ahmed

أحمد الإسماعيلي

أتاحتْ لي دراساتي الأكاديمية في تونس والقاهرة وباريس، الاقترابَ كثيرًا من التيارات الدينية المنتشرة بقوة في هذه العواصم، خاصة تلك الفترة الزمنية التي قضيتها في باريس، المدينة التي تعج بالتيارات الإسلامية والإسلاموية والجهادية بأنواعها الراديكالية الثلاثة، والمنتشرة في ضواحي باريس، وبعض المدن الفرنسية كتور ومرسيليا وبوردو وتولوز.

لقد كانتْ فرنسا أرضا خصبة للتيارات الإسلامية المدعومة من بعض الدول العربية المعروفة، وللحركات الراديكالية الإسلاموية القادمة من الجزائر، والمؤسسات الإسلامية المدعومة من الدولة الفرنسية ذاتها لصناعة الإسلام المعتدل بحسب النموذج الفرنسي كمسجد باريس (الواقع تحت النفوذ الجزائري) بكافة جمعياته وشبكاته، والفيدرالية الوطنية لمسلمي فرنسا (الواقعة تحت النفوذ المغربي)، ولجماعات الدعوة بشتى أشكالها وأنواعها. شكَّلت كل هذه الحركات، التي كانت تعجُّ بها ضواحي باريس بشكل خاص وفرنسا بشكل عام، كائنا متوحشا في وجه الدولة الفرنسية، كانت مثار قلق سياسي واجتماعي وأمني، تحدَّثتْ عنه كثيرا وسائل الإعلام الفرنسية، وكُتب عنه الكثير من المقالات، كما أُلِّفت حولها العديد من الدراسات التخصصية، ويُعَدُّ (François Burgat, Olivier Roy, Gilles Kepel) من كبار البوليتولوج المتخصصين في حقل دراسات الإسلام السياسي.

وتعتبر حركة “الإخوان المسلمون” من بين أهم الحركات الإسلامية المنظمة، التي أسَّست في العام 1983 في باريس ما يُسمَّى بـ”اتحاد المنظمات الإسلامية” (UOIF)، الذي يُعتبر فرعا من الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإسلامية، ومقره لندن، وهو تأريخ المرحلة التي حَدَث فيها الصدام بين حركة النهضة الإخوانية والحكومة التونسية؛ مما اضطر “الإخوان” إلى الهجرة الجماعية الى دول أوروبا، خاصة باريس ولندن وروما ومدريد.

وكان للإخوان نشاط كبير، وكان (UOIF) يضم شبكة كبيرة من الجمعيات تصل إلى أكثر من مائتي جمعية في فرنسا، مكَّنتهم من اكتساح مقاعد المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM)، ووصفهم الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي بأنهم “مسلمون راشدون” (Orthodoxes)، ولهم نشاطات مؤسساتية ودعوية وأنشطة فردية، كما أنهم كانوا يقيمون أكبر تجمع سنوي في أوروبا في ضاحية (Bourget) بباريس، يُشارك فيه غالبا قيادي حركة الإخوان في العالم، كيوسف القرضاوي رئيس المجلس الأوروبي للافتاء ورئيس معهد الاتحاد لتكوين الأئمة في فرنسا، ومحفوظ نحناح (ت: 2003)، وأحمد جاب الله وهو رئيس (UOIF) في فترته الحالية، وفيصل مولوي مسؤول الجماعة الإسلامية في لبنان وهو أحد مؤسسي الاتحاد في باريس، إضافة إلى راشد الغنوشي رئيس حزب النهضة الحاكم في تونس، والذي كان يعيش في المنفى (لندن) سابقا، وعبدالفتاح مورو نائب رئيس حركة النهضة، وفيلسوف الإخوان البارز طارق رمضان البروفسور بجامعة أكسفورد…وغيرهم من قياديي الإخوان في العالم.

وفي السنوات العشرين الأخيرة، شكَّلت فرنسا أرضًا خصبة في تجربة الإسلام السياسي لجماعة “الإخوان المسلمون”؛ وذلك لوجودهم في دولة ذات بناء مدني ومؤسساتي، أعطتهم القوانين المدنية والمبادئ الدستورية الكبرى -كالحرية والمساواة والعدالة- مساحة كبيرة للتحرك في إطار بناء حركي ومؤسساتي كبير، وكان (UOIF) -بحسب الباحثة الفرنسية (Fiammetta Venner)- يشكل القاعدة الخلفية لكل الأهداف السياسية لجماعة الإخوان في البلدان العربية والإسلامية.

وبعد أحداث ما أطلق عليه الفرنسيون “الربيع العربي”، وما آل إليه هذا الربيع من ربيع للجماعات الإسلامية، عاد جزءٌ كبير منهم إلى تونس، وشكَّلوا حراكا سياسيا ودينيا، ساعدتهم في ذلك التجربة الطويلة التي مرُّوا بها في أوروبا؛ مما مكنهم -إضافة إلى الظروف الموضوعية التي كان يمر بها العقل السياسي العربي- من اكتساح الانتخابات البرلمانية، وبذلك أعلن إخوان حسن البنا وصولهم للسلطة السياسية في العالم العربي، وتبعهم بعد ذلك انتصار الإخوان في مصر وليبيا نوعًا ما. أصبح الإخوان بهذه الانتصارات المتتالية يُشكِّلون عُمقا فكريًّا وإستراتيجيًّا وسياسيًّا ودينيًّا في الوطن العربي، يمتد نفوذه من بلاد المغرب الأقصى، مرورا بتركيا، وانتهاء بدول الخليج العربي، التي كانت (الإمـارات  بشكل خاص) الممول المالي لـ(UOIF) في فرنسا، كما أنَّها كانت الممول الأكبر -إلى جانب قطر والمملكة العربية السعودية- لحركة الإخوان في الخليج العربي ابتداء من العام 1954؛ درءًا لمشروع عبدالناصر من جهة في محاربة الأنظمة الملكية في العالم العربي، ومناكفة للحركات اليسارية والقومية المتأثرة بالفكر الثوري الشيوعي، قبل أن تعود اليوم لتقلب ظهر المجن مرة أخرى على حركات الإسلام السياسي خاصة الحركة الإخوانية.

ومن المهم أنْ نُدرك أنَّ للسياقات السياسية والظروف الاجتماعية والأوضاع الاقتصادية التي مرَّ بها الوطن العربي في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، دورًا كبيرًا في ولادة هذا النوع من الإسلامات الحركية المنظمة؛ بل نستطيع القول إن ولادة هذا النوع من الحركات الدينية كان ضرورة حتمية فلسفة السلام والتنوير العربية من جهة، وفي ظل النتائج التي خلَّفها الاستعمار على كافة الصعد السياسية والحضارية، خاصة مع انتشار الحركات القومية واليسارية في تلك المرحلة؛ فالإسلام الحركي لم يكن وليدَ مُؤسِّسه حسن البنا، وإنما تكوَّن عبر تراكمات من النضال السياسي الديني الذي ابتدأ مع المدرسة الإصلاحية في العالم العربي في عصر النهضة ضد الاستعمار.

لقد ظلَّت الجماعات الإسلامية تروج لشعار “العودة إلى التأريخ البعيد” أو “الدين الخالص” (النص، التأريخ، السلف الصالح)، وبدأ هذا الشعور يتنامى في الضمير الجمعي بشكل عام؛ فالعودة إلى الدين الخالص تُمثل الطريق الوحيد للانتصار على المستعمر خلال ما يعرف بحروب التحرير الوطنية؛ ولهذا أصبح شعار “العودة إلى الدين” رائجا في البلدان التي انتشر فيها فكر الجماعات الإسلامية حتى بعد خروج المستعمر؛ وذلك لوجود شعور عميق بالإحباط في العقل الجمعي نتيجة عدم قدرة الدولة على تجاوز الإخفاقات المتوالية التي خلفها الاستعمار. ومن هنا، بدأتْ مثل هذه الشعارات تكتسب زخما اجتماعيا كبيرا، خاصة بين الطبقات المحرومة والمظلومة، التي كانت مُهيَّأة تماما لتقبل هذا النوع من الخطابات التعبوية، وظلَّت هذه الشعارات لها حضورها الفاعل في القرنين الماضيين؛ فالأنظمة العربية التي حكمت الوطن العربي بعد خروج المستعمر الأجنبي كانت -بحسب الجماعات الإسلامية- تمثِّل امتداداً لثقافة المستعمر التي يجب أن تُقاوَم بالعودة إلى روح الدين، وإن كانت هذه الثقافة الراديكالية قد تغيرت كثيرا لاحقا لدى حركات الإسلام السياسي، وأصبح لدى هذه الحركات مرونة كبيرة في إحداث مقاربات سياسية مع النموذج العلماني -كما رأينا ذلك في تونس بشكل خاص- بل أصبحت تلك الرؤية تمثل نظرية سياسية جديدة لدى غالبية رموز الإسلام السياسي.

نعود من جديد إلى السياقات الأولى لنشأة هذه الحركات؛ فقد بدأتْ بعد خروج الاستعمار تنفعل وتتمدَّد أطروحاتها داخل المجتمعات الإسلامية، ورأتْ في الأنظمة الحاكمة امتدادًا فكريًّا ودينيًّا أحيانا لعقل المستعمر؛ مما جعلها -بسبب مُصادمتها للأنظمة السياسية ومزاحمتها للحركات اليسارية- تُعيد النظر في نظرياتها الدينية أولا؛ أي تلك المتعلقة بالأنظمة السياسية، وفي نظرياتها المتعلقة بشكل الدولة والمجتمع ثانيا. ولم يكن التحول من الإسلام التقليدي ذي الخطاب الوعظي الدعوي -الذي تمتد جذوره إلى رشيد رضا وربما محمد عبده- إلى الإسلام السياسي ذي الخطاب الراديكالي -الذي أسسه سيد قطب عفويًّا، وحتَّمته ظروف المرحلة التي مرَّ بها هذا الخطاب. إنَّ هذا التحول لم يكن واضحا في أبعاده الدينية العميقة عند حسن البنا كما ظهر بعد ذلك عند تلميذه سيد قطب، الذي جسَّد صورة الدم التي رآها في معتقلات عبدالناصر في قوالب فكرية ولاهوتية راديكالية في كتابه معالم في الطريق، الذي ألفه في السجن؛ حيث قضى عشر سنوات داخل المعتقل الناصري، ثم أطلق سراحه عام 1962 لفترة قصيرة، وأعيد مرة أخرى عام 1964 إلى أن أعدم في 1966.

مَعَالم في الطريق لا يختلف في بعده الأيديولوجي عن كتاب المودودي الحكومة الإسلامية في تأسيسهما لمقولات ثلاثة : “الحاكمية” و “الجاهلية”، وتحقيق ذلك عن طريق “الجهاد”. لقد قامتْ هذه المقولات الثلاثة بتوظيف النص المقدس في الحقل السياسي كطرح أيديولوجي؛ كما قامت بإسقاط السياق السياسي في النص، وقامت باستدعاء المقولات اللاهوتية والمعاني التأريخية لتفسير مفهوم الحاكمية، ومن ثمَّ توظيفه في واقع مختلف تماما من حيث الإشكال الحضاري الذي تعاني منه الأمة الإسلامية. إنَّ هذا الجهاز المفاهيمي يقوم على أطروحة الإيمان بأن كل ما يخالف التصور الإسلامي (الإسلام الحركي/دار الإيمان) ليس له مشروعية صحيحة من الدين الخالص ولو كانوا مسلمين (الآخر/دار الكفر)؛ فالحاكمية لله وحده، و”الآخر” يعيش موازين الجاهلية الأولى (جاهلية ما قبل الإسلام)، الذي يجب أن يدافع بالجهاد في سبيل الله، كما فعل رسول الله، لتعلو كلمة الله في الأرض. إنَّ هذا الطرح الأيديولوجي ولد في سياق صدامي عنيف، كان العقل العسكري (الأنظمة العربية) المتمثل في العنف والتنكيل برموز التيارات الإسلامية أهم سماته؛ لهذا لم يكن العقل السياسي ذو السمة العسكرية قادرا على احتواء هذا النوع من الإسلامات الحديثة في بيئة كانت تعجُّ بالحراك السياسي والفكري، كما أنَّ هذا الطرح الإسلاموي أو تلك القوالب الفكرية التي صاغها ثلاثي الإسلام الحركي (المودودي، البنا، قطب)، لم تكن بذاتها قادرة على الصمود لفترات طويلة كما سنرى، وإنما هي حالة من الغليان العاطفي الذي تقاطعتْ فيه قدسية السماء بآلام الأرض، وامتزج فيه النص بالتأريخ، والجنة بالواقع المرير؛ لذلك لم تكن تلك الأطروحة قادرة على الوعي بتأريخية المفاهيم كإيمانها بإسقاط التأريخ البعيد على كل زمان.

استطاعت مقولات اللاهوت-السياسي، التي ولدت في معتقلات عبدالناصر، أن تخلق -بعد سنوات قليلة- مناخاً جيدا قابلا لأن تتكاثر فيه الحركات الجهادية والأصولية الراديكالية، التي وظَّفت نصوصَ الجهاد المتناثرة في (القرآن، السنة، أقوال السلف، آراء حسن البنا والمودودي وسيد قطب) في بناء الإسلام الراديكالي الدموي، وخرجتْ جماعات الهجرة والتكفير لتُعلن الحربَ على كلِّ من يُخالف أطروحاتها في الدين والسياسة، وقد كانتْ لا ترى في الآخر سوى الكفر والشرك والعدو الباغي. لقد كانت تلك البدايات الأولى لتحول الإسلام السياسي إلى إسلام العنف والدم، الذي تولَّد من اختلاط المعرفة (النصوص الجهادية) بالسياق السياسي المضطرب؛ فهو عقل لا يقوى على الخروج من تكوينات الرواسب المعرفية الاجترارية التي يؤمن بها؛ فهو يُفكِّر من خلال العقل (المعرفة التي اكتسبها) الذي يقتاته يوميا؛ وبالتالي فقد كان من الصعوبة أن يفهم الإسلامات التأريخية، أو تأريخية المفاهيم، أو نسبية التصورات والأفكار، أو يدرك ما هو خارج نطاق تفكيره ومعرفته، وكل ما يقوم به هو تنصيص التأريخ لتصبح قوالب دينية مقدسة.

إنَّ من أكبر الإشكاليات الفلسفية التي يعانيها العقل الديني بشكل عام هو أنَّه لا يُدرك تحقيب التأريخ؛ فهو يضعَ التأريخ كله في سلة واحدة، أو ربما يقسمه إلى فترتين فقط؛ الأولى وهي عصر الرسالة؛ العصر الذهبي، عصر التأريخ البعيد، والثانية عصر الانحراف، الذي لم يستطع أحد أنْ يُحدِّد بدايته التأريخية لإشكاليات تتعلق بماهية الانحراف ذاته من الناحية المعرفية والدينية. كما أنَّ العقل الديني بشكل عام لا يفهم تنسيب المعرفة؛ فهو يضع المعرفة في إطار المطلق، الذي لا يخضع إلا للنص فقط. ومن هنا، نُدرك عدم قدرة العقل الديني على استيعاب حقول المعرفة الأخرى. إنَّ المعرفة التي يقتات منها العقل الإسلامي بشكل عام لها دور كبير في تشكل الأطروحات الجهادية الدموية في المجتمعات الإسلامية؛ فهي المسؤولة عن الإفرازات المتأخرة لهذا النوع من الإسلامات كإفرازه للإسلام القاعدي والإسلام الداعشي…وغيرها من الإسلامات الدموية. استطاعَ الإسلامُ السياسي والسلفي أيضا في بداية تكونهما كإسلامات حركية الربط القسري بين الجنة وشرع الله الخالص -حسب رؤيتهما لهذا الدين- بالفشل الذي تُعاني منه الأنظمة السياسية في بناء المجتمعات الأخلاقية التي يجب أن تسودها العدالة الاجتماعية؛ فالأنظمة السياسية تقوم بتكريس خطابات غربية تتربص بالمسلمين الشر، كما أنها تقوم بتكريس ثقافات دخيلة على تأريخ الذات وثقافته. ومن هنا، تُصبح مثل هذه الشعارات تعبوية وشعبوية في آن واحد، تستطيع تجييش الضمير الاجتماعي عاطفيا في سبيل رؤاها السياسية.

ما زلتُ أؤمن شخصيًّا بأنَّ جماعات الإسلام الحركي لا تمارس شعاراتها في المقدس نفاقا، كما أنَّها لا تمارس مُعتقداتها في اللاهوت-السياسي من أجل الوصول إلى السلطة السياسية فقط، وإنما هناك إشكال أبستمولوجي يتمثَّل في الاعتقاد بأن العودة إلى (الدين الخالص) فيه خلاص الأمة من مآزقها الحضارية، وأن لحظة التحول من الخطابات الدعوية إلى الشعارات السياسية تحدث أحيانا بصورة اعتباطية، خارجة عن الإطار التنظيمي للإسلام الحركي؛ فالإشكال إشكال فلسفي يتعلق بالمنهج وطرائق التفكير، وإشكال تربوي يتعلق بالبيئة الدينية والثقافة التقليدية التي تعيش فيها المجتمعات البدائية، تجعل من العقل الإسلامي لا يعي دوائر المعرفة الأخرى؛ فيمارس خطابا واحدا فقط؛ لأنه لا يفهم سوى النص والتأريخ للوصول إلى ما يُرضي الله طمعًا في الجنة وخوفا من النار. هذا يقودنا إلى نتيجة أخرى وهي أن خلوصية المنهج وطرائق التفكير النظري لا تعني نقاءَ آليات التطبيق وصفاءها لدى الجماعات الإسلامية، التي تعتمدها في الوصول إلى أهدافها؛ فالدائرة التي تتحرَّك فيها هذه الآليات غالبا ما تكون مساحة الإباحة فيها حاضرة بقوة، ويكون فقه الواقع مطروحا بشكل عميق! ولهذا؛ غالبا ما نرى تناقضات الخطاب والممارسات التطبيقية؛ كونهما تعتمدان على مناهج مختلفة في طرق التفكير، كما أنَّ دائرة تفكير الخطاب تختلف عن دائرة تفكير الممارسات والآليات. إنَّ جميع الإسلامات السياسية تقع في مثل هذه التناقضات فيما يتعلق بنظرياتها في الدين والسياسة؛ فهي تمارس الدين الاجتماعي المتعلق بالعبادات والطقوس بصورة منضبطة إلى حدٍّ ما، لكنها في الوقت ذاته تسمح لذاتها بتجاوز مساحات كبيرة من القواعد الدينية في الحقل السياسي، أو في الوسائل التي توصلها إلى غاياتها.

هذا الاختلاف في طرائق التفكير بين الواقعية السياسية والضمير الديني الإيماني تجسَّد بصورة واضحة في دوائر الخطاب؛ ففي دائرة الإسلام الاجتماعي يكون المنهج على طريقة السلف الصالح؛ فهو يتَّجه رأساً نحو أسفل المثلث، تفتيشا في زوايا ضيقة تُعنى بأهم النظريات الفقهية المنغلقة لإشباع عاطفة العقل الجمعي بالتأريخ البعيد (عصر الرسالة)، وهذه الدائرة ليست ضيقة في نظرياتها الفقهية فقط؛ وإنما في كونها مما لا تشتغل به دوائر المعرفة الأخرى في العقل السياسي العربي أو حتى العقل المعرفي العربي بشكل عام. أمَّا في دائرة التفكير السياسي -وهي الدائرة الأخرى التي يشتغل عليها الخطاب الإسلامي- فإنها تكون أكثر انفتاحا؛ فتتجه نحو زاويتي المثلث العلويتين إذا افترضنا أنَّ المثلث مقلوبا؛ نظرا لدينامكيتها وحركيتها أولا، ولما تشكله بقية أقطاب المعرفة الأخرى (التيارات التنويرية أو المعرفية بشكل عام) من دور مزاحم في ممارساتها الفكرية. ومن هنا، تُصبح كافة تطبيقات الإسلام الحركي في دائرتي السياسي والاجتماعي مبنية وفق هذا التصور، والمجتمعات الدينية ليس لها طريق إلا أن تؤمن بمثل هذه التناقضات إرضاءً لله تعالى أولا، وفي سبيل التمكين (السلطة السياسية) في الأرض ثانيا! ومن هنا، يُمكننا أن نفهم سرَّ انتصار حركات الإسلام السياسي؛ فالمجتمعات البدائية كالمجتمعات العربية يُشكِّل لها الميتا والتأريخ نقطة ارتكاز كبيرة للتعبير عن فشل التجربة السياسية والاقتصادية؛ فهي تسعى بكل قوة نصوصية لجعل الأسطورة تعيش حية في مجتمعاتها؛ وتدافع عن الأسطورة بشكل مُستميت من أجل تحريك المجتمعات الدينية بقوة نحو التمكين (غايات الإسلام الحركي)، فتعطيها أملا في تحقيق ما لم تستطع الوصول إليه في واقعها الدنيوي. كل هذه التناقضات سببها اكتضاض العقل الديني الراهن بالنصوص التأريخية، والنظريات الدوجماتية المقدسة والانتكاسات التي تعرض لها التأريخ السياسي العربي.

وبعد حادثة المنشية (محاولة اغتيال عبدالناصر) المعروفة عام 1954، هاجرَ كثيرٌ من الإخوان إلى أوروبا ودول الخليج العربي؛ خوفا على حياتهم من نظام عبدالناصر، خاصة وأن الظروف الموضوعية التي كانت تمر بها بلدان الخليج العربي ساعدتهم في تقبل الأنظمة الملكية في الخليج العربي لهم؛ فقد كانت المملكة العربية السعودية في طور التشكل الإداري لبناء الدولة؛ من حيث البناء المؤسساتي التقليدي، كما أنها كانت باعتبارها محور العالم الإسلامي دينيًّا وجغرافيًّا في مواجهة شرسة مع كافة الحركات اليسارية والقومية في العالم العربي؛ مما حتَّم عليها أن توفِّر للإخوان ملاذا آمنا، مكنهم من صناعة مؤسساتهم الخاصة التي ينشطون فيها، وأعطاهم مساحات لا بأس بها للتعبير عن فكرهم. بَيْد أن السعودية التي قادت زمام الدعوة الوهابية (إسلام سلفي-حركي) كانت دائما تنظر إلى الإخوان (إسلام حركي-سلفي) بنظرة شك وريبة، ولم تعطهم ذات المساحة التي أعطتهم إياها قطر في السنوات الخمسين الماضية، ومن ثمَّ الإمارات العربية المتحدة في بداية سبعينات القرن الماضي، وهذا يظهر في المقولة التأريخية للملك فيصل عندما سأله حسن البنا أن يقيم فروعا لجماعة الإخوان في المملكة، فكانت إجابته المشهورة: “كلنا مسلمون وكلنا إخوان”.

حديثي في هذا المقال ليس عن الإخوان، وإنما عن هذا النوع من الإسلامات، وهو الإسلام الحركي الذي بدأ يتسرَّب فكره إلى كافة المذاهب التقليدية، التي أصبحت تتحوَّل تلقائيا إلى تنظيمات حركية داخل المجتمعات الإسلامية. وهو مُؤشر للانشطار التدريجي الذي تحدثه هذه التنظيمات في المذاهب التقليدية؛ لتعيد صياغة ذاتها من جديد وفق حتمية الظهور الديني الجديد، ثم تبدأ هذه الصيغ الحديثة بتصدير تراثها الفكري في قوالب فكرية جديدة مع الاحتفاظ بشكلها الحركي. فالدعوة الوهابية التقليدية -مثلا- لم تعد اليوم هي ذاتها قبل عشرين سنة، ولم تعد نصوصية في الإسلام السياسي؛ أي أن الإسلام الوهابي لم يعد يمارس مفهوم ” التمكين” وفق قواعد وآليات وصيغ تقليدية كتلك التي كان يمارسها سابقا، وإنما تحول إلى صيغ جديدة يُمْكِنُهَا أن تشكِّل صورة أخرى من صور الإسلام الحركي الحديث كالتيار “السروري المتولد من الفكر الإخواني الراديكالي، والتيار الجامي ذو النزعة السلفية المتطرفة المتولد من الهامش التقليدي للسلفية الوهابية وتحالفاتها مع المؤسسة السياسية”، فضلا عن إسلامات الدم، التي تأثرت كثيرا بنوعية المناهج الدينية التي تضخَّمت في تلك الحقبة التأريخية. هذه الحركات التي أفرزها الإسلام الوهابي تُعبِّر عن تحولات عميقة في الإسلام التقليدي؛ لتعلن ولادة إسلام راديكالي، ذي صيغ مُتعددة، كما أن الإسلام الشيعي تحوَّل هو الآخر من الإسلام التقليدي إلى الإسلام الحركي المتأثر بسياقات التحول في العالم العربي والإسلامي، وهذا ظهر بشكل واضح مع كتاب “الحكومة الإٍسلامية” للإمام الخميني، والذي مثَّل ذات العنوان لكتاب أبي الأعلى المودوي؛ فقد ولد الإٍسلام الخميني -إن صح التعبير- في سياق تأريخي أشبه بالسياق التأريخي الذي مرَّ به الإخوان المسلمون في مصر، غير أنَّ النجاح الكبير الذي حققه الخميني في الهيمنة على السلطة السياسية قلب كثيرا من التصورات الراديكالية لاحقا؛ بحيث أصبح عقل الدولة أكثر حضورا عن عقل الإسلام الحركي.

المراجعات التي أعْلَن عنها الإسلاميون في مصر والمملكة العربية السعودية -خاصة مراجعات “الجماعة الإسلامية” في مصر، ومراجعات “تنظيم القاعدة” في السعودية- ليست في حقيقتها إعلانا لفشل تجربة الإسلام السياسي أو نفيا للمسألة السياسية من خارطة الإسلام الراديكالي أو الجهادي. علينا أن نميِّز بداية بين نوعين من المراجعات؛ أولهما: مراجعات الإسلام الجهادي (تنظيم القاعدة)، وثانيهما: مراجعات الإسلام الحركي السياسي؛ فالأول انحسر نوعًا ما بفعل الضربات العسكرية التي وجهتها القوى العالمية له في أفغانستان والجزائر واليمن والعراق…وغيرها، وإن كان الربيع العربي أصبح مناخا جيدا لاستعادة قوته من جديد كجبهة النصرة الموجودة في سوريا؛ فهو لا يعيش إلا في مثل هذه المناخات. أما الإسلام السياسي، فمراجعاته ليست سوى تغيير لخارطة التفكير السياسي أكثر من كونها فشلا مفاهيميا أو فكريا أو تراجعا عن الإصلاح السياسي؛ وذلك من أجل حفظ التوازنات المرتبطة بوجوده التأريخي من جهة، وتغيير طرائق الإصلاح الديني من جهة أخرى، خاصة وأنَّ هذه الجماعات أصبحت أكثر نضجا مما كانت عليه في السنوات الماضية، وقادرة على فهم اللعبة السياسية جيدا، بل والانخراط فيها، وتبني مفاهيم المجتمع المدني الحديث وأطروحاته كالذي تفعله اليوم حركة النهضة التونسية، والإخوان في تركيا، بل امتدَّ ذلك إلى الحركة السلفية في مصر والجزائر؛ وذلك بتغيير شعاراتها الدينية وبرامجها السياسية.

هذا النوع من الخطابات الشعبوية غالبا ما يستفيد من تردِّي الأوضاع الاقتصادية ومن انتشار الفساد الإداري والفساد الأخلاقي ليروِّج لأطروحاته الدينية؛ فيكسب حينها مزيدا من الأنصار؛ سواء أولئك الذين اندمجوا كليًّا مع الجماعات الإسلامية أو المتعاطفين معهم، وهم بشكل عام أولئك الذين يلتزمون بالقضايا الكلاسيكية الشكلانية التي تثيرها المرجعيات الدينية التقليدية أو الحركية بين الفينة والأخرى، وهو قريب من الإسلام الاجتماعي التقليدي الذي تظهر تجلياته في الطقوس والأسطورة للتعبير عن أنماط معينة من التدين الاجتماعي، وهي الدائرة التي يكرِّس الإسلام الحركي خطابه فيها؛ ليخلق صورة نمطية ترسم هيكلة صورية لإسلام أيديولوجي معين، تلتزم به فئة معينة من المجتمع وتدافع عنه بكل ما تملك؛ إيمانا منها بأنَّه الطريق إلى الجنة. فالمجتمعات البدائية هي مجتمعات خطاب وليست مجتمعات معرفة؛ أي أنَّ سلوكها الإنساني يتحدَّد بنوعية الخطاب الذي يُمارس فيها؛ فالخطاب الشعبوي والأسطوري هو من المؤثرات المهمة في تحديد نوعية السلوك الديني والسياسي والاجتماعي وليست المعرفة المبنية على المنطق العقلي. يقوم الإسلام الحركي بنشر أطروحاته عن طريق الجمعيات الخيرية والمؤسسات المدنية والأندية الأهلية المنتشرة في الوسط الاجتماعي، وعن طريق الشعارات الدينية الرنانة، التي تفتقد دلالات واقعية وحقيقية كـ”العودة إلى الدين الخالص”، و”الإسلام هو الحل” -وهذا الشعار الأخير لم يعد موجودا في خطابات الإخوان بعد وصولهم للسلطة- لتحدث بذلك انفصالا علائقيا بين الدولة والمجتمع، خاصة الفئات العريضة من المجتمع، والمتضرِّرة من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ومن ثمَّ تحفزهم على الاحتجاج والمطالبة بتحسين الأوضاع عن طريق المظاهرات كنوع من الممارسة السياسية للحصول على مزيد من التمكين في الأرض (المكتسبات السياسية)؛ فهي بذلك تخلق ميليشيات دينية سرعان ما تسيطر على المجتمع والدولة عند حدوث أي مأزق سياسي.

2,949 total views, 14 views today