د. نورة علي أحمد خليل

المقدِّمة
الحَمْدُ للهِ ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسُّلامُ على أشرف المرسلين، وخاتم النبيين سيِّدنا مُحمَّد -صلى الله عليه وسلَّم- الصَّادق الأمين، وَعَلى أصْحَابِه الغُر الميامين، ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يَوْمِ الدين.
أمَّا بَعْد…،
فَقَد تحدَّث الكثيرون عن بلاغة رسول الله سيدنا مُحمَّد -صلى الله عليه وسلم- ولعلَّ أصْدَق ما قيل في ذلك هو شهادة الصَّادق الأمين نفسه على نفسه، حين قال: “أنا أفصح العرب، بَيْد أنِّي من قريش”، وقوله: “أوْتِيْتُ جوامع الكلم”.

وَيَدُوْر هذا البحث حول جانبٍ من جوانب البلاغة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من خلال وقفات قصيرة مع مقتطفات من كلامه -صلى الله عليه وسلم- وذلك من خلال منظور علم اللغة الحديث؛ حيث إنَّ الدراسات اللغوية الحديثة تسلِّط الضوء على جانب دقيق من جوانب الدلالة، وهو ما يختصُّ بلغة الإشارة والحركة الجسدية، وما يُمكن أنْ تؤديه من وظائف خاصة؛ مما يعتبر اللغويون المحدثون “لغة جانبية”، أو “لغة مُساعدة”، ويصفونها بأنَّها لغة، وإنْ لم تكُن كلامًا، ومن ذلك ما يتَّصل بإيماءة الرأس، وإشارات اليد، وتعابير الوَجْه، وحركات في بعض أجزاء الجسد أثناء الكلام، ولكلِّ حركةٍ من هذه الحركات وظيفة دلالية تُساعد على توظيف المعنى.

وتُدرَس هذه الأمور دراسةً مستقلةً تحت عنوان “علم الكينات”؛ أي “علم لغة أعضاء وحركات الجسد”؛ ذلك أنَّ هذه الحركات تُساعد على توضيح الدلالة المطلوبة، وسيُحاول هذا البحث تطبيق هذا الجانب على مُقتطفات من كلام الحبيب المصطفى مُحمَّد -صلى الله عليه وسلم- في محاولةٍ متواضعةٍ لكشفِ جانبٍ صغيرٍ من جوانب البلاغة العربية في كلامه -صلى الله عليه وسلم- وذلك من خلال منظور علم اللغة الحديث، وهي مُحاولة مُخلصة، تبحث باستحياء في ذلك النبع المتدفق، وحسبها شرف المحاولة.

العَرْض
إنَّ المتأمِّل في كلام الحبيب المصطفى مُحمَّد -صلى الله عليه وسلم- يجد نفسَه أمامَ عددٍ كبيرٍ من الظواهر المميزة، التي تفرد بها -صلى الله عليه وسلم- وأسهمتْ بشكل واضح في وصول المعاني إلى الأذهان من خلال أقل عدد مُمكن من الكلمات، وهو ما يُسمَّى بـ”الإيجاز”، وقد وَصَف الجاحظ كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- قائلاً: “هو الكلام الذي قلَّ عدد حروفه، وكثُر عدد معانيه، وجل عن الصنعة، ونُزِّه عن التكلف…، واستعمل المبسوط في مواضع البسط، والمقصور في مواضع القصر، وهو الكلام الذي جمع الله له بين المهابة والحلاوة، وبين حُسن الإفهام وقلة عدد الكلام”.

وَحِيْن نتأمَّل كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- ونتابع اللغة التي تحدَّث بها، نجد أنَّها لغة نموذجية؛ ذلك أنَّ اللغة النموذجية مُستوى من مُستويات اللغة، استعملها العرب قبل الإسلام، ونزل بها القرآن الكريم، وجاء استعمال الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- وفقًا لهذا المستوى الرفيع “ولغتنا النموذجية معروفة، ونحن نستهدي نموذجها الأمثل من القرآن الكريم كلام رب العالمين، ثم تأتي أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- كنموذج أول من أقوال البشر؛ فحين ننظُر إلى أقوال الغربيين في اللغة النموذجية نجد أنَّها كما يرى فندريس: “هي الصورة المثالية التي تفرض نفسها على جميع الأفراد في مجموعة واحدة”. وعندما نطبق هذا الكلام على خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- نجد أنَّ اللغة التي تحدَّث بها قد فرضت نفسها ليس على المجموعة التي كان يعيش بينها فقط، بل على مجموعة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وهي الآن اللغة القومية في أكثر من عشرين دولة”.
وإنَّ الخطابة فنٌ قديم، والاستعدادُ لها مخلوقٌ مع الإنسان الذي لا غِنَى له عن الإبانة عمَّا في نفسه، والإقناع بصدق مقاله، وصواب رأيه، قال تعالى: “الرحمن علم القرآنَ خَلَق الإنسانَ علمه البيان”. (الرحمن:1-4).

وحسب الخطابة مَكَانة أنَّها قادرةٌ على إثارة الحماسة في النفوس الفاترة، وإخماد ثورة النفوس الثائرة. وللخطابة أسلوبها الخاص، والأسلوب الخطابي ينفرد بخصائص مُحدَّدة؛ ذلك أنَّ طبيعة الخطابة تختلف عن الكتابة، والمهمة التي يقوم بها الخطيب أصعب بكثير من تلك التي يقوم بها الكاتب.

إنَّ أسلوبَ الخطابة وعباراتها اللفظية يقوم على طبيعة هذا الفن، الذي يهدف للإقناع والتأثير، وهو يعتمدُ على البراهين العقلية والانفعالات الوجدانية. ومن هنا، فإنَّ أسلوبَ الخطابة يجمع بين تقرير الحقائق وإثارة العواطف، يستخدم الفكر والوجدان، وينفذ منهما إلى الإرادة، ليدفع بها إلى عمل من الأعمال؛ لذلك تُسمَّى الخطابة “الفن العملي”، كما تُسمَّى “الفن الكامل”؛ لجمعه في الإلقاء بين شخصيتي الخطيب الحسية والمعنوية.
وفي مَطْلَع هذا القرن أصبح لكلمة “الأسلوبية” مفهومان مختلفان؛ هما:
1- دراسة الصلة بين الشكل والفكرة، خاصة في ميدان الخطابة عند القدماء.
2- الطريقة الفردية في الأسلوب، وهي تتمثَّل في بحث الصلات التي تربط بين التعبيرات الفردية أو الجماعية.

والأسلوبُ ليس هو المعنى وَحْده، ولا اللفظ وَحْده، وإنَّما هو مُركَّب فني من عناصر مُختلفة تُستمد من الذهن والنفس، وهو عملية صنع مستمر، صنع الألفاظ بواسطة المعاني، وصنع المعاني بواسطة الألفاظ.

وحين نتحدَّث عن الألفاظ في الخطابة، ينبغي أن نَذْكُر الأمورَ المستعملة مع الألفاظ من جهة المعونة في بلوغ الغرض المقصود، وهي التي جَرَت عادة العلماء أنْ يُسمُّوها “الأخذ بالوجوه”.. وهذه الأمور تنقسمُ إلى قسميْن؛ هما: الأشكال، والأصوات.
أمَّا الأشكال؛ فمنها:
– أشكال للبدن بكامله.
– أشكال لأجزاء البدن، كاليدين والوجه والرأس.
وفي الدراسات اللغوية الحديثة، تُبحَث مناهج لغة الإشارة والحركة الجسمية، وما يُمكن أن تؤدِّيه من وظائف خاصة بالدلالة؛ مما يعتبره اللغويون المحدثون “لغة جانبية” أو “لغة مساعدة”، ويصفُوْنَها بأنَّها لغة وإنْ لم تكن كلامًا، ومن ذلك ما يتصل بإيماءة الرأس، وإشارات اليد، وتعابير الوجه، وحركات في بعض أجزاء الجسد أثناء الكلام. ولكلِّ حركةٍ من هذه الحركات وظيفة دلالية تُساعد على توظيف المعنى، وتُدرس باستقلال تحت عنوان “علم الكينات”؛ أي: علم لغة أعضاء وحركات الجسد؛ ذلك أنَّ هذه الحركات تُساعد على توضيح الدلالة المطلوبة.

وبالنظر إلى بَعْض خُطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نرى أنَّه قد استخدم هذا العلم استخدامًا محققًا للغرض، رغم أنَّ هذا العلم لم يكن معروفًا في ذلك الوقت، ولكنها التلقائية في الفصاحة العربية من رسول مُوْحَى إليه؛ فقد طبَّق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا العلم، مُؤكدًا العديد من المعاني الدلالية واللغوية، والنماذج المؤكِّدة لذلك كثيرة متنوعة؛ نعرض منها ما يلي:
– عن سهل بن سعد الساعدي، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “بُعثت أنا والساعة كهاتين”. وأشار بإصبعيه يقرنهما.
– عن عُمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: “الشهداء أربعة: رجلٌ مؤمنٌ جيد الإيمان، لقي العدو فصدق حتى قُتل، فذلك الذي يرفع الناس أعينهم إليه يوم القيامة هكذا (ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوته)”.
– قوله -صلى الله عليه وسلم- “إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا (ويشير إلى صدره)”.
– عن عبد الله بن حولة الأزدي، أنَّه قال: إنَّ رسول الله وضع يده على رأسي، فقال: “يا ابن حولة، إذا رأيتَ الخلافة قد نزلتْ الأرض المقدَّسة، فقد دنت الزلازل والبلايا والأمور العظام، والساعة يَومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه على رأسك”.
– قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “بُعثت أنا والساعة كهذه من هذه، أو كهاتين (وقرن بين السبابة والوسطى)”.
– وقال -صلى الله عليه وسلم- “والله، ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه -وأشار بالسبابة- في اليم، فلينظر بِمَ يرجع”.
– وفي خطبة الوداع، قال -صلى الله عليه وسلم- “تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا “كتاب الله”، وأنتم تُسألون عني. فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلَّغت وأدَّيت ونَصَحت. فقال، بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس قائلاً: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد (ثلاث مرات)”.
– صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيته وهو شاكٍ، فصلى جالسا، وصلى خلفه قوم قياماً، فأشار إليهم أنْ اجلسوا، فلما انصرف قال: “إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا”.
– قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة (وقرن بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام)”.
– عن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يُلحد، فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجلسنا حَوْله كأنَّ على رؤوسنا الطير، وفي يَدِه عودٌ ينكت بها في الأرض طويلا، فرفع رأسه، فقال: “أعوذ بالله من عذاب القبر”.
– قال وابصة: رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا أريد أنْ لا أدع شيئا من البر والإثم إلا سألتُ عنه، فقال لي: “ادن يا وابصة”، فدنوت منه حتى مسَّت ركبتي ركبته، فقال لي: “يا وابصة، أخبرك عمَّا جئت تسأل عنه”، قلتُ: يا رسول الله، أخبرني. قال: “جئت تسأل عن البر والإثم؟”، قلت: نعم، فجمع أصابعه الثلاث، فجعل ينكت بها في صَدْرِي، ويقول: “يا وابصة، استفتِ قلبك، والبر ما اطمأنَّت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب وتردَّد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك”.
– عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “من قال: لا إله إلا الله والله أكبر، لا إله إلا الله وحده، لا إله إلا الله، ولا شريك له، لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله” (يعقدهن خمسا بأصابعه)، ثم قال: “مَنْ قالهن في يوم أو في ليلة أو في شهر، ثم مات في ذلك اليوم أو في تلك الليلة أو في ذلك الشهر، غُفِر له ذنبه”.
– عن أبي مُوسى الأشعري، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: “المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدُّ بعضه بعضا (وشبك بين أصابعه)”.
– قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو هكذا (وضم أصابعه)”.
– عن عبدالله بن عُمر، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قرأ هذه الآيات يومًا على المنبر: “وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه”، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “هكذا -بأصابعه يحركها- يمجِّد الربُّ نفسه، أنا الجبار أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم (فرجف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المنبر حتى قلنا ليخرن به”.
– عن عبدالله بن عمر، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “الشهر كذا وكذا وكذا (وصفَّق بيديه مرتين بكل أصابعهما. ونقص، في الصفقة الثالثة، إبهام اليمنى أو اليسرى)”.
– عن أبي مالك الأشجعي، أنَّه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأتاه رجلٌ فقال: يا رسول الله، كيف أقول حين أسأل ربي؟، قال: “قل: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني (ويجمع أصابعه إلا الإبهام) فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك”.
– رُوِي أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شر اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه (وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها)”، قالت زينب بنت جحش: فقلتُ: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: “نعم، إذا كثر الخبث”.
– استعملَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- رجلاً من الأزد، يُقال له ابن اللتبية، على الَّصدقة، فلما قَدِم قال: هذا لكم وهذا أُهْدِي لي. قال: “فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر يهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحد منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاه تيعر (ثم رفع بيده حتى رأينا عفرة إبطيه)”.
– خطَّ لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوماً خطًّا، وخطَّ عن يمينه خطًّا، وخطَّ عن يساره خطًّا، ثم قال: “هذا سبيل الله”، ثم خطَّ خطوطا، فقال: “هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه”، وقرأ: “وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم”.
– عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أتى رجل -من أسلم- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في المسجد، فناداه فقال: يا رسول الله، إنَّ الآخر قد زنى، يعني نفسه، فأَعْرَض عنه، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فقال: يا رسول الله، إن الآخر قد زنى، فأَعْرَض عنه، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فقال له ذلك، فأَعْرَض عنه، فتنحى له الرابعة، فلما شَهِد على نفسه أربع شهادات دعاه، فقال: “هل بِكَ جُنون”. قال: لا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- “اذهبوا به فارجموه”.
– قال عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- “خط لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطا مربعا، وخطا وسط الخط المربع، وخطَّ خطوطا إلى جانب الخط الذي في وسط المربع، وخطًّا خارج الخط المربع، ثم قال: “أتدرون ما هذا؟” قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: “هذا الخط الأوسط الإنسان، والخطوط التي إلى جانبه الأعراض، والأعراض تنهشه من كل مكان، إنْ أخطأه هذا أصابه هذا، والخط المربع الأجل المحيط به، والخط الخارج البعيد الأمل”.

الخاتمة
من خلال ما تقدَّم، نَرَى أنَّ الرسولَ الكريم -صلى الله عليه وسلم- كان يستفيد في توضيح غرضه والتركيز على الدلالة المطلوبة، باستعمال بعض أعضاء جسده الشريف، وكان ذلك واضحًا في الأوصاف التالية:
– وأشار بإصبعيه يقرنهما.
– ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوته.
– ويشير إلى صدره.
– وضع يده على رأسي.
– وقرن بين السبابة والوسطى.
– وأشار بالسبابة.
– بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس.
– فأشار إليهم أن اجلسوا.
– وفي يده عود ينكت بها في الأرض طويلا فرفع رأسه.
– فجمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها في صدري.
– يعقدهن خمسا بأصابعه.
– وشبَّك بين أصابعه.
– وضمَّ أصابعه.
– يقول: بأصابعه يحركها.
– وصفق بيديه مرتين بكل أصابعهما. ونقص، في الصفقة الثالثة، إبهام اليمنى أو اليسرى.
– ويجمع أصابعه إلا الإبهام.
– وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها.
– رفع بيده حتى رأينا عفرة إبطيه.
– وقرن بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام.
– خط خطوطا.
– وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها.
– فأعرض عنه.

ومن خلال تأمُّلنا لهذه الأوصاف، نَرَى أنَّه -صلى الله عليه وسلم- لجأ إلى استخدام أصابعه، أو يديه، أو الإشارة إلى صدره، أو رفع الرأس، أو رسم خطوط على الأرض، أو الإعراض بالوجه من جهة إلى أخرى؛ فكانت هذه الإشارات تؤدي العديد من المعاني، بل وتكون بمثابة الكلام الذي له أهداف مُحدَّدة هي أبلغ من الكلمات اللفظية المنطوقة من خلال مسرحها اللغوي الذي وردت فيه.
إنَّ الرسولَ الكريمَ -صلى الله عليه وسلم- قد بَلَغ الذروة في فن الخطابة؛ فطرةً من الله سبحانه وتعالى، وَنَرَى في خطبه المتنوعة بصمة الخطيب المميزة في الشكل والمضمون، في الصياغة والهدف. ومعلوم أنه -صلى الله عليه وسلم- “هو الذي فتق مَعَاني الخطابة الدينية التي لم يعرفها العرب من قبل، وكأنَّما احتشد الكلام إليه ليختار منه أفصحه وأبينه، يسعفه في ذلك ذوق مرهف وحس دقيق. وبالنظر إلى كلام رسول الإنسانية مُحمَّد -صلى الله عليه وسلم- نجد أنَّه كلامٌ كلما زدته فكرًا زادك معنًى، وتفسيره قريبٌ بعيد، قريبٌ كالروح في جسمها البشري، ولكنه بعيد كالروح في سرها الإلهي.

إنَّ الله سبحانه وتعالى أرْسَل النبيَّ الكريمَ بأفْصَح اللغات وأحسنها؛ فأظهر نورَ فضلها على لسانه، وعظَّم شأنها إظهارًا لها ولشأنه، وجعلها غاية التبيين، واختاره لها دون سائر العالمين، فصلِّ اللهم وسلِّم وبارِك على خاتم الرُّسل أجمعين.. وآخرُ دعوانا أنْ الحمدُ لله ربِّ العالمين. والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل…،

—————————————————-

الهوامش:
1- أحمد الشايب، “الأسلوب”، دراسة بلاغية تحليلية لأصول الأساليب الأدبية، مكتبة النهضة المصرية، ط3، 1952.
2- د. البدراوي زهران، “ظواهر قرآنية في ضوء الدراسات اللغوية بين القدماء والمحدثين”، دار المعارف، القاهرة، ط1، 1988م.
3- د. البدراوي زهران، “أسلوب طه حسين في ضوء الدرس اللغوي الحديث”، دار المعارف، القاهرة.
4- د. شوقي ضيف، “العصر الإسلامي”، دار المعارف، القاهرة، ط8، 1963.
5- أبو عمرو بن بحر الجاحظ، “البيان والتبيين”، تحقيق عبدالسلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1975م.
6- علي محفوظ، “فن الخطابة وإعداد الخطيب”، دار الاعتصام، 1984م.
7- د.محمود فهمي حجازي، مجلة كلية الآداب، مطبوعات جامعة الكويت، العدد الأول، 1972.
8- مصطفى صادق الرافعي، “وحي القلم”، دار المعارف، مصر، ج.

130 total views, 2 views today