من كتاب معجم العلوم الإنسانية – اشراف: جان فرنسوا دورتيه ، ترجمة: د. جورج كتورة

هذا المفهوم ولمدى طويل مفهومًا هامشيًا في العلوم الإنسانية. إلا أنه شهد دخولًا مفاجئًا وكثيفًا بدءًا من التسعينات. من هنا كان استخدام كلمة «هوية» لتكون نقطة وصل تشير إلى ظواهر مثل الصراعات الإتنية (التي توصف بالصراعات على الهوية)، الوضعيات والأدوار الاجتماعية («الهوية الذكورية» «الهوية والعمل») ثقافة المجموعة («الهويات القومية» أو «الدينية»)، أو للإشارة إلى مرض عقلي (اضطرابات الهوية) أو للتعبير أخيرًا عن الهوية الشخصية («البحث عن الذات، الأنا»).

ولكن مفهوم الهوية يفقد من ثباته بقدر مايذهب في التعميم. ألم تصبح الهوية مفمومًا واسعًا، غير ثابت يستعمل في الدلالة على ظواهر لا علاقة لها بهذا الاسم؟ بعد الفحص يمكننا أن نجد داخل هذه الأدبيات مجالات ثلاثة متميزة نسبيًا تساعدنا على فهم المقصود: الهوية الجماعية، الهوية الاجتماعية، والهوية الشخصية.

الهوية الجماعية

الهوية الجماعية -هوية القوميات، والأقليات الثقافية، الدينية أو الإتنية، هي المجال الذي يفضله علماء الأنتربولوجيا والمؤرخون وأهل الاختصاص في العلوم السياسية.

منذ الثمانينات ابتعد الأنتربولوجيون بوضوح عن الرؤية «الماهوية»، التي تقوم على اعتبار الإتينات أو «الثقافات» حقائق متجانسة مغلقة نسبيًا على ذاتها وثابتة على مر الزمن.

في كتابه identite en Afrique et ailleurs, 1990)’Logiques metises: anthropologie de l) ينتقد العالم بالدراسات الأفريقية جان – لو آمسيل الرؤية الثابتة أو السكونية المتعلقة بالحقائق الثقافية. فهو يذكرنا بأن الإتينات في أفريقيا تشكّل حقائق مركبة تقوم دائمًا على اندماج العديد من التقاليد الثقافية التي تعيد تركيب ذاتها باستمرار. فكل ثقافة هي ثقافة هجينة، تتقاسم مع الثقافات المجاورة الميزات المشتركة ( اللغة، الدين، نمط الحياة، وجزءًا من تاريخها). وفي كتابه (L’Illusion identitaire , 1996) يظهر العالم السياسي جان- رنسوا بايار كيف أن التقاليد الثقافية التي نعتقدها قديمة، هي بالواقع تقاليد حديثة جدًا. هكذا فإن عادة شرب الشاي بالنعناع المنتشرة في المغرب، ليست عادة قديمة بل هي عادة أدخلها الإنجليز في القرن الثامن عشر ولم تتعمم إلا في وقت متأخر.

كما يتحدث جان – فرنسوا بايار عن «استراتيجة هوية» ليظهر كيف تكتسب الجماعات أو المجموعات صورًا، وتمثلات ورموزًا لتعلن عن استقلاليتها في إطار الحراك السياسي.

الهوية الاجتماعية

إن ذكر الهوية لا يعني فقط مجرد إعلان الانتماء القومي، الإتني، الجماعي، بل يعني ذلك تأكيد الموقع داخل المجتمع. والموقع هذا يعطى لنا عبر عمرنا ( الولد، المراهق أو البالغ) ومكانتنا في الأسرة ( زوج، زوجة، أجداد) والمهنة ( طبيب، أو صاحب كاراج) هوية تتعلق بالجنس ( ذكرأو أنثى) والالتزامات الشخصية (رياضة، عسكرية، نقابية). لكل من هذه المواقع أدوارها و قواعدها الاجتماعية المؤكدة بشكل أو بآخر. لقد تمت دراسة هذه الظاهرة، منذ زمن طويل من جانب علماء النفس الاجتماعيين ومن خلال دراستهم للهوية الاجتماعية. إذ يُعتبر جورج هـ ميد ( 1863 – 1931) وهو أحد آباء علم النفس الاجتماعي، أنّ بناء هويتنا يمر عبر مختلف هذه «الأناوات» الاجتماعية. يرفض جورج ميد مفاهيم المجتمع التي تنطلق من الفرد المعزول، كما يرفض اعتباره كلًا يضم الأفراد ويتجاوزهم. وهو يرى أن الفرد ينبثق من التفاعل الاجتماعي وهنا يعني ذاته (Self- consciousness). إن هوية «الذات» تتكون من مجمل الصور التي يعطيني إياها الغير عن نفسي والتي يمكنني استدخالها. يُفهم من ذلك أن عدم استقرار أطر الحياة الاجتماعية، وهي العائلة، العمل وأشكال الانتماء الديني أو السياسي قد يؤدي إلى أزمة هوية حقيقية. وهذه هي الأطروحة التي دافع عنها عالم الاجتماع كلود دوبار في كتابه (La Crise des identities, 2000).

هكذا ترتبط أزمة الهوية وبعمق بتحولات العمل. فالمهن التي كانت تشكل مكونًا ماهويًا صارت إلى انحسار. مثال ذلك حالة الفلاحين والمهن الحرفية. والحركة العمالية استطاعت أن تكوِّن لنفسها هوية قوية بوصفها طبقة، من خلال المنظمات النقابية والسياسية، أو من خلال رمزية أو تاريخ ارتبط ببعض المهن مثل الصحافيين وعمال الصلب أو البحارة الصيادين للأسماك. بالإمكان أن نصل إلى الأمر نفسه حيث نعاين الهويات الدينية والسياسية. إن التوصيف العام توصيف يشمل أزمة أطر الانتماء. من هنا كان النتاج الغزير حول أطروحة «أزمات إعادة بناء» الهوية السياسية أو الهوية الدينية التي تعتبر صدى هذه الأطروحة.

الهوية الشخصية

تعتبر الهوية الشخصية موضوعا أثيرًا عند علماء النفس، والمحللين النفسيين والفلاسفة. مثال ذلك عالم النفس وليم جيمس (1842- 1910) الذي ميّز بين وجوه ثلاثة للهوية: «الذات المادية» ( الجسد). «الذات الاجتماعية» (التي ترتبط بالأدوار الاجتماعية)، و «الذات العارفة» (التي تبعث في كل منا الشعور بأنه حين يعمل أو يفكر، بأنه ذات مستقلة أعطيت الإرادة).

من جانبه اعتبر عالم النفس الأمريكي أريك هـ. أريكسون (1902-1994) المراهقة لحظة خاصة متميزة في بناء الهوية. بل هو يعتبر أن تكوين الهوية إنما يندرج باستمرار ضمن علاقة تبادلية مع الآخر. ويتيح اللقاء بالآخر للذات التي تحدد نفسها، إما بالتماهي معه وإما بالتخالف معه. في كتابه (Enfance et societe, 1950) يصف أريكسون ولادة الهوية الشخصية بوصفها سيرورة فاعلة وصراعية حيث تتداخل الأبعاد الاجتماعية ( نماذج اجتماعية على الفرد التآلف معها)، والنفسية ( مثال الأنا)، الواعية أو اللاواعية. تتأكد الهوية منذ الطفولة حتى سن البلوغ عبر مراحل متتابعة تتميز بالأزمات والتعديلات. هكذا قام أريك أريكسون بوصف مراحل تطور ثمان انطلاقا من الطفولة المبكرة حتى سن البلوغ. تشكل مرحلة المراهقة المرحلة الأكثر حسما. أما علماء الاجتماع المعاصرون فينطلقون من ثابتة مشتركة في فك مؤسسات الأطر الاجتماعية وأزمة أنظمة تكون الحياة الاجتماعية. مثال ذلك، بالنسبة للنساء، لا يعتبر دور «أم البيت» نموذج الحياة الاجتماعية الوحيد والإيجابي. ووضعية الرجل ليست هي وضعية الزوج والأب الحامي والمتسلط. ووضعية المتقاعدين في أيامنا ليست وضعية الكهول في ما مضى…

يعتبر عالم الاجتماع أنطوني جيدنس أن الاقلال من ثقل المؤسسات وجماعات الانتماء على حياة الأفراد يقودهم إلى النقاش في خيارهم لحياتهم (La Costitusion de la societe, 1984).

——————————-

بول ريكور والهوية السردية

وضع التحليل النفسي نهاية لصورة الأنا الموحدة. والوعي الموحد كما ذكره رينيه ديكارت ( الكوجيتو) قد أخلى المكان لشخصية مقسمة إلى عدة لحظات: ” الأنا”، و ” الأنا الأعلى” ، و ” واللاوعي”. يتحدث بول ريكو عن ” الكوجيتو المكسور”؛ ليشير إلى هذا التمثل الجديد للحياة النفسية حيث فقدت الهوية وحدتها. ومع ذلك فإننا جميعا نشعر بالحاجة إلى إعطاء وحدة ما لوجودنا. تأخذ هذه الوحدة شكل رواية يمكن لأي واحد منا أن يؤلفها عن نفسه. وهذا ما يطلق عليه بول ريكور اسم ” الهوية السردية”. تشير هذه الفكرة إلى ما يتمثله الفرد عن نفسه تحت شكل تاريخ شخصي مروي. وردت هذه العبارة لأول مرة في كتابه (Temps et recit) ( ثلاثة أجزاء 1983 – 85)، ثم استعادها ووسعها في كتابه (Soi-meme comme un autre, 1990). تبدو الهوية السردية كرهان بالنسبة للأفراد أو للمجموعات الذين يعيدون تأليف هوياتهم من خلال الروايات الكبرى.

—————————-

2,446 total views, 11 views today