0031

د.يحيى أبو زكريا

لا يمكن لأي حركة سياسية أو فكرية أو إقتصادية أو نهضوية أن تكون فاعلة ما لم تكن مقرونة بإستراتيجة إعلامية توصل تفاصيل هذه الحركة إلى الفرد كما المجموع وتحرّك الطرفين معا بإتجّاه أهدافها الكبرى ….

والإعلام بالنسبة للفكرة العملاقة والمغيّرة والمؤثرة بمثابة الماء للنبتة التي تأخذ منه أسباب النمو فالإنطلاق في الإتجاه العمودي إلى أن تصبح هذه النبتة كالنخلة الباسقة جذرها في الأرض وفرعها في السماء.

والإعلام هو صلة الوصل بين الأفكار الكبيرة و المجموعات البشريّة التي يفترض بها أن تضطلعّ بعملية البناء و التغيير في ضوء هذه الأفكار .. بل إنّ الدنيا تدور على عجلة الإعلام فهو الذي بات يصيغ الرؤى والتوجهّات والتيارات وأصبح مرجعا في قراءة المشاهد السياسية والثقافية والاستراتيجية.

ونظرا لأهميته القصوى ودوره في تفعيل الأجندات السياسية والإستراتيجية فقد أولته الإرادات الدولية وتحديدا في الغرب اهتماما خاصا وأعتبرت أنّ معركتها الحضارية خاسرة لا محالة بدون إعلام.

و في زمن إشتدّت فيه الغارة الكبرى على العالم العربي و الإسلامي عسكريّا وإعلاميا بات من باب الوجوب الشرعي والضرورة الحضارية وضع إستراتيجية إعلامية تردّ هذه الغارة و تطوّق آثارها حفاظا على الأمن الثقافي و الفكري و الحضاري لأمتنا …و بدل أن يكون إعلامنا العربي منبرا للوحدة و التلاقي و الحوار و نبذ الكراهية و التكفير و الإقصاء و الإستئصال فقد حولته الإنتليجانسيا العربية بمختلف مشاربها الفكرية والإيديولوجية  إلى حلبة مرئية لحروب أهلية فيما بينها إنعكست سلبا على عقول الناس الذين توزعت رؤاهم وتصوراتهم بين ما تراه هذه النخبة وتلك , و قد أتاح هذا الإنشطار الفكري للغير المتربصّ بمواقعنا وحصوننا أن يلج إلينا بأبسط الوسائل , فالقومي كان يصّر أن لا خلاص للعالم العربي إلاّ بالقوميّة , و الرأسمالي الليبيرالي كان يصر أن لا خلاص لهذا العالم العربي إلاّ بالليبيرالية بشقيها المعتدل والمتوحّش  , والشيوعي يرى أن طريق المجد هو عبر إعتناق الشيوعية التي ما زال بعض الرفاق يعتقدون بجدواها الحضارية و أنّ الذي سقط هو النظام الشيوعي لا الإيديولوجيا الشيوعية , و الديموقراطي يرى أنّ الخلاص لن يتأتى إلاّ بإعتناق الديموقراطية بمفهومها الغربي وذلك يتطلبّ القفز على العادات و التقاليد في مجتمعاتنا البدائيّة كما يسمونها ,,و هكذا دواليك … وقد إختلفت هذه النخب في كل التفاصيل , في البديهيات كما في المسلمّات , في التفاصيل كما في الجزئيات , في الأصول كما في الفروع , في المقدمّات كما في النتائج .

و كل نخبة أصبح لديها مشروعها ورؤيتها و إستراتيجيتها إذا كان لديها إستراتيجية ..

و المطلوب إعادة أنسنة الإعلام و جعل الإعلام العربي في خدمة الإنسان العربي و المجتمعات العربية ليكون محفزا على الإستقرار و الحوار و نبذ كل أشكال الكراهية و التكفير ..

نريد إعلاما للإنسان العربي المتكامل الذي لا يقصى أحدا لأن نهضة العرب يصنعها المجموع وليس الفرد …

3,178 total views, 2 views today