مَهْدِي الرَّمَضان

سِمَة مُتغلْغِلَة في نَسِيْج وجدان الإنسان، تَدْفَعه لذلك غريزةُ فضولٍ تُوْلَد مَعَه، وحُبُّ معرفةٍ يَنْمُو بنموِّه.. فمُنْذ فَجْر التاريخ، والإنسانُ في رحلة دائمة، يحمل على كاهِلِه ليس فقط حُبَّه للبقاء، بل أيضاً فُضُوْله الذي يُلح عليه أن يركب الأهوال؛ ليُجِيْب عن سؤال يتحرَّق لمعرفة إجابته، وما إنْ يَقْبِض على الإجابة، حتى يُصْدَم بأنَّه أمام مزيدٍ من الآفاقِ والأبواب المعرفية التي لا تزال مُوْصَدة، وعليه فَتْح مَغَالِيقها بمزيدٍ من البحث، وأمام حالة فضول جديدة تُلِحُّ عليه مُتابعة الرحلة، والبحث عن محطَّاتٍ جديدة.

لَنْ يبلغ الإنسان محطَّة نهاية خدمة في بحثه الدائم عن الحقيقة المطلقة؛ فتلك حالة عصيَّة عليه، وجل ما يمكنه بلوغه لا يعدو حقائق وقتية ونسبية لا تلبث طويلا حتى يتجاوزها العلم، ويلغيها التاريخ؛ ليحوِّلها لمعرفةٍ كلاسيكية.

كَان لعَالِم الفيزياء والرياضيات الفرنسي الفذ بيير سيمون لا بلاس، والذي يعرَّف بـ”نيوتن فرنسا”، في بدايات القرن التاسع عشر، أثرٌ كبيرٌ على تطوير نظرية الاحتمالات، وعلوم الفيزياء والرياضيات.

بَعْد دِرَاساته وتحليلاته المستفيضة لحركة الكواكب في المجموعة الشمسية، وَصَل لقناعة بـ”قانون الحتمية”، بانيًا ذلك على قانون السببية، مُقدِّما سيناريو لطيفا ليلخِّص رؤيته، مُقرِّراً بأنه لو أمكن لكائن “سُمِّي في الأوساط العلمية حينها: شيطان لابلاس، يمتلك قوة خارقة في قدرة الحساب، ويعرف مَوْضِع كل ذرة في الكون ومقدار قوتها الدافعة في أيِّ لحظة من الزمن, سيمكِّنه ذلك من معرفة شكل الكون ومواضع إجرامه في أي لحظة أخرى من الزمن؛ سواء في المستقبل أو في الماضي، فيما ما بات يعرف بنظرية الحتمية في الفيزياء.

ظَلَّ مفهومُ الحتمية الفيزيائية قائمًا دون دحض حتى بداية القرن العشرين وبروز نظريات جديدة تتعلق بفيزياء الكم، عندما وَضَع العالم فيرنير هزنبيرج -بعد دراسات وأبحاث فيزيائية- أسسَ قانون عدم اليقين، وبيَّن -على سبيل المثال- استحالة القياس بدقَّة مَوْضِع جزيء الإلكترون وسرعته في آن معا؛ فكلما زادت دقة تحديد موضعه فقدنا دقة تحديد سرعته، والعكس. ضرب هذا القانون في الصميم مفهوم الحتمية الذي استنبطه الفيزيائي لا بلاس.

بَيَّنتْ نظرية الكموم استحالة معرفة الحالة الراهنة لأيِّ منظومة فيزيائية لما دون الذرة؛ وبالتالي يستحيل التنبؤ بحالتها المستقبلية، وبذا تمَّ تجاوز مفهوم الحتمية وإلغاؤه على المستوى ما دون الذري.

وَكَان الفيزيائيُّ الإنجليزيُّ إسحاق نيوتن قد أنْهَى وَضْع قوانين الحركة والجاذبية في الثلث الأخير من القرن السابع عشر بعد دراسة حركة الكواكب. أثبتت التجاربُ والقياسات اللاحقة لحركة الأجرام السماوية دِقَّة قياساته وصِحَّة مُعادلاته. بقيت هذه المعادلات قائمة ومعمول بها ما يربو على ثلاثة قرون من الزمن حتى أتى ألبرت آنشتاين، ودحض دقة مُعادلات نيوتن، وأثبت انهيارها عند الوصول بالسرعات لما يقرب من سرعة الضوء وفي حالات الجاذبية العالية.

وَوَضع آنشتاين مُعَادلاته للجاذبية في نظرية النسبية العامة، واعترف بها العالم أجمع، وبعد أن أثبت العلماءُ صِحَّتها بمشاهدات كسوف الشمس، وإجراء قياسات دقيقة لمسار ضوء نجم، اتَّضح انحناءُ شعاع الضوء القادم من هذا النجم تجاه الأرض بمروره قرب الشمس، بفعل جاذبيتها، وأيضا بقياسات كثيرة أخرى للنسبية في المختبرات على جُزيئات الذرة عند رفع سرعاتها لتقترب من سرعة الضوء، حتى أصبحت النظرية النسبية العامة لآنشتاين قوية القواعد والأسس.

وَلَكنَّها بدَوْرِها اصطدمتْ بنظريات الكموم التي اكتشفها فيزيائيون، ووضعوا أسسها ومعادلاتها بدراسة حركة وتصرفات جزيئات الذرة وما دونها، واتَّضح لهم عند التعامل مع عالم المادة في أصغر وأدق جزئيات الذرة، أنَّ منطق الأشياء -كما نعرفه في عالمنا المرئي والملموس- يَنْهَار ويَتَهاوى. فقانون السببية -كما نعرفه في عالم المادة المحسوسة والملموسة الكبير- لا يعود قائماً، ولا يُمْكِننا من ناحية أخرى التثبُّت أو تحقيق دِقَّة للقياسات متناهية الصغر كما هي في عالمنا الكبير، ويسقط مبدأ الوضوح ويحل مَكَانه مَبْدَأ الضبابية والاحتمالات وقوانينها الرياضية، ويسود قانون عدم اليقين بسبب تذبذب جزيئات المادة؛ مثل: الفوتون الضوئي والإلكترون، وتنقلها بين كونها جزيئات وبين كونها موجات وحقول طاقة.

وَدَارَتْ سِجَالات مُتواصلة في النصف الأول من القرن العشرين بَيْن آينشتاين والعالِم الفيزيائي نيلس بور رائد مدرسة كوبنهاجن في فيزياء الكم؛ بسبب رَفْض آينشتاين قبولَ أنَّ الحقيقة تخضع للاحتمالات، ولم يتحمَّل التخلِّي عن السببية كمنطق للأمور، وله في ذلك قَوْلٌ في رَفْض قبول قانون عدم اليقين، وأطلق عبارته المشهورة: “إنَّ الله يختار أن يلعب النرد مع العالم؛ فذلك شيء لا يُمكنني تصديقه”.

وَحَاوَل خِلَال السنوات الأخيرة من عُمْرِه أن يُوفِّق بَيْن النسبية العامة ونظرية الكموم، ولكنه فَشل في تحقيق آخر أحلامه، ولا يزال عُلماء الفيزياء في سِبَاقٍ زمنيٍّ محمومٍ لحلِّ هذه المشكلة الغريبة في عالم المادة.

فَقَد ثَبُتَ صحة نظرية النسبية للسرعات العالية والأحجام الكبيرة، وَثَبُت في المقابل صِحَّة نظرية الكموم في العالم ما دون الذري للجزئيات الذرية وما دونها من جسيمات، ولكنَّ هاتيْن النظريتيْن -على صحتهما مُنفردتين- إلا أنهما عصيَّتان على الانسجام، وتَرْفُضَان حتَّى الآن المزاوجة والتوافق.

تَبْدُو المشكلةُ فلسفيةً فِي أحد جوانبها؛ لأنَّ منطق نظرية الكموم يَصْطَدم وَجْهًا لوَجْه مع مَنْطِق عالمنا الملموس والمحسوس، ويستوجب كما يبدو التخلِّي تماما عن المنطق العقلي، وأوله التخلي عن مبدأ السببية التي تعتبرها المدرسة العقلية من المبادئ العقلية القبلية التي تسبق التجربة، ولأنَّ عُلماء مدرسة كوبنهاجن التجريبية الحسية لا يؤمنون إلا بالتجربة الحسية كمصدر للمعرفة إبستيمولوجيا، فقد وَقَع صدامٌ قويٌّ بَيْن العالمين.

لَا تَزَال الساحة مفتوحةً لمزيدٍ من الخِلَاف، خاصة وأنَّ نهاية المطاف لا تبدو قريبة في فهم وتفسير منطق نظرية الكموم، ولا يزال علماء الفيزياء النظرية يتلمَّسون عِدَّة طُرق للرَّبط بين النسبية ونظرية الكموم؛ للخروج بنظرية عامة مُترابطة تَتَعامل مع المادة والطاقة بمعادلات رياضية وقوانين فيزيائية مُوحَّدة، وقد أطلقوا على هذه النظرية الموعودة “نظرية كل شيء”.

العِلْمُ لا يَعْرِف محطةً نهائيةً، ولا يَعْتَرِف بمحطِّ الرحال أو القطع بصحة نظرية أخيرة واعتبارها نهاية المطاف وغير قابلة للنقد والدحض، بل كلُّ نظرية إنْ صحَّت علميًّا وواقعيًّا، ما هي إلا تصحيح لنظرية سابقة، ومُقاربة رُبَّما لنظرية جديدة لاحقة قد تَدْحَضها، أو تعدلها، أو تضيف لها أبعادًا أخرى أكثر دِقَّة.

العِلمُ يُثِيْر أسئلةً، ولا يُعْطِي أجوبةً نهائيةً، ولا يَعْرف اليقين المطلق، ولا يعترف بصحة معلومة أو نظرية ناجزة، بل هو يُمثِّل -بصدق- ما يجب أنْ يكُوْن عليه تاريخُ الإنسانية نَحْو التطوُّر والتنمية، باستدامة البحث العلمي، وفَتْح آفاقٍ جديدةٍ لمزيدٍ مِنَ المعرفةِ والمقاربةِ للحقيقة المطلَقَة، وليس القبض عليها.

264 total views, 2 views today