع الجموع و يشق عصا المسلمين .. فسر حتى تأتي أهل الكوفة فتطلب ابن عقيل   كطلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله. وخاطب ابن زياد الكوفيين: أيها الناس فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم ولا تختلفوا ولا تفرقوا. وقال لمسلم بن عقيل: أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتتهم وتفرق كلمتهم. وكتب لقائد الجيش عمر بن سعد بن أبي وقاص: فإن قتل حسين فأوطئ الخيل صدره وظهره، فإنه عاق مشاق قاطع ظلوم. وقال عمرو بن الحجاج وهو قائد الميمنة لجنده يوم عاشوراء: الزموا طاعتكم وجماعتكم ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الإمام. وقيل لشمر بن ذي الجوشن وهو قائد الميسرة ونائب القائد العام: كيف يغفر الله لك وقد أعنت على قتل ابن فاطمة؟ قال: ويحك فكيف نصنع؟ إن أمراءنا هؤلاء أمرونا بأمر فلم نخالفهم ولو كنا خالفناهم كنا شرا من هذه الحمر السقاة. وبالفعل تم توظيف هذه المفاهيم وترويجها في الرأي العام من خلال الأغلفة الدينية.

 وفي مواجهة الاعلام السلطوي طرح الإمام الحسين منظومة القيم الانسانية والمبادئ الاجتماعية التي دعا اليها الاسلام وهمشتها السلطة وناضل الحسين لبعث الحياة فيها. فمع تأكيده على أحقية أهل البيت بالأمر لكونهم أوصياء النبي (ص) ولما يتمتعون به من مؤهلات عالية، ركز على مؤهلات الإمام وخصائص خليفة النبي (ص) مؤكدا على قيم الحق والعدل والقسط والتحرر من سطوة الغريزة.  ودعا الى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإصلاح الفساد الأخلاقي والاستبداد السياسي ومقاومة الظلم الاجتماعي والاستئثار المالي. وهذه القيم متجلية في خطابه في مختلف المراحل. فلما طلب والي المدينة منه أن يبايع أجابه: إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة … ويزيد رجل فاسق شارب خمر قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق، مثلي لا يبايع مثله. فموقفه الرافض  يستند على منطق الانتماء الرسالي و الى افتقاد يزيد للمؤهلات الضرورية لهذا الموقع .  وحين دعاه مروان بن الحكم الى البيعة لأن فيها خيره، استرجع وقال: على الاسلام السلام إذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد. فلم يتأسس موقفه على منطلقات شخصية أو فئوية بل تأسس على اشتراطات موضوعية كانت معروفة في مجتمع المسلمين. وقبيل مغادرته المدينة أوصى أخاه محمدا بقوله: إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي. والمتأمل في خطابه يجده يستهدف توعية الأمة وإيقاظها وتحريك ضميرها وتحرير إرادتها وكشف الواقع أمامها. وفي كتابه لزعماء البصرة أكد على أهمية التحرك لتصحيح الأوضاع على مرجعية الكتاب والسنة قبل أن يستفحل الفساد، حيث كتب:

ان الله اصطفى محمدا (ص) من خلقه وأكرمه بنبوته … وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته وأحق الناس بمقامه فاستأثر علينا قومنا… وأنا أدعوكم الى كتاب الله وسنة نبيه، فإن السنة قد أميتت والبدعة قد أحييت.  وأشار الى المواصفات الشخصية والمسلكية “للإمام” في رده على الكوفيين: فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب الآخذ بالقسط والدائن بالحق والحابس نفسه على ذات الله.

 وخطب في الكتيبة العسكرية التي داهمتهم في الطريق: أيها الناس ان رسول الله قال: من رأى منكم سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله.  ألا وان هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق من غير. وكأنه بهذا الحديث النبوي يواجه المفاهيم التي أشاعتها السلطة والداعية الى الصبر والطاعة للأمراء مهما ظلموا وجاروا وانتهكوا الحرمات. وأماط اللثام عن الواقع وحدد وجوه الانحراف التشريعي والفساد المالي مما يستوجب الانكار بالفعل أو بالقول. وهكذا فهو يرسم معالم واضحة لنهج يتعارض مع نهج سلطوي مفروض بالقوة والبطش.  وكان على دراية تامة بأن مواقفه ستكلفه تضحيات جسيمة وهو القائل لابن الزبير وهو في مكة: وأيم الله لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا في حاجتهم. فهو يدرك مستوى جبروت السلطة وطغيانها.

 (2) 

لقد تجسدت المناقبية بأجلى صورها في الحسين ورفاقه في فصول كربلاء. فاجأ الحسين الجميع بمغادرته مكة المكرمة في يوم الثامن من ذي الحجة جاعلا من حجه عمرة مفردة، ولما سئل عن عدم تريثه ريثما يستكمل حجه؟ قال: لو لم أعجل لأخذت. وقال: أن أبي أخبرني ان بها كبشا سيستحل حرمتها فما أحب ان أكون ذلك الكبش. فهو لا يريد أن يقدم الذرائع للسلطة لهتك حرمة البيت الطاهر ولا يريد أن يتيح لها فرصا لاغتياله بصمت وفي ظروف غامضة.

واقترح بعض أصحابه أن يناجز كتيبة الحر الرياحي التي داهمتهم في الطريق لأن قتالهم أهون، فرد الحسين: ما كنت لأبدأهم بقتال. وفي يوم العاشر في كربلاء، رأى شمر بن ذي الجوشن النار تضطرم في خندق كان الحسين وأصحابه قد حفروه لحماية ظهر المخيم، فقال: يا حسين تعجلت بالنار؟  ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم، فمنعه الحسين وقال: أكره أن أبدأهم بقتال. فلم يكن هدفه أن يخوض قتالا بل أن يحتفظ بمواقفه الفكرية والسياسية الرافضة لبيعة حاكم فاقد لأدنى اشتراطات الشرعية، والداعية الى الاصلاح.

وعرض أحد أخوال العباس بن علي وهو عبد الله بن المحل على والي الكوفة أن يكتب أمانا للعباس وإخوته، فرحب بالفكرة، وكانت محاولة ماكرة فاشلة لتحييدهم وإبعادهم عن الحسين.  وجاءهم الرسول بكتاب الأمان عشية التاسع من المحرم، فردوا عليه: لا حاجة لنا في أمانكم، أمان الله خير من أمان ابن سمية. وكرر شمر عليهم نفس الأمر فردوه وقالوا: أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له ؟!

ولما زحفت آلاف العساكر المتجمعة في كربلاء نحو فسطاطه عصر التاسع من المحرم، دعا أخاه العباس وقال له: إن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة وتدفعهم عند العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره فهو يعلم أني أحب الصلاة له وتلاوة كتابه. وبات الحسين وأصحابه ليلتهم يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون. وفي ظهر العاشر من المحرم التفت اليه أبو ثمامة الصائدي: يا أبا عبد الله: نفسي لك الفداء، إني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، لا والله لا تقتل حتى أقتل دونك، وأحب أن ألقى ربي وقد صليت هذه الصلاة معك. قال: نعم، هذا أول وقتها، سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي، وبالفعل صلى بهم الحسين صلاة الخوف، أي الصلاة المشرعة لحالة الحرب.

لقد تعامل الحسين بشفافية عالية مع من رافقه في المسير فكان يطلعهم على جميع التطورات. و خيرهم مرارا أن يتركوه يتحمل تبعات مواقفه . و بالفعل تركه كثيرون بعد تغير الأوضاع في الكوفة . وفي ليلة العاشر جمعهم وقال لهم: هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، تفرقوا في سوادكم فإن القوم إنما يطلبوني ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري. فرفض أصحابه وأهله البررة إلا أن يقاتلوا بين يديه ويموتوا دونه وأجابوه: لا والله لا نفعل ولكن نفديك أنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل حتى نرد موردك فقبح الله العيش بعدك.  اختارت هذه النخبة مصيرها معه بمحض ارادتها دون أي حرج أو ضغط أو طمع في شيئ دنيوي.

كان الحسين يقف على مصارع أصحابه يؤبنهم كما كان يفعل مع أولاده وأهله. وهو يتلوا قوله تعالى: فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. (الاحزاب /23) و استمع الحر الرياحي الذي حاصرهم وجعجع بهم في الطريق، الى محاججاته للقوم فاقتنع بمنطقه. ولاحظ عليه زميله المهاجر بن أوس آثار الارتباك والتردد، فسأله: ما بك يا حر؟ لو قيل لي من أشجع أهل الكوفة ما عدوتك؟ قال: إني أخير نفسي بين الجنة والنار، فوالله لا أختار على الجنة شيئا. ومال الى جبهة الحسين طالبا التوبة والقتال بين يديه، فقال له الحسين: يتوب الله عليك ويغفر لك. ولما سقط صريعا أقبل اليه يؤبنه قائلا: أنت الحر كما سمتك أمك أنت الحر في الدنيا والآخرة. لقد اختار الحرية بمعناها العميق، حرر إرادته الداخلية من نزعات الغرائز المادية وتخلص من سيطرة الشهوات الدنيوية المتمثلة في مكافآت السلطة ومناصبها القيادية واتخذ قراره المصيري بمحض إرادته فكان حرا حقا.

وحاول شمر ببعض رجاله أن يخترق المخيم الحسيني ويبث الرعب في النساء والأطفال ويضعف المعنويات. فخاطبهم الحسين: ويلكم، إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا في أمر دنياكم أحرارا ذوي أحساب، امنعوا رحلي وأهلي من طغامكم وجهالكم. وهكذا ذكرهم بالقيم الأخلاقية التي تأبى هذه التجاوزات.

وحاول بكل الحجج المنطقية والدينية أن يثنيهم عن ارتكاب جريمة قتله فنصحهم ووعظهم وكشف لهم تناقضات الاعلام المضاد ولكنهم أصروا على مقاتلته.

وقال له قيس بن الأشعث وهو أحد القادة الميدانيين: أو لا تنزل على حكم بني عمك فانهم لن يروك إلا ما تحب؟

فرد عليه: لا والله لا أعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد. وأكد على ثبات موقفه قائلا: ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد وخذلان الناصر. وأخيرا استشهد هو وأولاده وأهل بيته وصحبه الأبرار ومضوا إلى ربهم صامدين صابرين ظامئين غير انهم رووا بدمائهم قيم الحياة الأبية الكريمة. ورفعت رؤوسهم على رماح عالية وأهديت الى “الولاة ” في مهرجان الانتصار!

ويتساءل الأستاذ سيد قطب قائلا: والحسين (رضوان الله عليه) وهو يستشهد في تلك الصورة العظيمة من جانب، المفجعة من جانب، أكانت هذه نصرا أم هزيمة؟ ويجيب: في الصورة الظاهرة وبالمقياس الصغير كانت هزيمة. فأما في الحقيقة الخالصة و بالمقياس الكبير فقد كانت نصرا . و يضيف : فما من شهيد في الأرض تهتز له الجوانح بالحب و العطف و تهفو له القلوب و تجيش بالغيرة و الفداء كالحسين رضوان الله عليه . يستوي في هذا المتشيعون و غير المتشيعين من المسلمين . وكثير من غير المسلمين. وأردف: وكم من شهيد ما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة، ويحفز الألوف الى الأعمال الكبيرة بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه. فتبقى حافزا محركا للأبناء والأحفاد وربما كانت حافزا محركا لخطى التاريخ كله مدى الأجيال.

(3)

لقد رام الحسين أن يعيد الى الاسلام مضمونه الاجتماعي وأن يبعث بدمه الحياة الى قيمه ومثله العليا. إن أهدافه كانت متناغمة مع الرسالات السماوية “إنا أرسلنا رسلنا بالبيات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط”. (الحديد /57) فليس الاسلام مجرد طقوس مفرغة بل إن شعائره تنطوي على غايات أخلاقية سامية. “إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر” (العنكبوت /45) وحركة الحسين كانت تنشد قيم الحق والعدل والعزة والكرامة لكي يعيش الانسان انسانيته. ولم ينطلق الحسين من خلافات عائلية قديمة كما يحلو لبعض المؤرخين والباحثين وكما توحي رسالة المقريزي ” النزاع والتخاصم بين بني أمية وبني هاشم “. وإلا فبناء على هذه القراءة، هل كان كفاح النبي المصطفى (ص) مع أبي سفيان امتدادا لنزاعات عائلية في الجاهلية، لكون أحدهما ينحدر من هاشم والآخر من أمية؟ والحسين هو سبط رسول الله (ص) وربيبه وقد ورد عنه (ص) كما في سنن الترمذي ومستدرك الحاكم وصحيح ابن حبان وغيرهم: حسين مني وأنا من حسين. و لا يمكن أن ينطلق من تلك الخلفيات  . كانت حركته  لطلب الاصلاح في أمة جده المصطفى (ص)  و لم تكن حركة فتنة حسب بعض الأدبيات التي تستند على مشروعية التغلب و الاستبداد . إن سبل الانتهازية المصلحية كانت مشرعة أمام الحسين وصحبه بل لقد عرضت عليهم عروض الاستسلام في مختلف المراحل غير انهم آثروا أن يذودوا عن المبادئ التي آمنوا بها مهما غلا الثمن. ولم يكن الحسين وهو ” سيد شباب أهل الجنة ” ليسعى الى تأجيج الفتن في مجتمعات المسلمين، ولكنها النعوت السلطوية الجاهزة التي يرمى بها كل ثائر ومناضل.

ولم يكن الحسين من السذاجة بحيث يغرر به رجال الكوفة حسبما يوهم مؤرخوا السلطة. لقد أبان موقفه الرافض  منذ أول يوم أريد فيه تحويل الخلافة الى ملوكية كسروية هرقلية . و لم تكن حركة الحسين  فئوية أو عائلية أو عشائرية أو طائفية . و من الناحية التاريخية ، انها وقعت  قبل ظهور المذاهب الفقهية و الاتجاهات العقدية . فهي حركة تتعالى على كل تلكم الانتماءات المحدودة ولا يصح أسرها فيها. ولا مسوغ للجدالات العقيمة التي تثيرها بعض البرامج الاعلامية من تحميل هذا الاتجاه أو ذاك تبعات تلكم الدماء الزاكية. وهب ان أسلاف بعض الأطياف اشتركت مع هذا الطرف أو ذاك، فهل تزر وازرة وزر أخرى؟   فلا يجوز تحميل الأجيال اللاحقة مسؤولية تصرفات الماضيين؟  وإلا هل تتحمل الأجيال الحالية والقادمة تبعات ما عاناه النبي الكريم والمسلمون الأوائل من محاربة العرب العرباء لهم؟  إن تحميل الخلف تبعات أعمال السلف أمر لا يقره عقل ولا دين ولا خلق. ” ولا تزر وازرة وزر أخرى” (الانعام /164).

إن هذا الاعلام يعكس إفلاسا في الفكر وفقرا في القيم وانحدارا في مزاولة المهنة. انها محاولات سلطوية قديمة جديدة لابعاد الاجيال عن مقاربة النهج الحسيني  و الاستلهام من روحه . ان نهجه نبراس للأمة كلها بل هو نهج يعلي من شأن القيم الانسانية الرفيعة ولهذا فهو منهل عذب يغترف منه كل من ينزع نحو الإباء والشرف والتحرر والعيش الكريم أيا كان انتماؤه الديني والفلسفي.

يقول الشاعر العربي بولس سلامة:

سيكون الدم الزكي لواء ……لشعوب تحاول استقلالا

فيكون القتيل بالطف للأحرار رأسا، وللهدى مشعالا

سوف تبكي على الحسين البواكي … و ُيرى كل محجر شلالا

مأتم القاتلين لا مأتم القتلى … يسيرون للخلود عجال

لندرس الحسين -على الأقل – كما ندرس سير الثائرين و المصلحين ، ولنقارب حركته كما نقارب حركات النضال من أجل الاصلاح ، فلا تزال أنوارها و اشعاعاتها  تنير للشرفاء والأحرار الطريق وتقدم لهم الزاد اللازم. لقد استشهد الحسين وأهل بيته وصحبه البررة وألسنتهم تتمتم بآيات الذكر الحكيم وتلهج بشعارات العزة والكرامة: كونوا أحرارا في دنياكم وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون.

و أخيرا أقول: حري بمن يعنى بتجديد ذكرى عاشوراء أن يجعل منها مناسبة لتعميق قيم الحسين، و يسعى لتنقيتها – الذكرى – مما شابها من تصرفات لا تعكس غاياتها ولا تعبر عن مقاصدها. حان الوقت لأن نجعل من ذكرى عاشوراء تظاهرة إنسانية تحمل خطاب الحسين للعالم أجمع.

و الحمد لله رب العالمين .

أهم المصادر:

الفتوح لابن أعثم الكوفي

تاريخ الأمم و الملوك لأبي جعفر الطبري

البداية و النهاية لابن كثير

مقتل الحسين للموفق الخوارزمي

في ظلال القرآن لسيد قطب

ملحمة الغدير لبولس سلامة

2,807 total views, 24 views today