0031

◄ أدعو جلالة السلطان حفظه الله لأن يضطلع شخصيا بدور ريادي من أجل إحقاق وحدة المسلمين

◄ عوامل القوة في الإسلام تكمن في مقدرته على توحيد كلمة المسلمين وفي دعوته إلى الحوار والتفكير والاجتهاد

◄ نجاح “أ.ل.م” الذي أقدمه يكمُن في صراحته التامة

◄ نحن بصدد تأسيس مركز دولي لمواجهة التكفير.. وسيضم مجموعة من الشخصيات المهمة في هذا المجال.. وأتوقع دورا رياديا للعلامة الخليلي فيه

حاوره: رضا بن مهدي بن جواد اللواتي – عقيل بن عبد الخالق اللواتي

اعداد: زوينة الجابري

لم يكن غريبا على مُتابعي برنامج “أ.ل.م” -الذي يقدمه الدكتور يحيى أبو زكريا على قناة الميادين اللبنانية- أن يُعلن هذا البرنامج عن استضافته لفضيلة الشيخ أحمد الخليلي المفتي العام للسلطنة؛ ربما استنتاجاً لتوجه البرنامج، وأنَّ شخصية كشخصية العلامة الخليلي لا يمكن أن يتغافل عنها برنامج يصبُّ اهتمامَه في أحاديث الساعة على أنواعها.

وإذا كانت الطائفية إحدى علامات الساعة التي نعيشها اليوم، فإنَّ وحدة المسلمين ومنع تشتتهم ستغدو من المسائل التي ستؤرق أمثال العلامة الخليلي؛ وبالتالي فإنَّ ظهوره في برنامج “أ.ل.م” سيغدو مُحتمًّا جدًّا لا مناص عنه.

وبَيْن هذا وذاك، ما كان مُمكنا بالنسبة لـ”شرق غرب” أن تفوِّت فرصة وجود “أبو زكريا” وهو يجوب شوارع مسقط جيئة وذهابا، وقد أجرى لقاء مهمًّا ينتظره ليس فحسب مواطنو السلطنة، بل الإقليم كله؛ ليسمع ويرى رسالة الوحدة الإسلامية في عصر النزاع الطائفي على لسان العلامة الخليلي.

من هنا، كان معه هذا الحوار…!

◄ ما الذي يميِّز “أ.ل.م”؟

ثلاثة عناصر: قوة مقدِّم البرنامج، وقوة الضيف الذي يحاوره البرنامج، وقوة الفكرة التي يطرحها البرنامج. فإذا اختلت أيٌّ من هذه العناصر فسوف يصيبُ البرنامج هزالٌ كالذي نشاهده اليوم في إعلامنا العربي مع الأسف.

◄ وهل البرنامج بالأهمية التي يستحقُّ أن تتوافر فيه هذه الخصال الثلاثة؟

البرنامج تنويري يدعو إلى تشغيل العقل، وإعادة الاعتبار له، وليس هذا الأمر بغريب على المسلم، ولا بأجنبي عن الثقافة الإسلامية.. ألم تُؤلَّف فيه مؤلفات عديدة؟

فالعقاد دعا إلى ذلك حينما كتب “التفكير فريضة قرآنية”، وغيره الكثير؛ فهناك محمد باقر الصدر، ومحمد حسين الطباطبائي، ومحمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، جميعهم تحدثوا فقالوا لا تضارب ولا تناقض بين العقل والشرع، بل إنَّ الشرع الذي يصطدم مع العقل ينبغي الشك في مدى صلته بالشرع!

وإلا، فكيف يكون الله مُوْجِد الوجود، وفي نفس الوقت مُوْجِد العدم؟!!

كيف يُوْجِد من جهة، ويُعطي أمرا بالإعدام من جهة أخرى؟!

الشريعة جاءت للحياة، لم تأت للموت، جاءت لكي ينتشرُ الحبُّ بيننا لا الكراهية والبغضاء، جاءت لنتناقش بأسلوب علمي، وليس بأسلوب همجي!

فالقرآن الكريم يُؤسِّس للحوار والمناقشة، ويعرض قصصا فيها الكثير من أدب الحوار والنقاش، كل ذلك لأجلنا، ولأجل من يخاطب.

◄ “أ.ل.م” لا شك أنه يبُثُّ رسالة ما.. دعونا نرفع النقاب عنها؟

لا يوجد نقاب لنرفعه عن “أ.ل.م”! فقط دعني أقول لك بأنَّ البرنامج يرمي لكشف حقيقة التاريخ؛ لأن المسلمين أدمنوا الكذب لمدة 1400 سنة!

مارسنا ذبح بعضنا بعضا! ثم نتساءل: من أين أتت “داعش”؟ إنها امتدادٌ لمن قتلوا الحسين بن علي وفصلوا رأسه عن جسده!

أولئك الذين منحوا “داعش” الشرعية هم امتداد لمن منح الشرعية ليزيد بن معاوية في ذبحه لابن بنت رسول الله!

لنكُفَّ عن النظر إلى التاريخ بعيني رؤوس الأموال، للنظر إليها بعيني الحقيقة.

رأس المال صنع العديد من الفتاوى في العصر الأموي والعباسي، وفي عصرنا هذا أيضا لا يزال يصنع الفتيا!

فتيا تعمل على سكب الدماء، وصناعة الاختلاف هنا وهناك.

“أ.ل.م” يحمل على عاتقه مهمة حضارية كبيرة، ويبدو لي أننا قد نالنا التوفيق بحمد الله فيما نسعى لأجله.

“أ.ل.م” من أكثر البرامج الذي تبثها القناة من ناحية عدد المشاهدين، وأغلبهم من الإقليم، وإنني على يقين أن من يُتابعنا يجد في كل كلمة دعوة إلى تحكيم العقل.. فاختيار ضيوف البرنامج يأتي بدقة بالغة تماشيا مع نهج “أ.ل.م”.

فمثلا: حلقة الدكتور عدنان إبراهيم كانت من أروع الحلقات؛ فقد استمرت لساعة ونصف الساعة، جرى الحديث فيها عن “إنقاذ العالم الإسلامي” مما يُصيبه اليوم من نزاع الطائفية.

الحلقة المقبلة ستكون مع سماحة الشيخ أحمد الخليلي مفتي السلطنة عن “الشريعة”؛ تماشيا مع النهج ذاته الذي نمضي فيه في “أ.ل.م”.. ولقد أتعبت فضيلته بكثرة الأسئلة، إلا أنَّه تحملني بصدر رحب.

◄ ما الذي كان يسعى إليه “أ.ل.م” من خلال حواره مع العلامة الخليلي؟

إليك كلماته لتدرك الذي كُنا نرمي إليه: قال: “نحن المسلمين أصحاب إنجاز، وأنجزنا إنجازا حضاريا كبيرا في العهد الأول مع رسول الله”. قلت له: “ما أغبى المسلمين! حققوا إنجازا كبيرا استمرَّ قرنا واحدا ثم تعطل”!

لا يمكن أن نتحدث عن إنجازات مضت!

الأمم التي تود أن تفرض نفسها يجب أن تقول ها نحن ذا!

في حين نحن نريد القول: “ها نحن ذا في القرن الأول الهجري! لا يمكن ذلك!

لذلك يجب أن ننقذ ذلك الإنجاز من الضياع، والذي هو في الأساس شبه ضائع للأسف الشديد.. لقد كان حوارا شائقا للغاية مع سماحته ومثمرا كذلك.

◄ هناك من يقول ويؤكد أنَّ “داعش” وأخواتها صنيعة السياسة، في حين أن “أ.ل.م” يريد أن يصنع سياجا ثقافيا حول المنجزات الغابرة؛ فهل بإمكان الثقافة أن تصلح ما تفسده وأفسدته السياسة؟

لا أكتمك بأنَّ الأمر في غاية التعقيد، إنه حديثٌ عن الوازع والرادع، الثقافة والسياسة. مبدئيا، السياسة سواء كانت تابعة لمحاور إقليمية أو دولية ما كانت لتنجح لولا وجود بيئة حاضنة لطروحات هذه السياسة. فلو عدنا قليلا إلى بداية الاحتكاك بين الغرب الاستعماري وبين العالم العربي والإسلامي، سنجد أنَّ الغرب لم يأت بدباباته ولا بجيشه؛ فأول ما بدأ أن أرسل المستشرقين. بدأ بالحرب الناعمة، بالغزو الثقافي.

أدعوكم إلى قراءة ما كتبه الرحالة الغربيون إلى بلاد المسلمين، وأخال نفسي قرأت معظمها. لقد كتبوا عن تفاصيل العالم العربي والإسلامي. كانوا يكتبون عن عاداتنا، تقاليدنا، فيما نفكر فيه، عدد مذاهبنا، أقوالنا، كيف يتعامل الكبار منا مع الصغار، والرجال مع النساء. لقد منحوا كل شي يتعلق بنا لمطابخ الحركات الاستعمارية والحركات السياسية المتطرفة، التي بدأت تصيغ خططا لدخول البلاد العربية والإسلامية.

والأخطر من ذلك أنَّهم هم من اكتشف العباقرة في الإسلام. المستشرقون الهولانديون والطليان والإسبان اكتشفوا العباقرة بيننا.

لقد عملت المدارس الاستشراقية الفرنسية والبريطانية طويلا على أراضي المسلمين. لقد أعادوا إنتاج مساوئ الفتنة. لقد ركزوا على فقهاء الفتنة ومنظِّري المقت الطائفي فضخَّموهم وأصروا على تسليط الأضواء على أفكارهم ليكونوا مُحتذى الناشئة.

هذا الذي فعلوه!

اقرأ ما كتبه “نورمان شوارتسكوف” الذي قاد حرب الخليج الأولى في مذكراته. كتب يقول: “عندما أريد أية معلومة عن أية دولة عربية أو إسلامية، يكفي أن أضغط على زر فتأتيني في ثوان ثلاثة آلاف صفحة عن هذا البلد بكل تفاصيله، من نقاط قوته، إلى نقاط ضعفه، وعن رجالات القرار فيه، وعن مراكز القوة فيه…وما إلى ذلك”.

لقد درسوا واقعنا وتاريخنا بالكامل؛ فأعادوا إحياء السيئ فحسب من هذا التاريخ؛ فحدث أن تمَّ إنتاج هذه المعادلات التدميرية التي نشهدها اليوم والتشكيك في الهوية. لقد أدركوا أن الإسلام لا يُمكن تدميره من خلال “تشرشل” مثلا، أو “نتنياهو”. بل لابد أن يكون مدمِّر الإسلام يحمل اسم مُحمَّد وموسى وعيسى وخالد وما إلى ذلك. لقد تمَّ استغلال الأدوات الداخلية التي صُنعت على عين الاستعمار، وتم التمكين لها من كل النواحي حتى تمرِّر الفكرة إلى العُمق الفكري للناس.

عندما نقرأ تاريخ الاستعمار، نجد الكمَّ الهائلَ من العملاء الذين مكَّنوا لهذا الاستعمار؛ فمنهم من كان يمكِّن له في الاقتصاد، ومنهم من كان يمكِّن له في السياسة، ومنهم من كان يمكِّن له في الثقافة. ودائما ما كانت الثقافة -بالنسبة للاستعمار- قبل الدبابة.

نقرأ مثلا الحركات الغربية الاستعمارية كان عندها وزارات خارجية، كانت تسمى وزارات الاستعمار، وكان يشرف عليها كبار المستشرقين، أي علماء الإنثروبولوجيا الثقافية.. ففي فرنسا كان يعمل في وزارة الاستعمار الفرنسي لويس ماسنيون، وهو فقيه في الثقافة العربية حتى إنَّ لديه مقولات في اللغة العربية لم يقلها الزمخشري، ولا ابن دريد ولا سيبويه. فمن مقولاته: “كل لغات العالم جمالها ظاهري، إلا اللغة العربية جمالها ظاهري وباطني”.

دائما، السياسة لا تتحرك إلا إذا مهدت لها الثقافة.

بخلاف العقل العربي الذي يتحرَّك أولا ثم يقرأ ثانيا! لذلك يكثر الندم عندنا!

كتب “وليام كيسي” -وهو مدير المخابرات الأمريكية الأسبق، ويُتقن عشرين لغة، ويتحدَّث العربية بطلاقة- يقول: “كنت أريد أن أشتري أطروحات الدكتوراه من الطلاب السوريين الذين درسوا في جامعات روسيا، فبعد اللتيا والتي، خمسين ألف أطروحة باعها لي أحدهم بمائة وخمسين مليون دولار. وعندما سألني: ولكن ماذا تفعل بكل هذه الرسائل؟ أجبته: سوف نحلل هذه الرسائل لأجل أن نحلل العقل السوري لنعرف كيف يفكر وماذا يريد؟

الصراع اليوم صراع ثقافي، فإن امتلكنا منها ما يكفي لصناعة السياج، حتما ستكون مواقعنا محمية.

◄ الاطلاع الثقافي لأبي زكريا متين.. هلا قدمنا لمحة عن محاورنا للقارئ؟

تلقيتُ تربيتي في الجزائر حينما كانت الجزائر ترزح تحت الاستعمار الفرنسي، لقد كان بغيضا وشديدا وقاسيا إلى أبعد الحدود. وهذه واحدة من الأسباب التي جعلتني أعتبر الغرب منافقا وكاذبا، وأنه يمكَّن لنفسه فقط. لقد تعرَّض أفراد من عائلتي إلى العذاب في العهد الاستعماري؛ فقد كان الجنود الفرنسيون يشقون فخذ والدي علي أبو زكريا بشفرة الحلاقة، وكانوا يوسِّعون الجرح ويضعون عليه ملحا!

وخالي محمود -رحمة الله عليه- الفرنسيون وضعوا صخرة في بطنه ورموه في البحر فقضى شهيدا. والدتي كسروا جمجمتها ببندقية؛ لذلك ذات يوم سألتني محاورة من الكويت: لماذا تحمل كل هذا البغض للغرب؟ فقلت لها أليس هو من قتل أبي وقتل خالي وقتل كل أقربائي بحجة التنوير والدمقرطة والحضارة؟!!

كان الغربيون يقتلون المجاهد الجزائري، وعندما يفجرون المكان الذي يحتمي فيه، يوزعون الشوكولاته على الأطفال!

وهل مضى الاستعمار عنَّا؟

لقد مَضَى بعد أن تدخل في السياسات، والدساتير، والثقافات، وأملى علينا شروطه. وهذا موجود في كل اتفاقيات الاستقلال. ولو أردنا أن نعود لهذه الاتفاقيات ونقرأها، سنكتشف أن استقلالنا في العالم العربي كان خدعة كبيرة، وما زال هذا الاستعمار يتدخل في تفاصيل التفاصيل؛ لأنه يؤمن أن قوته الإستراتيجية في العالم العربي والإسلامي.

لقد أكثرت من القراءة، ولعل أسباب ذلك قد اتضحت لك. ساهمت في تأسيس العديد من القنوات الفضائية العربية التي باتت الوسيلة الأقوى للوصول إلى العقل العربي.

مضى الزمن الذي كنا نقول فيه: قال ابن سينا! اليوم نقول: قالت العربية، وقالت الجزيرة!

الصورة باتت تتحكم في عقول المسلمين، والغرب أدرك أننا لا نقرأ ولا نفكك النص؛ فخلق لنا فضائيات تصنع لنا الصورة. ثم تولى تمويل أخرى عديدة لتكون لسانا لهم، ولكني أؤمن بأنَّ ذلك كله يعود إلى عوامل الانحطاط الداخلية التي تحكمنا.

أمام هذه الظروف، امتهنت الكتابة أيضا.. لدي ستون مؤلفا، ولست أدري كم منها قرأها العربي، وهل قرأ شيئا منها أساسا؟

وإذا كان العربي لا بد له من صورة حتى يُمكن تمرير الفكرة إليه، ها أنت اليوم تراني في عالم الفضائيات وعالم الصور. إلا أني لم ولن أتخلى تماما عن القلم.

فالخلود الثقافي والأرشفة التاريخية والحضارية للأحداث لابد أن تدوَّن في كتاب، لا بد للتدوين من قلم لتُحفظ هذه الحضارة.

◄ مادام الحديث بلغ الإعلام، لا شك أنَّ كل اتجاه يحمل رسالة ليمررها عبر الإعلام.. فهل تعتبر فكرة حيادية الإعلام وهما وخيالا لا واقع له؟ هل نحن فعلا نعيش هذا العصر الذي لا يكون فيه الإعلام إلا أداة لمشروع وليس أداة لإظهار الحقيقة عارية عن كل لبس، أو كما هي في الحقيقة؟

كإعلامي، لا يُمكنك أن تنفصل عن واقعك. ومن جهة أخرى؛ فالإعلامي مُصلح وصاحب قضية، فلا بد أن يقدِّم ما لديه، وأن تنتصر لأمتك، ولكن بالعلم.

دعني مبدئيا أبيِّن مسألة مركزية في حياتنا العربية والإسلامية. نحن ابتلينا بافتراق عوامل القوة، اليهود -على سبيل المثال- زاوجوا بين الغنى والفكر، ونجحوا في أن يُشكِّلوا تحالفا بين الأغنياء والمفكرين؛ فكانت النتيجة السيطرة على القارات الخمس. نحن لم نستطع أن ندمج بين قوة الطرفين لمصلحة قوة الأمة. نعم نندمج أحيانا، ولكن لمصلحة قنوات الضلال والتكفير والطائفية، وما استطعنا أن ننشئ حالة التزاوج بين المال والفكر لمصلحة حيوية في هذه الأمة.

ومن هذا المنطلق، أضْحَى الحياد حالة يوتوبية جميلة، ولكن لا وجود لها اليوم.

عندما بدأت يولاند بوستن الدنماركية بنشر الرسوم المسيئة للرسول -عليه الصلاة والسلام- هنَّأت رئيس تحرير المجلة على نهج الحرية التي تنتهجها، وكان هذا مثيرا لدهشته، إلا أني طلبت منه أن يسمح لي أن أكتب مقالا في صحيفته ضد الهولوكوست، فرفض، وقال إن ذلك خط أحمر!

ألست ترى كيف أن نهج الحرية زال في ثوان؟

على أية حال، وسائل الإعلام قوامها الخبر دائما.. مثلا في قناة الميادين: أستطيع أن أجزم لك أنَّ الأخبار فيها محايدة بنسبة ألف بالمائة؛ فلا نتدخل فيها لا برأي ولا تعليق، وتُنقل كما هي دون تحوير. وإذا كان لدينا أدنى شك بنسبة 1% في مصداقية الخبر فلا ننشره أبدا، ما لم يكن عندنا تأكيد قطعي وكامل ومن مصادر موثوقة ومتعددة. وفي المقابل، هناك وسائل إعلامية أصبحت تتدخَّل في الخبر -للأسف الشديد- علما بأنَّ كل المدارس الإخبارية العالمية -حتى مدرسة الـ”بي.بي.سي”- تقول بأن الخبر ينبغي أن يُنقل كما هو.

◄ لنعد إلى مسقط حيث أنت الآن، وعن حوارك مع العلامة الخليلي…!

مسقط عاصمة فيها من الأصالة الشيء الكثير؛ نظيفة لأبعد الحدود، شعبها طيب؛ فعندما تتعامل مع أي شخص منهم تجده يتعامل معك بأخلاق عالية. إضافة إلى أنها لم تغرق في التغريب، بل بالعكس أصالتها حاضرة. وأنا قد قرأت الكثير عن السلطنة وعاصمتها مسقط، فكان يلفتني فيها كثرة القلاع، والتي عادة ما تبنى لمواجهة المستعمر. يستشف من ذلك أن المواجهات مع المستعمر البغيض لم تكن قليلة.

تأتي زيارتي للسلطنة من منطلق إعلامي بحت؛ فلقد أتيت لإجراء مقابلة مع مفتي السلطنة سماحة الشيخ أحمد الخليلي. وهو من العلماء الألمعيين التوحيديين التقريبيين، الذي يؤمن بفقه التقريب، وتقريب المذاهب، ويؤمن بالحوار مع الآخر. ولديه موقف صارم من الفتنة بين المسلمين، حتى إنني طرحت عليه فكرة فقلت له إنَّ سلطنة عمان صدقا ناجحة في دبلوماسية التوافق؛ فلماذا لا نقوم بدبلوماسية موازية في الدين؟ أي بمعنى: لِمَ لا يكون هنالك مؤتمر يدعو إليه فضيلة الشيخ كل علماء المسلمين؛ وذلك لتشكيل فرقة طوارئ لإطفاء الحرائق التي نشبت بسبب فتاوى وباسم الدين لتأجيج الصراع بين المسلم والمسلم في العالم الإسلامي؟!

لا يُمكننا أن نتحدث عن حضارة دون استقرار، ولا عن تنمية والدماء تسيل.

كان لقائي مع سماحة الشيخ لمدة ساعة ونصف الساعة؛ بدا فيها مرتاحا، وكان يجيبني عن كل تساؤلاتي بكل رحابة وسعة صدر، وهذا ما جعلني ارتاح أيضا في حواري معه. ونأمل -إن شاء الله- أنْ يلعب دورا في المرحلة المقبلة، ونحن بصدد تأسيس لمركز دولي لمواجهة التكفير. وسيضم مجموعة من الشخصيات في هذا المجال مثل: د.عدنان إبراهيم، ود.يحيى أبو زكريا، ود.حسن فرحان المالكي، ود.أحمد كريمة، ود.معن الجربا، وشخصيات كثيرة أخرى. لأننا ما لم نطهر الموروث الإسلامي من نصوص القتل، فإنَّ المشكلة لن تنتهي، وإن ذهبت فسوف تعود مجددا. ليت علماءنا كانوا قد طهروا الموروث الإسلامي من الفكر الإسرائيلي ومن فكر التدمير، لما كنا لنشهد ما نشهده اليوم من فتن.

لقد كان العلامة الخليلي يُرحِّب بكل هذه الأفكار وهذه الطروحات وتواعدنا بلقاءات أخرى -إن شاء الله- لخدمة هذه المشروع.

◄ لو ذهبنا إلى السياسة قليلا، فيما نشهده اليوم -سواءً على مستوى العالم ككل، أو على مستوى منطقتنا- هل يمكن أن نقول إنَّ عُمان تغرد خارج السرب؟

حقيقة أن سلطنة عمان موقفها متميز ودورها كذلك متميز، ولا أقول إنها تغرد خارج السرب، بل العكس فهي تغرد ضمن سرب الأمة، ضمن سرب الإجماع. هي لا تغرد ضمن السرب الراغب في تمزيق هذه الأمة، ضمن السرب الراغب في ألا يلتقي العرب والمسلمون، ضمن السرب الذي يستهدف الأمة الإسلامية ولا يرغب في نهضتها.

هؤلاء آخر المطاف هم الأقلية في العالم الإسلامي.

والدليل: أنني أينما ذهبت من مناطق العالم الإسلامي، أو التقيت عالما من العلماء، إلا وسألني عن: لماذا لا أقوم بحوار مع العلامة الخليلي؟!

ثمَّة إصرار من الناس وجدته يُحمِّلني مسؤولية كبيرة، وهي إجراء حوار مع الشيخ.

لم يأت هذا الموقف إلا من معرفة الناس أنَّ الرجل يدعو دائما إلى إخماد الحرائق والفتن. يدعو إلى المعالجات المستندة على اللين وليس الإرهاب.

هذا هو الطرح الذي نحتاجه اليوم في عالمنا العربي والإسلامي. وبنظري أنَّ عُمان مُؤهلة لأن تلعب هذا الدور الكبير، رغم أن العُماني متواضع وأعني أنه يُنجز شيئا كبيرا ولكنه لا يدَّعي لنفسه شيئا. كل العالم رأى ذلك في موضوع التقارب الذي تم بين إيران والدول الغربية؛ فهذا الإنجاز الكبير قد تم هنا في عُمان.

وهناك سبب آخر أيضا، وهو تاريخية السلطنة وطبيعتها الاجتماعية؛ إذ لا يوجد في هذا البلد اضطهاد لمسلم أو لمذهب.

لم يتم مصادرة حق عقدي أو شرعي. هذه سابقة حضارية تؤهِّل السلطنة لأن تلعب أكبر الأدوار. وأنا أدعو جلالة السلطان -حفظه الله- شخصيًّا أن يضطلع بهذا الدور الريادي من أجل إحقاق الإجماع الإسلامي ووحدة المسلمين.

لقد وجدت من خلال تجوالي في العالم الإسلامي أنَّ المسلمين عَطْشى لمن يعيد إليهم الألق والوحدة. مللنا من الدماء، لقد فتك الإرهاب التكفيري بمليون وسبعمائة ألف من المسلمين.

 في الجزائر وحدها قتل الإرهاب سبعمائة ألف، وفي سوريا قتل خمسمائة ألف، يعني في دولتين عربيتين قتل ما يقارب المليون ومائتي ألف. إذا أخذنا بعين الاعتبار أنَّ الإنسان صانع للحضارة، والكثرة البشرية هي مرجِّحة في العامل الحضاري؛ فمن الظلم بمكان أن نضيع أبناءنا، وأن يسود الظلم والقتل في بلادنا بهذه الطريقة.

◄ مادمنا في سيرة البقاء في السرب أو الخروج عنه.. هل هناك سرب أم سربان، أم أسراب؟

بل هي أسراب!

هذه حال العالم العربي والعالم الإسلامي والدولي كذلك.

مبدئيًّا؛ لديك المركزية الغربية التي تريد أن تبقيك مُتخلفا في العالم العربي والإسلامي؛ فهذه المركزية تعتبر أنَّ ارتقاء المسلمين إلى مستوى العطاء الحضاري والإنتاج المادي، سوف يفقد قوة إنتاجها؛ فلو أصبحنا نحن ننتج الطائرات والسيارات ونبيع التقنية، فسوف يتلاشى المنتوج الغربي؛ وبالتالي قوة الغرب تكمُن في أن تبقى أنت أيها العربي وأيها المسلم ضعيفا مستعبدا، ذليلا ومنكسرا؛ لذلك فإنَّ أيَّ دولة عربية أو إسلامية تحاول أن ترقى تقنيا، صناعيا، أو تزدهر في أي مجال من المجالات، تُشل بقوة الشرعية الدولية التي هي في خدمة الإرادات الغربية. ونحن مُصيبتنا أننا خرجنا من المرحلة الاستعمارية وكنا ضمن المرحلة الاستعمارية محتلين ولم نسهم في صناعة القوانين الدولية.

إضافة إلى ذلك، هنالك عملاء لهذه المركزية الغربية في الوطن العربي، والذين يعملون على التمكين لهذا الغرب، والتمكين للغرب -للأسف الشديد- هو جزء أساسي في عملية المسخ الحضاري؛ فالغرب لا يمكن لوحده أن ينتصر، هو إجمالا أنهى المرحلة العسكرية، لكنه ترك وكلاء في البلاد العربية والإسلامية يُمكنون له، وينسجمون مع هواه في كل التفاصيل.

◄ دَعَوْت عُمان لتلعب دورا بارزا في إخماد حرائق الفتن.. هل هذه دعوى واقعية أمام ما نجده من جهود مد نفوذ الحرائق وإسالة الدماء؟

إننا الآن في مرحلة هي من أصعب المراحل، والنَّخر قد نال كل أعضاء جسد الأمة؛ فاليوم إذا أردت أن تطرح مشروعا إصلاحيا، فمن أين تبدأ في العالم العربي؟ هل تبدأ من المنظومة السياسية، أم من التعليم، أم من الصحة، أم من التربية، أم من المستوى الثقافي، من أين تحديدا؟

تراكم الملفات الفاسدة والأخطاء أدَّى لأن تُخرج الأرض أثقالها دفعة واحدة، كالذي حدث في الثلث الأخير من القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين. هذه المرحلة هي من أصعب المراحل؛ فقد أُعيد إنتاج كل مساوئ التاريخ الإسلامي. والمسلمون بدلا من أن يأخذوا مَحَاسن تاريخهم عندما كنا مُتحدين، أخذنا مساوئ التاريخ والخلافات فطعمناها وحولناها إلى قنوات وإلى دروس وإلى مذاهب وإلى كتب وما إلى ذلك، وأنشأنا العقل الإسلامي بناءً على هذا الاصطفاف.

الرجال في كراسي الحكم بإمكانهم عمل الكثير لأجل التغيير إن شاؤوا.

فالقدرة العلمية والثقافية مطلوبة في تلك المواقع. ألست تلاحظ أنه وفي فقه الإمامة توجد شروط للحاكم؛ منها: أن يكون عالما، ومثقفا، وبارعا، وجامعا للمنقول والمعقول؟! جاءت هذه الشروط لتقدِّم ضمانا على أنَّ الراعي سوف يقوم بالقضاء على الفقر، سوف يقوم بالإنصاف للمظلوم، ويُعيد الاعتبار للأسر الفقيرة.

◄ فيما مضى كان العلماء يقضون ما يقارب الـ20 أو الـ30 عاما سواء في الحوازات أو الحواضر العلمية. أما اليوم فبالإمكان اختزال المعرفة وتقديمها في ظرف وجيز!

لا تزال العديد من المسائل لم تُبحث، كالسياسة الدولية، والحكومة كيف يجب أن تكون…وغيرها، في حين لا يزال بعض الفقهاء مشغولين فيما تم البحث حوله لقرون.

إنَّني أشير إلى ما عناه محمد باقر الصدر بقوله: “توسيع دائرة الاحتمالات في مناطق الفراغ”.

يغيب عن العالم الإسلامي والعربي عمل مؤسساتي.

يعملُ العقل المصري بمعزل عن الجزائري، وهذا الأخير بمعزل عن العقل العُماني. لا أثر للمراكز العلمية المشتركة. لا توجد في أية دولة عربية مراكز لدراسات تتنبأ بمصير المسلمين بعد 2050 مثلا!

توجد دراسات في أوروبا تتحدث عن موقع المسلمين فيها بعد 2050!

لهذا جاءت يولاند بوستن لتبث الرسوم المسيئة للرسول مُتعمدة وبإيعاز من قبل إسرائيل لإبراز المسلمين على أنهم خطر على الأمن القومي الغربي، وأدخلوا المسلمين في اللعبة وكانت ردَّات فعلهم غير مدروسة بالكامل وأساؤوا أكثر مما أفادوا.

نحن نملك القدرة، ولكننا لم نحول هذه القدرة إلى فعل حضاري للأسف الشديد. ما زلنا نحتاج إلى أن تلتقي هذه العقول وإلى أن نرسم خرائط وإلى أن نعيد قراءة الماضي، ولكن ليس بلحاظ استصحابي، بل بلحاظ استكشاف الأخطاء؛ فالتاريخ يعتبر معلما، والقوانين التي حكمت التاريخ هي عينها التي ستحكم المستقبل وهي التي تحكم الراهن. فإذا أدركناها ندرك ما سيكون عليه الراهن العربي اليوم والراهن الإسلامي؛ فأمامنا إذًا مشقة حضارية، وطوبى للذين يسخرون أعمالهم للفعل الثقافي!

◄ ثمة علامات… صمود سوريا، ونجاح إيران الباهظ فيما يتعلق بملفها النووي، الحرب في اليمن، وبداية التوافق العراقي-العراقي من خلال التوحيد بين مكوناتها الداخلية (شيعة، سنة، وأكراد) في مواجهة “داعش” لتحرير الأرض، وكذلك نجاح التجربة التونسية ضمن تجارب الربيع العربي.. ما دلالات هذه العلامات؟

لا شكَّ أنَّ لحظات الانكسار في تاريخ الأمة ليست قليلة، وليست أزلية؛ فالتاريخ ليس ثابتا؛ وبالتالي تجد هذه المتغيرات المتسارعة في حركة التاريخ.

وبالنسبة للعالم العربي والإسلامي، فنحن عندما نتأسف فإننا نتأسف لشيء واحد وهو أننا كوَّننا أمة عربية وإسلامية كان في مقدورنا أن نقود الكون لأننا نملك ثلثي الثروات البشرية وثلثي النفط والغاز والفوسفات واليورانيوم والماغنيسيوم والحديد، ونملك موروثا إسلاميا عملاقا؛ فاليابان مثلا تملك بوذا وكونفوشيوس ولا يملكون نفطا وغازا، ولكن انظر كيف أنهم يقودون العالم على الصعيد المدني. العالم العربي والإسلامي لأنه مركز استقطاب للإيرادات الدولية ولأن كلَّ القوة الغربية موجودة في جغرافيتنا، كثُر الضغط على هذا العالم العربي في محاولة تحويله عن مساره وحتى لا يحقق استقلال القرار واستقلال الصناعة واستقلال الثقافة، وليكون دائما محكوما. هناك مقولة تعجبني رغم أنها ليست في صالحنا، ولكن تكشف مدى حرص الغرب علينا، عندما يقول أحد زعمائهم: “إنَّ الغرب فيما مضى كان يرسل الدبابات إلى البلاد العربية فيُدمِّرها. اليوم نستورد البشر من العالم العربي نكوِّنهم في جامعاتنا، وبعدها يكونون في جبهاتنا ورُسلا لحضارتنا”. وبهذه الطريقة ظلَّ الحبل السري والمشيمة مرتبطين بالغرب.

الآن على صعيد المتغيرات الأخيرة، لا شك أنَّ ضرب سوريا كان مخططا له لأنها كانت هي العمود الفقري لمحور المقاومة. لقد التقيتُ الدكتور بشار الأسد وقلت له ذات يوم: “أعدل، فالعدل أساس الملك”، إلا أنهم لم يُحاربوه لأنه لم يكن يعدل، لقد حاربوه تمهيدا لضرب الفصائل الفلسطينية والمقاومة الإسلامية في لبنان وتقزيم إيران.

صحيح أنَّ سوريا صمدتْ، لكن هناك أثمان باهظة دُفِعت. الآن اجتزنا مرحلة سقوط الدولة السورية. المقاومة الإسلامية في لبنان ازدادت قوة، وإيران استطاعت أن تقنع العالم بمواقفها دون أن تفرط في مبادئها.

الصدمة الكبيرة، تعجيل الذهاب إلى اليمن.

هذا من وجهة نظري نوع من الانتقام الذاتي، مُنطلقه: كيف حققت إيران كل ذلك دون أن تتنازل عن مبادئها؟! بالنسبة للعراق مع مجيء حيدر العبادي بدأنا نشهد حصار “داعش”، وأنا أجزم بأن الحركات التكفيرية إلى زوال؛ لأنها مخالفة للفطرة الإنسانية ولا تملك بيئة حاضنة. وهؤلاء بمجرد أن يحكموا قرية أو مدينة سوف يكرههم ويبغضهم الناس؛ لأنهم يلجؤون إلى السطو، إلى العنف، إلى السرقة، إلى محاربة الناس في أرزاقهم.

لقد سمعتُ كلَّ هذا من الناس الذين عاشوا في كنف “داعش” و”جبهة النصرة”.

ونأمل -بإذنه تعالى- أن يُشكل هذا التحول الإقليمي وَضْع لمسات لكتلة تؤمن بالاستقلال ولا تُرهن قرارها للغرب؛ لأنه إذا تحققت الاستقلالية فكلُّ شيء ممكن أن يتحقق. ولكن إذا كنا تابعين في كل التفاصيل ففي كل لحظة سيتدخل الغرب وسيملي علينا شرطا هنا أو هناك.

◄ بالنظر إلى الوضع الجيوسياسي في المنطقة والاتفاقيات التي وُقِّعت -سواء في السر، أو العلن- من الصعب جدًّا دون ثورة كبيرة في الكيان العربي والفكري إقامة مثل هذه الاتفاقيات.. ألا تتفق معي حول ذلك؟

عندما قرأتُ التاريخ البشري، وتحديدا تاريخ المنطقة العربية والإسلامية، وجدت أنه على رأس كل قرن يوجد مُتغير كبير. دعنا نعود إلى القرن الثامن عشر، بدأت الليبرالية في الغرب وتمكَّنت لمائة سنة. يعني الفكرة التي تنتصر في بداية القرن، هي التي تمسك بزمام القرن فكريا. ثم جاء القرن التاسع عشر فجاءت الثورة البلشفية فحكمت القرار الروسي فالعالمي. بعد ذلك في سنة 2000 انتصرت المقاومة الإسلامية على الكيان الصهيوني. وكنت حينها قد ألقيت محاضرة دعوت فيها إلى الاستبشار بانتصار المقاومة؛ لأنَّ الفكرة التي تنتصر في بداية كل قرن هي التي تستمر. وكما يقول علماء الكلام: “هنالك لطف رباني في هذا”.

نحن على مَوْعد مع لطف رباني، وهو ليس بعيدا عنا. معظم الإشارات عندما تقرأ أخبار الملاحم والفتن وأحاديث آخر الزمان، تجد أنها مُنطبقة على واقعنا هذا.

قد تقول حركة التاريخ متشابهة، ولكني أقول لا.

يُوجد في الأحاديث أسماء، ويوجد ذكر لعائلات حاكمة، توجد مملكات قائمة، وتوجد أسماء لشخصيات سياسية قائمة، وأعلام رُسمت وبالتفصيل الممل.

أؤمن بأن لطفا ربانيا على موعد مع الكون.

الله -وفق نظرية الفيض- موجود معك في التفاصيل، وفي كل اللحظات، وهو المشرف الأساسي على الكون. الدفاتر العرفانية والربانية تؤكد ذلك.

وبما أنَّ الموضوع بلغ عتبات العرفان وذكر الله تعالى، أودُّ هنا أن أسمعكم قصيدة هي عنواني منذ بدايات وعيي:

طال اشتياقي ولا خل يؤانسني…

ولا الزمان بما نهوى يوافيني

هذا الله الذي في القلب مسكنه…

عليه تذوقت كؤوس الذل والمحنِ

عليه أن أنكرني من كان يعرفني…

حتى صرت بلا أهل ولا وطنِ

قالوا جُنِنت بمن تهوى…

فقلت لهمُ ما لذة العيش إلا للمجانينِ

فإذًا توجد حكمة ربانية، والعلم علمان: علم حصولي، وعلم لدني. العلم الحصولي كسبي ونحصل عليه جميعا. لكن حقيقة الأمر يوجد علم آخر في تصاريف الكون وتحريك الكون، ودور المولى -عزَّ وجلَّ- في حياتنا؛ لذلك تجد العارف بالله يعيش الرضا. لنعش الرضا ولنرى إلى أين تقودنا عنايته تعالى.

7,380 total views, 5 views today