عائشة الدرمكي

من منَّا لا يهتم بجسده ، فيحرص على عافيته ولباسه وزينته لإبرازه في أحسن مظهر ، وما أكثر المهن والاشتغالات التي ارتبطت بالجسد وتحسينه ، وتوظيف جميع الإمكانات لخدمته ورفاهه . ولذلك فقد اهتم التاريخ بالجسد من وجهة النظر الجمالية والوظيفية ، وتوقف بالتوثيق والدرس عند أشكاله وتجلياته وظروفه المادية والثقافية المتغيرة على الدوام ، وقد اهتم الباحثون بالعلاقات التواصلية التي تربط بين الجسد والكواكب والأبراج والفلك عموماً ، وتلك القوى الخفية التي يعتقدون أنها تؤثر على الجسد وتتأثر به ، وتلك العلاقات الروحية التي تربط الجسد بأعضائه وخاصة روحه وتجلياتها .

وعندما نتحدث عن الجسد ومن اهتم به والدراسات التي عنيت بتحليل الجسد الإنساني ورغباته ونزعاته بوصفه علامة دالة ، لابد أن نذكر الكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو الذي كتب عام 2008 (تاريخ الجمال) ، وقبلها بسنة (تاريخ القبح) ، كما لا يمكن أن ننسى الكاتب جورج فيغاريلو الذي قدم ( الجسد المصحح) ، و(التنظيف والوسخ) ، و(تاريخ الجسد) ، وهناك من العرب من قدَّم دراسات وأطروحات في الجسد ودلالات حركاته وكينونته المتعلقة برغباته ووظائقه .

ولذلك فإن الجسد يشكل علامات لها دلالاتها الرمزية كونه مجموعة من الشفرات التي تستوقف الآخر (المتلقي) وتؤثر فيه ، عندما يقوم بتفكيكها والتوصل من خلالها إلى مجموعة من التأويلات ، ومن هذه الشفرات التي تستدعي انتباهه (الملابس) ، فهي توصل المتلقي من خلال تفكيكها إلى تأويلات متعلقة بماهية الجسد ، وهذا ما ذهب إليه (رولان بارت) عندما رأى أن للملابس إضافة إلى الجانب النفعي منظومة إشارية أيضاً (لغة) ، فهي تعني شيئاً ما منفردة أو مركبة ، وعلى سبيل المثال فلون كل لباس له دلالته ومعناه ، وكل قطعة منه مركبة مع أخرى لها دلالالتها أيضاً ، ولعلنا هنا سنتحدث عن تجربة رولان بارت في هذا الشأن بشكل خاص كونه أول من درس الملابس والأزياء والموضة خلال أطروحته التي قدمها في (الترميز اللغوي لنظام الموضة والأزياء) ، فهو يعتقد أن إدراك النسقية السيميائية للملابس يعتمد الوعي بخصوصية تمظهراتها ، فبين مظهرها المكتوب (الوصف اللساني للباس) ومظهرها التقني (اللباس الواقعي) أو الأيقوني (اللباس المصور) تتولى (المحولات) وصل هذه المظاهر المتباينة ، وتقديم صورة كلية لهذا النسق عبر التحول من مظهر لآخر ، إذ تأخذ هذه المحولات تارة شكل تصميم أنموذجي يسمح بتحويل اللباس الواقعي إلى لباس مكتوب ، أو شكل (عائدات) تحيل متعلم الخياطة مثلاً إلى الانتقال من اللباس المكتوب إلى اللباس المصور .

تفترض الطبيعة المركبة للعلامة الملبسية لدى بارت ، وجود تركيب يسمح بملائمة وحداتها داخل التباينات المقطعية بين الدال والمدلول ؛ تركيب تمليه عليه تلك التحولات التي تقيمها الكتلة المستعملة كالشركة المنتجة مثلاً ، وذلك على خلاف بعض الأحداث السيميائية التي تستمد تركيبها من مجموع القيم التي يحددها نسقها القار . إن هذه الخاصية تجعل من العلامة الملبسية علامة اعتباطية كغيرها من العلامات المنتجة داخل الثقافة ، ولا ينفي الاعتباط عنها بعض أوجه التعليل التجانسي أو الجوهري في بعض الأحيان ؛ إذ يستطيع هذا الأخير تحديد الطاقة الدلالية للملبس ضمن سيرورة دلالية تتخذ التغاير (مفتوح/مغلق) منطلقاً للدلالة الذي يُستَمد من الموسوعة المجتمعية والثقافية الخاصة بكل علامة ، وهذه العلامات لا تخص اللباس العام وحسب بل تخص العلامات الملبسية كلها ، وهي تلك التي تُصنع لغرض الزينة فيرتديها المرء في أطرافه أو يعلقها في عنقه أو على رأسه أو يحملها في يديه ، وهي علامات ذات أهمية كبيرة من الناحية التأويليه والدلالية وبالتالي فهي لها تلك الأهمية التي تحدثنا عنها على المستوى المجتمعي والثقافي العام وبالتالي الهُوية .

إن مركزية الجسد في مثل هذه التجربة الفنية البصرية هي التي تحثنا على المواجهة بين مجموعة من التصورات الفينومينولوجية والفلسفية والسيميائية للجسد قصد تحديد هذا المفهوم أيديولوجياً ، والبحث عن سند اجتماعي أو ديني  يمكن من خلاله بناء قواعد إجرائية في طريقة التواصل الأنسب التي يمكن من خلالها التواصل مع ذلك الجسد الذي يرتدي تلك الملابس ، اللذان يشكلان (الذات) . إن المشكل الذي يطرح هنا يتعلق بحدود وإمكانات رؤية الذات (الهو) وإدراكها من قِبل الرائي ، إلاَّ أن المظهر الفيزيقي قد لا يدخل في الأفق الملموس للرؤية الفعلية للذات بمعنى أن التأويل الذي قد تكوِّنه الذات الرائية عن الذات (الهو) قد لا يكون مطابقاً تماماً لما هي عليه ثقافياً ، وكلما كانت الذات الرائية تعرف هُوية الذات (الآخر) كلما كان التأويل أقرب إلى الصدق فلكل ثقافة نمطها المخصوص في تداول الرموز الملبسية، ، إذ نجد أن الملابس تختلف بالضرورة بحسب الموقف والتحديد الجنسي والطبقة والتعامل والتنشئة الاجتماعية، لذلك فلكي تؤدي الملابس دورها بوصفها علامات ينبغي أن يراعى فيها هذا الاختلاف .

تعتبر الملابس هي أبرز ما يمكن للرائي أن يؤوله عن (الجسد) المرئي إلا أن هناك من العلامات الدالة الكثيرة المتعلقة بالتجميل ووسائله ، ولعل عبارة جان لويس التي يقدمها جورج فيغاريلو في كتابه (تاريخ الجمال) التي تقول: ((لا تدرك عواطفنا إلا عندما تُحبس في الكلمات ؛ ذلك أن الكلمات تترجم أشكال الوعي والحساسيات وفيها تتضح معايير الجمال الجسدي ، أي معايير الانجذاب والذوق)) ، تقدم لنا لوحة معبرة عن الجمال بوصفه علامة متكاملة عن مشهديات الجسد ودلائلها في علاقة متكاملة بين باطن الجسد وظاهره ، دون أن ينسى معاني ودلالات الحركات والتصورات التي ترتبط بوسائل التجميل .

إن ما نحاول تقديمه هنا هو إبراز أهمية تلك الوسائل والطرق التي اشتغل عليها الإنسان المفرد أو الجماعات لإبراز الجسد والاعتناء به، ولعلنا لو نظرنا إلى التراث الثقافي في عمان الشفاهي منه أو المكتوب لن نجد ما يمكن أن يعيننا لمعرفة تاريخ طرائق اللباس ضمن حقب متعاقبة ، ولربما ما هو موجود اليوم يكاد يكون غير مكتمل تماما ، ورغم ذلك ما يزال غير مدوَّن على الرغم من وجود بعض المحاولات الفردية الجيدة في هذا الصدد ، في حين أننا لا نجد دراسات تحليلة تعتمد على تلك الدلالات المجتمعية التي يمكن أن تؤسس لخطاب مجتمعي يحمل هُوية  ، والأمر نفسه يمكن أن يقال لتاريخ التجميل الذي يفتقر بشكل أكبر إلى ذلك التدوين التي يختص بطرائق التجميل التي عرفها المجتمع العماني وتطورها عبر الأجيال المتعاقبة ومصادر تلك الطرائق وآلياتها ناهيك عن دراستها دراسات معمقة تعتمد على المنهجيات التحليلة .

وعلى الرغم من أهمية الاعتناء بالجسد ووعي الإنسان العماني بهذه الأهمية بوصفها هُوية ليس للفرد فحسب بل للمجتمعات أيضاً لأنها علامة من العلامات ذات الدلالات المفتوحة معرفياً وثقافياً ؛ فهي دليل على عاداتها وتقاليدها وثقافتها وحضارتها وحالتها الاقتصادية ، وهي جزء من التراث الثابت والمتغير على مر العصور والأزمنة ؛ هو ثابت في هُويته العامة ومتغير من حيث خصوصية كل عصر ؛ إلاَّ أننا يجب أن نتنبه إلى أهمية التدوين وجمع كل ما يمثل تاريخ الجمال لدى الإنسان العماني ، لأن قريبا جدا سيصعب علينا أمر التدوين شيئا فشيئا لبعد العهد وتطور تلك الوسائل والطرائق سواء للباس أو تجميل أعضاء الجسد عامة .

5,234 total views, 2 views today