Sadiq Jawad

نص محاضرة د. صادق جواد سليمان

أنا كلما عدت إلى هذا المكان، إلى “مركز الحوار العربي”، الذي في الواقع لا مكان محدداً له سوى حيث تعقد حواراته، يساورني إحساس شبيه بإحساس عائد، بعد غياب، إلى الرافد الذي نهل منه. بذلك أجدني مدينا لكل من ساهم في إثراء هذا الرافد وتواصل مع نشاطاته. كما أجدني مغتبطا بالصداقات التي ترابطنا بها هنا وبقينا عليها رغم تباينٍ في الرؤى، سياسيةٍ أو فكرية. وراء هذه الاستمرارية، المعطاءةِ رغم شح المورد، جهدٌ مثابَر نثمنه عاليا لإنسان فذ وأخ كريم، الأستاذ صبحي غندور، مؤسس المركز ومديره، والذي لا نزال نشهد له ريادة متميزة في خدمة القضايا العربية، واهتماما متواصلا بالقضايا الإنسانية، المتزايدة جميعها، كما نلاحظ، تشعبا وتعقدا، بل وترديا، في حراك هذا العصر.

عندما عرض علي الأخ صبحي وأنا إذاك في عُمان، أن أتحدث ضمن فعاليات المركز خلال زيارتي هذه، وترك لي- بلطفه المعهود – تحديد محور الحديث، لم أحر في اختيار الموضوع، فقد كنت، تأمليا،ً كلفا به طوال أشهر الصيف، بالأخص خلال الفترة المطولة بعض الشيء التي قضيتها في الهند، والتي أتاحت لي فيما أتاحت، فرص تناظر موسع مع أكاديميين هنود يجمعون بين المعرفة العلمية المعاصرة والواردات من النظر الفلسفي في موروث سائر الديانات والمدارس الفكرية.

موضوع حديثي هو ” الإنسان بين الهوية والماهية “: أعرضه مدركا أنه موضوع  يكاد لا يكون له محل من الإعراب وسط ما يشغل الجميع من متابعة قلقة للأحداث الجارية في عالمنا العربي، بل عبر العالم كله. مع ذلك، ما سأعرضه  بنظري هو ما من شأنه أن يمكن من التحول من ثقافة المغالبة بالعنف والاحتراب التي أضحت تعاني تحت وطأتها الإنسانية في كل مكان، إلى مسار رشيد، مسار تآلف وتعاون يفتح الأفق واسعا امام الأمم جميعها لتحقق نفسها إنسانيا بأوفى وأمثل المتاح.

“الإنسان بين الهوية والماهية” هو موضوعنا، وإذن فلنبدأ بالهوية – IDENTITY:  الهوية تعرّف المرء من حيث انتماءاته الخارجية، أي تلك التي بعضها أضفى عليه مجتمعه، وبعضا آخر اتخذها لنفسه، وأبرزها: الثقافة، العرق، الوطن، الدين، المذهب، المنظور الفكري أو السياسي.

في المقابل، الماهية -ESSENCE   – تعرّف الإنسان من حيث كينونته الوجودية، اي تلك التي نشأ من رحمها أصلا، وبقي عليها فطرة مدى ما عاش، أيا كانت معرفات هويته.

الهوية، بمعرفاتها المتعددة، تورَد جوابا انتمائيا إزاء السؤال:  من أنت؟ من هو؟. أو، إذا كان التساؤل مثارا من الذات: من أنا؟ الجواب هنا يأتي بمعرفات متعددة، يصدرها كل شخص بالمعرف الذي يؤثره من بين معرفات هويته.

في المقابل، الماهية، التي هي مشتركة بين الناس جميعا، تورَد جوابا وجوديا على التساؤل: ما أنا، ما أنت، ما هو؟  الجواب هنا يأتي بمعرف واحد فحسب: أنا إنسان.

في عصرنا معظم الناس عبر العالم، في مجال معرفة الذات وتعريفها، يأتي تركيزهم على  الهوية الانتمائية. بتعبير آخر: فهمهم لأنفسهم، وتعريف أنفسهم لغيرهم، وتعاملهم مع الآخرين، يأتي مشكلاً ومنطلقاً من المعرفات الانتمائية: مثلاً: أنا عربي لذا متمايز عن غير العربي، عُماني، لذا متمايز عمن هو من بلد آخر، مسلم، لذا متمايز عن غير المسلم، منتسب لمذهبٍ أو لمدرسة فكرية او لحزب سياسي معين، لذا متمايز عن المنتسب لمذهب آخر أو لمدرسة فكرية مغايرة أو لحزب سياسي آخر، وهكذا.

في المقابل، قلة من الناس، في مجال معرفة الذات، وتعريفها، والتعامل مع الآخر، يأتي تركيزهم على المُعرّف الوجودي المشترك بين الناس، أي الماهية الوجودية، وخلاصة التعريف هنا: أنا إنسان قبل كل شيْء، وإنسانيتي تسبق أي انتماء مضاف وتعلو عليه.

في التركيز على الماهية الوجودية تتضاءل الفروقات الواردة في تعريف الهوية الانتمائية.  هنا، كأمر أول وأساس، يرى المرء الآخر، أيا كانت معرفات هوية الآخر… يراه كمثل ما يرى نفسه: كائناً حياً واعياً يتماثل مع جميع أفراد جنسه من حيث الجسد، وملكة التفكير intellect، ومن وراء ذلك، بل وبأهم من ذلك وأعمق، من حيث الروح المودعة فيه، أو بالعبارة القرآنية، المنفوخة فيه من الذات الإلهية.

قديماً وحاضراً، التغافل عن وحدة الإنسانية المتمثلة في الماهية الوجودية المشتركة بين الناس تسبب، ولا يزال يتسبب، في معظم المشاكل المولدة للصراع في الحراك البشري. بالنتيجة، معظم مشاكل البشر، سياسيةٍ، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، وسواها، لا تزال تنتج عن التركيز المفرط على تعددية معرفات الهوية الانتمائية، وفي المقابل، اللاتركيز على وحدة  الماهية  الوجودية.  ذلك أن التركيز على تعددية الهوية الانتمائية، والتجاهل، لوحدة الماهية الوجودية، من شأنه استثارة التفرقة بين الأمم، بل وضمن الأمة الواحدة، بين فئات تتباين عرقاً أو ديناً أو مذهباً أو منظوراً فكرياً أو سياسياً. التفرقة تولد الخصام، والخصومة تراكمياً تؤدي إلى الصراع، في عاجل أو آجل.

إلى ماذا أرمي تحديدا بهذه المقدمة؟ 

أرمي إلى استلفات النظر إلى تراجع خطير أراه يحدث حثيثا في الحال الإنساني عالمياً، نتيجة تزايد تشخص إنسان هذا العصر بتعددية معرفات هويته الانتمائية، مقابل تزايد تجاهله لوحدة ماهيته الوجودية.

أنا إذ ألاحظ هذا السياق، في زمن تكاثر التعداد البشري، مقترناً بتكاثف تواصل الأفراد والجماعات من مختلف الأمم، على نطاق غير مسبوق في حراكه ومداه،  فإنني أستشرف تصاعد وتيرة الصراع، في مختلف أشكاله، عبر العالم بأسره.

في استطراد هذا السياق المعيق للنماء الحضاري، أرى صراعاتٍ متفاقمةً ما بين الأمم، أو إن شئتم، ما بين الدول، وتباعا، أرى تشظى الصراع إلى ما بين فئات الأمة الواحدة، الوطن الواحد، الدين الواحد، وهكذا … مُثاراً، في الأغلب الأعم، بعاملين: التسييس والتحريض.

كيف يكون الابتعاد عن هذا المسار المنهك؟

الابتعادَ أراه في الارتكاز في الماهية الوجودية، بمعنى أن يكون ارتكاز الناس وعياً في ماهيتهم الوجودية، الجامعة والموحدة، أقوى وأثبت وأعمق من ارتكازهم في هوياتهم الانتمائية، المتفرقة والمفرقة.

الابتعادَ أراه في إخضاع تعددية معرفات الهوية الانتمائية لوحدة الماهية الوجودية، المؤصلة ذاتياً، بحيث لا ينفصم عنها المرء أينما حل أو ارتحل، وفي أيما بيئة وطنية، ثقافية، دينية أو مذهبية نشأ وترعرع.

الابتعادَ أراه في التحول من منظور يحبسنا، أفراداً وجماعات وأمماً، في قواالب تخاصم مستدام، ناتج عن التشبث المبالغ بتعددية الهوية الانتمائية، إلى منظور ينقل الجميع إلى ساحات  تعايش رحب، قائم على الأصل المشترك، أصل الماهية الوجودية.

إجمالا، ارى الابتعادَ في تعميق إلإحساس بمشتركنا الإنساني: الانطلاق منه، والانضباط به في عموم مساحات التفاعل والتعامل، أيا كانت المشاكل المعترضة، وكيفما كان حراك الأحوال والظروف.

بذلك، على ما أرى، سوف نمكن من لجم استدامة الصراع الآخذ بالانتشار عالميا، الباعث مرارا على العنف… العنف المهلك من المدنيين الأبرياء أضعاف ما يهلك من المتحاربين، العنف الذي يتلف ويشرد ويُهدر كرامة الإنسان، وفي ساعة هيجان هادر يدمر ما يكون قد عُمر حثيثا بمجهود عمر.

الصراع يُصرف الطاقة الخلاقة في الإنسان عن الإعمار والإنماء، يُفسد المناخ السياسي الاجتماعي، يُسمم الحال النفسي، وبذلك يقعد الإنسانية عن التقدم حضاريا نحو الأوفى والأمثل. لذا لا خير أرى في نزوعات تستثير الصراع.

من وجه آخر، بما رصدت من تفشي العنف عبر العالم في العقود الأخيرة، وبما وعيت بالأخص من تاريخ القرن العشرين بحروبه المتكررة، ممكنة في مداها التدميري المهول بالعلم الحديث modern science، لم أعد مطمئنا إلى العلم الحديث معزولا عن الانضباط الخلقي.  العلم الحديث مُمكّن وليس بمرشدٍ، بمعنى أنه قابل للتسخير لخير كان أو شر. لذا، ما لم يرتدف العلم الحديث باللازم الخلقي، ذلك الذي ينعته الفيلسوف الألماني إيمانيوئل كانط باللازم المؤكد the categorical imperative فقد يغدو العلم الحديث عامل تخريب وإفساد أكثر منه عامل تعمير وإصلاح.

كما أنني ما عدت متفائلا اليوم، كما كنت متفائلا بالأمس، بحداثة عشتها طويلا وثمنت معطاها كثيرا، حداثةٍ أرى أن قد شابها الصراع، وشانها العنف، وشوهتها نزعة المغالبة بالإثم والعدوان، فأضحت بقدر ما تيسر العيش تزيد الطيش، وبقدر ما تريح البدن ترهق الروح، وبقدر ما تعد بالسعادة تنتج الشقاء… حداثةُ تغرر أكثر مما تبصر، فيتراجع في سياقها المتعجرف، الحال الحضاري، وتهدر جراء جرفها الغاشم، كرامة الإنسان.

ما هي بنية رؤياي لماهية الإنسان الوجودية، تلك التي أدعو إلى الارتكاز فيها والانطلاق منها لأجل بتر مسلسل الصراع، لأجل تنشيط سياقات التعايش والتعاون، لأجل ربط مسار الإبداع الحداثي بهدف الارتقاء الحضاري؟:

بنية رؤياي هي أن الإنسان في ماهيته تشكل من جسد، وملكة تفكير، وروح. الجسد يتضاءل ويفنى، وملكة التفكير تتضاءل بتضاؤله وتفنى بفنائه. الروح، من حيث أنها طاقة محضة، لا تتضاءل ولا تفنى: هي، كالله والمادة، من أزل لأبد.

خلال الحياة، تعالق تلازمي يسري، بين الجسد وملكة التفكير: بمعنى كلما تلازم الجسد بهدي تفكير سديد، كلما صح وسلم، والعكس بالعكس.

بمثل ذلك، تعالق تلازمي يسري بين ملكة التفكير والروح: بمعنى كلما تلازم الفكر بصفاء الروح، كلما صح وسلم، والعكس بالعكس.

في كنهه الوجودي، الإنسان روح قبل أن يولد، وروح بعد أن يُتوفى. روح الإنسان من روح الله، سوى أن روح  الإنسان جزء من كل، وروح الله كل مطلق. لذا كلما توثقت صلة الإنسان بالله، صلة المحدود بالمطلق، صلة المتكامل حثيثا بالكامل أصلا، صلة المستزيد من الخير بالمعين غير الناضب خيره، كلما تعرض وعياً، وسما خلقاً، وصفا نفساً، وتمكن من بناء حضاري نابذ للعنف، موطد للسلم، مقيم للعدل، متعامل بالمساواة، صائن للكرامة، ومنمى التآلف والتعاون فيما يثري ويسعد الجميع.

في المقابل، كلما ازداد الإنسان انحباساً في شراك الخصام والصراع، متعصبا لانتماءات هويته الخارجية مفصولة عن وعيه لماهيته الوجودية، كلما انحدر على المدرج الحضاري، فإن لم يتدارك أمره، أخلد إلى الأرض وارتكس.

تلك هي بنية رؤياي التي أرى من خلالها لزومية إعلاء الإنسان ماهيته الوجودية فوق هويته الانتمائية، لكي يُمكّن من نظر أعرض أفقاً، ويُحفّز على أداء أكثر نبلاً، ورشداً ورسواً في مكارم الأخلاق.

في رؤياي أيضا أن ذلك هو الخليق بالإنسان أن يرسو فيه وينطلق منه في كل ما يفكر ويقول ويفعل، كونَه استودع روحَا أزلية أبدية لأجل أن يسعى حثيثا على مسار حضاري حميد، مستدامٍ من جيل لجيل: مسارٍ مستصلح للنفس، وراعٍ الشأنَ الإنساني ككل، إذ أن بالأمرين تلازميا، يرتهن تحقق الإنسانية بأمثل المتاح أمامها أن تتحقق.

على أن تلك مكنة كامنة لا تزال في عصرنا، أكثر من أي عصر سبق، تنتظر الإظهار والتفعيل بوعي إنساني مستنير، وعي مبصرٍ بالإيمان، مسندٍ بالمعرفة، مرشدٍ بالحكمة، ومنضبطٍ بضوابط الخلق الكريم.

من بصائر القرآن المجيد بصيرة يجدر وعيها صميما بهدا الصدد: أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.  نقطة الاستيعاب هنا: أن منشأ التغيير في الحال الإنساني، سلباً أو إيجاباً، هو الإنسان نفسه: بمعنى أن ساحة التغيير المنشود لا تكون ابتداءً في عمارة الأرض أو الترفه في المعاش بقدر ما تكون، كأمر أول وأساس، في استصلاح النفس، وهو المسعى المستدام الذي عرف في الحكمة المتعالية الموروثة من سائر الديانات والمدارس الفكرية… عرف بالجهاد الأكبر،  باعتبار أن باستصلاح النفس يُستصلح المحيط، لكن العكس لا يكون ضرورة بصحيح.

بصىيرة قرآنية أخرى: من أهم وأنجع ما تستصلح به النفس، فتصلح بذلك الحياة وتطيب، هو الاستقرار في الإيمان … الإيمان المثبت لنا في الصدق،  المؤيد لنا بالصبر، الحاض لنا على صالح العمل، المعين لنا في الشدائد… الإيمان الجانح بنا للسلم، والدافع لنا للارتقاء طرداً على السلم الحضاري .

مثل هذا الإيمان لا ينحصر تحققه في أهل أيما ملة بعينها، وإنما هو حال وجداني يتنامى في أيما إنسان يصدق قوله، يصلح عمله، يحسن خلقه، وتصفو نفسه، أيا كانت هويته.

ختاما، أتمنى أن ينبعث مثل هذا الوعي الحضاري مجددا لدى الأمة العربية، فتصححَ وضعها وتُقوّمَ مسارها، متأصلةً في ماهيتها الوجودية المشتركة بينها وسائر الأمم، متحصنةً بالمعرفة العلمية، متحليةً بمكارم الأخلاق، وبذا كله، مزدهرةً في عروبتها التي هي هويتها الثقافية الجامعة، موصولةِ بهويتها الوجودية، ولذا حاضنةِ لجميع الأديان والمذاهب والمواطن والأعراق.

أتمنى أن تحقق الأمة العربية بذلك نموذج ” خير أمة ” الذي ندبها إليه القرآن المجيد، فترشدَ بذلك مسارها الذاتي، وتسهم في ترشيد المسار الإنساني ككل، مستعيدة بذلك أهليتها التاريخية كمصدرِ أحد أعظم الروافد الحضارية التي رشدت خبرة الإنسان.

في قناعتي، ما لم تنطلق العروبة، وهي الهوية الانتمائية الجامعة للعرب، من منطلق الماهية الوجودية المشتركة بينها وسائر الأمم،… مالم تنطلق موفورةً في العلم المتبلور من الاجتهاد الإنساني، متميزة بمكارم الأخلاق المدركة بالفطرة، ومعنية بالشأن الإنساني المشترك كافة بين الناس، فإنها لن تزدهر حضاريا، ولن تثمر بما ينفعها ذاتيا وينفع الناس.

هي أيضا لن تفي باستحقاقات عالمية مقاصد الإسلام، الذي أُرسل نبيه للناس كافة، وأُرسل رحمة للعالمين.

أخيرا، أتمنى أن يكون لكل منا دوراً في تفعيل هذا التوجه القائم على تأصل ثابت إنسانياً، وتفرع متسام عروبياً، لأجل تحقق حضاري، عربياً وإنسانياً، في ترادف واتساق. هكذا إلى أن تحين الآجال، فنرحل عن دنيانا، تاركينها لمن بعدنا أحسن مما وجدناها… مرتحلين عنها برضا واطمئنان.

3,308 total views, 5 views today