إيمان‭ ‬شمس‭ ‬الدين

الهُوية‭ ‬هي‭ ‬المُعرِّف‭ ‬عن‭ ‬فرد‭ ‬أو‭ ‬مجتمع‭ ‬أو‭ ‬دولة،‭ ‬تدلُّنا‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬والأيديولوجيا‭ ‬السائدة‭ ‬وطابع‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد؛‭ ‬فترسم‭ ‬معالم‭ ‬المشهد‭ ‬الإنساني،‭ ‬وطريقة‭ ‬تفاعله‭ ‬مع‭ ‬ذاته‭ ‬ومحيطه؛‭ ‬فتكون‭ ‬بمثابة‭ ‬المفتاح‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬نقرأ‭ ‬داتا‭ ‬الفرد‭ ‬والمجتمع،‭ ‬وتتضح‭ ‬آليات‭ ‬التواصل‭ ‬والاتصال‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الشعوب‭ ‬والمجتمعات‭ ‬والأقطار‭.‬

التفاعل‭ ‬الحضاري‭:‬

للهُوية‭ ‬معالم‭ ‬ثابتة‭ ‬تعبِّر‭ ‬عن‭ ‬شخصية‭ ‬اعتبارية‭ ‬لحاملها،‭ ‬وتؤثر‭ ‬في‭ ‬محيطها،‭ ‬ولكنْ‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬جانب‭ ‬متأثر‭ ‬تأثرا‭ ‬خاضعا‭ ‬لظروف‭ ‬العصر‭ -‬أي‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان‭- ‬حيث‭ ‬جانبها‭ ‬المتغيِّر‭ ‬الذي‭ ‬يتطور‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التغافل‭ ‬الحضاري‭ ‬مع‭ ‬الثقافات‭ ‬الأخرى،‭ ‬وما‭ ‬أعنيه‭ ‬بالتفاعل‭ ‬الحضاري‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬تداخل‭ ‬إيجابي‭ ‬يؤثر‭ ‬ويتأثر،‭ ‬ويطوِّر‭ ‬وينهض‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استفادته‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬الهُويات‭ ‬الأخرى‭ ‬الإيجابية‭ ‬النهضوية،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتغير‭ ‬ملامحه‭ ‬الثابتة‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬بصمته‭ ‬الخاصة‭.‬

الغرب‭ ‬بين‭ ‬الإحلال‭ ‬والتفاعل‭:‬

جاء‭ ‬المشروع‭ ‬الإسلامي‭ ‬بفهم‭ ‬حضاري‭ ‬للتفاعل‭ ‬يهدف‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬أمرين؛‭ ‬الأول‭: ‬تفعيل‭ ‬القيم‭ ‬الثابتة‭ ‬في‭ ‬فضاءات‭ ‬المعرفة‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬خارج‭ ‬الجسد‭ ‬الإسلامي؛‭ ‬حيث‭ ‬القيم‭ ‬الثابتة‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الفطرة‭ ‬الإنسانية‭ ‬وتفعيلها‭ ‬كسلوك؛‭ ‬حيث‭ ‬التفاعل‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬إزالة‭ ‬الحُجب‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬لتمرير‭ ‬تلك‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬تمهد‭ ‬الطريق‭ ‬لتحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬البشر‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬لوازم؛‭ ‬أهمها‭: ‬امتلاك‭ ‬هذه‭ ‬الحضارة‭ ‬مقومات‭ ‬التأثير‭ ‬من‭ ‬مكنة‭ ‬واكتفاء‭ ‬ذاتي‭ ‬وتكافؤ‭ ‬علمي‭ ‬وتحقيق‭ ‬منجز‭ ‬حضاري‭ ‬فاعل‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬يُسهِّل‭ ‬عملية‭ ‬السريان‭ ‬المعرفي‭ ‬بين‭ ‬الإسلام‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬الحضارات‭.‬

والأمر‭ ‬الثاني‭: ‬المواكبة‭ ‬والمعاصرة،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتحقق‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاطلاع‭ ‬على‭ ‬تجارب‭ ‬الحضارات‭ ‬الأخرى،‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬إبداعاتها‭ ‬العلمية،‭ ‬ونهضتها‭ ‬القيمية‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬المشترك‭ ‬الإنساني،‭ ‬مع‭ ‬الأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬الاختلافات‭ ‬المنهجية‭ ‬والمنطلقات‭ ‬القاعدية‭ ‬لكل‭ ‬حضارة؛‭ ‬أي‭ ‬هو‭ ‬تواصل‭ ‬واتصال‭ ‬ومشاركة‭ ‬واكتساب‭ ‬خبرات‭ ‬تفعل‭ ‬المسكوت‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬اللاوعي‭ ‬الإنساني،‭ ‬وتطور‭ ‬من‭ ‬نظرة‭ ‬المجتمعات‭ ‬للحياة،‭ ‬وتزيل‭ ‬الأغلال‭ ‬غير‭ ‬السليمة‭ ‬التي‭ ‬توارثتها‭ ‬المجتمعات‭ ‬عن‭ ‬الآباء‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬مسوغ‭ ‬عقلي‭ ‬وشرعي‭ ‬لها‭.‬

أهمية‭ ‬التفاعل‭:‬

تكمُن‭ ‬أهمية‭ ‬التفاعل‭ ‬في‭ ‬أمور‭ ‬عديدة؛‭ ‬أهمها‭:‬

‭- ‬توسيع‭ ‬المدارك‭ ‬المعرفية،‭ ‬وتنضيجها‭ ‬بالاطلاع‭ ‬على‭ ‬تجارب‭ ‬الآخرين‭ ‬البشرية‭.‬

‭- ‬تفعيل‭ ‬مفهوم‭ ‬التعدد‭ ‬الإيجابي،‭ ‬وثقافة‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الصندوق،‭ ‬وإرساء‭ ‬مفهوم‭ ‬تعددي‭ ‬يوسع‭ ‬مساحات‭ ‬الاشتراك‭ ‬المعرفي؛‭ ‬وبالتالي‭ ‬يفعل‭ ‬عمليا‭ ‬مفهوم‭ ‬التعايش‭ ‬والتسامح‭ ‬الحضاري‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬التكافؤ‭ ‬الإثني،‭ ‬وليس‭ ‬الإحلال‭ ‬والإلغاء‭.‬

‭- ‬ينضج‭ ‬القدرات‭ ‬العقلية‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬الدين‭ ‬بما‭ ‬يحفظ‭ ‬خاتميته‭ ‬ودون‭ ‬المساس‭ ‬بخلوده،‭ ‬ويعمل‭ ‬على‭ ‬تذليل‭ ‬العقبات‭ ‬أمام‭ ‬العقول‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬الجسد‭ ‬الإسلامي‭ ‬لفهم‭ ‬هذا‭ ‬الدين‭ ‬الخاتم،‭ ‬ومحاولة‭ ‬ترصيف‭ ‬رؤيتهم‭ ‬الكونية‭ ‬بمفاهيمه‭ ‬عن‭ ‬التوحيد‭ ‬والعبودية‭.‬

‭- ‬يبسط‭ ‬نفوذ‭ ‬الله‭ ‬قبال‭ ‬نفوذ‭ ‬القداسات‭ ‬السياسية‭ ‬والدينية؛‭ ‬حيث‭ ‬تفعيل‭ ‬مفهوم‭ ‬العبودية‭ ‬والحرية‭ ‬الحقيقية‭ ‬يزيل‭ ‬كل‭ ‬الحجب‭ ‬العقلية‭ ‬في‭ ‬لا‭ ‬وعي‭ ‬الشعوب‭ ‬التي‭ ‬اشتغل‭ ‬عليها‭ ‬المستبد؛‭ ‬أيًّا‭ ‬كان‭ ‬لاستعباد‭ ‬الجمهور‭ ‬وتمكين‭ ‬سلطته‭ ‬عليه‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬تفاعلًا‭ ‬مقتدرًا‭ ‬ومدركًا‭ ‬للآخر،‭ ‬ويمتلك‭ ‬المكنة‭ ‬في‭ ‬اختراق‭ ‬لا‭ ‬وعيه‭ ‬بوسائل‭ ‬يفهمها‭ ‬هو،‭ ‬ويمكنها‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬عقله‭ ‬وقلبه‭.‬

معايير‭ ‬التفاعل‭ ‬الحضاري‭:‬

‭- ‬يحتاج‭ ‬التفاعل‭ ‬مكنة‭ ‬وقدرة‭ ‬واكتفاءً‭ ‬ذاتيًّا‭ ‬يكون‭ ‬إمَّا‭ ‬مُتكافئ‭ ‬مع‭ ‬الآخر،‭ ‬أو‭ ‬يسبقه‭ ‬بدرجة،‭ ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬مقوِّمات‭ ‬التحصين‭ ‬الذاتي‭ ‬للثوابت‭ ‬ومقومات‭ ‬الوجود؛‭ ‬فيكون‭ ‬التفاعل‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬التأثير‭ ‬والتأثر‭ ‬الإيجابي‭. ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬عدم‭ ‬توافر‭ ‬المكنة‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬حالنا‭ ‬أن‭ ‬ننغلق‭ ‬على‭ ‬ذاتنا،‭ ‬ولكن‭ ‬تصبح‭ ‬مساحة‭ ‬التفاعل‭ ‬أضيق‭ ‬حفاظا‭ ‬على‭ ‬الهُوية‭ ‬لعامة‭ ‬الناس،‭ ‬فيكون‭ ‬التفاعل‭ ‬مقتصرًا‭ ‬على‭ ‬طبقة‭ ‬النخب،‭ ‬والتي‭ ‬تسعى‭ ‬بتفاعلها‭ ‬هذا‭ ‬لتحصين‭ ‬الداخل،‭ ‬وإيجاد‭ ‬إجابات‭ ‬للتساؤلات‭ ‬المطروحة‭ ‬نتيجة‭ ‬تسرُّب‭ ‬ثقافة‭ ‬الآخر‭ ‬للجسد،‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬ضوابط‭ ‬ولا‭ ‬حصانة‭ ‬ولا‭ ‬مكنة؛‭ ‬فتكون‭ ‬النخبة‭ ‬بمثابة‭ ‬الفلتر‭ ‬الذي‭ ‬يُحاول‭ ‬تثبيت‭ ‬الثوابت‭ ‬وغربلة‭ ‬الشوائب‭ ‬وممارسة‭ ‬عمل‭ ‬تحصيني‭ ‬قادر‭ ‬لا‭ ‬أقل‭ ‬على‭ ‬درء‭ ‬الشبهات‭ ‬وحماية‭ ‬الهُوية،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يطمح‭ ‬للتأثير‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬نظاق‭ ‬النخبة‭ ‬عند‭ ‬الآخر؛‭ ‬فتتغيَّر‭ ‬الأولويات‭ ‬هنا‭ ‬نتيجة‭ ‬عدم‭ ‬توافر‭ ‬المعايير‭ ‬من‭ ‬أولوية‭ ‬التأثير‭ ‬الواسع‭ ‬إلى‭ ‬أولوية‭ ‬التحصين‭ ‬مع‭ ‬التأثير‭ ‬المحدود،‭ ‬والسعي‭ ‬الدؤوب‭ ‬لتوفير‭ ‬معايير‭ ‬التفاعل‭ ‬الحضاري‭.‬

‭- ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬التفاعل‭ ‬الحضاري‭ ‬مع‭ ‬توفر‭ ‬معاييره،‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬بنية‭ ‬الأمة‭ ‬قوية‭ ‬وهويتها‭ ‬محصنة‭ ‬بشكل‭ ‬علمي‭ ‬برهاني،‭ ‬بل‭ ‬لديها‭ ‬فلتر‭ ‬للشبهات‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬كل‭ ‬محاولات‭ ‬الإقصاء،‭ ‬وتمتلك‭ ‬العزة‭ ‬والكرامة،‭ ‬وهما‭ ‬قيمتان‭ ‬تحافظان‭ ‬على‭ ‬الهُوية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحقيق‭ ‬حالة‭ ‬الاعتزاز‭ ‬بها،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تأسيس‭ ‬المجال‭ ‬الإدراكي‭ ‬للأمة،‭ ‬وتحصينها‭ ‬بالعلم‭ ‬والمنهج‭ ‬البرهاني‭ ‬الذي‭ ‬يحاور‭ ‬ويمتلك‭ ‬وعيا‭ ‬وجوديا‭ ‬ومنفتحا‭ ‬على‭ ‬الآخر‭ ‬ومدركا‭ ‬له‭ ‬ولمبانيه‭. ‬فالعلم‭ ‬معيار‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التفاعل‭ ‬الحضاري،‭ ‬وأعني‭ ‬هنا‭ ‬معرفة‭ ‬الذات‭ ‬معرفة‭ ‬عميقة،‭ ‬ومعرفة‭ ‬الآخر‭ ‬أيضا‭ ‬معرفة‭ ‬عميقة‭ ‬وامتلاك‭ ‬أدوات‭ ‬منهجية‭ ‬علمية‭ ‬رصينة‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬التفاعل‭ ‬الحضاري‭.‬

الغرب‭ ‬ونزعة‭ ‬الهيمنة‭:‬

تاريخيًّا،‭ ‬نشأتْ‭ ‬أوروبا‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬نزعات‭ ‬الهيمنة‭ ‬والتوسع،‭ ‬وكانت‭ ‬الحروب‭ ‬والإغارات‭ ‬الوسيلة‭ ‬الأنجع‭ ‬في‭ ‬بسط‭ ‬النفوذ‭ ‬وفرض‭ ‬النموذج‭ ‬الثقافي‭ ‬والسياسي،‭ ‬ومع‭ ‬التقادُم‭ ‬وبعد‭ ‬عَصر‭ ‬التنوير‭ ‬بالذات‭ ‬وتضاؤل‭ ‬هيمنة‭ ‬الكنيسة،‭ ‬وما‭ ‬حققته‭ ‬أوروبا‭ ‬من‭ ‬اكتشافات‭ ‬علمية‭ ‬هائلة‭ ‬مكَّنتها‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬من‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬الطبيعة،‭ ‬لم‭ ‬يغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬نزعتها‭ ‬للتوسع‭ ‬والهيمنة‭ ‬باحثة‭ ‬عن‭ ‬الثروات‭ ‬الجغرافية‭ ‬والمعدنية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬ثروة‭ ‬الطاقة؛‭ ‬فقامت‭ ‬باستعمار‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬منطقتنا،‭ ‬وخلال‭ ‬الاستعمار‭ ‬العسكري‭ ‬مارست‭ ‬استعمارًا‭ ‬ثقافيًّا،‭ ‬حاولت‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬السطو‭ ‬على‭ ‬المجال‭ ‬الإدراكي‭ ‬للشعوب‭ ‬المحتلة؛‭ ‬حيث‭ ‬ركَّز‭ ‬المستعمر‭ ‬على‭ ‬المجال‭ ‬التعليمي؛‭ ‬ففتح‭ ‬مدارس‭ ‬تابعة‭ ‬له‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬يضع‭ ‬مناهجها،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬يفرض‭ ‬قيمه‭ ‬ونظرته‭ ‬الوجودية‭ ‬ورؤاه‭ ‬المعرفية‭ ‬وبنيته‭ ‬القيمية،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬أيَّ‭ ‬اعتبار‭ ‬لاختلاف‭ ‬الثقافات‭ ‬والهُوية،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬القوة‭ ‬والنفوذ‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬يهيمن‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬والثروات،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬عقول‭ ‬البشر‭ ‬ليمحو‭ ‬كل‭ ‬اتصال‭ ‬لهم‭ ‬بهويتهم‭ ‬الخاصة،‭ ‬ويرسم‭ ‬لهم‭ ‬معالم‭ ‬هُوية‭ ‬جديدة‭ ‬مرتبطة‭ ‬به‭ ‬هو‭ ‬حتى‭ ‬يتحول‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬ذهنية‭ ‬الشعوب‭ ‬المحتلة‭ ‬من‭ ‬مستعمر‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬ضروري‭ ‬تحتاجه‭ ‬الشعوب‭ ‬لتحقيق‭ ‬طموحاتها‭ ‬في‭ ‬العلم،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬ترزح‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الاستبداد‭ ‬العثماني‭ ‬لترى‭ ‬فيه‭ ‬الخلاص،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يطمح‭ ‬المستعمر‭ ‬لأن‭ ‬يطرح‭ ‬نفسه‭ ‬لتلك‭ ‬الشعوب‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬خلاصها‭ ‬من‭ ‬الاستبداد‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬من‭ ‬الاستعمار‭ ‬العسكري،‭ ‬لم‭ ‬تُفلح‭ ‬محاولاته‭ ‬تلك،‭ ‬بل‭ ‬تحوَّل‭ ‬من‭ ‬مخلص‭ ‬إلى‭ ‬مستعمر،‭ ‬ترى‭ ‬فيه‭ ‬الشعوب‭ ‬وحشًا‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يفتك‭ ‬بها؛‭ ‬فكان‭ ‬القرار‭ ‬هو‭ ‬المقاومة‭ ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬التمسك‭ ‬بالهُوية،‭ ‬ورفضا‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬له‭ ‬صلة‭ ‬بهذا‭ ‬المستعمر،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬عدم‭ ‬تأثر‭ ‬كثيرين‭ ‬بهُوية‭ ‬هذا‭ ‬المستعمر‭ ‬وببنيته‭ ‬الفكرية‭ ‬والفلسفية،‭ ‬لكن‭ ‬كان‭ ‬الجو‭ ‬الغالب‭ ‬هو‭ ‬الرفض‭ ‬والتحصين‭ ‬ومزيد‭ ‬من‭ ‬التمسك‭ ‬بالهُوية‭.‬

وهنا،‭ ‬تشكَّلت‭ ‬لدينا‭ ‬تيارات‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المستعمر‭ ‬للأرض‭:‬

أ‭-‬‭ ‬تيار‭ ‬وجد‭ ‬فيه‭ ‬الخلاص،‭ ‬وانجذب‭ ‬لكل‭ ‬محمولاته‭ ‬العلمية‭ ‬والثقافية،‭ ‬ليصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬منه،‭ ‬ولم‭ ‬يتوان‭ ‬هذا‭ ‬التيار‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬عسكريًّا‭ ‬معه‭ ‬ضد‭ ‬أرضه‭ ‬وشعبه؛‭ ‬كون‭ ‬مكنة‭ ‬المستعمر‭ ‬العسكرية‭ ‬والعلمية‭ ‬استطاعت‭ ‬السطو‭ ‬على‭ ‬المجال‭ ‬الإدراكي‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬النخب‭ ‬الذين‭ ‬بهرتهم‭ ‬الإنجازات‭ ‬العلمية‭ ‬والحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬ببعدها‭ ‬المادي‭ ‬الذي‭ ‬قدَّم‭ ‬خدمات‭ ‬للإنسان،‭ ‬وسهل‭ ‬عليه‭ ‬حياته‭ ‬كما‭ ‬يظهر‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭.‬

ب‭- ‬تيار‭ ‬رفض‭ ‬رفضًا‭ ‬كبيرا‭ ‬وحاسما‭ ‬كلَّ‭ ‬ما‭ ‬له‭ ‬علاقة‭ ‬بهذا‭ ‬المستعمر،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العلم‭ ‬والثقافة‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬نافع،‭ ‬ويُمكن‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬تجربة‭ ‬بشرية‭ ‬تدفع‭ ‬باتجاه‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬توسعة‭ ‬المدارك؛‭ ‬وذلك‭ ‬لأن‭ ‬المستعمر‭ ‬هيمنته‭ ‬العسكرية‭ ‬ومطامعه‭ ‬التوسعية‭ ‬ونزوعه‭ ‬نحو‭ ‬إقصاء‭ ‬الآخر‭ ‬استخدمَ‭ ‬العلم‭ ‬ليس‭ ‬لأجل‭ ‬خدمة‭ ‬الآخر،‭ ‬بل‭ ‬كوسيلة‭ ‬للهيمنة‭ ‬عليه‭ ‬وإقصاء‭ ‬ثقافته‭ ‬وهويته؛‭ ‬لتحل‭ ‬محلها‭ ‬الهُوية‭ ‬الاستعمارية‭ ‬وثقافتها‭.‬

ج‭- ‬تيار‭ ‬امتلكَ‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬المرونة،‭ ‬واستطاع‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬المنجز‭ ‬العلمي،‭ ‬ولم‭ ‬يسمح‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تغيير‭ ‬الهُوية،‭ ‬ولا‭ ‬الإحلال‭ ‬الثقافي،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬مُحصَّنا‭ ‬ضد‭ ‬أي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الإحلال،‭ ‬لكنه‭ ‬استفاد‭ ‬من‭ ‬منجزات‭ ‬الغرب‭ ‬الحضارية‭ ‬والعلمية‭.. ‬وهم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬قلة،‭ ‬لكنهم‭ ‬نُخبة‭.‬

وبعد‭ ‬الانسحاب‭ ‬العسكري‭ -‬نتيجة‭ ‬ضربات‭ ‬المقاومة،‭ ‬وتقسيم‭ ‬المنطقة،‭ ‬ووضع‭ ‬أنظمة‭ ‬مستبدة‭ ‬وموالية‭ ‬للمستعمرين‭- ‬بدأت‭ ‬عملية‭ ‬غزو‭ ‬وحرب‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر،‭ ‬تهيِّئ‭ ‬أرضية‭ ‬وقابليات‭ ‬الشعوب‭ ‬لتصبح‭ ‬سوقا‭ ‬استهلاكية‭ ‬لسلع‭ ‬الغرب‭.‬

وظهرتْ‭ ‬ازدواجية‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬شعارات‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وفي‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬دعمه‭ ‬لأنظمة‭ ‬استبدادية‭ ‬قمعية،‭ ‬وكانت‭ ‬شعارات‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والحرية‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬كورقة‭ ‬ضغط‭ ‬في‭ ‬يده،‭ ‬يستخدمها‭ ‬ضد‭ ‬الأنظمة‭ ‬لتمرير‭ ‬مشاريعه،‭ ‬خاصة‭ ‬تلك‭ ‬المتعلقة‭ ‬بتمكين‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬الداخلية‭.‬

وفي‭ ‬تقرير‭ ‬حول‭ ‬ممارسات‭ ‬صندوق‭ ‬التقد‭ ‬الدولي‭ ‬يوضح‭ ‬وحشية‭ ‬الممارسات‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬هذا‭ ‬البنك،‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ “‬الإنماء‭ ‬وسد‭ ‬العجز‭”‬؛‭ ‬حيث‭ ‬يُوضح‭ ‬التقرير‭ ‬أنَّ‭ ‬الصندوق‭ ‬يعيد‭ ‬خلق‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬صورته،‭ ‬ويوضح‭ ‬كيف‭ ‬يبشر‭ ‬بـ‭”‬دين‭” ‬أوحد‭ ‬للتقدم‭. ‬ويذكر‭ ‬التقرير‭ ‬أنه‭” ‬عندما‭ ‬تم‭ ‬إنشاء‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬وصندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬1945،‭ ‬مباشرة‭ ‬بعد‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية؛‭ ‬كان‭ ‬الهدف‭ ‬المعلن‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬هو‭ ‬العمل‭ ‬على‭ “‬تعزيز‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬والتعاون‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬النقدي‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭”‬،‭ ‬لكن‭ ‬وبعد‭ ‬تتبُّع‭ ‬آثار‭ ‬تدخلات‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬النامية‭ ‬خصوصًا،‭ ‬يتَّضح‭ ‬وجه‭ ‬آخر‭ ‬لتعاملات‭ ‬مشبوهة‭ ‬غير‭ ‬تلك‭ ‬المعلنة؛‭ ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬استخدام‭ ‬الشروط‭ ‬نفسها‭ ‬والحلول‭ ‬الماليَّة‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تطلب‭ ‬القروض‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات،‭ ‬تدفع‭ ‬بأجندة‭ ‬تخدم‭ ‬مصالح‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬وأصحاب‭ ‬الأموال‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬إضافة‭ ‬للدول‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬نفوذًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭.‬

وتروِّج‭ ‬هذه‭ ‬المؤسّسات‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬لسياساتها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬المنفذ‭ ‬الوحيد‭ ‬للدول‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬عجزًا‭ ‬ماليا،‭ ‬وبتقديمها‭ ‬للقروض‭ ‬المالية‭ ‬المشروطة‭ ‬بتنفيذ‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬المعنية‭ ‬سياساتها‭ ‬الليبرالية؛‭ ‬فإنها‭ ‬تُحكم‭ ‬قبضتها‭ ‬على‭ ‬الاقتصاديات‭ ‬الناشئة‭ ‬وترهن‭ ‬مستقبلها،‭ ‬وتجعل‭ ‬أسواقها‭ ‬في‭ ‬أيدي‭ ‬الشركات‭ ‬العالمية‭ ‬الكبرى‭ ‬بعد‭ ‬فتحها‭ ‬ورفع‭ ‬أيدي‭ ‬الدولة‭ ‬عن‭ ‬التنظيم‭ ‬ومتابعة‭ ‬السوق؛‭ ‬مما‭ ‬يُدخلها‭ ‬في‭ ‬منافسة‭ ‬غير‭ ‬متكافئة‭.‬

ما‭ ‬إن‭ ‬تلجأ‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬لأخذ‭ ‬قرض‭ ‬من‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الصندوق‭ ‬يبدأ‭ ‬في‭ ‬تشغيل‭ ‬الأسطوانة‭ ‬نفسها،‭ ‬وتلاوة‭ ‬القائمة‭ ‬المتكررة‭ ‬من‭ ‬الشروط‭ ‬والطلبات‭: ‬إصلاحات‭ ‬هيكلية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬تتضمن‭ ‬بيع‭ ‬الشركات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة،‭ ‬وتقليص‭ ‬الموظفين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬العمومي‭ ‬وتقليص‭ ‬رواتبهم،‭ ‬وفتح‭ ‬الأسواق‭ ‬للاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬بلا‭ ‬شروط،‭ ‬وتشجيع‭ ‬الاستيراد‭ ‬وتقليص‭ ‬الدعم‭ ‬الحكومي‭ ‬للفئات‭ ‬الفقيرة،‭ ‬والتخلي‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬العمال‭ ‬والفلاحين‭ ‬وإضعاف‭ ‬النقابات‭.” ‬ويذكر‭ ‬التقرير‭ ‬تجربة‭ ‬الصندوق‭ ‬مع‭ ‬مالاوي‭ ‬قائلا‭: “‬تحولت‭ ‬مالاوي‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬أراضٍ‭ ‬زراعية‭ ‬يتحكم‭ ‬فيها‭ ‬لوبي‭ ‬السجائر‭ ‬العالمي،‭ ‬ويحرص‭ ‬على‭ ‬مصالحه‭ ‬التجارية‭ ‬بشكل‭ ‬قانوني‭ ‬تمامًا،‭ ‬بفضل‭ ‬السوق‭ ‬المفتوحة‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭. ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يُدخن‭ ‬الأوروبي‭ ‬أو‭ ‬الأمريكي‭ ‬السجائر‭ ‬بأرخص‭ ‬سعرٍ‭ ‬مُمكن،‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬أن‭ ‬يجوع‭ ‬الملايين‭ ‬في‭ ‬مالاوي‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬النامية‭ ‬التي‭ ‬زارها‭ ‬مسؤول‭ ‬من‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭”.‬

حيث‭ ‬أشار‭ ‬تقرير‭ ‬للجارديان‭ ‬البريطانية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬سياسات‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬قد‭ “‬أدت‭ ‬بمالاوي‭ ‬إلى‭ ‬المجاعة‭”‬؛‭ ‬فالدولة‭ ‬الإفريقية‭ ‬التي‭ ‬قررت‭-‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬الصندوق‭- ‬خصخصة‭ ‬قطاع‭ ‬البذور‭ ‬وتحريره‭ ‬من‭ ‬يد‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تنظم‭ ‬الأسعار،‭ ‬وتضمن‭ ‬اكتفاءً‭ ‬ذاتيا‭ ‬من‭ ‬البذور،‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬2002‭ ‬أمام‭ ‬مجاعة‭ ‬هي‭ ‬الأسوأ‭ ‬منذ‭ ‬1949،‭ ‬وقد‭ ‬بلغت‭ ‬خدمات‭ ‬ديون‭ ‬مالاوي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬السنوات‭ ‬70‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬أمريكي،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬20‭% ‬من‭ ‬ميزانية‭ ‬الدولة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُمثل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ميزانية‭ ‬الصحة‭ ‬والتعليم‭ ‬والزراعة‭ ‬مُجتمعة،‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬أوضاعه‭ ‬الاقتصادية‭ ‬معلقة‭ ‬بيد‭ ‬دائنيه،‭ ‬وتقلبات‭ ‬الأحوال‭ ‬الجوية‭” . ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬وجوده‭ ‬ثقافيًّا‭ ‬واقتصاديًّا،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ضرب‭ ‬كل‭ ‬مقومات‭ ‬الاكتفاء‭ ‬الذاتي‭ ‬للدول‭ ‬المقترضة‭ ‬لتصبح‭ ‬أسيرة‭ ‬بشعبها‭ ‬لقرون‭ ‬لشره‭ ‬نُخبة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تهيمن‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬مداخيل‭ ‬الدولة‭ ‬لإفقار‭ ‬أهلها،‭ ‬وتجرِّدهم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬مقومات‭ ‬الحياة؛‭ ‬وبذلك‭ ‬تحقق‭ ‬استعمارا‭ ‬خفيا‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬الدعم‭ ‬والمساندة‭.‬

وبعد‭ ‬العولمة‭ ‬بالذات،‭ ‬ورفع‭ ‬شعار‭ ‬صدام‭ ‬الحضارات،‭ ‬والمتصل‭ ‬بماضي‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬شرهه‭ ‬للتوسع‭ ‬والهيمنة‭ ‬وإحلال‭ ‬قيمه‭ ‬وهويته،‭ ‬فقد‭ ‬برزت‭ ‬حرب‭ ‬ناعمة‭ ‬تستهدف‭ ‬الهُوية‭ ‬في‭ ‬عُمقها‭ ‬الوجودي،‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬بضرب‭ ‬كل‭ ‬جذورها‭ ‬المتصلة‭ ‬بالماضي،‭ ‬وقيميًّا‭ ‬بضرب‭ ‬قيمها‭ ‬المعنوية‭ ‬والثابتة،‭ ‬وإحلالها‭ ‬بقيم‭ ‬مادية‭ ‬استهلاكية‭ ‬شرهة‭.‬

ونتيجة‭ ‬الاستبداد‭ ‬وإفقار‭ ‬الشعوب‭ ‬ماديا‭ ‬وعلميا‭ ‬وتحويل‭ ‬وجهة‭ ‬أغلب‭ ‬هذه‭ ‬الشعوب،‭ ‬من‭ ‬هدف‭ ‬طلب‭ ‬العلم‭ ‬والنهضة‭ ‬والكرامة‭ ‬والحرية‭ ‬والعدالة،‭ ‬إلى‭ ‬السعي‭ ‬الدؤوب‭ ‬اليومي‭ ‬الذي‭ ‬يلهث‭ ‬فيه‭ ‬الفرد‭ ‬لسد‭ ‬رمقه‭ ‬ورمق‭ ‬عائلته،‭ ‬أي‭ ‬بسعي‭ ‬حثيث‭ ‬وراء‭ ‬رغيف‭ ‬العيش،‭ ‬ورغم‭ ‬أنَّ‭ ‬هناك‭ ‬دولا‭ ‬غنية‭ ‬جدا‭ ‬بثرواتها‭ ‬المالية،‭ ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬معدلات‭ ‬الفقر‭ ‬والبطالة‭ ‬فيها‭ ‬مرتفعة‭ ‬بسبب‭ ‬فساد‭ ‬السلطة،‭ ‬وسيطرة‭ ‬نخبة‭ ‬طبقية‭ ‬على‭ ‬مقدرات‭ ‬الشعب،‭ ‬وشراء‭ ‬ذمم‭ ‬الغرب‭ ‬بشره‭ ‬شراء‭ ‬السلاح‭ ‬بحجة‭ ‬الأمن‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬التنمية‭ ‬والاستثمار‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭.‬

ولأنَّ‭ ‬الغرب‭ ‬مُتقدِّم‭ ‬علميًّا‭ ‬وتكنولوجيًّا‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬بُعده‭ ‬المعيشي‭ ‬الدنيوي،‭ ‬ومع‭ ‬تقديم‭ ‬نموذج‭ ‬للإسلام‭ ‬مُتخلفا،‭ ‬اقتنعتْ‭ ‬أغلب‭ ‬الشعوب،‭ ‬وتم‭ ‬تحت‭ ‬هيمنة‭ ‬الإعلام‭ ‬العالمي‭ ‬القوي‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬الإسلام‭ ‬والتخلف،‭ ‬والغرب‭ ‬والتمدُّن‭ ‬والحضارة،‭ ‬ومع‭ ‬تقصير‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الإصلاحيين‭ ‬والنهضويين‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬نموذج‭ ‬سلوكي‭ ‬حضاري‭ ‬للإسلام‭ ‬تظهر‭ ‬آثاره‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬على‭ ‬نهضة‭ ‬الإنسان،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬أزال‭ ‬كلَّ‭ ‬العقبات‭ ‬أمام‭ ‬عولمة‭ ‬النموذج‭ ‬الغربي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أبعاده‭ ‬الحياتية‭ ‬والسلوكية‭ ‬والقيمية؛‭ ‬حيث‭ ‬هيمنت‭ ‬المدرسة‭ ‬الوضعية‭ ‬الغربية‭ ‬على‭ ‬مجالنا‭ ‬الإدراكي،‭ ‬وبات‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬خاضعا‭ ‬في‭ ‬تقييمه‭ ‬للتجربة‭ ‬والحس،‭ ‬واضمحلَّ‭ ‬عالم‭ ‬الغيب‭ ‬والمعنى؛‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬نموذج‭ ‬عملي‭ ‬سلوكي‭ ‬يقدِّم‭ ‬الإسلام‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬واقعًا‭ ‬دين‭ ‬حياة‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬الدين‭ ‬هو‭ ‬للدنيا‭ ‬والآخرة،‭ ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬عوامل‭ ‬كثيرة‭ ‬أدت‭ ‬لتنحيته‭ ‬عن‭ ‬الدنيا،‭ ‬وتشويه‭ ‬صورته،‭ ‬وحرف‭ ‬دوره‭ ‬النهضوي‭ ‬لدور‭ ‬تعطيلي‭ ‬تخديري،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬دعوات‭ ‬النهضة‭ ‬والحياة‭.‬

ولكن‭: ‬كيف‭ ‬واجهتْ‭ ‬منطقتنا‭ ‬المنكوبة‭ ‬بالاستبداد،‭ ‬والمكتوية‭ ‬بالتطرف،‭ ‬والمثقلة‭ ‬بحجم‭ ‬التآمر‭ ‬عليها،‭ ‬كيف‭ ‬تواجه‭ ‬العولمة‭ ‬والحرب‭ ‬الناعمة‭ ‬على‭ ‬هُويتنا،‭ ‬بل‭ ‬وجودنا؟

الزوال‭ ‬الاندماجي‭:‬

يقُوم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الاندماج‭ ‬غير‭ ‬المدروس‭ ‬مع‭ ‬الثقافات‭ ‬الأخرى؛‭ ‬بحيث‭ ‬تقوم‭ ‬القوى‭ ‬الناعمة‭ ‬على‭ ‬اختراق‭ ‬الهُوية‭ ‬الخاصة،‭ ‬وتفكِّك‭ ‬بناها‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تقوِّم‭ ‬وجودها،‭ ‬ومن‭ ‬ثمَّ‭ ‬تعمد‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬منهجي‭ ‬لكل‭ ‬مقومات‭ ‬الهُوية،‭ ‬وتعيد‭ ‬تشكيلها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عملية‭ ‬الإحلال‭ ‬لثقافتها،‭ ‬ومع‭ ‬التقادم‭ ‬تذوب‭ ‬المجموعة‭ ‬المندمجة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة،‭ ‬وتزول‭ ‬معالم‭ ‬هويتها‭ ‬تماما،‭ ‬وتنشأ‭ ‬أجيال‭ ‬على‭ ‬الهُوية‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تشكلت‭ ‬نتيجة‭ ‬الإحلال‭ ‬الناعم‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تقوم‭ ‬عليه‭ ‬فكرة‭ ‬الاستعمار،‭ ‬بل‭ ‬والعولمة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬استعمار‭ ‬خفي‭.‬

هذا‭ ‬ما‭ ‬أدركه‭ ‬اليهود،‭ ‬ودفعهم‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ “‬شعب‭ ‬الله‭ ‬المختار‭” ‬إلى‭ ‬الانعزالية،‭ ‬وتشكيل‭ ‬جيتو‭ ‬خاص‭ ‬لهم،‭ ‬يضمن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬هويتهم‭ ‬اليهودية،‭ ‬ويمنع‭ ‬أي‭ ‬عملية‭ ‬زوال‭ ‬اندماجي‭ ‬مع‭ ‬التقادم‭.  ‬لكنَّ‭ ‬الله‭ ‬رسم‭ ‬معالم‭ ‬الاندماج‭ ‬الصحيح‭ ‬حينما‭ ‬أسَّس‭ ‬له‭ ‬أسسًا‭ ‬تمنع‭ ‬الاندماج‭ ‬غير‭ ‬المدروس،‭ ‬لكنها‭ ‬تتفاعل‭ ‬مع‭ ‬الثقافات‭ ‬والمجتمعات‭ ‬الاخرى‭ ‬على‭ ‬أساس‭:‬

1-‭ ‬التعارف‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬تبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬والاحترام‭ ‬المتبادل‭ ‬للخصوصيات،‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬النافع‭ ‬لتطوير‭ ‬الهُوية‭ ‬وتطوير‭ ‬القراءة‭ ‬للحياة‭.‬

2-‭ ‬التقوى‭ ‬التي‭ ‬يراعي‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬حدود‭ ‬الله‭ ‬بحق‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر،‭ ‬وهذه‭ ‬المراعاة‭ ‬تحقق‭ ‬العدالة‭ ‬وتمنع‭ ‬الظلم‭.‬

3-‭ ‬التفاضل‭ ‬مشروط‭ ‬بالتقوى،‭ ‬والأفضلية‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬تصنيف‭ ‬الله،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬البشر؛‭ ‬حيث‭ ‬قال‭ ‬عز‭ ‬من‭ ‬قائل‭:  ‬يَا‭ ‬أَيهَا‭ ‬الناسُ‭ ‬إِنا‭ ‬خَلَقْنَاكُم‭ ‬من‭ ‬ذَكَرٍ‭ ‬وَأُنثَى‭ ‬وَجَعَلْنَاكُمْ‭ ‬شُعُوبًا‭ ‬وَقَبَائِلَ‭ ‬لِتَعَارَفُوا‭ ‬إِن‭ ‬أَكْرَمَكُمْ‭ ‬عِندَ‭ ‬اللهِ‭ ‬أَتْقَاكُمْ‭ ‬إِن‭ ‬اللهَ‭ ‬عَلِيمٌ‭ ‬خَبِيرٌ‭” .‬

فتصبح‭ ‬الفكرة‭: ‬التفاعل‭ ‬الاندماجي‭ ‬الذي‭ ‬يطور‭ ‬الهُوية،‭ ‬ويعزز‭ ‬وجودها،‭ ‬وينقلها‭ ‬بصيغ‭ ‬متطورة‭ ‬للأجيال،‭ ‬مُحافظا‭ ‬على‭ ‬ثوابتها،‭ ‬ومطورًا‭ ‬لمتغيراتها‭ ‬الخاضعة‭ ‬للزمان‭ ‬والمكان،‭ ‬ومعززًا‭ ‬لكرامتها‭ ‬بالتقوى‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬المجتمعات‭ ‬للتفاعل‭ ‬ضمن‭ ‬دائرة‭ ‬العدل‭ ‬وعدم‭ ‬الظلم‭ ‬وحفظ‭ ‬الحقوق‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬اليوم‭ ‬يميل‭ ‬ليس‭ ‬للتفاعل،‭ ‬وإنما‭ ‬للزوال‭ ‬الاندماجي،‭ ‬الذي‭ ‬يُحاصر‭ ‬هُويتنا‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬جهة،‭ ‬ونتيجةً‭ ‬لهذه‭ ‬المواجهة‭ ‬الناعمة‭ ‬ظهرت‭ ‬مدارس‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬الناعمة‭:‬

‭- ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬روح‭ ‬المدرسة‭ ‬الوضعية،‭ ‬وإخضاع‭ ‬الواقع‭ ‬كله‭ ‬للحس‭ ‬والتجربة،‭ ‬ورفض‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬خارج‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬رفضوا‭ ‬كل‭ ‬مصادر‭ ‬المعرفة‭ ‬الإسلامية‭ ‬غير‭ ‬الخاضعة‭ ‬للحس‭ ‬والتجربة‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬القرآن‭ ‬والتراث‭ ‬الحديثي‭.‬

‭- ‬الرفض‭ ‬المطلق‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬غربي،‭ ‬والانكفاء‭ ‬على‭ ‬الذات،‭ ‬والتمسك‭ ‬بالماضي‭ ‬بكلِّ‭ ‬مُثقلاته،‭ ‬وأحيانا‭ ‬العيش‭ ‬به‭. * ‬محاولة‭ ‬المواءمة‭ ‬التلفيقية‭ ‬الترقيعية‭ ‬بين‭ ‬الإسلام‭ ‬والغرب‭ ‬دون‭ ‬الالتفات‭ ‬للاختلاف‭ ‬الجذري‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬الفلسفية‭ ‬والمعرفية‭ ‬بينهما،‭ ‬ومحاولة‭ ‬ترقيع‭ ‬اصطلاحي‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬المعارف‭ ‬الغربية‭ ‬مع‭ ‬متشابهاتها‭ ‬الظاهرية‭ ‬في‭ ‬الإسلام؛‭ ‬مما‭ ‬أنتج‭ ‬جنينًا‭ ‬مشوهًا‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬فعليًّا‭ ‬على‭ ‬التطبيق؛‭ ‬نتيجة‭ ‬المغالطات‭ ‬والتناقضات‭ ‬الكثيرة‭ ‬أثناء‭ ‬تطبيق‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬الترقيعي‭ ‬التلفيقي‭.‬

‭- ‬تيار‭ ‬استطاع‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الأدوات‭ ‬المعرفية‭ ‬المتطورة‭ ‬وتجربة‭ ‬الغرب‭ ‬الغنية‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬المعرفي‭ ‬والمنهجي،‭ ‬مع‭ ‬الأخذ‭ ‬بالحسبان‭ ‬الاختلاف‭ ‬البنيوي‭ ‬بين‭ ‬المدرستين‭ ‬الإسلامية‭ ‬والغربية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬تفاعَل‭ ‬تفاعلًا‭ ‬حضاريًّا‭ ‬نديًّا‭ ‬محافظاً‭ ‬على‭ ‬ثوابته،‭ ‬ومستلهما‭ ‬مناهجها‭ ‬وأدوات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬قراءة‭ ‬تراثه‭ ‬واستكشاف‭ ‬كنوزه‭ ‬المخبوءة‭ ‬خلف‭ ‬النمطية‭ ‬والتقليدية‭ ‬والانغلاق‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬وخلف‭ ‬البيئة‭ ‬والقبليات‭ ‬الحاكمة‭. ‬فمارس‭ ‬محاولة‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الصندوق،‭ ‬وانتفع‭ ‬بالأدوات‭ ‬والمناهج‭ ‬المعرفية‭ ‬المتطورة،‭ ‬وتفاعلَ‭ ‬بضوابط‭ ‬نهضوية‭ ‬وليست‭ ‬اندماجية‭ ‬مُشوهة‭ ‬للهُوية‭ ‬ولا‭ ‬ماحية‭ ‬لها،‭ ‬بل‭ ‬ناهضة‭ ‬بها‭ ‬وفق‭ ‬متغيرات‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان‭. ‬مفرِّقا‭ ‬بين‭ ‬السياسة‭ ‬الغربية‭ ‬ومقاصدها‭ ‬التوسعية‭ ‬الغربية،‭ ‬وبين‭ ‬المعارف‭ ‬والتجربة‭ ‬البشرية‭ ‬المعرفية‭ ‬دون‭ ‬إغفال‭ ‬خلفيات‭ ‬تلك‭ ‬الثقافة‭ ‬وطموحها‭.‬

إذن؛‭ ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نُنكر‭ ‬أننا‭ ‬أمام‭ ‬مرحلة‭ ‬تاريخية‭ ‬حسَّاسة‭ ‬تُعرِّض‭ ‬المشروع‭ ‬الإسلامي‭ ‬برُمته‭ ‬للخطر‭ ‬في‭ ‬ذهنية‭ ‬الأجيال‭ ‬الحالية‭ ‬والقادمة،‭ ‬التي‭ ‬باتتْ‭ ‬بحاجة‭ ‬مُلحَّة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يقدِّم‭ ‬الإسلام‭ ‬نموذجا‭ ‬حضاريا‭ ‬للدنيا،‭ ‬يحل‭ ‬لها‭ ‬كل‭ ‬إشكاليات‭ ‬الراهن،‭ ‬ويقدم‭ ‬حلولا‭ ‬واقعية‭ ‬تلمسها‭ ‬في‭ ‬أبعادها‭ ‬العلمية‭ ‬والعمرانية‭ ‬والذاتية‭.. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬التنظيرات‭ ‬حول‭ ‬أن‭ ‬الإسلام‭ ‬هو‭ ‬الحل،‭ ‬ولا‭ ‬أنه‭ ‬دين‭ ‬حياة‭ -‬مع‭ ‬استحضار‭ ‬أدلة‭ ‬نظرية‭ ‬على‭ ‬ذلك‭- ‬مُجديا‭ ‬نافعا‭ ‬ومقنعا،‭ ‬مع‭ ‬انفصال‭ ‬هذه‭ ‬النظريات‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬الحياتي‭ ‬والسلوكي،‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬النظرية‭ ‬والواقع‭ ‬كفيلة‭ ‬بنسف‭ ‬النظرية‭ ‬مع‭ ‬صحتها‭ ‬من‭ ‬أذهان‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة،‭ ‬ونسف‭ ‬كل‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬والمبادئ‭ ‬والمعايير‭ ‬والثوابت‭ ‬معها،‭ ‬تتبلور‭ ‬قيم‭ ‬ومعارف‭ ‬ومعايير‭ ‬مختلفة‭ ‬تماما،‭ ‬ويتحقق‭ ‬الإحلال‭ ‬الثقافي‭ ‬التام،‭ ‬وتتبدل‭ ‬الهُوية‭ ‬إلى‭ ‬هُوية‭ ‬مختلفة‭ ‬تماما‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬أرادها‭ ‬الإسلام،‭ ‬وصنعتها‭ ‬أيدي‭ ‬رجال‭ ‬التاريخ‭ ‬من‭ ‬الأنبياء‭ ‬وتضحياتهم‭ ‬العظيمة‭ ‬لأجل‭ ‬ذلك؛‭ ‬فهم‭ ‬سعوا‭ ‬لتقديم‭ ‬نموذج‭ ‬ديني‭ ‬حياتي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬حل‭ ‬الإشكاليات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الإنسان،‭ ‬لكن‭ ‬تحول‭ ‬الدين‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ -‬على‭ ‬أيدي‭ ‬المستبدين‭- ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬للقمع‭ ‬والتخدير،‭ ‬وسلب‭ ‬الإنسان‭ ‬إنسانيته،‭ ‬وتعويضه‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬بأخرى،‭ ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬كما‭ ‬صنعها‭ ‬الفراعنة؛‭ ‬كَوْن‭ ‬الدين‭ ‬لصناعة‭ ‬دنيا‭ ‬عامرة‭ ‬بذكر‭ ‬الله،‭ ‬لتعبر‭ ‬بالإنسان‭ ‬إلى‭ ‬آخرة‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬مخلدا‭ ‬في‭ ‬النعيم،‭ ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬المستبدين‭ ‬الذي‭ ‬استعبدوا‭ ‬الناس‭ ‬باعوا‭ ‬لهم‭ ‬آخرة‭ ‬من‭ ‬صنعهم‭ ‬هم،‭ ‬وعطلوا‭ ‬دنياهم‭ ‬يتحول‭ ‬الدين‭ ‬إلى‭ ‬أغلال‭ ‬العبودية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬جاء‭ ‬ليحرِّر‭ ‬تلك‭ ‬الأغلال‭ ‬ويصنع‭ ‬إنسانا‭ ‬متألها‭.‬

التحدي‭ ‬الكبير‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬النموذج‭ ‬العملي‭ ‬للإسلام،‭ ‬الذي‭ ‬يقدم‭ ‬برنامجا‭ ‬عمليًّا‭ ‬سلوكيًّا‭ ‬للحياة،‭ ‬ينهض‭ ‬بالإنسان،‭ ‬ويحقق‭ ‬طموحه‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬في‭ ‬العُمران‭ ‬والعلم‭ ‬والنهضة‭. ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬مجرد‭ ‬نظرية‭ ‬بأدلة‭ ‬علمية‭ ‬غير‭ ‬خاضعة‭ ‬للتطبيق‭.‬

وأمام‭ ‬هذا‭ ‬التحدي،‭ ‬نقف‭ ‬عند‭ ‬مُفترق‭ ‬طرق؛‭ ‬أحدها‭ ‬إلى‭ ‬الآن‭ ‬مُهيمن‭ ‬ومُستمر‭ ‬في‭ ‬دك‭ ‬الهُوية،‭ ‬وإحلالها‭ ‬بهويت‭ ‬أخرى‭ ‬خاصة‭ ‬تصبُّ‭ ‬في‭ ‬صالح‭ ‬استعباده‭ ‬للعالم‭ ‬وفق‭ ‬شرهه‭ ‬الرأسمالي،‭ ‬والثاني‭ ‬يترنَّح‭ ‬بين‭ ‬المواجهة‭ ‬والاستلام.

434 total views, 5 views today