aadl

عادل البشراوي

دائمًا ما نسمعُ عن مُصطلح “الحلقة المفقودة” عندما يتمُّ الحديث عن تطوُّر البشر. وقد انتشرَ هذا المصطلح نهاية القرن التاسع عشر، واستمرَّ -ولو بشكل خجول- إلى أيَّامنا هذه؛ إذ بدأ الكثير من العلماء يتجنَّبون التعاطي معه.. فلماذا؟

في تصوُّري المتواضع، أنَّ غيابَ المعرفة والتصوُّر الناضج لمفهوم التطوُّر وندرة الأبحاث المتوفِّرة نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، كان لها دَوْر كبير في إنتاج فكرة المصطلح. وقد أُصِيْب حين أقول إنَّ ما رسَّخ هذا التصور هو تمكُّن العالم الكبير (Hugo de Vries) من اكتشاف الطفرات الجينيَّة حوالي العام 1893.

فالتصوُّر الذي تفرضه آليَّة عمل الطفرة الجينيَّة التي ينتُج عنها صفات جديدة تطرأ على الكائن، أوْحَتْ للعلماء المهتمِّين بتطوُّر البشر آنذاك بأنَّ هؤلاء البشر قد تدرَّجوا في مسيرة ترقِّيهم عبر مَرَاحل؛ بحيث ينبثقُ نَوْع جديد فجأة من سلف يكُوْن مغايرًا له في كثير من الصفات، وأنَّ هذا الانبثاق يكونُ مُصاحِبًا لنضوج عقلي ووظيفي أكبر. وهو أمرٌ بعيدٌ عن الواقع.

صحيح أنَّ هناك ترقِّيًا عقليًّا ووظيفيًّا طرأ على البشر تماما -كما هي الحال مع غير البشر- وإنما لم يكن ذلك بانبثاق أنواع مغايرة تمامًا لأسلافها؛ فالطفرة لا تُنتِج نوعًا جديدًا بل صفات جديدة، إضافة إلى أنَّ وِرَاثة “مندل” المعتمدة حاليا لم تكن مُنتشرة القبول حينها لتسهم في تقنين الأطروحات العلميَّة.
ولكي أوضِّح أكثر؛ فالمفهوم السائد قديمًا -كما قلنا- يقتضي أن يُولَد نَوْع مُختلف تمامًا عن والديه بشكل يُبرِّر البحثَ عنه كـ”حلقة مفقودة” ضِمْن تسلسُل هو في غالبه وحيٌ من خيال أولئك العلماء الذين افترضوا الفكرة. وقد تمَّ بناء هذا التصوُّر البدائي إثر العثور على بقايا بشريَّة شكَّلتْ هواجسَ خبريَّة منذ مُنتصف القرن التاسع عشر؛ كان لها وَقْعُ الصَّاعقة في الأوساط العلميَّة؛ وكان أولها: اكتشاف بقايا لهيكل عظمي عائد لنوع الـ(Neanderthal) في العام 1856 في وادي نيانديرتال الألماني، وبعدها بحوالي الإثنتي عشرة سنة -أي عام 1868- تمَّ اكتشاف عظاما تعود للـ(Cro-Magnon) في فرنسا، ثم عظام الـ(Heidelbergensis) في ألمانيا عام 1907.

هذه المكتشفات المتفرِّقة، والتي توحي بعلاقة ما بتطوُّر البشر وترقِّيهم، أوجدتْ جدلاً كبيراً في الأوساط العلميَّة الأوروبيَّة المهتمَّة. وقد كانَ من الصَّعب إرساء معايير حاكمة لربط هذه العيِّنات ضمن نَسَق علميٍّ مقبول ومُتفق عليه؛ حيث انبرى العلماءُ لطرح تصوُّراتهم؛ التي كان أشهرها: أنَّ هؤلاء البشر -المكتشفَة بقاياهم- يُمثِّلون جزءًا من التدرُّج في الترقِّي البشري. وقد ساد حينها بأن الـ(Neanderthal) هو سلف للإنسان الحديث (Homo Sapiens)، وهو أمرٌ توصَّل العلماء بعدها لعدم صحته؛ حيث تحدَّر الاثنان من سلف واحد هو الـ (Homo Heidelbergensis).

العجيبُ هو علاقة هذه المكتشفات بفضيحة الـ(Piltdown Man)، والتي تمَّت في بريطانيا، وقد كان سببها -على الأقل في تصوُّري- عائدًا للغَيْرة التي تمكَّنت من بعض العلماء الإنجليز الذين لم يَرْقَ لهم أن يَحْظَى مناوؤوهم الألمان والفرنسيون بالعثور على مكتشفات مهمَّة دون أن يكون لهم في بريطانيا شأن محوري فيها، خصوصا ونحن نتحدَّث عن العام 1912 عندما كانت بريطانيا هي الدولة العظمى.

وحقيقة.. فالذي ألحَّ عليَّ لذِكْر هذه المعلومة المعترضة عن الفضيحة هو استغلال البعض -كزغلول النجار وغيره- لها بالقول بأنَّ نظريَّة التطوُّر بجُلها قائمة على حادثة الاحتيال هذه، وهو واقعا أمرٌ معيب.

نعود لصلب حديثنا، لنقول إنَّ الداروينيَّة الحديثة -التي هي عبارة عن باقة مُتعدِّدة من العلوم؛ تشتمل على مفاعيل السلسلة الغذائيَّة، وعلم الجينات، ووراثة مندل، وطفرات دافريز، والتزاوج البيني، وكل ما يتوافر لدينا الآن من معارف- تقتضي أنْ يتطوَّر الكائن الحي ضمن نسق تطوُّري آخر. وأنَّ هذا النسق ينطبقُ على البشر كما ينطبق على غيرهم.

وقد نُلاحِظ اختلافات ظاهريَّة ووظيفيَّة بين البشر اليوم، نستطيع من خلالها التوصُّل لإطار مُعيَّن يُسعفنا في التوصُّل لملامح أساسيَّة لآليَّة التطوُّر.
فعلى سبيل المثال، نُلاحظ أنَّ سُكان المناطق شديدة البرودة في ألاسكا والتندرا وشمال سيبيريا -حيث الزمهرير القارس- يتميَّزون بأجسام مُمتلئة ومُكتنزة، وهي ميزة مكَّنتهم من التقليل من مساحة الجسم المعرَّضة للبرد، فيتم لهم بها المحافظة -بقدر أكبر- على حرارة أجسادهم، بينما نَرَى تميُّز أفراد قبائل السافانا الإفريقيَّة -والماساي منها بشكل خاص- بأجسام فارعة الطول ونحيفة، تُمكِّنهم من العدو السريع؛ مما يُساعدهم في مهام الصيد وراء الطرائد في السافانا المفتوحة.

نُلاحظ أيضا أنَّ سكانَ المناطق الجبليَّة يتميَّزون بقِصَر القامة، كما هو واضح في المناطق الجبليَّة من اليمن. وهذه خاصيَّة نُلاحظها أيضا في المقارنة بين الوعول الجبليَّة ذات القوائم الواضحة القِصَر، وقريباتها التي تعيش في المراعي الممتدَّة.

وطبعًا هُناك استعدادات بيولوجيَّة أخرى يتميَّز بها البشر كتكيُّف قاطني المناطق الباردة مع درجات مُنخفضة من الحرارة، وتمكُّن سكان هضبة التبت من العيش بمستويات مُنخفضة من الأكسجين.. على أنَّ هذه الاختلافات الطفيفة طرأتْ على البشر إثر تكيُّفهم مع بيئاتهم عبر آلاف قليلة من السنين، فما بالكم بالمتغيِّرات التي قد تطرأ حينما يتم الحديث عن عشرات ومئات بل وآلاف السنين.

وقد أضيفُ معلومةً أخرى تُضاف إلى الأسباب التي أدَّت لبثِّ التصوُّر القائل بـ”الحلقة المفقودة”، وهو أنَّ الفكرة انتشرتْ في وقت لم تتبلور فيه بعد نظريَّة (Out of Africa)، القائلة بأنَّ البشر قد تولَّدوا في السافانا الإفريقيَّة غرب الصدع، وأنَّ تواجدهم في أوروبا كان نتيجة لانتشارهم من إفريقيا بحسب الموجة الأولى قبل حوالي مليون وسبعمائة ألف سنة، والموجة الثانية قبل حوالي الثمانين ألف سنة، هذا رغم رأيي البسيط بأنَّ موجات الهجرة لابد أنها كانت بشكل مُستمر، وليست مُقتصرة على هاتين الموجتين.

مُحصِّلة القول: أنَّ تطوُّر البشر لم يكُن أبدًا بالشكل النمطي الذي لا يزال مُنتشرا في نقاشات أغلب المهتمين بالـ (paleoanthropology)، والذي يقول بتدرُّج البشر في تطوُّرهم عبر أنواع وحيدة تكون مُهَيْمنة في فترات معينة من الزمن، لتسلِّم المهمَّة لأنواع أخرى تخلُفها في الهيمنة والوجود. إنَّما الأمرُ أشبه بشجرة عائليَّة ذات قرابة تختلف وتتشابه بما تفرضه عليها ظروف البيئة التي تعيش فيها. وعليه؛ فقد تنتشرُ سُلالات مُعينة في منطقة وبيئة ما، وتتزامن معها في الفترة ذاتها سُلالات أخرى تعيش وتتكيَّف في بيئات أخرى، وتكون أسس الاختلاف بين هذه السلالات محكومةً بظروف بيئتها وفترات الافتراق الجيني الذي يفصلها؛ فهذا الافتراق الجيني هو ما يُحدِّد المساحة المتاحة للفروق الظاهريَّة والوظيفيَّة التي مُمكن أن تَطْرأ فتتسبَّب في تباعُد السلالات لتكوِّن أخيرًا أنواعًا مختلفة لها في صفاتها الظاهريةَّ والوظيفيَّة المميِّزة.

1,213 total views, 14 views today