Mohd Moosa

محمد حسين بن موسى اللـواتي

(1)

وصل بنا الحديث إلى معالجة المسألة التالية:

ما هو السر في استغناء الموجود عن العلة؟ وما هو سر احتياجه لها؟

الفلاسفة المسلمون، وبحسب نظريتهم، فإن ذلك السبب الذي يكون ملاكا ومعيارا في حاجة المعلول للعلة هو «الإمكان الذاتي» . فالأشياء -الموجودات أو المعلولات- تحتاج إلى العلة لأن ماهيتها ماهية إمكانية، أي أن ذاتها مساوية الطريفين للوجود والعدم، و الأمر الذي يرجح وجودها من عدمها هو «الإمكان»، أي أن لطرف و جهة وجودها – المقابل لطرف عدمها – إمكانية أن يوجد. وعليه، فالشيء يحتاج إالى العلة في وجوده بعد عدمه من جهة أن (ماهيته ممكنة الوجود). و على أساس هذه النظرية يكون كل محتاج إلى العلة هو «ممكن ذاتي»، وكل «ممكن ذاتي» فهو محتاج للعة، و في مقابل هذا «الممكن الذات» يأتي «الواجب الذاتي» أو «واجب الوجود» و الذي هو غير محتاج للعة في وجوده و إيجاده. فملاك الإستغناء عن العلة هو « الوجوب الذاتي»، وملاك الحاجة هو «الإمكان الذاتي». فإذا كان الشيء ذاته ممكنة الوجود ولكنه قديم زمانا، فهذا لا يعني أنه مستغن عن العلة، وأنه «واجب الوجود»، فإن قلنا «بقدم العالم زمانيا» فهذا لا يعني أن ننفي عنه إحتياجه «لواجب الوجود» في إيجاده.

كان ذلك على حسب تنظير فلاىسفة المسلمين، أما على حسب نظرية متكلمي المسلمين -ومنهم الغزالي- في مسألة «فعل الباري تعالى»، فإنها تقوم على أساس هاتين القاعدتين:

الأولى ( قاعدة عقلية ):

و هي قولهم أن معيار وملاك حاجة المعلول للعلة متمثلة في «الحدوث» فحسب. فالأشياء تحتاج إلى العلة من حيث أنها لم تكن ثم كانت وأصبحت موجودة. و بعبارة أخرى، أنها محتاجة لعلة من جهة أن «وجودها مسبوق بالعدم».

فعلى أساس هذه النظرية يكون كل محتاج إلى العلة «حادث»، وكل «حادث» محتاج إلى العلة، و «القدم» يعني غير المسبوقية بالعدم. فملاك الإستغناء عن العلة هو «القدم» وملاك الحاجة للعلة هو «الحدوث». فإذا كان الشيء غير حادثا -زمانا- فهذا يعني أنه مستغن عن العلة وهو قديم، بل هو «واجب الوجود». فالقول بعدم حدوث العالم -أو جزء منه- و كونه قديما زمانا، معناه أن ننفي عن العالم «المخلوقية» و أن نقول بأنه مثل «واجب الوجود» لا يحتاج إلى علة توجده.

الثانية ( قاعدة نقلية ):

و هي قولهم أن ما سوى الله تعالى «حادث»، وهي المسألة مورد إجماع وإتفاق بين جميع الأديان.

يتضح مما مر: أن «الوجوب» هو ملاك الإستغناء عن العلة، و «الإمكان» هو الحاجة للعلة، وفقا لنظرية فلاسفة المسلمين. و «القدم» هو ملاك الإستغناء عن العلة، و «الحدوث» هو ملاك الحاجة للعلة، وفقا لنظرية متكلمي المسلمين.

فالمتكلمون يقولون: إن المخلوقية والمعلولية تلازم «الحدوث الزماني»، فإذا ما كان الشيء قديما -أي غير حادثا زمانا- فهو ليس بحاجة للمخلوقية والمعلولية، فهو وجوده في مصاف        وجود «واجب الوجود» -وبالطبع «فالقديم الزماني» عندهم منحصر بالواجب تعالى. وعليه «فالحدوث الزماني» هو المببر للعلية والمعلولية والخلق والخالقية عندهم.

رد الفلاسفة على المتكلمين:

قالت الفلاسفة: إذا  كان العالم -مثلا- قديما زمانا، فهذا لا يعني أنه غير محتاج للعلة، بل هو محتاج إليها ولا يمكن الإستغناء عنها مطلقا، وذلك بسبب أن ماهيته هي ماهية «ممكنة الذات»، وكل ممكن الذات فهو بحاجة إلى العلة في تحققه. فقدم العالم لا يجعل من العالم غني الذات «كواجب الوجود»، ليجعله شريكا للباري تعالى في قدمه، ويخدش علاقة العليلة والخالقية    -على حسب مصطلح المتكلمين- الموجودة بين العلة و المعلول، والخالق والمخلوق.

أما بالنسبة لكلمة «الحدوث» فإن الفلاسفة تقول أن الحدوث يمكن إستخدامه لمعنيين إثنين، تارة بمعنى «حدوث زماني» وأخرى بمعنى «حدوث ذاتي»، وأنهم يحملون ما ورد في الشرع الحنيف عن مسألة «حدوث العالم» على إستخدام الثاني للكلمة، و الذي هو عبارة عن «الحدوث الذاتي» وليس «الحدوث الزماني».

فالعالم عندهم عبارة عن «حادث الذات» فلا يشارك في هذه الصفة خالقه تعالى والذي هو   «قديم الذات»، وعندئذ تصح نسبة الخالقية والمعلولية بينه وبين الباري تعالى، لأنه ليس هنالك ذاتين قديمتين إثنتين (الله تعالى والعالم) حتى يتحقق محذور المتكلمين.

هكذا نظر الفلاسفة والمتكلمين بعضهما البعض، وحكما بتلك الأحكام على بعضهما للبعض، هنالك حيث ( كفر ) متكلمي المسلمين لفلاسفة المسلمين، و ( جهل ) الفلاسفة المسلمين لمتكلمي المسلمين.

سطوع شمس فجر يوم التعقل!

في آواخر قرن العاشر الهجري سطع اسم لفيلسوف وضع بين يدي عشاق هذا الفن موسوعة أطلق عليها (الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة) بتسع مجلدات بديعة. ذلك الفيلسوف كان يُدعى (محمد بن إبراهيم الشيرازي) الملقب (بصدر المتألهين و بملا صدرا)، حيث تعد مدرسته شبيهة بالمدرسة الإشراقية بلحاظ المنهج، أي أنهما تعتقدان معا بالإستدلال والكشف والشهود، ولكنها مختلفة عنها من ناحية الإستنتاجات. كما قد حلت في مدرسته الفلسفية وبشكل دائم، الكثير من المسائل المختلف عليها بين المشائيين والإشراقيين، أو المختلف عليها بين الفلسفة والعرفان الإسلاميين، أو المختلف عليها بين الفلسفة والتكلم الإسلاميين.

و فلسفلة صدر الدين ليست فلسفلة إلتقاطية مزخرفة، بل هي نظام فلسفي خاص مبتكر، حيث وإن كانت المناهج الفكرية الإسلامية المختلفة مؤثرة في ظهورها، إلا أنها يجب أن تعتبر نظاما فكريا مستقلا بحد ذاتها.

ركيزتا تنظير صدر المتألهين:

إن من أهم إبداعات الفلسفية ومن أروعها التي مني بها فيلسوفنا على الفلسفة الإسلايمة هي إكتشافه الخالد المتمثل بنظريته «أصالة الوجود»، والتي تعتبر بالنسبة لمنظومته الفلسفية -الخاصة به- كعمود فقري لها. حيث تمكن بها من إعطاء حلول نهائية لبعض من المسائل الفلسفية المتنازع عليها بين الفلاسفة -سواء الإسلاميين منهم أم غيرهم- من قبيل مسألة (علاقة الروح بالبدن، ربط الحادث بالقديم، جمع دليلي ثبوته ووحدانيته تعالى بدليل واحد، … الخ).

أما بالنسبة لمسألة «خلق العالم» و بفضل نظريته «الحركة الجوهرية» أو (الحركة في الجوهر) المعتمدة كل الإعتماد على أهم إبداعاته والتي هي نظرية  «أصالة الوجود»، فقد توصل إلى حل أبدي لهذه المسألة، حيث رفعت بفضلها تنظيري الفلاسفة و المتكلمين و للأبد من البين!

الركيزة الأولى ( أصالة الوجود ):

إن أول من طرح مسألة كون حيثية «ممكن الوجود» مركبة من حيثيتين -جهتين- حيثية     (الوجود) وأخرى (الماهية) بحيث تكون إحداها «أصيلة» والتي هي عبارة عن تحقق الوجود في الواقع الخارجي بحد ذاته، وبعبارة أخرى تكون إحداهما حقيقية وواقعية، بحيث تكون سببا ومنشأ لترتب الآثار الوجودية الصادرة من (الممكن الوجود)، وتكون الأخرى «إعتبارية» له، والتي هي عبارة عن صورة و مفهوم ذهني ليس إلا -أي أمرا إعتباريا- حصل عليها الذهن بالتعقل ليس إلا، ومن خلال تلك العملية الذهنية التي يقوم بها من إنتزاعه لمفهوم وصورة ذهنية لتلك «الحيثية الأصيلة» لممكن الوجود، الموجودة والمتحققة في الواقع الخارجي، لتكون بذلك «الحيثية الوجودية» لأي ممكن الوجود هي الأصيلة فيه، و «الحيثية االماهوية» منه هي الفرعية له -لا قوام و وجود لها بغير أصلها- إن أول من طرح هذا كان هو (المير داماد) أستاذ صدر المتألهين في الفلسفة، ولكنه ذهب إلى أن الحيثية الأصيلة من الممكن الوجود هي «حيثية الماهية» أما «حيثية الوجود» فهي إعتبارية ذهنية.

((أما بالنسبة لفلاسفة المشاء، فإنهم كانوا يرون -عامة- أن حيثية «الممكنات» هي حيثية وجودية وواقعية، أي أن وجود الممكنات عبارة عن أمر حقيقي وواقعي، ولم تطرح عندهم مسألة إن كانت حيثية الممكن مركبة من حيثيتين أم لا، و إن كانت مركبة فما هو الأصيل منهما وما هو إعتباري؟ كما أنهم لم ينتبهوا إلى آثار ولوازم أصالة الوجود وإعتبارية الماهية. أما بالنسبة لفيلسوفنا فإنه كان من المناصرين لقول أستاذه (الميرداماد) بالنسبة «لأصالة الماهية» لردهة من الزمن، ولكنه عدل بعد ذلك إلى القول «بأصالة الوجود» )). (١)

الركيزة الثانية ( الحركة الجوهرية ):

كانت الفلاسفة ترى أن الحركة تقتصر على بعض من المقولات التعسة والتي هي (الوضع، الأين، الكيف، المتى، الكم، الجدة، الإضافة، أن يفعل، أن ينفعل). حيث ذهب «أرسطو» والشيخ الرئيس إبن سينا والمشاؤن إلى وجود حركة في المقولات الأربعة الأولى فحسب (الوضع، الأين، الكيف، المتى)، ولم يقل كلاهما بتحقق الحركة في (مقولة الجوهر)، بل كانوا يرون أن الحركة فيها مستحيلة.

إلى أن أتى فيلسوفنا وأثبت أن وجود الحركة في مقولة (الجوهر) ممكنة، بل أثبت إستحالة عدم وجودها فيها، لأنه كيف للإعراض من حركة، إن لم تكن للجوهر بحد ذاته من حركة؟! ولا مجال هنا للخوض في أدلة ذلك.

 و تجدر الإشارة هنا أن مبنى فيلسوفنا بالنسبة للحركة هو أن (الحركة عبارة عن خروج الشيء من القوة إلى الفعل تدريجا). وعليه فهو يؤمن بالحركة من حيث هي «تدريجية» وليست «دفعية» كما هو مبنى بعض الفلاسفة.

بينهما برزخ يجعلهما يجتمعان   (العالم حادث ذاتي وحادث زماني )!

إن ما قام به فيلسوفنا هو الجمع بين تنظيرين، تنظير المتكلمين القائل (بالحدوث الزماني للعالم)، وتنظير الفلاسفة القائل (بالقدم الزماني للعالم)، وذلك بتنظير إبداعي مميز، بحيث ناصر وجهة نظر المتكلمين من حيث إثباته أن «العالم حادث زماني» بمعنى أنه (لا وجود للقديم الزماني في عالم الطبيعة)، وناصر من جهة أخرى وجهة نظر الفلاسفة من حيث إثباته لقولهم أن «العالم حادث ذاتي» بمعنى أنه (لا وجود للقديم الذاتي في عالم الطبيعة).

قد تمكن فيلسوفنا بالجمع بين هذين القولين بفضل إثباته «للحركة في الجوهر» أو «الحركة الجوهرية». فإن ((وجود العرض من مراتب وجود الجوهر، من حيث كون وجوده في نفسه عين وجوده لجوهر)). (٢)

فالعالم عنده عبارة عن حدوث تدريجي من رأسه إلى أخمص قدمه، هو في حالة حدوث وتجدد من ناحية، وفي حالة تلاشي وفناء من ناحية أخرى، هو في حالة وجود وتحقق من جهة، ومن جهة أخرى هو في حالة إنعدام وزوال، وهو على هذه الحال للأبد والدوام إلى ما شاء الله.  وعليه، فإن العالم عنده عبارة عن «جوهر» (متجدد في ذاته، نحو وجوده الإنقضاء والتجدد، بحيث لا يتصور له في وجوده ثبات وإستمرار، ولا في عدمه ثبات و إستمرار … و ذلك الجوهر لا يمكن أن يكون جوهرا غير مادي ولا جسماني، وإلا لم يكن فيه قوة إستعدادية، بل هو جوهر مادي فيه ضرب من القوة و ضرب من الفعل، و ما هو إلا الطبيعة السارية في الأجسام … ).(٣)

و ((الأجساد الطبيعية كلها في التحلل والذوبان والإضمحلال، بإستيلاء حرارة الطبيعة وسعيرها، والخلق غافلون عن هذا الزوال والتجدد والإنتقال، بسبب ورود الأمثال، كما قال تعالى (بل هم في لبس من خلق جديد) وقوله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) فلكل نوع طبيعي من الأجسام فلكيا كان او عنصريا بسيطا كان او مركبا، فهو من حيث وجوده الطبيعي أبدا في التجدد والسيلان والتحلل و الذوبان)). (٤)

فبسبب توارد الصور على الأجسام الطبيعية صورة بعد صورة، لا يدرك -الغافلين كما يقول فيلسوفنا- أن الأمر ليس كما يبدو لهم من ظاهره، بل هي كلها في حالة الزوال والتجدد والحدوث والإنعدام، فمادة الأجسام الطبيعية تلبس -على حسب التعبير القرآني- صورة بعد صورة وتخلق مرة تلوى الأخرى، فهي عبارة عن قافلة من حركات ليس لها قرار، حقيقتها المرور بعد مرور، إن لم ينعدم المرور الأول لن ينوجد المرور الثاني، و إن لم يزول المرور الثاني لن يتحقق المرور الثالث، وهكذا دواليك.

وعليه، فإن ماهية مادة العالم عبارة عن وجود وإنقضاء وحدوث وزوال وتجدد وإنصرام لا ثبات فيها إطلاقا، وبعبارة أخرى، إذا كانت حيقيقة العالم -مادة العالم- عبارة عن «حركة تدريجية» دائمية ومستمرة، وكانت الحركة التدريجية عبارة عن خروج الشيء من القوة إلى الفعل -الفعلية- بالتدريج، وكان هذا الخروج التدريجي للشيء ليس له تحقق إلا في «ظرف الزمان» ولم يكن الزمان سوى مقدار الحركة ليس إلا، فإن العالم عبارة عن (حركة تدريجية مستمرة مطلقا). فالعالم خارج في كل حين من القوة إلى الفعل -الفعلية- ومن هذه الفعلية إلى فعلية أخرى، حادثة ذاته في حين وفانية في حين، واجدة في آن ومعدومة في آن، متحققة ذاته في كل حين وآن، و على مدى الإمتداد الزماني إلى ما شاء الله تعالى.

 وعليه، فإن العالم عبارة عن «حادث ذاتي زماني»، حادث ذاتي من جهة أنه ليس لذاته نقطة بداية – أي إننا إذا ما رجعنا زمانا لنقطة بدأ العالم فإننا لا نصل إليها أبدا-، وحادث زماني من جهة أن حدوثه التدريجي واقع ومتحقق على مدى الإمتداد الزماني «ظرف زماني».

فإن كان العالم عبارة عن وحدة واحدة من حركة في صميم مادته -أي حركة في جوهره- وكانت حقيقة هذه الحركة الجوهرية التدريجية عبارة عن حدوث وإنعدام وصيرورة وزوال في كل آن وحين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إذا ما كانت هذه الحركة الجوهرية التدريجية في صميم مادة العالم، تعد هي السبب والمنشأ الوحيد فحسب في ولادة الإمتداد الزماني للعالم نفسه وبحد ذاته (ليكون بذلك الإمتداد الزماني -ظرف الزمان- وليد شرعي لرحم مادة العالم، وبتلك النطفة المسماة «بالحركة الجوهرية») فإنه إن لم تكن لمادة العالم -المسماة في الفلسفة بمادة المواد أو المادة الأولى أو الهيولي الأولى- من نقطة بداية زمانية – من جهة ان الزمان هو نفسه وليد لهذه مادة العالم المتحركة فأنى له وجودا قبلها – لما ضر ذلك على كون العالم حادثا ومخلوقا و فعلا لعلته التامة، و يكون محتاجا في حدوثه و مخلوقيته و فعليته إلى علته التامة «الله جل جلاله».

خلاصة تنظير فيلسوفنا:

أثبت بفضل «الحركة الجوهرية» أن وجود العالم هو عبارة عن نفس حدوثه التدريجي -حدوث ذاته- وحدوث ذاته هو عبارة نفس وجوده التدريجي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أنه لا بد لكل حدوث من إمتداد زماني ليتحقق فيه، وعليه فإن «ذات» العالم حادثة بواسطة الحركة في جوهر مادته، وحادثة «زمانيا» بواسطة الحركة في جوهر مادته أيضا  -من جهة أنه لا تحقق للحركة من دون ظرف و إمتداد زماني -.

فعلة العالم قد أوجدت العالم متحركا في ذاته، أي هي أوجدت شيئا متحركا أصلا، لا بمعنى أنها أوجدت شيئا ومن ثم جعلته يتحرك وجعلت منه متحركا، بل هي أوجدت وخلقت شئيا بحيث تعتبر ذاته وحقيقته وماهيته عبارة عن حركة في حركة، بمعنى أن الحركة من لوازم وذاتيات وجوده وتحققه، وليست من عوارض وجوده، فالحركة ذاتية الوجود للعالم -كضوء الشمس ووهجها بالنسبة للشمس حيث ليست الشمس وجودا مستقلا ومن ثم أضيف له ضوءا و وهجا-.

وعليه، فالعالم وبواسطة هذه الحركة الذاتية -في جوهره- يحقق ذاته بذاته ويخلق ذاته بذاته ويحدث ذاته بذاته -وبالطبع فإن فعله و إنفعاله هذا كله يكون تحت المشيئة الإلهية العامة- على قطعات الزمان وإمتداده (فالعالم يحدث ذاته و زمانه بذاته) وذلك عبر طريق «الحركة الجوهرية». هذا، وإن أراد القارئ الكريم المزيد في هذه المسألة «الحركة الجوهرية» فيمكنه الرجوع إلى مختلف كتب فيلسوفنا، ولا سيما ركيزتها (الحكمة المتعالية)، ففيها ما فيها من إستدلالات وتأسيس وشروح وتساؤلات وردود على وعن هذه المسألة.

خلاصة و رسالة هذه المقالة:

1- أنه لا عتاب على الإسلاميين المعاصرين المعروفين في الإعلام العالمي «بالأصوليين» أن كفروا لبعض الأشخاص -أو معظم الأشخاص- المخالفين لفكرهم، إن كان مثل الغزالي  -وما أدراك ما الغزالي – قد كفر أعلام وفخر المسلمين، الذين على مجهودهم وعطائهم قد قامت  الحضارة الإسلامية، والذين يعدون من ضمن رجالات الحضارة الإنسانية جمعاء.

2- إن قول الغزالي في حق الشيخ الرئيس إبن سينا بالنسبة لعدم إعتقاده بمسألتي (المعاد الجسماني وعدم علم الباري بالجزئيات) إشتباه عظيم حق الشيخ الرئيس كما علمنا.

3- أنه لا الشيخ الرئيس كان صائبا تماما في رأيه في «قدم الزماني للعالم»، ولا كان ذلك الصواب حاصلا للغزالي أيضا بالنسبة «لحدوث العالم زمانا».

4- بواسطة إثباته «الحركة الجوهرية» القائمة على نظرية «أصالة الوجود وإعتبارية الماهية» إستطاع صدر الدين الشيرازي أن يبرهن على الحدوث الزماني للعالم، جامعا بذلك تنظيري الغير التامين -الناقصين- لفلاسفة ومتكلمي المسلمين.

5- أثبت فيلسوفنا عبر طريق الحدوث الذاتي والزماني لعالم الطبيعة، مسألتين إثتنين ضمنا، المسألة الأولى منهما هي عدم إنفكاك المعلول عن علته التامة -و العكس صحيح أيضا-، و الثانية هي عدم إنقطاع فيض وجود الباري أبدا ومطلقا، وأن العالم عبارة عن فعله.

6- العالم لم يحتاج لخالقه في لحظة معينة وهي لحظة وجوده فحسب (كما يقول به المتكلمين) بل هو محتاج إليه في كل آن من آناته، لأنه يحدث ويخلق ويوجد في كل آن وحين إلى ما شاء الله (كما يذهب إليه فيلسوفنا). فالعالم -والذي هو فعل الباري تعالى- وعلى حسب تنظير فيلسوفنا، هو ألصق بفاعله مما نجده في تنظير المتكلمين.

————————————

الهوامش:

(1) الشيخ المطهري، محاضرات في الفلسفة الإسلامية، ترجمة من الفارسية «عبد الجبار الرفاعي».

(2) العلامة الطباطبائي، كتاب « بداية الحكمة» ، الصفحة 178.

(3) صدر الين إبراهيم الشيرازي، كتاب « أسرار الآيات»، الصفحة 85.

(4) صدر الدين الشيرازي، كتاب «مفاتيح الغيب»، الص

3,424 total views, 11 views today