سعود‭ ‬الزدجالي

ورقة مشاركة في “منتدى اليوم العالمي للفلسفة”، الذي أقامته جامعة السلطان قابوس ومجلة “شرق غرب” الثقافية، بالنادي الثقافي مساء 29 نوفمبر 2017م

مقدمة‭:‬

تهدفُ‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬يورجين‭ ‬هابرماس‭ ‬في‭ ‬نصوصه‭ ‬المكثَّفة‭ ‬والقصيرة‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬الرابع‭ “‬الإيمان‭ ‬والمعرفة‭”‬،‭ ‬من‭ ‬كتابه‭ “‬مستقبل‭ ‬الطبيعة‭ ‬الإنسانية‭ ‬نحو‭ ‬نسالة‭ ‬ليبرالية‭”‬،‭ ‬والصادر‭ ‬بترجمة‭ ‬جورج‭ ‬كتورة،‭ ‬عن‭ ‬المكتبة‭ ‬الشرقية‭ ‬ببيروت‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2006،‭ ‬ويوظِّف‭ ‬الباحث‭ ‬المنهج‭ ‬التحليلي‭ ‬لتلك‭ ‬الأفكار،‭ ‬وربطها‭ ‬بالتراث‭ ‬الإسلامي‭ ‬وواقعه‭ ‬العربي،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬وجود‭ ‬قطبين‭ ‬متنافرين؛‭ ‬هما‭: ‬الهُويات‭ ‬الدينية،‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬المدنية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬رابطة‭ ‬المواطنة‭.‬

ولعلَّ‭ ‬أهم‭ ‬المصطلحات‭ ‬التي‭ ‬يفسر‭ ‬بها‭ ‬هابرماس‭ ‬ظاهرة‭ ‬الإرهاب‭ -‬التي‭ ‬يعدها‭ “‬صدمة‭ ‬مشؤومة‭ ‬بطبيعتها‭ ‬المكبوتة‭”- ‬مصطلح‭ “‬الأصولية‭”‬،‭ ‬و‭”‬الاختلال‭ ‬الزمني‭ ‬بين‭ ‬الثقافة‭ ‬والمجتمع‭”‬،‭ ‬و‭”‬الجذور‭ ‬الدينية‭”‬،‭ ‬و‭”‬الأرثوذكسيات‭ ‬المتحجِّرة‭”‬،‭ ‬و‭”‬العلمنة‭” ‬و‭”‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمنة‭”. ‬وفي‭ ‬ضوء‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬في‭ ‬نصوص‭ ‬هابرماس،‭ ‬بالغة‭ ‬التكثيف،‭ ‬يحاول‭ ‬الباحث‭ ‬ربطها‭ ‬بالواقع‭ ‬العربي،‭ ‬وجذوره‭ ‬التراثية‭ ‬وعلاقته‭ ‬بالإرهاب‭ ‬في‭ ‬المستويات‭ ‬التفسيرية‭ ‬التي‭ ‬تتَّضح‭ ‬أثناء‭ ‬الدراسة،‭ ‬ويودُّ‭ ‬الباحث‭ ‬التنبيه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يرد‭ ‬من‭ ‬أمثلة‭ ‬في‭ ‬الوقائع‭ ‬التراثية،‭ ‬ونزعاتها‭ ‬الأحادية،‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬خلوَّ‭ ‬النزعات‭ ‬الدينية‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الأحادية‭ ‬أو‭ ‬التحجُّر؛‭ ‬فالباحث‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مُؤمنا‭ ‬بما‭ ‬طرحه‭ ‬نصر‭ ‬حامد‭ ‬أبو‭ ‬زيد‭ ‬بأنَّ‭ ‬الفروق‭ ‬بين‭ ‬التيارات‭ ‬الدينية‭ ‬تكمُن‭ ‬في‭ ‬الدرجة‭ ‬وليس‭ ‬النوع‭.‬

استشكالات‭ ‬الورقة‭:‬

ترتبط‭ ‬استشكالات‭ ‬الدراسة‭ ‬الحالية‭ ‬بما‭ ‬قد‭ ‬طرحته‭ ‬سابقا‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬نُشرت‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ “‬شرق‭ ‬غرب‭” ‬تحت‭ ‬عنوان‭: “‬الوعي‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬مفقود‭: ‬انعطافات‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬يورجين‭ ‬هابرماس‭ ‬‮١‬‭”  ‬حول‭ ‬جدلية‭ ‬العلمنة‭ ‬والدين،‭ ‬وارتباطاتها‭ ‬بـ‭”‬علمنة‭ ‬الأخلاق‭ ‬وظهور‭ ‬مجال‭ ‬الضمير‭”‬؛‭ ‬إذ‭ ‬تشكل‭ ‬الانعطافات‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬هابرماس‭ ‬جدلا؛‭ ‬بحيث‭ ‬توصف‭ ‬الانزلاقات‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬فلسفته‭ ‬بأنها‭ ‬متسرعة‭ ‬في‭ “‬توصيف‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة‭ ‬للفكر‭ ‬المعاصر‭ ‬بلحظة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمنة،‭ ‬وإلى‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬أطروحة‭ ‬العلمنة‭ ‬في‭ ‬انحسار‭ ‬كبير‭ ‬الآن،‭ ‬وتعاني‭ ‬صعوبات‭ ‬ومآزق‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬عدة‭” ‬‮٢‬‭.‬

وتنبُع‭ ‬هذه‭ ‬الاستشكالات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بظاهرة‭ ‬الإرهاب‭ ‬الدولي‭ ‬بما‭ ‬ناقشه‭ ‬هابرماس‭ ‬حول‭ “‬جذور‭ ‬الأرثوذكسيات‭ ‬الدينية‭ ‬المتحجِّرة‭”‬،‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بدوافع‭ ‬الإرهاب‭ ‬في‭ “‬الذات‭ ‬الإنسانية‭”‬،‭ ‬وما‭ ‬يرتبط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬مستويات‭ ‬التفكير‭ ‬الديني،‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬الحالة‭ ‬السكونية‭ ‬والكامنة‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬التدين‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالآخر‭ ‬المختلف،‭ ‬وحق‭ ‬الحياة‭ ‬والمصير‭. ‬ولقد‭ ‬ناقش‭ ‬هابرماس‭ ‬الظاهرة‭ ‬نقاشا‭ ‬سريعا‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬الرابع‭ “‬الإيمان‭ ‬والمعرفة‭” ‬من‭ ‬كتابه‭ “‬مستقبل‭ ‬الطبيعة‭ ‬الإنسانية‭ ‬نحو‭ ‬نسالة‭ ‬ليبرالية‭” ‬‮٣‬،‭ ‬وكانت‭ ‬أهم‭ ‬جوانب‭ ‬القضية‭ ‬في‭ ‬الآتي‭:‬

أهمية‭ ‬التأملات‭ ‬الفلسفية‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬قوى‭ ‬الإيمان‭ ‬والعلم،‭ ‬أو‭ ‬بعبارة‭ ‬أخرى‭: ‬بين‭ ‬ممثلي‭ ‬العلم‭ ‬المنظم،‭ ‬وممثلي‭ ‬الكنائس‭ ‬ودور‭ ‬الإفتاء‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي؛‭ ‬فهذه‭ ‬التأملات‭ ‬تجعلنا‭ ‬نغوص‭ ‬في‭ “‬الأزمنة‭” ‬التي‭ ‬يجد‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان‭ ‬اغترابه‭ ‬الموغِل‭ ‬أو‭ ‬المُوْحِش‭ ‬في‭ ‬الذات،‭ ‬ولعلَّ‭ ‬ذلك‭ -‬حسبما‭ ‬أعتقد‭- ‬يجعلنا‭ ‬نستعيد‭ ‬حديث‭ ‬هوسرل‭ ‬في‭ “‬أزمة‭ ‬العلوم‭ ‬الأوروبية‭”‬،‭ ‬أو‭ “‬توثين‭ ‬السلعة‭”‬،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬توثين‭ ‬العلاقات‭ ‬الإنسانية‭ ‬عند‭ ‬كارل‭ ‬ماركس‭: “‬فكلما‭ ‬اشتدَّ‭ ‬حط‭ ‬الرأسمالية‭ ‬للقيمة‭ ‬الحقة‭ ‬للإنسان،‭ ‬ازداد‭ ‬تضخيمها‭ ‬لقيم‭ ‬الأشياء‭”‬‮٤‬،‭ ‬والقضية‭ ‬ذاتها‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بأزمة‭ ‬العلوم‭ ‬عند‭ ‬هوسرل؛‭ ‬إذ‭ ‬إنها‭ ‬فقدت‭ ‬دلالتها‭ ‬بالنسبة‭ ‬للحياة‮٥‬؛‭ ‬مما‭ ‬ولَّد‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الفراغ‭ ‬والحنين‭ ‬إلى‭ “‬الماضوية‭”‬،‭ ‬والارتكاس‭ ‬إلى‭ ‬التراث‭ ‬بوصفه‭ ‬أصلا‭ ‬تتفرع‭ ‬عنه‭ ‬كل‭ ‬ممارسات‭ ‬الراهن،‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ “‬المجتمع‭ ‬المادي‭” ‬في‭ ‬حضارته‭ ‬الآخذة‭ ‬في‭ ‬العولمة،‭ ‬وتحوله‭ ‬وفق‭ ‬أحادية‭ ‬الفكر‭ ‬الديني‭ ‬إلى‭ “‬الشيطان‭ ‬الأكبر‭” -‬بتعبير‭ ‬هابرماس‭- ‬أو‭ “‬جاهلية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭” ‬عند‭ ‬الإسلاميين‭.‬

أن‭ ‬ردة‭ ‬الفعل‭ ‬للصراع‭ ‬بين‭ ‬العلمنة‭ ‬والدين،‭ ‬والتي‭ ‬بلغت‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ “‬الحدث‭ ‬اللامعقول‭” ‬أو‭ ‬المفارق،‭ ‬كانت‭ ‬غارقة‭ ‬في‭ ‬التناقض‭ “‬العلماني‭”‬؛‭ ‬بحيث‭ ‬تحولت‭ ‬أشد‭ ‬المجتمعات‭ ‬علمنة‭ -‬بفعل‭ ‬الاعتداء‭ ‬اللامعقول‭- ‬إلى‭ ‬إثارة‭ ‬العاطفة‭ ‬الدينية‭ ‬الكامنة،‭ ‬وهذه‭ ‬الحالة‭ ‬تفضي‭ ‬لاستعادة‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬علمنة‭ ‬الدولة،‭ ‬وعلمنة‭ ‬المجتمع‭ ‬أو‭ ‬الفرد‭ ‬عند‭ ‬كارل‭ ‬ماركس؛‭ ‬فهو‭ “‬يرفض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬الدين‭ ‬شرط‭ ‬التحرر‭ ‬السياسي،‭ ‬ولا‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬إلغاء‭ ‬الدور‭ ‬السياسي‭ ‬للدين‭ ‬هو‭ ‬إلغاء‭ ‬للدين‭ ‬ذاته،‭ ‬ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬الدين‭ ‬المفعم‭ ‬بالحياة‭ ‬والقوة‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬قيام‭ ‬الدولة‭ ‬الكاملة‭ ‬أي‭ ‬الدولة‭ ‬المدنية‭”‬‮٦‬،‭ ‬وهو‭ ‬إطار‭ ‬يؤكده‭ ‬عالم‭ ‬الأديان‭ ‬ميرتشيا‭ ‬إلياده؛‭ ‬فـ‭”‬المقدس‭” ‬هو‭ ‬عنصر‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬بنية‭ ‬الوعي،‭ ‬وليس‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬مراحل‭ ‬تاريخ‭ ‬الوعي‮٧‬؛‭ ‬بحيث‭ ‬أن‭ ‬استيعاب‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار‭ ‬بشأن‭ ‬علمنة‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬يُعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬الأفكار؛‭ ‬لفهم‭ ‬أعمق‭ ‬عِوَض‭ ‬التناقض‭ ‬أو‭ ‬التذامر‭ ‬على‭ ‬عداوة‭ ‬العلمانية‭ ‬باتهامها‭ ‬أنها‭ ‬ضد‭ ‬الدين‭ – ‬كما‭ ‬يحلو‭ ‬للتيارات‭ ‬الدينية‭ ‬أن‭ ‬تُعلنه‭ ‬في‭ ‬مناسبة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مناسبة‭.‬

أن‭ ‬اعتبار‭ ‬العلمنة‭ ‬أو‭ ‬الحداثة‭ ‬في‭ ‬علاقتهما‭ ‬بالدين‭ ‬نوعٌ‭ ‬من‭ “‬اختلال‭ ‬زمني‭ ‬بين‭ ‬الثقافة‭ ‬والمجتمع‭”‬،‭ ‬أدى‭ -‬وفق‭ ‬رؤية‭ ‬هابرماس‭- ‬إلى‭ “‬اهتزاز‭ ‬الأصول‭” ‬أو‭ ‬الهويات‭ ‬الدينية؛‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬بناء‭ ‬موقف‭ ‬عقلاني‭ ‬تجاه‭ ‬الحداثة‭ ‬مع‭ ‬تسارع‭ ‬التقنيات،‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الإشكال‭ ‬والإعضال‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬بالذات،‭ ‬يُمكن‭ ‬استثمار‭ ‬مصطلح‭ “‬تغريب‭ ‬الهُويات‭” ‬عند‭ ‬كورنيليوس‭ ‬كاستورياديس،‭ ‬ويعني‭ ‬به‭ “‬أي‭ ‬فكر‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يشرح‭ ‬الإبداع‭ ‬الفردي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شيء‭ ‬خارج‭ ‬الفرد‭ ‬والمجتمع،‭ ‬الذي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليه‭ ‬هذا‭ ‬الإبداع‭”‬‮٨‬؛‭ ‬وذلك‭ ‬يجعلنا‭ ‬أو‭ ‬يفترض‭ ‬علينا‭ ‬استعادة‭ ‬التوازن‭ ‬بشأن‭ ‬عُنف‭ ‬الهُويات‭ ‬الذاتية؛‭ ‬بحيث‭ ‬تتجاوز‭ ‬أزمتها‭ ‬من‭ ‬داخل‭ “‬البنية‭ ‬الإنسانية‭” ‬وحضارتها؛‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحضارة‭ ‬أن‭ ‬تستعيد‭ ‬انفتاحها‭ ‬القديم‭ ‬على‭ ‬الحضارات،‭ ‬بوصفه‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬مكوناتها‭.‬

وانطلاقاً‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭ ‬الضمنية‭ ‬السابقة‭ ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬هابرماس،‭ ‬وما‭ ‬توصَّلتُ‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬تحليلات؛‭ ‬يمكن‭ ‬تحديد‭ ‬مستويات‭ ‬الإرهاب،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أنه‭ “‬ظاهرة‭ ‬إنسانية‭” ‬تتعالق‭ ‬بالوجود‭ ‬الفعلي،‭ ‬الذي‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ “‬البُعد‭ ‬الهُوياني‭” ‬العنيف؛‭ ‬فالهوية‭ ‬في‭ ‬عُمقها‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تريد‭ ‬إثبات‭ ‬ذاتها؛‭ ‬تريد‭ ‬نفي‭ ‬الآخر،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬البُعد‭ ‬الهُوياني‭ ‬مشروع‭ ‬في‭ ‬ذاته،‭ ‬وفق‭ “‬أحادية‭ ‬الدين‭” ‬الأرثوذكسية،‭ ‬و‭”‬أحادية‭ ‬الفعل‭ ‬الصحيح‭” ‬كأرثوبراكسية،‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬الثالث‭ ‬المرفوع؛‭ ‬فالذات‭ ‬الدينية‭ ‬الأحادية‭ ‬لا‭ ‬تتشكل‭ ‬إلا‭ ‬بتبرير‭ ‬نفي‭ ‬الآخر‭ ‬أو‭ ‬انزياحه‭.‬

مدخل‭:‬

تأخُذ‭ ‬ظاهرة‭ ‬الإرهاب‭ ‬حيزًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬النقاشات‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي؛‭ ‬مما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬خطورة‭ ‬الظاهرة،‭ ‬وأهمية‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬جذوره،‭ ‬وغاياته،‭ ‬ووسائله،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬واحد‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬قصور‭ ‬النتائج‭ ‬وسوء‭ ‬فهم‭ ‬للظاهرة‭ ‬التي‭ ‬تجاوزت‭ ‬المجتمعات‭ ‬المحلية‭ ‬إلى‭ “‬الإرهاب‭ ‬الدولي‭”‬‮٩‬،‭ ‬والذي‭ ‬تطور‭ ‬في‭ ‬وسائله‭ ‬وإن‭ ‬اتفقت‭ ‬غاياته‭ ‬كما‭ ‬يبدو‭. ‬ولعلَّ‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬تجربة‭ ‬الإرهاب‭ ‬مثل‭ ‬مصر،‭ ‬والجزائر،‭ ‬والسعودية،‭ ‬ولبنان،‭ ‬والعراق‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬إدراكا‭ ‬لخطورة‭ ‬الظاهرة‭.‬

إنَّ‭ “‬تبني‭ ‬الموقف‭ ‬الرافض‭ ‬والمعادي‭ ‬للإرهاب‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المواطن،‭ ‬أو‭ ‬القيادة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬لم‭ ‬يأتِ‭ ‬بالضرورة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التناغم‭ ‬والتوافق‭ ‬مع‭ ‬المتطلبات‭ ‬الأمريكية‭ ‬أو‭ ‬الغربية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الدولية؛‭ ‬بل‭ ‬جاء‭ ‬عبر‭ ‬تجربة‭ ‬ومعاناة‭ ‬حقيقية،‭ ‬بعضها‭ ‬سبق‭ ‬بسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬التجربتين‭ ‬الأمريكية‭ ‬والأوروبية،‭ ‬عاشتها‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬حصدت‭ ‬فيها‭ ‬النشاطات‭ ‬الإرهابية‭ ‬حياة‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الضحايا‭ ‬الأبرياء،‭ ‬وكلفت‭ ‬اقتصاد‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬مليارات‭ ‬من‭ ‬العملات‭ ‬الصعبة‭”‬‮١٠‬‭.‬

يُعرف‭ ‬الإرهاب‭ “‬Terrorism‭” ‬بأنه‭ ‬طريقة‭ ‬مُستخدمة‭ ‬من‭ ‬طبيعتها‭ ‬إثارة‭ ‬الرُّعب‭ ‬والفزع،‭ ‬بقصد‭ ‬الوصول‭ ‬للهدف‭ ‬النهائي‮١١‬؛‭ ‬لذلك‭ ‬فإنَّ‭ ‬عزل‭ ‬الظاهرة‭ ‬عن‭ ‬أساليب‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬العقول‭ ‬الإسلامية‭ ‬الماضوية‭ ‬يعدُّ‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬إشكالا‭ ‬وإخفاءً‭ ‬للمشكلة؛‭ ‬لأن‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬التفكير،‭ ‬وفي‭ ‬الممارسة‭ ‬الحياتية‭ ‬اليومية‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬التدين،‭ ‬له‭ ‬وجذوره‭ ‬التراثية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يُغذي‭ ‬ظاهرة‭ ‬الإرهاب،‭ ‬ويمدها‭ ‬بشخصيات‭ ‬متجددة،‭ ‬ووسائل‭ ‬مختلفة‭ ‬فاعلة‭ ‬ومثيرة‭ ‬للعاطفة‭ ‬الدينية؛‭ ‬بسبب‭ ‬وجود‭ “‬الضمير‭ ‬الديني‭”‬،‭ ‬فما‭ ‬بقيت‭ ‬الفكرة‭ ‬اليوتوبية‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬العقول‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬أدلوجة‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬المرتقبة‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬ينتجها‭ ‬صراع‭ ‬أبدي‭ ‬حول‭ “‬الأرثوذكسية‭ ‬الإسلامية‭” ‬المنتجة‭ ‬من‭ ‬النص‭ ‬الديني‭ ‬وتأويلاته‭.‬

إنَّ‭ ‬الإرهابَ‭ ‬ظاهرة‭ ‬مُعقدة‭ ‬ومُلتبسة‭ ‬مع‭ ‬الواقع،‭ ‬والتاريخ،‭ ‬والمصير،‭ ‬والهُوية،‭ ‬والعولمة،‭ ‬والحداثة،‭ ‬والتراث،‭ ‬والمعتقد‭.. ‬ولعلَّ‭ ‬أبرز‭ ‬إشكالات‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ “‬أنها‭ ‬قابلة‭ ‬للإنتاج‭” ‬بتبرير‭ ‬ديني؛‭ ‬فالقتل‭ ‬يتحوَّل‭ ‬من‭ ‬جريمة‭ ‬ممقوتة‭ ‬مستكرهة،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬غاية‭ ‬ووسيلة،‭ ‬فهو‭ ‬عامل‭ ‬من‭ ‬عوامل‭ ‬الغبطة‭ ‬عند‭ ‬القتلة؛‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحمل‭ ‬مسؤوليته‭ ‬بكل‭ ‬فخر؛‭ ‬فهي‭ ‬سادية‭ ‬مُوغلة‭ ‬في‭ ‬الطبائع‭ ‬الإنسانية‭ ‬المتناقضة،‭ ‬ويمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الإرهاب‭ ‬قبل‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬هابرماس؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الأفكار‭ ‬المحيطة‭ ‬بالعنف‭ ‬الإنساني‭ ‬عند‭ ‬حنة‭ ‬أرندت‮١٢‬‭:‬

1-‭ ‬أن‭ ‬أدوات‭ ‬العنف‭ ‬قد‭ ‬تطورت‭ ‬تقنيًّا‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬معها‭ ‬القول‭ ‬بأنَّ‭ ‬ثمة‭ ‬غاية‭ ‬سياسية‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬قدرتها‭ ‬التدميرية،‭ ‬أو‭ ‬تبرِّر‭ ‬استخدامها‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬المسلحة،‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬تحديد‭ ‬أو‭ ‬تمييز‭ ‬الرابح‭ ‬من‭ ‬الخاسر‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬العنف‭ ‬الدائرة؛‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ “‬أدوات‭ ‬العنف‭” ‬أكبر‭ ‬بدرجات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬غايات‭ ‬السياسة‭ ‬أو‭ ‬البشر‭.‬

2-‭ ‬أن‭ ‬جوهر‭ ‬العنف‭ ‬تسيِّره‭ ‬مقولة‭ “‬الغاية‭ ‬والوسيلة‭”.. ‬والغاية‭ ‬مُحاطة‭ ‬بخطر‭ ‬إن‭ ‬تجاوزتها‭ ‬الوسيلةُ‭ ‬المبرَّرة‭ ‬بالغاية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الوصول‭ ‬إليها؛‭ ‬فتتحول‭ “‬الوسائل‭” ‬إلى‭ ‬غايات‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها،‭ ‬كما‭ ‬يبرر‭ ‬الفكر‭ ‬الديني‭ ‬العداوة‭ ‬بوصفها‭ ‬غاية‭ ‬تحت‭ ‬إطار‭ “‬الولاية‭ ‬والبراءة‭”.‬

3-‭ ‬أن‭ ‬العنف‭ -‬بوصفه‭ ‬فعلًا‭ ‬إنسانيًّا‭- ‬متفلتٌ‭ ‬من‭ ‬رقابة‭ ‬الذات‭ ‬الفاعلة،‭ ‬فهذه‭ ‬الذاتُ‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الإمساك‭ ‬بزمام‭ ‬الفعل‭ ‬المنفلِت؛‭ ‬فإطلاق‭ ‬الإرهاب‭ ‬بوصفه‭ ‬غاية،‭ ‬أو‭ ‬وسيلة،‭ ‬أو‭ ‬مُلتبسة‭ ‬بكلتيهما‭ ‬يجعله‭ ‬كجُرم‭ ‬سماوي‭ ‬أطلق‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬بسرعة‭ ‬هائلة؛‭ ‬فلا‭ ‬سبيل‭ ‬إلى‭ ‬إيقافه‭ ‬إلا‭ ‬بتدمير‭ ‬ثنائي‭.‬

وعودٌ‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬ماهية‭ ‬الإرهاب،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬استحضار‭ ‬جانبين‭ ‬مهمين؛‭ ‬أولهما‭: ‬يتعلق‭ ‬بدافع‭ ‬الإرهاب‭ ‬والتمييز‭ ‬بين‭ ‬نوعين‭ ‬من‭ ‬العدوان‭ ‬مختلفين‭ -‬كما‭ ‬يرى‭ ‬إيريك‭ ‬فروم‭- ‬فالأول‭ ‬يشترك‭ ‬فيه‭ ‬الإنسان‭ ‬مع‭ ‬الحيوان،‭ ‬وهو‭ ‬دافع‭ ‬الهجوم‭ ‬أو‭ ‬الفرار‭ ‬عندما‭ ‬تتهدَّد‭ ‬مصالحه‭ ‬الحيوية،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬دافع‭ ‬مبرمج‭ ‬وفقا‭ ‬للنشوء‭ ‬النوعي،‭ ‬وهو‭ ‬عدوان‭ ‬غير‭ ‬خبيث‭. ‬أما‭ ‬النمط‭ ‬الآخر،‭ ‬فهو‭ ‬العدوان‭ ‬الخبيث‭ ‬المتَّسم‭ ‬بالقسوة‭ ‬والتدميرية‭ “‬فالإنسان‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬الحيوان‭ ‬بأنه‭ ‬قاتل؛‭ ‬والإنسان‭ ‬هو‭ ‬الوحيد‭ ‬من‭ ‬فصيلة‭ ‬الرئيسات‭ ‬الذي‭ ‬يقتل‭ ‬ويعذب‭ ‬أعضاء‭ ‬نوعه‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬سبب؛‭ ‬سواء‭ ‬أكان‭ ‬بيولوجيا‭ ‬أم‭ ‬اقتصاديا،‭ ‬والذي‭ ‬يشعر‭ ‬بالرضا‭ ‬في‭ ‬فعله‭ ‬ذلك‭. ‬وإن‭ ‬هذا‭ ‬العدوان‭ ‬الخبيث‭ ‬غير‭ ‬المتكيِّف‭ ‬بيولوجيا‭ ‬وغير‭ ‬المبرمَج‭ ‬وفقا‭ ‬للنشوء‭ ‬النوعي،‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يشكل‭ ‬المشكلة‭ ‬الحقيقية،‭ ‬والخطر‭ ‬الحقيقي،‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬الإنسان‭ ‬بوصفه‭ ‬نوعا‭”‬‮١٣‬‭.‬

أمَّا‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬فإنه‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬ملاحظة‭ ‬أعتقد‭ ‬أنها‭ ‬جديرة‭ ‬بالاهتمام،‭ ‬ومُرتبطة‭ ‬بالدافع،‭ ‬وهو‭ ‬تحديد‭ ‬الإرهاب‭ ‬بوصفه‭ ‬محمولاً‭ ‬لموضوع‭ ‬أهم،‭ ‬سماته‭ ‬ممارسة‭ ‬العنف؛‭ ‬بحيث‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ “‬الموضوع‭” ‬وهو‭ “‬العنف‭” ‬أو‭ “‬السلطة‭” ‬التي‭ ‬تمارسها‭ ‬الدولة‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬العقد‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وتشريعات‭ ‬القانون،‭ ‬يمارسه‭ ‬الإرهاب‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬تمازج‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬الدينية‭ ‬والأفكار‭ ‬اليوتوبية؛‭ ‬لذلك‭ ‬فالإرهاب‭ ‬لفهمه‭ ‬فهما‭ ‬عميقا‭ ‬يعد‭ ‬انحرافا‭ ‬أو‭ ‬انزياحا‭ ‬عن‭ ‬مشروعية‭ ‬الممارسة؛‭ ‬فالإرهاب‭ ‬ينازع‭ ‬الدولة‭ “‬التسلط‭” ‬في‭ ‬أهم‭ ‬سمة‭ ‬بوصف‭ ‬الدولة‭ “‬كونا‭ ‬اعتباريا‭ ‬يعتمد‭ ‬القانون‭”‬،‭ ‬وتاليا‭ ‬يعد‭ ‬الإرهاب‭ ‬إفراغا‭ ‬للدال‭ -‬وهو‭ ‬الدولة‭ ‬هنا‭- ‬من‭ ‬مضمونه‭ ‬وروحه؛‭ ‬لأن‭ ‬الخاصية‭ ‬المميزة‭ ‬لهذا‭ ‬الكيان‭ ‬المسمى‭ “‬دولة‭” ‬هي‭ ‬القوة؛‭ ‬فهي‭ “‬جهاز‭ ‬يحتكر‭ ‬العنف‭ ‬المشروع‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬معين‭”‬‮١٤‬،‭ ‬وحتى‭ ‬نميز‭ ‬السياسي‭ ‬من‭ “‬الإرهابي‭”‬،‭ ‬فإن‭ ‬الأول‭ ‬يمارس‭ ‬جهدا‭ ‬مبذولا‭ ‬داخل‭ ‬الدولة،‭ ‬وفي‭ ‬إطار‭ ‬قانونها؛‭ ‬بهدف‭ ‬المشاركة‭ ‬بالسلطة‭ ‬أو‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬توزيعها‮١٥‬‭. ‬أما‭ ‬الإرهابي،‭ ‬فيمارس‭ ‬العنف‭ ‬خارج‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني‭ ‬لينازع‭ ‬الدولة‭ ‬وفق‭ ‬منظوره‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬العنيف؛‭ ‬لأنه‭ ‬يعتقد‭ ‬جازما‭ ‬أن‭ ‬أسلوب‭ ‬الحياة‭ ‬الصحيح‭ ‬ما‭ ‬يفرضه‭ ‬هو‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭.‬

الصراع‭ ‬الديني‭ ‬وعلاقته‭ ‬بتغذية‭ ‬الإرهاب‭:‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬الصراع‭ ‬طبيعيًّا‭ ‬في‭ ‬السياج‭ ‬الديني‭ ‬داخل‭ ‬مفرداته،‭ ‬ومبرَّرا‭ -‬ولو‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬النظري‭- ‬ويمكن‭ ‬تسميته‭ “‬الصراع‭ ‬بالقوة‭”‬،‭ ‬أو‭ “‬الصراع‭ ‬الخطابي‭”‬؛‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬بناء؛‭ ‬وإنما‭ ‬إعادة‭ ‬تحويل‭ ‬لهذه‭ ‬الذات‭ ‬القاصدة‭ ‬والمريدة‭ ‬لليوتوبيا‭ ‬الدينية،‭ ‬أو‭ ‬مقارعة‭ “‬الشيطان‭ ‬الأكبر‭” ‬عبر‭ ‬آليات‭ “‬المعنكر‭” ‬الديني‮١٦‬؛‭ ‬فهو‭ ‬وفق‭ ‬منطق‭ ‬الجهات‭ “‬صراع‭ ‬لازم‭”‬؛‭ ‬لذلك‭ ‬يرى‭ ‬هابرماس‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬مُمثلي‭ ‬العلم،‭ ‬وممثلي‭ ‬الكنائس،‭ ‬أو‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الحداثة‭ ‬والتقاليد‭ ‬الموروثة؛‭ ‬دشن‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭”‬؛‭ ‬فمن‭ ‬جهة‭ ‬نجد‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الظلامية‭ ‬ومن‭ ‬الشكية‭ ‬تجاه‭ ‬العلم‭ ‬الذي‭ ‬ينغلق‭ ‬في‭ ‬تخلف‭ ‬المشاعر‭ ‬القديمة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭: ‬عداوة‭ ‬ضد‭ ‬الإيمان‭ ‬العلموي‭ ‬في‭ ‬التقدم‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬فلسفة‭ ‬طبيعية،‭ ‬فجة،‭ ‬تفجر‭ ‬الأخلاق‭”‬‮١٧‬؛‭ ‬لذلك‭ ‬يعد‭ ‬هابرماس‭ ‬أحداث‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ “‬انفجار‭ ‬التوتر‭ ‬بين‭ ‬المجتمع‭ ‬العلماني‭” ‬و‭”‬الدين‭”.‬

إنَّ‭ ‬الصراع‭ ‬الديني‭ ‬يتغذى‭ ‬من‭ ‬العصبيات‭ ‬المذهبية،‭ ‬وهي‭ ‬بدورها‭ ‬تتغذى‭ ‬من‭ “‬الإرهاب‭ ‬الساكن‭”‬،‭ ‬ونقصد‭ ‬به‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬المدونات‭ ‬التراثية‭ ‬الكلامية‭ ‬والفقهية‭ ‬ومدونات‭ ‬الفرق‭ ‬والمقالات‭ ‬والتاريخ،‭ ‬ويتحول‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬سكونه،‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ “‬الإرهاب‭ ‬الكامن‭”‬،‭ ‬الذي‭ ‬كُرس‭ ‬في‭ “‬الذات‭ ‬المتدينة‭” ‬عبر‭ ‬ثقافتها‭ ‬وتعليمها؛‭ ‬بحيث‭ ‬أنَّ‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬مسلم‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬داخله‭ “‬صوتا‭” ‬أحاديا‭ ‬نائما‭ ‬يستطيع‭ “‬رأسُ‭ ‬المذهب‭” ‬أو‭ ‬التيار‭ ‬الطائفي‭ ‬إيقاظه‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬وبذلك؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬تتضمن‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬فريدريك‭ ‬معتوق‭ “‬الإدماج‭ ‬القسري‭”‬،‭ ‬وهو‭ ‬الشكل‭ ‬الذي‭ “‬لا‭ ‬يتحارب‭ ‬فيه‭ ‬مكوِّن‭ ‬أساسي‭ ‬من‭ ‬مكونات‭ ‬البلاد‭ ‬مع‭ ‬المكون‭ ‬الآخر‭ ‬بلغة‭ ‬السلاح،‭ ‬بل‭ ‬يكتفي‭ ‬بالسيطرة‭ ‬عليه‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬الغُلب‭ ‬الخلدوني،‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬التفوق‭ ‬العددي؛‭ ‬فيلجأ‭ ‬الطرف‭ ‬الأقوى‭ ‬في‭ ‬المعادلة‭ ‬إلى‭ ‬احتواء‭ ‬الطرف‭ ‬الأضعف‭ ‬قسريًّا؛‭ ‬حيث‭ ‬يتحول‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬إلى‭ ‬مواطن‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الثالثة‭”‬‮١٨‬،‭ ‬فهذه‭ ‬الحالة‭ ‬التي‭ ‬توصف‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬بالتسامح،‭ ‬هو‭ ‬تسامح‭ ‬زائف؛‭ ‬لأنها‭ ‬حالةٌ‭ ‬تمنع‭ ‬الاندماج‭ ‬السلمي‭ ‬والتي‭ ‬تحدث‭ ‬حينما‭ ‬تكون‭ ‬الأفكار‭ ‬الدينية‭ ‬والمذهبية‭ ‬قابلة‭ ‬للنقد‭ ‬والفحص؛‭ ‬فالصراع‭ ‬والإرهاب‭ ‬المذهبي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬الأفكار‭ ‬الأحادية‭ ‬حيواتها‭ ‬وقوتها‭.‬

نُلاحظ‭ ‬في‭ ‬مُجتمعاتنا‭ ‬العربية‭ ‬حينما‭ ‬تناقش‭ ‬قضية‭ ‬ترتبط‭ ‬بظاهرة‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬رمز‭ ‬ديني‭ ‬محدد؛‭ ‬فإن‭ ‬النقاش‭ ‬يفرز‭ ‬ردات‭ ‬فعل‭ ‬عنيفة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الخطاب‭ ‬والتراشق،‭ ‬وتتحول‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬الانتقام‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬اللاوعي؛‭ ‬لأنَّ‭ “‬الانقسام‭ ‬العصباني‭ ‬عميق‭ ‬في‭ ‬البُنى‭ ‬المعرفية،‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أنه‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬هضم‭ ‬أي‭ ‬فعل،‭ ‬أو‭ ‬ردة‭ ‬فعل،‭ ‬يحصلان‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭-‬السياسية‭ ‬العامة‭”‬‮١٩‬؛‭ ‬فالمجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬والخليجية‭ ‬لم‭ ‬تغادر‭ ‬عصبياتها‭ ‬التأسيسية؛‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬منعت‭ ‬القيم‭ ‬المدنية‭ ‬من‭ ‬التسلل‭ ‬إلى‭ ‬مفاهيمها‭ ‬العصبية‭ ‬لبناء‭ ‬مفهوم‭ ‬المواطنة؛‭ ‬والحريات‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬تعطي‭ ‬للإنسان‭ ‬قيمته،‭ ‬وتحميه‭ ‬من‭ ‬الاغتراب‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ “‬الإنسان‭ ‬العربي‭”‬؛‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يعد‭ ‬حالة‭ ‬الاكتراث‭ ‬الشديد‭ ‬بالهواتف‭ ‬الذكية،‭ ‬وساحات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الافتراضية‭ ‬هروبا‭ ‬من‭ ‬الصخب‭ ‬الجمعي‭ ‬الصارم،‭ ‬الآخذ‭ ‬في‭ ‬النمو‭ ‬والسيطرة؛‭ ‬لبناء‭ ‬فردانية‭ ‬هاربة‭ ‬مستغربة‭ ‬ومحاصرة‭ ‬وآخذة‭ ‬في‭ ‬الانغلاق؛‭ ‬لإيجاد‭ ‬حياة‭ ‬صامتة‭ ‬تسمح‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬الحرية‭ ‬المفقودة‭ ‬في‭ ‬الدائرة‭ ‬الجمعية‮٢٠‬،‭ ‬وإن‭ ‬تَعْجَب‭ ‬فعجبٌ‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬النصية‭ ‬المنغلقة‭ ‬جزءا‭ ‬أصيلا‭ ‬من‭ ‬هويتها‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬حمايتها‭ ‬وتكريسها‭.‬

نلاحظ‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬ثنائية‭ ‬الغاية‭ ‬والوسيلة؛‭ ‬أن‭ ‬اعتبار‭ ‬الوسائل‭ ‬غاية‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها؛‭ ‬يجعل‭ “‬القتلة‭ ‬الذين‭ ‬صمَّموا‭ ‬على‭ ‬الانتحار‭” ‬في‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬فوق‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬فعلهم‭ ‬من‭ ‬تناقضات‭ ‬متحدة‭ ‬بالمعنى‭ ‬الهيغلي‮٢١‬؛‭ ‬قد‭ “‬حولوا‭ ‬أدوات‭ ‬النقل‭ ‬المدنية‭ ‬إلى‭ ‬قذائف‭ ‬مسكونة‭ ‬يصار‭ ‬لإطلاقها‭ ‬على‭ ‬قلاع‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬الرأسمالية‭”‬‮٢٢‬،‭ ‬فهم‭ ‬مدفوعون‭ ‬بـ‭”‬قناعات‭ ‬دينية‭” ‬راسخة؛‭ ‬تجسد‭ “‬المجتمع‭ ‬الحديث‭” ‬في‭ ‬صورة‭ “‬الشيطان‭ ‬الأكبر‭”‬،‭ ‬أو‭ ‬صورة‭ ‬الشر‭ ‬الرمزي‭ ‬المحض‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬مفردات‭ ‬التدين‭ ‬الملتبسة‭ ‬والمعقدة؛‭ ‬لذلك‭ -‬وانطلاقا‭ ‬من‭ ‬هاتين‭ ‬القضيتين‭- ‬أضع‭ ‬تصوُّرا‭ ‬يجعل‭ ‬الإرهاب‭ ‬درجات‭ ‬وأشكالا‭ ‬ملتبسة،‭ ‬ولكنها‭ ‬واقعية،‭ ‬ويمكن‭ ‬لهذه‭ ‬المستويات‭ ‬أن‭ ‬تتعارض‭ ‬أحيانا،‭ ‬أو‭ ‬تتفق‭ ‬مع‭ ‬وجهة‭ ‬النظر‭ ‬الهابرماسية،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬الاتفاق‭ ‬هو‭ ‬السائد‭ ‬فيها‭.‬

الإرهاب‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬السكونية‭ .. ‬وأقصد‭ ‬به‭ ‬حالة‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬النصِّ‭ ‬التراثي‭ ‬الضخم‭ ‬المرتبط‭ ‬بالاختلاف‭ ‬والتميز‭ ‬والادعاء؛‭ ‬أي‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬الاعتقاد،‭ ‬والتميز‭ ‬في‭ ‬السلوك‭ ‬والهيئة،‭ ‬والادعاء‭ ‬بالأحقية‭ ‬والصحة‭ ‬المطلقة،‭ ‬وما‭ ‬يطرحه‭ ‬هابرماس‭ ‬من‭ ‬كون‭ “‬الأصولية‭” ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬لغتها‭ ‬الدينية‭ ‬هي‭ “‬ظاهرة‭ ‬حديثة‭” ‬لا‭ ‬يستقيم‭ ‬مع‭ ‬الواقع،‭ ‬بسبب‭ ‬وجود‭ ‬الإرهاب‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬الفكري‭ ‬الديني‭ ‬ممارسة‭ ‬وتنظيرا‭. ‬يرى‭ ‬هابرماس‭ ‬أنه‭ “‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬الإسلاميين‭ ‬الذين‭ ‬اقترفوا‭ ‬الاعتداءات،‭ ‬فإن‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يلفت‭ ‬الانتباه‭ ‬مباشرة‭ ‬هو‭ ‬لا‭ ‬عصرانية‭ ‬الدوافع‭ ‬والغايات،‭ ‬إنها‭ ‬الانعكاس‭ ‬لهذا‭ ‬الاختلال‭ ‬الزمني‭ ‬بين‭ ‬الثقافة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬نستطيع‭ ‬معاينته‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬الأصل‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬هؤلاء‭ ‬الإسلاميون‭ ‬منذ‭ ‬اللحظة‭ ‬الأولى،‭ ‬التي‭ ‬مس‭ ‬فيها‭ ‬التحديث‭ ‬المتسارع‭ ‬جذورهم‭”‬‮٢٣‬؛‭ ‬وبما‭ ‬أن‭ “‬المسلم‭” ‬لا‭ ‬يضع‭ ‬التراث‭ ‬الديني‭ ‬بمضامينه‭ ‬العنيفة‭ ‬تحت‭ ‬النقد‭ ‬والمساءلة؛‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬المضامين‭ ‬قابلة‭ ‬للإنتاج؛‭ ‬لأنها‭ ‬تتجاوز‭ ‬التاريخ‭  ‬وتتعالى‭ ‬عليه‭.‬

الإرهاب‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الكمون‭ .. ‬وهو‭ ‬ينتُج‭ ‬ويتشكَّل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التكريس‭ ‬الديني‭ ‬داخل‭ ‬السياج‭ ‬الدوغمائي؛‭ ‬إذ‭ ‬يتحين‭ ‬التراث‭ ‬ويتحول‭ ‬من‭ ‬سكونه‭ ‬إلى‭ ‬معتقد،‭ ‬فكل‭ “‬مسلم‭” -‬بوصفه‭ ‬ظاهرة‭ ‬فردية‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي‭- ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طيات‭ ‬نفسه‭ ‬إرهابا‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يتشكل؛‭ ‬وهذا‭ ‬الإرهاب‭ ‬هو‭ ‬الإرهاب‭ ‬بالقوة؛‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬المسلم‭ ‬ما‭ ‬حمل‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬قيمة‭ ‬التميز‭ ‬المذهبية‭ ‬عن‭ ‬الآخر‭ ‬المسلم،‭ ‬أو‭ ‬المختلف‭ ‬عنه‭ ‬دينا؛‭ ‬فإنه‭ ‬يحمل‭ “‬الإرهاب‭ ‬الكامن‭” ‬تمامًا‭ ‬مثل‭ ‬فيروس‭ ‬فتاك‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬الحضانة؛‭ ‬ولعلَّ‭ ‬أهم‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تحرك‭ ‬هذا‭ ‬الكمون؛‭ ‬هي‭ ‬اهتزاز‭ ‬الأصول‭ ‬اهتزازا‭ ‬عنيفا؛‭ ‬بسبب‭ ‬الحداثة‭ ‬والعلمنة؛‭ “‬فالأمر‭ ‬الحاسم‭ ‬هو‭ ‬تغيير‭ ‬العقلية‭ ‬التي‭ ‬يعبر‭ ‬عنها‭ ‬سياسيًّا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والدولة‭”‬‮٢٤‬،‭ ‬ويرى‭ ‬هابرماس‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يختص‭ ‬بدين‭ ‬دون‭ ‬آخر؛‭ “‬حيث‭ ‬اقتضى‭ ‬الأمر‭ ‬انقضاء‭ ‬عدة‭ ‬قرون،‭ ‬ليأخذ‭ ‬التاريخ‭ ‬موقفا‭ ‬عقلانيا‭ ‬تجاه‭ ‬الحداثة‭”‬‮٢٥‬؛‭ ‬وهذا‭ ‬يجعلنا‭ ‬نتساءل‭: ‬هل‭ ‬يلزم‭ ‬أن‭ ‬ننتظر‭ ‬تلك‭ ‬القرون‭ ‬حتى‭ ‬تنصرم‭ ‬لتتجه‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬عقلانية‭ ‬الحداثة‭ ‬الأوروبية؟‭ ‬وهل‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬تتخذ‭ ‬المجتمعات‭ ‬النامية‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬شطر‭ ‬العقلانية؟‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للفلسفة‭ ‬أن‭ ‬تجيب‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬إجابات‭ ‬حاسمة؛‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬دخلت‭ ‬في‭ ‬مسارات‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬المغامرة؛‭ ‬بحيث‭ ‬تغادر‭ ‬منطقة‭ ‬التساؤلات‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬الحسوم‭ ‬العلمية‭. ‬وحتى‭ ‬يتبيَّن‭ ‬القارئ‭ ‬ما‭ ‬أقصده‭ ‬بالتحديد‭ ‬من‭ ‬التعميم‭ ‬السابق‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬كمون‭ ‬الإرهاب‭ ‬في‭ “‬الأنا‭ ‬المسلمة‭”‬؛‭ ‬فإنه‭ ‬يتحتَّم‭ ‬أن‭ ‬أصور‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المقدمات‭ ‬والنتائج،‭ ‬بتحديد‭ ‬الضامن‭ ‬في‭ ‬الاستدلال‭ ‬الحجاجي‭:‬

إنَّ‭ ‬الضامن‭ ‬الذي‭ ‬يُوفر‭ ‬النقلةَ‭ ‬بين‭ ‬الحجة‭ ‬والنتيجة،‭ ‬هو‭ ‬اعتقادُ‭ ‬المسلم‭ ‬بأنه‭ ‬وحده‭ ‬يمتلك‭ ‬النسخة‭ ‬الصحيحة‭ ‬للدين؛‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬المسلم‭ ‬الذي‭ ‬يبتعد‭ ‬عن‭ ‬الوثوقية‭ ‬المطلقة‭ ‬لعقائده‭ ‬ويؤمن‭ ‬بضرورة‭ ‬وجود‭ ‬الاحتمالات‭ ‬والتعددية‭ ‬يتجاوز‭ ‬الدوغمائية‭ ‬المولدة‭ ‬للإرهاب‭ ‬في‭ ‬حالته‭ ‬الذهنية؛‭ ‬لذا‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬أبرز‭ ‬إشكالات‭ ‬ظاهرة‭ ‬الكُمون‭ ‬هو‭ ‬التبرير‭ ‬الديني‭ ‬له،‭ ‬ويمكن‭ ‬إخفاء‭ ‬العنف‭ ‬بأفاهيم‭ ‬دينية؛‭ ‬مثل‭: ‬أفهوم‭ ‬التقية؛‭ ‬فتتحول‭ ‬الحياة‭ ‬إلى‭ ‬مجاملة‭ ‬فجة‭ ‬مع‭ ‬إضمار‭ ‬الإقصاء‭ ‬والتضليل‭ ‬للآخر؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمتلك‭ ‬المختلف‭ -‬وفق‭ ‬هذا‭ ‬الأفهوم،‭ ‬والاعتقاد‭ ‬السابق‭- ‬أيَّ‭ ‬حق‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬والحرية‭ ‬في‭ ‬الاعتقاد؛‭ ‬فمصيره‭ ‬مرسوم‭ ‬في‭ ‬ضمير‭ ‬هذا‭ ‬الاعتقاد‭.‬

وفي‭ ‬قضية‭ ‬كمون‭ ‬الإرهاب؛‭ ‬يحيل‭ ‬هابرماس‭ ‬الحالة‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬11‭ ‬سبتمبر؛‭ ‬فبعد‭ ‬هذه‭ ‬الحادثة‭ ‬بالذات‭ ‬دخلت‭ “‬لغة‭ ‬الثأر‭” ‬التي‭ ‬حملها‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬ردة‭ ‬فعل‭ ‬على‭ ‬الحدث‭ ‬اللامعقول،‭ “‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬العدوان‭ ‬الأعمى‭ ‬قد‭ ‬ضرب‭ ‬وترا‭ ‬دينيا‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬مواقع‭ ‬المجتمع‭ ‬العلماني‭ ‬حميمية؛‭ ‬ففي‭ ‬كل‭ ‬أرجاء‭ ‬العالم‭ ‬امتلأت‭ ‬المعابد‭ ‬والجوامع‭ ‬والكنائس‭” ‬؛‭ ‬بمعنى‭ ‬أننا‭ ‬دخلنا‭ ‬في‭ “‬الحالة‭ ‬المرضية‭” ‬للتدين،‭ ‬وانبعث‭ ‬الإرهاب‭ ‬الأوروبي‭ ‬الكامن‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يُحتكر‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ “‬الأرثوذكسيات‭ ‬المتحجرة‭” ‬بتعبير‭ ‬هابرماس‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬موجودة‭ ‬بقوة،‭ ‬وهي‭ ‬تُمثل‭ -‬كما‭ ‬أسلفت‭- “‬الإرهاب‭ ‬الكامن‭”‬،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬كمون‭ ‬الإرهاب‭ ‬الأوروبي‭ ‬لا‭ ‬يتماثل‭ ‬مع‭ ‬كمون‭ ‬الإرهاب‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬العربية،‭ ‬لوجود‭ ‬الفارق‭ ‬في‭ ‬الدرجة‭ ‬والهدف‭.‬

ولكن‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإسلامي،‭ ‬فإن‭ ‬العصبيات‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ “‬الفكر‭ ‬الأحادي‭”‬،‭ ‬الذي‭ ‬أنتج‭ ‬ثنائيات‭ ‬مذهبية‭ ‬أو‭ ‬دينية؛‭ ‬مثل‭: (‬السنة‭/‬الابتداع‭)‬،‭ ‬أو‭ (‬الشيعة‭/‬الناصبة‭)‬،‭ ‬أو‭ (‬المسلمون‭/‬أهل‭ ‬القبلة‭)‬،‭ ‬أو‭ (‬أهل‭ ‬الحق‭ ‬والاستقامة‭/‬وأهل‭ ‬القبلة‭)‬،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تنتج‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الفكر‭ ‬الديني‭ ‬وفي‭ ‬الأوساط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لتشكيل‭ ‬تعبئة‭ ‬مذهبية،‭ ‬تتمازج‭ ‬في‭ ‬المكونات‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬الإرهاب‭ ‬في‭ ‬سكونه،‭ ‬وحالة‭ ‬الكمون؛‭ ‬فينعدم‭ ‬الحوار‭ ‬والنقد‭/‬والنقاش؛‭ ‬ليدخل‭ ‬المرء‭ ‬في‭ ‬معتركات‭ ‬العنف‭ ‬وإقصاء‭ ‬الآخر،‭ ‬ولو‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الفكري،‭ ‬فإما‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬اتباع‭ ‬الحق‭ ‬عبر‭ “‬المناظرات‭” ‬والمنافرات‭ ‬أو‭ “‬السجن‭” ‬أو‭ “‬القتل‭”‬،‭ ‬وإن‭ ‬وجدت‭ ‬حالة‭ ‬السكون‭ ‬السطحي‭ ‬بين‭ ‬أصحاب‭ ‬المذاهب‭ ‬فإنه‭ ‬إما‭ ‬تقية،‭ ‬وإما‭ ‬بسبب‭ ‬السلم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ونزعات‭ ‬الدولة‭ ‬المدنية‭.‬

إنَّ‭ ‬التراث‭ ‬الإسلامي‭ ‬مُفعم‭ ‬بحالات‭ ‬تشويه‭ ‬الآخر‭ ‬المختلف‭ ‬في‭ ‬الفكر،‭ ‬وتضخيمه‭ ‬ليكون‭ ‬عدوا‭ ‬وهميا‭ ‬للحق‭ ‬الوحيد؛‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬الذات‭ ‬المذهبية‭ ‬تتلقى‭ ‬حالة‭ ‬العنف‭ ‬ضد‭ ‬الآخر‭ ‬وتكرسه‭ ‬في‭ ‬اللاوعي؛‭ ‬ليتحول‭ ‬فعلا‭ ‬إلى‭ ‬عدوٍّ‭ ‬وهميٍّ،‭ ‬يُخشى‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬مذهبه‭ ‬وحقه‭ ‬الوحيد؛‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الاستنفار‭ ‬الدائمة‭ ‬ضد‭ ‬أي‭ ‬نقد‭ ‬لتراثه،‭ ‬أو‭ ‬ضد‭ ‬شخصيات‭ ‬تراثية‭ ‬تعد‭ ‬منزلة‭ ‬في‭ ‬متاهات‭ ‬الضلال،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬تتوغل‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬التراث،‭ ‬ونصوص‭ ‬التاريخ،‭ ‬حتى‭ ‬تكتشف‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬تضليل‭ ‬للمتلقي،‭ ‬وإدخالٍ‭ ‬للأتباع‭ ‬في‭ “‬السياج‭ ‬الدوغمائي‭”  ‬المغلق‭ -‬كما‭ ‬يسميه‭ ‬مُحمد‭ ‬أركون‮٢٧‬‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬مورس‭ ‬عليها‭ ‬التضخيم‭ ‬والتهويل‭ ‬والإقصاء‭ (‬مثلا‭): ‬بشر‭ ‬المريسي‭ (‬ت‭ ‬218هـ‭)‬،‭ ‬يقول‭ ‬ابن‭ ‬الجوزي‭ (‬ت‭ ‬597هـ‭) ‬في‭ “‬المنتظم‭” ‬عنه‭: ‬كان‭ ‬شيخا‭ ‬فقيرا‭ ‬فقيها،‭ ‬دميم‭ ‬المنظر،‭ ‬وسخ‭ ‬الثياب،‭ ‬يشبه‭ ‬اليهود،‭ ‬سمع‭ ‬الفقه‭ ‬من‭ ‬أبي‭ ‬يوسف‭ ‬القاضي؛‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬اشتغل‭ ‬بالكلام،‭ ‬وجرد‭ ‬القول‭ ‬بخلق‭ ‬القرآن‮٢٨‬‭.‬‭ ‬إن‭ ‬قراءة‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬التاريخي‭ ‬بشأن‭ ‬شخصية‭ ‬دينية‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬الإسلامي،‭ ‬يجعلنا‭ ‬نستوعب‭ ‬حالة‭ ‬الإقصاء‭ ‬والإرهاب‭ ‬الفكري‭ ‬بشأن‭ ‬الشخوص‭ ‬المختلفين،‭ ‬ولو‭ ‬برأي‭ ‬واحد‭ ‬مثل‭ ‬القول‭ ‬بخلق‭ ‬القرآن؛‭ ‬بسبب‭ ‬الاندماج‭ ‬بين‭ ‬السلطة‭ ‬وتيار‭ ‬ديني‭ ‬محدد‭ ‬كالتيار‭ ‬السلفي‭ ‬آنذاك،‭ ‬حتى‭ ‬قال‭ ‬بعضهم‭: “‬بشر‭ ‬بن‭ ‬غياث‭ ‬زنديق،‭ ‬وهو‭ ‬كافر،‭ ‬حلال‭ ‬الدم،‭ ‬يُقتل‭”‬‮٢٩‬‭. ‬ويروى‭ ‬عن‭ ‬الخليفة‭ ‬هارون‭ ‬الرشيد‭ ‬يقول‭: ‬بلغني‭ ‬أن‭ ‬بشر‭ ‬المريسي‭ ‬يزعم‭ ‬أن‭ ‬القرآن‭ ‬مخلوق،‭ ‬لله‭ ‬علي‭ ‬إن‭ ‬أظفرني‭ ‬به‭ ‬لأقتلنه‭ ‬قتلة‭ ‬ما‭ ‬قتلها‭ ‬أحدا‭ ‬قط‮٣٠‬،‭ ‬ورغم‭ ‬وجود‭ ‬الصنعة‭ ‬في‭ ‬الخبر‭ ‬عن‭ ‬الرشيد،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬الاستنفار‭ ‬والإقصاء‭ ‬الممتد‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي؛‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬الأرثوذكسية‭ ‬المتحجرة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإسلامية‭ ‬المغذية‭ ‬للإرهاب‭ ‬الفكري‭ ‬الساكن‭ ‬والكامن‭.‬

ولا‭ ‬يتوقف‭ ‬الأمرُ‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬الإسلامي‭ ‬عند‭ ‬مجرد‭ “‬حالة‭ ‬السكون‭” ‬الذي‭ ‬يمارس‭ ‬به‭ ‬الإرهاب‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الخطابات؛‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬فعلا‭ ‬إلى‭ ‬ممارسات‭ ‬إرهابية‭ ‬باسم‭ “‬المعنكر‭”‬،‭ ‬وباسم‭ ‬حماية‭ ‬دين‭ ‬الله،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬سنة‭ ‬نبيه‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم؛‭ ‬إذ‭ ‬نلاحظ‭ ‬مسكويه‭ (‬ت‭ ‬421هـ‭) ‬في‭ ‬تجارب‭ ‬الأمم،‭ ‬ينقل‭ ‬إلينا‭ ‬حالة‭ “‬الشغب‭ ‬الحنبلي‭” ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬شيخها‭ ‬الغوغائي‭ ‬الحسن‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬البربهاري‭ (‬ت‭ ‬329هـ‭)‬،‭ ‬شيخ‭ ‬الطائفة‭ ‬الحنبلية،‭ ‬حتى‭ ‬دفع‭ ‬أمير‭ ‬المؤمنين‭ ‬الخليفة‭ ‬الراضي‭ ‬بالله‭ (‬سنة‭ ‬323هـ‭) ‬الخرشني،‭ ‬صاحب‭ ‬الشرطة،‭ ‬فنادى‭ ‬في‭ ‬جانبي‭ ‬بغداد‭ ‬في‭ ‬أصحاب‭ ‬أبي‭ ‬مُحمد‭ ‬البربهاري‭ ‬الحنبلية،‭ ‬ألا‭ ‬يجتمع‭ ‬منهم‭ ‬نفسان‭ ‬في‭ ‬موضع‭ ‬واحد،‭ ‬وحبس‭ ‬جماعة‭ ‬منهم‭ ‬واستتر‭ ‬البربهاري،‭ ‬وكان‭ ‬سبب‭ ‬ذلك‭ ‬كثرة‭ ‬تشرطهم‭ ‬على‭ ‬الناس‭ ‬وإيقاعهم‭ ‬الفتن‭ ‬المتصلة؛‭ ‬ومعنى‭ ‬التشرط‭: ‬الممارسة‭ ‬البوليسية‭ ‬الإرهابية‭ ‬كحرب‭ ‬العصابات‭ ‬على‭ ‬الناس؛‭ ‬فتوعدهم‭ ‬الراضي‭ ‬في‭ ‬توقيعه‭ ‬قائلا‭: “‬فلعن‭ ‬الله‭ ‬ربًّا‭ ‬حملكم‭ ‬هذه‭ ‬المنكرات،‭ ‬ما‭ ‬أرداه‭ ‬شيطانا‭ ‬زينها‭ ‬لكم‭ ‬ما‭ ‬أغراه،‭ ‬وأمير‭ ‬المؤمنين‭ ‬يقسم‭ ‬بالله‭ ‬قسما‭ ‬جهد‭ ‬إليه‭ ‬يلزمه‭ ‬الوفاء‭ ‬به،‭ ‬لئن‭ ‬لم‭ ‬تنصرفوا‭ ‬عن‭ ‬مذموم‭ ‬مذهبكم‭ ‬ومعوج‭ ‬طريقتكم‭ ‬ليوسعنكم‭ ‬ضربا‭ ‬وتشريدا‭ ‬وقتلا‭ ‬وتبديدا،‭ ‬ويستعملن‭ ‬السيف‭ ‬في‭ ‬رقابكم‭ ‬والنار‭ ‬في‭ ‬محالكم‭ ‬ومنازلكم؛‭ ‬فليبلغ‭ ‬الشاهد‭ ‬منكم‭ ‬الغائب‭”‬‮٣١‬‭.‬

ويُمكن‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الممارسة‭ ‬الإرهابية‭ ‬الأحادية‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الخطاب‭ ‬والممارسة،‭ ‬ما‭ ‬نجده‭ ‬من‭ ‬البربهاري‭ ‬في‭ ‬طبقات‭ ‬الحنابلة؛‭ ‬إذ‭ ‬يعلن‭ ‬كفر‭ ‬المخالف‭ ‬لمجرد‭ ‬تحكيم‭ ‬العقل،‭ ‬والرأي‭ ‬والقياس؛‭ ‬لأن‭ ‬الدين‭ ‬عنده‭ ‬أرثوذكسي‭ ‬متحجر؛‭ ‬ويقول‭ ‬فيه‭: “‬واعلم‭ ‬أن‭ ‬الدين‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬التقليد،‭ ‬والتقليد‭ ‬لأصحاب‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬ومن‭ ‬قال‭: ‬لفظه‭ ‬بالقرآن‭ ‬مخلوق‭ ‬فهو‭ ‬جهمي،‭ ‬ومن‭ ‬سكت‭ ‬ولم‭ ‬يقل‭ ‬مخلوق‭ ‬ولا‭ ‬غير‭ ‬مخلوق‭ ‬فهو‭ ‬جهمي‭”‬‮٣٢‬،‭ ‬فالدين‭ ‬عند‭ ‬البربهاري‭ ‬هو‭ “‬الدين‭ ‬العتيق‭”‬‮٣٣‬‭ ‬الذي‭ ‬يلغي‭ ‬تاريخية‭ ‬الوقائع‭ ‬والتفسير؛‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬صنائع‭ ‬السلف‭ ‬أصلا‭ ‬ومعيارا‭ ‬لسلوك‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة،‭ ‬ويمارس‭ ‬البربهاري‭ ‬عبر‭ ‬تلك‭ ‬المفاهيم‭ ‬التصنيف‭ ‬للناس‭ ‬كالرافضي،‭ ‬والجهمي،‭ ‬والخارجي،‭ ‬والمعتزلي،‭ ‬والقدري‮٣٤‬،‭ ‬ويرفض‭ ‬الحوار‭ ‬ويغلق‭ ‬بابه؛‭ ‬لأن‭ ‬الحوار‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬التفكر‭ ‬والتأمل‭ ‬والتعقل،‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬مخالف‭ ‬لمفهوم‭ ‬الدين‭ ‬الذي‭ ‬ينحصر‭ ‬عنده‭ ‬في‭ “‬التقليد‭”‬‮٣٥‬؛‭ ‬فلا‭ ‬يتورع‭ ‬عن‭ ‬ممارسة‭ ‬العنف‭ ‬على‭ ‬غيره‭ ‬لمجرد‭ ‬نقد‭ ‬يوجهه‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬الدين؛‭ ‬فقد‭ “‬اجتاز‭ ‬بعض‭ ‬المحبين‭ ‬للبربهاري‭ ‬ممن‭ ‬يحضر‭ ‬مجلسه‭ ‬من‭ ‬العوام‭ ‬وهو‭ ‬سكران‭ ‬على‭ ‬بدعي‭. ‬فقال‭ ‬البدعي‭: ‬هؤلاء‭ ‬الحنبلية‭. ‬قال‭: ‬فرجع‭ ‬إليه،‭ ‬وقال‭: ‬الحنبلية‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬أصناف‭: ‬صنف‭ ‬زهاد‭ ‬يصومون‭ ‬ويصلون،‭ ‬وصنف‭ ‬يكتبون‭ ‬ويتفقهون،‭ ‬وصنف‭ ‬يصفعون‭ ‬لكل‭ ‬مخالف‭ ‬مثلك‭ ‬وصفعه‭ ‬وأوجعه‭”‬‮٣٦‬،‭ ‬أليست‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬النصوص‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المذاهب‭ ‬الإسلامية‭ ‬كافية‭ ‬لتشكيل‭ ‬العقلية‭ ‬الأرثوذكسية‭ ‬المتحجرة‭ ‬الأحادية؟‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬التيارات‭ ‬الدينية‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ “‬حالة‭ ‬الكمون‭” ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬الفعل‭ ‬أو‭ ‬الممارسة؛‭ ‬بسبب‭ ‬عوامل‭ ‬مختلفة‭.. ‬لعل‭ ‬أهمها‭:‬

أولا‭: ‬‭ ‬وجود‭ ‬تنظيرات‭ ‬دينية‭ ‬في‭ ‬المدونات‭ ‬الفقهية‭ ‬والكلامية،‭ ‬أو‭ ‬الوقائع‭ ‬التاريخية،‭ ‬تدفع‭ ‬المتلقِّي‭ ‬إلى‭ ‬جعلها‭ ‬أصلًا‭ ‬أو‭ ‬نصًّا،‭ ‬أو‭ ‬ركائز‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬التبديل‭ ‬لسلوكه‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬الحديث؛‭ ‬فالأرثوذكسيات‭ ‬المتجرة‭ -‬بتعبير‭ ‬هابرماس‭- ‬تنشأ‭ ‬في‭ ‬العقول‭ ‬الراهنة‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬الموجود‭ ‬في‭ ‬التراث؛‭ ‬فهذا‭ ‬الموجود‭ ‬هو‭ “‬الفاعلُ‭” ‬التأثيرَ‭ ‬في‭ ‬اللاحق؛‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬للعقل‭ ‬المسلم‭ ‬أن‭ ‬يتجاوز‭ ‬أزمة‭ ‬الأحادية‭ ‬هذه‭ ‬إلا‭ ‬بوضع‭ ‬كل‭ ‬التراث‭ ‬الديني‭ ‬موضع‭ ‬النقد‭ ‬والفحص،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تتجاوزه‭ ‬باعتباره‭ ‬فعلا‭ ‬لمجتمعات‭ ‬خلت،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مقياسا‭ ‬لحاضرنا،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬قيم‭ ‬المواطنة‭ ‬والتعددية‭.‬

ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نلفت‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الممارسات‭ ‬التراثية‭ ‬دخلت‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬معرفية،‭ ‬وممارسات‭ ‬خطابية‭ ‬مختلفة،‭ ‬جعلتها‭ ‬قابلة‭ ‬لإعادة‭ ‬الإنتاج‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تغييب‭ ‬العقل‭ ‬والنقد‭ ‬من‭ ‬التيارات‭ ‬الدينية؛‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬التحول‭ ‬الذي‭ ‬طرأ‭ ‬على‭ ‬تاريخ‭ ‬الحنابلة‭ ‬من‭ ‬الطور‭ ‬البغدادي‭ ‬إلى‭ ‬الطور‭ ‬الشامي،‭ ‬دشن‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬للتيارات‭ ‬الحنبلية؛‭ ‬فأفكار‭ ‬البربهاري‭ ‬وممارساته‭ ‬الغوغائية‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬تنظيرات‭ ‬ابن‭ ‬تيمية‭ ‬الذكية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬المختلف،‭ ‬ولكنها‭ ‬تلتقي‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬بناء‭ ‬الموقف‭ ‬العقدي‭ ‬والفكري‭ ‬لمن‭ ‬يسمون‭ ‬أنفسهم‭ ‬بأتباع‭ “‬السلف‭ ‬الصالح‭”‬،‭ ‬يأتي‭ ‬تلبية‭ ‬لمتطلبات‭ ‬الاختلاف‭ ‬والتناظر‭ ‬مع‭ ‬الآخر،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تقديم‭ ‬رؤية‭ ‬فلسفية‭ ‬تحمل‭ ‬أي‭ ‬احتياج‭ ‬روحي‭ ‬تفرضه‭ ‬حاجة‭ ‬الواقع‮٣٧‬؛‭ ‬فتقسيم‭ ‬ابن‭ ‬تيمية‭ ‬للتوحيد‭ ‬يصب‭ ‬في‭ ‬المسار‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬يميز‭ “‬الحق‭” ‬من‭ “‬الباطل‭”‬‮٣٨‬،‭ ‬والسلفي‭ ‬من‭ ‬الخلفي،‭ ‬والموحد‭ ‬من‭ ‬المشرك،‭ ‬وهذا‭ ‬التقسيم‭ ‬ذاته‭ ‬يتم‭ ‬استغلاله‭ ‬لاحقا‭ ‬في‭ ‬قيام‭ ‬الدولة‭ ‬السعودية‭ ‬الأولى،‭ ‬بالتآزر‭ ‬مع‭ ‬العقلية‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬تتشابه‭ ‬مع‭ ‬عقلية‭ ‬البربهاري‭. ‬وبهذا؛‭ ‬فإن‭ ‬ابن‭ ‬تيمية‭ ‬بتقسيماته‭ ‬وتنظيراته‭ ‬سيقدم‭ “‬الأرثوذكسية‭ ‬المتحجرة‭” ‬جاهزة،‭ ‬بوصفها‭ ‬قالبا‭ ‬دوغمائيا‭ ‬لممارسة‭ ‬الإقصاء‭ ‬ودحض‭ ‬الحريات‭.‬

ثانيا‭:‬‭ ‬أن‭ ‬الاتحاد‭ ‬أو‭ ‬بناء‭ ‬علاقات‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬خاص‭ ‬بين‭ ‬سلطة‭ ‬الدولة،‭ ‬والسلطة‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬القوى‭ ‬الدينية‭ ‬الموغلة‭ ‬في‭ ‬التطرف‭ ‬والإقصاء‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬طوائف‭ ‬دينية‭ ‬أخرى‭.. ‬وبهذا؛‭ ‬فإن‭ ‬الدولة‭ ‬تتجاهل‭ ‬حالة‭ ‬الحياد‭ ‬بوصفها‭ ‬دولة‭ ‬مدنية،‭ ‬أو‭ ‬سلطة‭ ‬تحمي‭ ‬الجميع،‭ ‬وتدخل‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬التحيز‭ ‬المذهبي،‭ ‬لممارسة‭ ‬الإدماج‭ ‬القسري؛‭ ‬بحيث‭ ‬تكون‭ ‬بعض‭ ‬القوى‭ ‬الدينية‭ ‬مركزية‭ ‬داخل‭ ‬الدولة،‭ ‬وأخرى‭ ‬هامشية‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬الأطراف؛‭ ‬لأنها‭ ‬تمتلك‭ ‬تاريخ‭ ‬الدولة‭ ‬وتراثه‭ ‬وضمير‭ ‬المجتمع‭.‬

ثالثا‭:‬‭ ‬غياب‭ ‬القوة‭ ‬أو‭ ‬السلطة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬المسار‭ ‬الديني؛‭ ‬بسبب‭ ‬ضعف‭ ‬الدولة‭ ‬وظهور‭ ‬الأهواء،‭ ‬تماما‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬البربهاري؛‭ ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬تعانيه‭ ‬الدولة‭ ‬العباسية‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬وسريانٍ‭ ‬للأهواء‭ ‬السياسية‭ ‬والمذهبية‭.‬

إنَّ‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الإرهاب‭ ‬في‭ ‬حالته‭ ‬السكونية،‭ ‬وحالة‭ ‬الكمون،‭ ‬تستدعي‭ ‬إعادة‭ ‬الفهم‭ ‬لهذه‭ ‬العلاقة؛‭ ‬كما‭ ‬تستدعي‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬الحياة‭ ‬إلى‭ “‬الأرثوذكسيات‭ ‬المتحجرة‭”‬،‭ ‬وبما‭ ‬أنها‭ ‬موجودة‭ -‬حسب‭ ‬هابرماس‭- ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب،‭ ‬في‭ ‬اليهودية‭ ‬والمسيحية‭ ‬وعند‭ ‬المسلمين؛‭ ‬فإن‭ ‬هابرماس‭ ‬يطرح‭ ‬إشكالات‭ ‬من‭ ‬بينها‮٣٩‬‭:‬

‮١‬‭- ‬أن‭ ‬العلمانية‭ ‬الغربية‭ ‬لم‭ ‬تكتمل‭ ‬جدليا،‭ ‬وأن‭ ‬الغرب‭ ‬يواجهون‭ ‬حالة‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمنة‭” ‬التي‭ ‬تلتقي‭ ‬بحالة‭ “‬العلمنة‭”‬؛‭ ‬بحيث‭ ‬إن‭ ‬الوعي‭ ‬الديني‭ ‬الكامن‭ ‬بدأ‭ ‬بالتسلل‭ ‬بعد‭ ‬الأحداث‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬إلى‭ ‬السطح،‭ ‬وكأنه‭ ‬أصبح‭ ‬عائقا‭ ‬أمام‭ ‬مشروع‭ ‬العلمانية‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الجدل‭ ‬الفلسفي‭ ‬والممارسة‭.‬

‮٢‬‭-‬‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬شكل‭ ‬عقلاني‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تقييم‭ ‬الحضارة‭ ‬وبمقياس‭ ‬عالمي؛‭ ‬تجاوزا‭ ‬للشكل‭ ‬الهوبسي‮٤٠‬‭ ‬الأمني‭ ‬المعولم،‭ ‬الذي‭ ‬يعطِي‭ ‬الأفضلية‭ ‬للشرطة،‭ ‬والخدمات‭ ‬السرية،‭ ‬والعسكر‭.‬

‮٣‬‭-‬‭ ‬تحاشي‭ ‬حرب‭ ‬الحضارات؛‭ ‬لأن‭ ‬الحرب‭ ‬ضد‭ ‬الإرهاب‭ ‬ليست‭ ‬حربا،‭ ‬والإرهاب‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ “‬صدمة‭ ‬مشؤومة‭” ‬بطبيعتها‭ ‬المكبوتة؛‭ ‬لضرورة‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬لغة‭ ‬مشتركة‭ ‬إزاء‭ ‬العولمة‭ ‬التي‭ ‬تفرض‭ ‬نفسها‭ ‬عبر‭ ‬الأسواق‭ ‬دون‭ ‬حدود‭.‬

ولكن‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬تطوير‭ ‬لغة‭ ‬نقدية‭ ‬مشتركة‭ ‬في‭ ‬حيز‭ ‬الذات؛‭ ‬فإن‭ ‬دراسة‭ ‬الصيرورات‭ ‬العقدية‭ ‬المعاصِرة،‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالتراث‭ ‬وتشكيلات‭ ‬العقلية‭ ‬المذهبية‭ ‬الدينية،‭ ‬تجعلنا‭ ‬نعيد‭ ‬الحفر‭ ‬في‭ ‬تشكل‭ “‬الأثوذكسيات‭ ‬المتحجرة‭” ‬وعواملها؛‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬تحريكها‭ -‬وفق‭ ‬نظر‭ ‬يورجين‭ ‬هابرماس‭- ‬لأن‭ ‬تسكين‭ ‬العامل‭ ‬المحرك‭ ‬لا‭ ‬يعالج‭ ‬الجذور،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬حالة‭ ‬الانضباط‭ ‬المؤقتة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬القراءة‭ ‬التراثية‭ ‬تستدعي‭ ‬عدم‭ ‬إغفال‭ ‬تجدد‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬السياسة‭ ‬والدين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي؛‭ ‬فتلك‭ ‬العلاقة‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬الدور‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬منع‭ ‬المشروع‭ ‬الديمقراطي‭ ‬من‭ ‬الاكتمال‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الكولونيالية‭.‬

إنَّ‭ ‬ظهور‭ ‬المستويين‭ “‬الوسيط،‭ ‬والأكبر‭” ‬من‭ ‬الإرهاب،‭ ‬يُعد‭ ‬حالة‭ ‬طبيعية‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬العامل‭ ‬المغذي؛‭ ‬فالمجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬تضج‭ ‬بالعصبيات‭ ‬بمختلف‭ ‬أنواعها،‭ ‬وهذه‭ ‬العصبيات‭ ‬يراها‭ ‬فريدريك‭ ‬معتوق‭ ‬بأنها‭ ‬وإن‭ ‬تصدت‭ ‬للاستعمار‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬سابقة،‭ ‬بشكل‭ ‬موحد‭ ‬سياسيا‭ ‬ودينيا،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬أحشائها‭ ‬بذور‭ ‬العصبيات‭ ‬المذهبية‮٤١‬؛‭ ‬فـ‭”‬النعرة‭ ‬موجودة‭ ‬بشكل‭ ‬كامن‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬دائم‭ ‬في‭ ‬وعي‭ ‬الأفراد،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أمر‭ ‬تحريكها‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬الأفراد،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬رئاسة‭ ‬القبيلة‭ ‬أو‭ ‬العائلة‭ ‬السياسية،‭ ‬أو‭ ‬الطائفة،‭ ‬أو‭ ‬الحزب‭ ‬السياسي‭ ‬التقليدي‭ ‬الذي‭ ‬يدعو‭ ‬الجميع‭ ‬إلى‭ ‬التذمر؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الالتفاف‭ ‬حول‭ ‬قضية‭ ‬مطلبية‭ ‬واحدة‭ ‬تخص‭ ‬العصبية‭ ‬والقيمين‭ ‬عليها،‭ ‬فتطفو‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬المواقف‭ ‬دعوات‭ ‬مباشرة‭ ‬للاستماتة‭ ‬خدمةً‭ ‬للقضايا‭ ‬العصبانية‭ ‬المطروحة‭ ‬التي‭ ‬يدافع‭ ‬عنها‭ ‬الأفراد‭ ‬بالدفاع‭ ‬لمصلحة‭ ‬أربابها،‭ ‬لكن‭ ‬بدمهم‭ ‬هم‭”‬‮٤٢‬؛‭ ‬لذلك‭ ‬تتوالد‭ ‬المستويات‭.‬

الإرهاب‭ ‬الوسيط‭ ‬‭.. ‬وهو‭ ‬الإرهاب‭ ‬الفعلي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬يتشكل‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬الظاهرتين‭ ‬السابقتين‭: ‬أي‭ ‬التبرير‭ ‬الديني‭ ‬التراثي‭ ‬للعنف،‭ ‬وتحوله‭ ‬إلى‭ ‬مُعتقد‭ ‬كامن‭ ‬وعنيف‭ ‬في‭ “‬الذات‭ ‬المتدينة‭”‬؛‭ ‬بمجرد‭ ‬أن‭ ‬يعتقد‭ ‬بأرثوذكسية‭ ‬مُتحجِّرة،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الفعل‭ ‬العنيف‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الذات‭ ‬ابتداء،‭ ‬ولكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬دخوله‭ ‬في‭ ‬تشابك‭ ‬العلاقات‭ ‬المصلحوية‭ ‬القذرة‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬المتصارعة؛‭ ‬بحيث‭ ‬تتحول‭ ‬ظاهرة‭ ‬الإرهاب‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬تدمير‭ ‬لبلوغ‭ ‬الغايات‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬طرحته‭ ‬حنة‭ ‬أرندت؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لنا‭ ‬قراءة‭ ‬الظاهرة‭ ‬دون‭ ‬متابعة‭ ‬لحركاته‭ ‬وسيناريوهاته‭ ‬المتشابكة‭ ‬الغريبة‭.‬

الإرهاب‭ ‬الأكبر‭ ‬‭.. ‬وهو‭ ‬الإرهاب‭ ‬الذي‭  ‬ينبع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الفجوات‭ ‬السابقة؛‭ ‬لتحويل‭ ‬الظاهرة‭ -‬وبإدارة‭ ‬فاعلة‭ ‬وسريعة‭ ‬وخفية،‭ ‬وبما‭ ‬يملك‭ ‬من‭ ‬قدرات‭ ‬مهنية،‭ ‬وقوى‭ ‬استخباراتية‭ (‬كما‭ ‬أشار‭ ‬هابرماس‭)- ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬رعب‭ ‬يمكن‭ ‬توزيعها‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬تريد‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬بوليسية‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الآخذة‭ ‬في‭ ‬النمو؛‭ ‬بحيث‭ ‬إن‭ ‬المحرك‭ ‬الفاعل‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نجده‭ ‬داخل‭ ‬حركة‭ ‬العنف،‭ ‬فننشغل‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬مادة‭ ‬الفعل‭ ‬ووسائله‭ ‬المباشرة‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬فيما‭ ‬ورائياته‭.‬

خلاصة‭ ‬القول‭: ‬

إن‭ ‬ظاهرة‭ ‬الإرهاب‭ ‬والإقصاء‭ ‬تعد‭ ‬أهم‭ ‬عراقيل‭ ‬التنمية‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وبناء‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬المواطنة‭ ‬والتعددية،‭ ‬وهما‭ ‬أساس‭ ‬الديمقراطية؛‭ ‬فالمجتمع‭ ‬المدني‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬الإنسان‭ ‬باعتبار‭ ‬إنسانيته،‭ ‬ودون‭ ‬شرط‭ ‬أو‭ ‬قيد،‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬المشتركات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وتجعل‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬الاختلاف‭ ‬حقا‭ ‬أصيلا‭ ‬نابعا‭ ‬من‭ ‬حريته،‭ ‬وطبيعته‭ ‬الأصيلة‭. ‬

ولكي‭ ‬نفهم‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة،‭ ‬علينا‭ ‬فهم‭ ‬الجذور‭ ‬التي‭ ‬يختزلها‭ ‬هابرماس‭ ‬في‭ ‬مصطلح‭ “‬الأرثوذكسيات‭ ‬المتحجرة‭”‬؛‭ ‬لاستيعاب‭ ‬أساليب‭ ‬تفكير‭ ‬العقل‭ ‬الديني‭ ‬الموغل‭ ‬في‭ ‬الإقصاء‭. ‬فبرودة‭ ‬السطح‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬خمول‭ ‬البراكين‭ ‬في‭ ‬الأعماق‭.‬

—————————————————-

المراجع‭:‬

  1. ‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2014م‭.‬
  2. منير‭ ‬الكشو،‭ “‬علمنة‭ ‬الأخلاق‭ ‬وظهور‭ ‬مجال‭ ‬الضمير‭: ‬مقارنة‭ ‬بين‭ ‬السياقين‭ ‬الغربي‭ ‬والعربي‭”‬،‭ ‬الدوحة‭: ‬المركز‭ ‬العربي‭ ‬للأبحاث‭ ‬ودراسة‭ ‬السياسات،‭ ‬مجلة‭ “‬تبين‭” (‬ع‭.‬18،‭ ‬مجلد‭ ‬5،‭ ‬خريف‭ ‬2016‭)‬،‭ ‬ص‭:‬9‭.‬
  3. يورجين‭ ‬هابرماس،‭ “‬مستقبل‭ ‬الطبيعة‭ ‬الإنسانية‭ ‬نحو‭ ‬نسالة‭ ‬ليبرالية‭”‬،‭ ‬تر‭. ‬جورج‭ ‬كتورة،‭ ‬بيروت‭: ‬المكتبة‭ ‬الشرقية،‭ ‬2006،‭ ‬ص‭:‬123‭- ‬139‭.‬
  4. سايمون‭ ‬تورمي،‭ ‬وجولز‭ ‬تاونزند،‭ “‬المفكرون‭ ‬الأساسيون‭: ‬من‭ ‬النظرية‭ ‬النقدية‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الماركسية‭”‬،‭ ‬تر‭. ‬مُحمد‭ ‬عناني،‭ ‬القاهرة‭: ‬المركز‭ ‬القومي‭ ‬للترجمة،‭ ‬2016،‭ ‬مقدمة‭ ‬المترجم،‭ ‬ص‭:‬22‭.‬
  5. إدموند‭ ‬هوسرل،‭ “‬أزمة‭ ‬العلوم‭ ‬الأوروبية‭ ‬والفنومينولوجيا‭ ‬الترنسندنتالية‭”‬،‭ ‬تر‭. ‬إسماعيل‭ ‬المصدق،‭ ‬بيروت‭: ‬المنظمة‭ ‬العربية‭ ‬للترجمة،‭ ‬2008،‭ ‬ص‭:‬43‭.‬
  6. راجع‭ ‬مقدمة‭ ‬سلامة‭ ‬كيلة‭ ‬للكراسة‭ ‬الماركسية‭ (‬4‭) ‬حول‭ ‬المسألة‭ ‬اليهودية‭ ‬لكارل‭ ‬ماركس،‭ ‬روافد‭ ‬للنشر‭ ‬والتوزيع،‭ ‬2014،‭ ‬ص‭:‬8‭.‬
  7. ميرتشيا‭ ‬إلياده،‭ “‬البحث‭ ‬عن‭ ‬التاريخ‭ ‬والمعنى‭ ‬في‭ ‬الدين‭”‬،‭ ‬تر‭. ‬سعود‭ ‬المولى،‭ ‬بيروت‭: ‬المنظمة‭ ‬العربية‭ ‬للترجمة،‭ ‬2007،‭ ‬ص‭:‬40‭.‬
  8. سايمون‭ ‬تورمي،‭ ‬وجولز‭ ‬تاونزند،‭ “‬المفكرون‭ ‬الأساسيون‭ ‬من‭ ‬النظرية‭ ‬النقدية‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الماركسية‭”‬،‭ ‬ص‭:‬82‭.‬
  9. يعدّ‭ ‬القرار‭ ‬رقم‭ (‬1267‭/ ‬1999م‭) ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬قرارا‭ ‬مفصليا‭ ‬وتاريخيا‭ ‬بشأن‭ ‬ظاهرة‭ ‬الإرهاب،‭ ‬وتتبع‭ ‬منابعها‭ ‬وشخصياتها‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم،‭ ‬والذي‭ ‬أدان‭ ‬بشدة‭ ‬استمرار‭ ‬استخدام‭ ‬الأراضي‭ ‬الأفغانية‭ ‬لإيواء‭ ‬الإرهابيين‭ ‬وتدريبهم‭.. ‬انظر‭ ‬وثيقة‭ ‬القرار‭ ‬في‭: ‬مصطفى‭ ‬العاني،‭ “‬مكافحة‭ ‬الإرهاب‭ ‬وآلية‭ ‬العدالة‭ ‬الدولية‭: ‬لجنة‭ “‬1267‭” ‬التابعة‭ ‬لمجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭”‬،‭ ‬دبي‭: ‬مركز‭ ‬الخليج‭ ‬للأبحاث،‭ ‬2005،‭ ‬ص‭:‬45‭-‬51‭.‬
  10. المرجع‭ ‬السابق،‭ ‬ص‭:‬33‭.‬
  11. كريم‭ ‬مزعل‭ ‬شبي،‭ “‬مفهوم‭ ‬الإرهاب‭: ‬دراسة‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬والداخلي‭”‬،‭ ‬مجلة‭ “‬أهل‭ ‬البيت‭” (‬ع2‭) ‬ص‭:‬32‭.‬
  12. حنة‭ ‬أرندت،‭ “‬في‭ ‬العنف‭”‬،‭ ‬تر‭. ‬إبراهيم‭ ‬العريس،‭ ‬بيروت‭: ‬دار‭ ‬الساقي،‭ ‬1992،ص‭:‬5‭-‬6‭.‬
  13. إيريك‭ ‬فروم،‭ “‬تشريح‭ ‬التدميرية‭”‬،‭ ‬تر‭. ‬محمود‭ ‬الهاشمي،‭ ‬دمشق‭: ‬دار‭ ‬نينوى،‭ ‬2016،‭ ‬جـ1‭/ ‬ص‭:‬40‭.‬
  14. ماكس‭ ‬فيبر،‭ “‬العلم‭ ‬والسياسة‭ ‬بوصفهما‭ ‬حرفة‭”‬،‭ ‬تر‭. ‬جورج‭ ‬كتورة،‭ ‬بيروت‭: ‬المنظمة‭ ‬العربية‭ ‬للترجمة،‭ ‬2011،‭ ‬ص‭:‬18‭.‬
  15. المرجع‭ ‬السابق،‭ ‬ص‭:‬18‭.‬
  16. مصطلح‭ ‬المعنكر‭.. ‬مصطلح‭ ‬منحوت‭ ‬من‭ ‬الأمر‭ ‬بالمعروف‭ ‬والنهي‭ ‬عن‭ ‬المنكر‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬الإسلامي،‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬تدافع‭ ‬نقدي‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬إرهاب‭ ‬الآخر،‭ ‬وفق‭ ‬الأرثوبراكسية‭ ‬الدينية‭ ‬المنغلقة‭ ‬والأحادية‭ (‬الباحث‭).‬
  17. يورجين‭ ‬هابرماس،‭ “‬مستقبل‭ ‬الطبيعة‭ ‬الإنسانية‭ ‬نحو‭ ‬نسالة‭ ‬ليبرالية‭”‬،‭ ‬تر‭. ‬جورج‭ ‬كتّورة،‭ ‬بيروت‭: ‬2006،‭ ‬ص‭:‬123‭.‬
  18. فريدريك‭ ‬معتوق،‭ “‬العصبيات‭: ‬آكلة‭ ‬الحريات‭ ‬السياسية‭”‬،‭ ‬الدوحة‭: ‬المركز‭ ‬العربي‭ ‬للأبحاث‭ ‬ودراسة‭ ‬السياسات،‭ ‬مجلة‭ ‬تبين‭ (‬ع‭.‬17،‭ ‬مجـلد5،‭ ‬صيف‭ ‬2016‭)‬،‭ ‬ص‭:‬67‭.‬
  19. المرجع‭ ‬السابق،‭ ‬ص‭:‬61‭.‬
  20. المرجع‭ ‬السابق،‭ ‬ص‭:‬63‭-‬64‭.‬
  21. بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬هيجل‭ “‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬يختلف‭ ‬جذريا‭ ‬عن‭ ‬الحيوانات؛‭ ‬لأنه‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬رغبة‭ ‬الناس‭ ‬الآخرين؛‭ ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬الاعتراف‭ ‬به،‭ ‬خاصة‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يُعترَف‭ ‬به‭ ‬ككائن‭ ‬إنساني،‭ ‬أي‭ ‬كائن‭ ‬مزود‭ ‬بكفاءة‭ ‬وبكرامة‭ ‬معينة‭ ‬ترتبط‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬بإرادته‭ ‬في‭ ‬احتمال‭ ‬تعريض‭ ‬حياته‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الاعتبار‭ ‬فحسب‭. ‬فالإنسان‭ ‬وحده‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يتجاوز‭ ‬غرائزه‭ ‬الحيوانية‭ ‬الخالصة،‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬بشكل‭ ‬رئيسي‭ ‬غريزة‭ ‬البقاء‭ -‬من‭ ‬أجل‭ ‬الالتزام‭ ‬بمبادئ‭ ‬وأهداف‭ ‬أسمى‭ ‬وأكثر‭ ‬تجريدا‭”. ‬انظر‭: ‬فرانسيس‭ ‬فوكوياما،‭ “‬نهاية‭ ‬التاريخ‭ ‬والإنسان‭ ‬الأخير‭”‬،‭ ‬بيروت‭: ‬مركز‭ ‬الإنماء‭ ‬القومي،‭ ‬1993،‭ ‬ص‭:‬27‭.‬
  22. يورجين‭ ‬هابرماس،‭ “‬مستقبل‭ ‬الطبيعة‭ ‬الإنسانية‭ ‬نحو‭ ‬نسالة‭ ‬ليبرالية‭”‬،‭ ‬ص‭:‬123‭.‬
  23. المرجع‭ ‬السابق،‭ ‬ص‭:‬124‭.‬
  24. المرجع‭ ‬السابق،‭ ‬ص‭:‬124‭.‬
  25. المرجع‭ ‬السابق،‭ ‬ص‭:‬124‭.‬

404 total views, 2 views today