‭ ‬ناصر‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬مسعود‭ ‬الريامي
باحث‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الوجود‭ ‬العُماني‭ ‬في‭ ‬المشرق‭ ‬الأفريقي

هذ‭ ‬الورقة ‬طرحت‭ ‬في‭ ‬الجلسة‭ ‬الحوارية ‭ “‬الثراء‭ ‬اللغوي‭ ‬في‭ ‬سلطنة‭ ‬عمان‭” ‬ وتنشر‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬مُؤسسة‭ ‬بيت‭ ‬الزبير‭.‬
————————————-

مقدمة‭:‬
ترجع‭ ‬أهمية‭ ‬اللغة‭ ‬السواحيلية‭ ‬إلى‭ ‬كونِها‭ ‬واحدةً‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬لغاتِ‭ ‬أفريقيا‭ ‬الشرقية،‭ ‬فهي‭ – ‬كما‭ ‬وصفها‭ ‬صغيرون‭ – ‬الرباط‭ ‬القومي‭ ‬والثقافي‭ ‬لهذا‭ ‬الساحل،‭ ‬وتحديدًا‭ ‬من‭ ‬مقديشو‭ ‬شمالاً،‭ ‬حتى‭ ‬الحدود‭ ‬التنزانية‭ ‬الموزمبيقية‭ ‬جنوبًا؛‭ ‬إضافةً‭ ‬إلى‭ ‬الجزر‭ ‬المتناثرة‭ ‬في‭ ‬غربِ‭ ‬المحيط‭ . ‬وقد‭ ‬اكتَسَبت‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭ ‬مكانةً‭ ‬علميةً‭ ‬في‭ ‬الدوائرِ‭ ‬والمراكزِ‭ ‬الأكاديميةِ‭ ‬في‭ ‬شتّى‭ ‬بِقاعِ‭ ‬العالم،‭ ‬وأضحت‭ ‬تُدَرَّس‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬ومعاهد‭ ‬اللغات،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬أفريقيا‭ ‬فحسب؛‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬كلٍّ‭ ‬من‭ ‬أوروبا،‭ ‬وأمريكا،‭ ‬وآسيا؛‭ ‬كما‭ ‬اتخذتها‭ ‬منظمة‭ ‬اليونسكو‭ ‬لغةَ‭ ‬عملٍ‭ ‬في‭ ‬نشراتها‭.‬

ظلَّت‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭ ‬لقرونٍ‭ ‬عِدّة‭ ‬تُكتَب‭ ‬بالهجائيةِ‭ ‬العربية،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬المراسلاتِ‭ ‬الخاصةِ‭ ‬فحسب؛‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬المؤسَّساتِ‭ ‬الحكوميةِ‭ ‬أيضًا؛‭ ‬ليتحوَّل‭ ‬مسارُها،‭ ‬في‭ ‬الثلثِ‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرنِ‭ ‬العشرين،‭ ‬بخُبثِ‭ ‬ودهاء‭ ‬أعداء‭ ‬الإسلام،‭ ‬إلى‭ ‬كتابتها‭ ‬بالحروف‭ ‬اللاتينية‭. ‬فإلى‭ ‬جانب‭ ‬أسبابٍ‭ ‬أخرى،‭ ‬ارتكز‭ ‬أساس‭ ‬حجَّتهم‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬بعض‭ ‬الأصوات‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬السواحيلية‭ ‬تعجز‭ ‬عن‭ ‬نقلها‭ ‬الهجائية‭ ‬العربية؛‭ ‬لعدم‭ ‬اشتمالها‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يُقابل‭ ‬تلك‭ ‬الأصوات؛‭ ‬بخلاف‭ ‬الحروف‭ ‬اللاتينية‭ ‬التي‭ ‬رأوها،‭ ‬أو‭ ‬هكذا‭ ‬زعموا،‭ ‬بأنها‭ ‬أقدر‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬تلك‭ ‬الأصوات‭.‬ لاشك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الحجة‭ ‬لم‭ ‬تنبعت‭ ‬عن‭ ‬نيَّةٍ‭ ‬خالصةٍ،‭ ‬كما‭ ‬قد‭ ‬يعتقد‭ ‬البعض؛‭ ‬وإنما‭ ‬كان‭ ‬وراؤها‭ ‬مخططٌ‭ ‬استعماريّ‭.‬

تسلط‭ ‬هذه‭ ‬الورقة‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬أصل‭ ‬اللغة‭ ‬السواحيلية؛‭ ‬وسنرى،‭ ‬فيما‭ ‬سيأتي،‭ ‬أن‭ ‬اللغويين‭ ‬تباينت‭ ‬آراؤهم‭ ‬بين‭ ‬ثلاث‭ ‬نظريات،‭ ‬كما‭ ‬سنرى‭ ‬لاحقًا‭.‬ وقبل‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجدل‭ ‬اللغوي؛‭ ‬سنعرض‭ ‬تاليًا‭ ‬بعض‭ ‬الحقائق‭ ‬عن‭ ‬اللغة‭ ‬السواحيلية،‭ ‬وهي‭ ‬على‭ ‬النَّحو‭ ‬التالي‭:‬ لا‭ ‬وجود‭ ‬قاطع‭ ‬لفترة‭ ‬ميلاد‭ ‬اللغة؛‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فالإجماع‭ ‬منعقدٌ‭ ‬بأنها‭ ‬من‭ ‬نتاج‭ ‬التعايش‭ ‬والتجانس‭ ‬والانصهار‭ ‬الاجتماعي‭.‬ ظلت‭ ‬لعقودٍ‭ ‬تُكتب‭ ‬بالهجائيةِ‭ ‬العربية؛‭ ‬واستمرت‭ ‬كذلك،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تدخلت‭ ‬سلطة‭ ‬الحماية‭ ‬البريطانية،‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1929،‭ ‬بفرض‭ ‬الحروف‭ ‬اللاتينية‭ .‬الحُجج‭ ‬التي‭ ‬تقدموا‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬سلطان‭ ‬البلاد‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬التالي‭ ‬بيانه‭:‬
أولاً‭ :‬‭ ‬الأبجدية‭ ‬العربية‭ ‬تعجز‭ ‬عن‭ ‬نقل‭ ‬كل‭ ‬الأصوات‭ ‬الكامنة‭ ‬في‭ ‬السواحيلية‭.‬
ثانيًا‭ :‬‭ ‬كتابة‭ ‬السواحيلية‭ ‬بالحروف‭ ‬اللاتينية‭ ‬ستكفل‭ ‬لها‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬العالمية‭.‬
ثالثًا‭:‬‭ ‬ الحروف ‬اللاتينية‭ ‬أقدر‭ ‬على‭ ‬كتابة‭ ‬المفردات‭ ‬الحديثة‭ ‬النابعة‭ ‬عن‭ ‬المخترعات‭ ‬الحديثة،‭ ‬كالتلفون،‭ ‬والتلغراف،‭ ‬والثلاجة،‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬المفردات. 
هي‭ ‬حُججٌ‭ ‬واهية،‭ ‬ومردودٌ‭ ‬عليها؛‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬سيِّد‭ ‬الموقف‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬حكم‭ ‬القوي‭ ‬على‭ ‬الضعيف؛‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬زنجبار‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬حكم‭ ‬المستعمرة‭ ‬البريطانية‭ ‬محمية‭ ‬‭،‬منذ‭ ‬عام ‭ ‬1890م‭.‬

عودًا‭ ‬إلى‭ ‬استعراض‭ ‬الحقائق‭ ‬عن‭ ‬اللغة‭ ‬السواحيلية،‭ ‬نقول‭:‬ بناءً‭ ‬على‭ ‬دراسة‭ ‬أجراها‭ ‬باحث‭ ‬بريطاني‭ ‬يدعى‭ ‬ويلسون،‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1939م،‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬المستخدمين‭ ‬للحروف‭ ‬العربية،‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬اللغة‭ ‬السواحيلية‭ ‬-‭ ‬بعد‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬اعتماد‭ ‬الحروف‭ ‬اللاتينية‭ – ‬بلغ‭ ‬60‭% ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬زنجبار‭ ‬الكبرى‭) ‬أونغوجا)‭‬ ‬و‭ ‬35‭% ‬في‭ ‬الجزيرة‭ ‬الخضراء‭) ‬بيمبا)‭‬؛‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬بقيت‭ ‬الإدارة‭ ‬البريطانية‭ ‬تصر‭ ‬على‭ ‬اعتماد‭ ‬الحروف‭ ‬اللاتينية‭.‬ وعند‭ ‬الاستقلال‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬الحماية‭ ‬البريطانية‭ ‬في‭ ‬عام ‭ ‬1963م،‭ ‬كان‭ ‬أغلبية‭ ‬الشباب‭ ‬يكتبون‭ ‬بحروف‭ ‬لاتينية؛‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬الجهود‭ ‬الحثيثة‭ ‬التي‭ ‬مارستها‭ ‬سلطة‭ ‬الحماية‭ ‬البريطانية‭ ‬في‭ ‬طمس‭ ‬الهوية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬سلطنة‭ ‬زنجبار‭.‬ هي‭ ‬اللغة‭ ‬الرسمية‭ ‬في‭ ‬كلٍ‭ ‬من‭: ‬تنزانيا،‭ ‬وكينيا،‭ ‬والكونغو‭ .‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬المتحدثين‭ ‬بها،‭ ‬كلغة‭ ‬أولى،‭ ‬حدود‭ ‬الـ‭(‬100‭) ‬ مليون‭ ‬نسمة؛‭ ‬بينما‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬المتحدثين‭ ‬بها‭ ‬كلغةٍ‭ ‬ثانية‭ ‬حدود‭  ‬الــ‭(‬135‭) ‬ مليون؛‭ ‬موزعين‭ ‬في‭ :‬موزمبيق،‭ ‬وجزر‭ ‬القمر،‭ ‬والصومال،‭ ‬وجنوب‭ ‬أفريقيا،‭ ‬ورواندا‭.‬

أصل‭ ‬اللغة‭ ‬السواحيلية‭:‬
هناك‭ ‬من‭ ‬يقول‭ ‬أنها‭ ‬لغةٌ‭ ‬عربية‭ ‬متأفرقة؛‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يقول‭ ‬بأنها‭ ‬لغة‭ ‬أفريقية ‭ “‬بانتووية‭ ” ‬مُستعربة؛‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يقول‭ ‬بأنها‭ ‬مزيجٌ‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬وتلك؛‭ ‬وفق‭ ‬التفصيل‭ ‬التالي‭:‬‭‬

النظرية‭ ‬الأولى‭: ‬
يتجه‭ ‬أصحاب‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬عربية‭ ‬الأصل‭ ‬والمنبت‭ .‬اعتمد‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السواحيلية‭ ‬تشتمل‭ ‬على‭ ‬حروفٍ،‭ ‬وكذا‭ ‬على‭ ‬أصوات‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬اللغات ‭”‬البانتوية‭ ” ‬الأفريقية‭.‬ هذه‭ ‬الحروف‭ ‬هي‭ :‬ث،‭ ‬ح،‭ ‬خ،‭ ‬ذ،‭ ‬ض،‭ ‬ط،‭ ‬ظ،‭ ‬ع،‭ ‬غ،‭ ‬ق‭.‬ ويرى‭ ‬الرأي‭ ‬المقابل‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الحروف‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الكلمات‭ ‬المستعارة‭ ‬المقترضة‭ ‬من‭ ‬العربية،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬الكلمات‭) ‬ثواب،‭ ‬وخير،‭ ‬وذهب،‭ ‬وظلم،‭ ‬وغالٍ)‭ .‬ولكن،‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬فتلك‭ ‬الكلمات‭ ‬عصية‭ ‬هي‭ ‬على‭ ‬الحصر؛‭ ‬وتغطي‭ ‬مختلف‭ ‬مناحي‭ ‬الحياة‭ ‬الدينية،‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬والتجارية،‭ ‬والسياسية،‭ ‬والتعليمية‭. ‬وتشير‭ ‬بعض‭ ‬الدراسات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬65%‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬في‭ ‬السواحيلية‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬عربي؛‭ ‬والأفعال‭ ‬بنسبة‭ ‬70‭%‬،‭ ‬والصفات‭ ‬بنسبة‭ ‬95‭%‬،‭ ‬من‭ ‬أصلٍ‭ ‬عربي‭. ‬
نعرض‭ ‬تاليًا،‭ ‬نماذج‭ ‬لبعض‭ ‬الكلمات‭ ‬المستمدَّة‭ ‬من‭ ‬العربية،‭ ‬في‭ ‬اللغةِ‭ ‬السواحيليَّة،‭ ‬وهي‭ ‬عصية‭ ‬عن‭ ‬الحصر،‭ ‬ونذكر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الآتي‭:‬


كما‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬قدرٌ‭ ‬كبيرٌ‭ ‬من‭ ‬الكلمات،‭ ‬ليست‭ ‬مُستعارة‭ ‬من‭ ‬العربية‭ ‬فحسب؛‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬عُمانيةٌ‭ ‬صرفة،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬الأثر‭ ‬العُماني،‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص،‭ ‬في‭ ‬تكون‭ ‬اللغة‭ ‬السواحيلية‭.‬ من‭ ‬هذه‭ ‬الكلمات‭ ‬نذكر‭ ‬التالي‭ ‬بيانها‭:‬

كلمة “حياة” (Hayati)، التي تعني في العربية النمو والبقاء، إلا أن في اللَّهجةِ العُمانية فهي اسمٌ يسبق اسم المتوفى، في التحدث والكتابة، لتعني المرحوم فلان؛ ولا علاقة للكلمة بأصلها اللغوي.

كلمة (Mzuri)، التي يقبلها في العُمانية (مازر)، من أصل (مَزُرَ مزارَةً)، أي صار مَزيرًا. والمزْر، بمعنى الرّجل الظريف. فيقال: هو من أمازِر الناس، أي من أفاضلهم. تستخدم الكلمة في اللهجة العُمانية، وسيَّما من كبار السن. كلمة (Karibu)، المقترضة من الأصل العُماني (قُربوا)، أيّ تفضلوا بالدخول، أو بأيِّ فعلٍ آخر.

وكذا كلمة (Halafu) التي يقابلها (خلاف) في الأصل العُماني للتعبير عن كلمة لاحقاً. وكذا كلمة (Biashara)، التي يقابلها (بيع وشراء)، للدلالة على التجارة. كلمة (Bahasha)، التي يقابلها (بَقشة، أو بُجشة)، للدلالة على الظرف الذي يغلف به الرسائل.

وكلمة (Bila’uri) التي تعني (بلور) في بعض اللهجات العُمانية، للدلالة على القدح المصنوع من الزجاج. وكلمة (Miwani) التي تعني (معوان) أي نظارة.

وكلمة (Kodi) التي تعني (قُعد) أي إيجار؛ وكذا كلمة (Mshahara)، التي تعني مْشاهرة، أي الأجرة الشهرية؛ وكذا، كلمة (Madafu)، المعدة دافئة؛ وأيضا، (Pakacha)، تعني فقاشة، يتفقش لأنها مصنوعة من السعف. وفي مجال الأمثال الشعبية، فلقد أخذت السواحيلية أيضًا من الأمثال الشعبية العُمانية، من أمثال: “حبة حبة، تترس مْكبة” (Haba kwa haba, ijaza mkaba)  

إلى‭ ‬جانب‭ ‬كون‭ ‬السواحيلية‭ ‬مُشبعة‭ ‬بالألفاظ‭ ‬العربية؛‭ ‬فهي‭ ‬مُشبعةً،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬بأدوات‭ ‬الربط‭ ‬العربية،‭ ‬مثل‭ ) :‬إلا،‭ ‬ولكن،‭ ‬و‭ ‬أما،‭ ‬و‭ ‬أو،‭ ‬و‭ ‬حتى،‭ ‬وكما،‭ ‬وبلا،‭ ‬وبعد)‭.‬

كما‭ ‬تأثرت‭ ‬السواحيلية‭ ‬بالعربية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الضمائر‭ ‬(ضمير‭ ‬المتكلم،‭ ‬والمخاطب،‭ ‬والغائب)‭‬؛‭ ‬والحال‭ ‬كذلك‭ ‬بالنسبة‭ ‬لضمائر‭ ‬الملكية‭) ‬لي،‭ ‬لك،‭ ‬له،‭ ‬لها،‭ ‬لنا)‭.‬

وفي‭ ‬تركيبة‭ ‬الجملة‭ ‬الاسمية‭ ‬أيضًا،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬(المرأةُ‭ ‬جميلةٌ)‭‬، ‬و‭)‬الجوُ‭ ‬بديعٌ‭(‬؛‭ ‬وفي‭ ‬المضاف‭ ‬والمضاف‭ ‬إليه‭ ‬(بابُ‭ ‬البيتِ)‭ .‬هناك‭ ‬توافقٌ‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الجمل‭.
يقول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬الباحث‭ ‬المصري،‭ ‬الدكتور‭ ‬رأفت‭ ‬غنيمي‭ ‬في‭ ‬بحثه:  “‬دور‭ ‬عُمان‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬حضارة‭ ‬شرق‭ ‬إفريقيا”، ‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬السواحيلية‭ ‬وثيقة‭ ‬الصِّلة‭ ‬بالعربية؛‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬العربي،‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الناطقين‭ ‬بالسواحيلية،‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يُتابع‭ ‬الحديث،‭ ‬ولو‭ ‬لم‭ ‬يفهم‭ ‬كل‭ ‬مفرداته‭.‬
لعل‭ ‬العبارة‭ ‬التالية،‭ ‬تكشف‭ ‬مدى‭ ‬تأثر‭ ‬السواحيلية‭ ‬بالعربية‭: ‬
‭(‬Baada ya salamu‭, ‬nakuarifisha kama tunataraji kusafiri ijumaa ijayo‭) ‬
من‭ ‬دون‭ ‬مبالغة،‭ ‬فجميع‭ ‬الكلمات‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجملة‭ ‬هي‭ ‬عربية؛‭ ‬وأي‭ ‬محاولة‭ ‬لإخراج‭ ‬الكلمات‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬اللغة،‭ ‬لن‭ ‬يبقى‭ ‬لدينا‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬باللغة‭ ‬السواحيلية‭.‬
لجميع‭ ‬ما‭ ‬تقدَّم،‭ ‬يرى‭ ‬أصحاب‭ ‬هذا‭ ‬الرأي،‭ ‬أن‭ ‬السواحيلية‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬لغة‭ ‬عربية‭ ‬مُتأفرقة‭. ‬

النظرية‭ ‬الثانية‭:‬

المؤيّدون‭ ‬لهذه‭ ‬النظرية،‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬السواحيلية‭ ‬هي‭ ‬لغة‭ ‬إفريقية‭ ‬بانتوية‭ ‬مُستعربة‭.  ‬اتجهت‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬إلى‭ ‬النقيض‭ ‬النظرية‭ ‬الأولى،‭ ‬بالقول‭ ‬أنها‭ ‬لغةٌ‭ ‬بانتويةٌ‭ ‬خالصة‭.  ‬فهم‭ ‬ينتقدون‭ ‬الرأي‭ ‬الأول‭ ‬بالقول‭ ‬أن‭ ‬أصل‭ ‬اللغة‭ ‬لا‭ ‬تدل‭ ‬عليه‭ ‬كثرة‭ ‬المفردات‭ ‬إلى‭ ‬لغةٍ‭ ‬بعينها،‭ ‬وإنما‭ ‬يدل‭ ‬عليها‭ ‬نظامها‭ ‬الصوتي‭ ‬والصرفي‭ ‬والنحوي؛‭ ‬وهذه‭ ‬الأنظمة‭ ‬في‭ ‬السواحيلية‭ ‬تختلف‭ ‬تمامًا‭ ‬عمّا‭ ‬يقابلها‭ ‬في‭ ‬العربية‭. ‬

هم‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬اختلاف‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬النحوي‭: ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تعرف‭ ‬فيه‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬التعريف،‭ ‬والتنكير،‭ ‬والتذكير،‭ ‬والتأنيث؛‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬السواحيلية‭ ‬شيئًا‭ ‬منها‭.‬ ويرون‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الصَّرفي‭ ‬في‭ ‬السواحيلية‭ ‬يتفق‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬موجودٌ‭ ‬في‭ ‬اللغات‭ ‬البانتوية،‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـ ‭”‬النظام‭ ‬الالتصاقي”‬،‭ ‬بينما‭ ‬النظام‭ ‬الصرفي‭ ‬في‭ ‬العربية‭ ‬قائمٌ‭ ‬على “‬النظام‭ ‬الاشتقاقي”‭.‬ مثال‭:‬ كلمتا‭) ‬رجلٌ‭ ‬و‭ ‬رجال)‭ ‬،‭‬يقابلهما‭ ‬في‭ ‬السواحيلية‭ (‬Watu‭ – ‬Mtu‭) ‬ أي‭ ‬بإلصاق‭ ‬سوابق‭ ‬إلى‭ ‬الجذر‭.‬

ولكن،‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬السواحيلية‭ ‬تأثرت‭ ‬بالعربية‭ ‬في‭ ‬جوانب‭ ‬نحوية‭ ‬كثيرة،‭ ‬مما‭ ‬يدحض‭ ‬مقولة‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬النحوي‭ ‬بانتوي‭ ‬صرف‭.   ‬وفي‭ ‬التحليل‭ ‬الصوتي،‭ ‬يقولون‭: ‬أن‭ ‬الدراسات‭ ‬الصوتية‭ ‬للغةِ‭ ‬السواحيلية‭ ‬تبيِّن‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أصواتًا‭ ‬يكثر‭ ‬وجودها‭ ‬فيها‭ ‬ولا‭ ‬توجد‭ ‬أبدًا‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭. ‬هذه‭ ‬الأصوات‭ ‬هي‭ :(‬ny‭, ‬ng‭’) ‬وهي‭ ‬أصوات‭ ‬أنفية‭ ‬متوفرة‭ ‬في‭ ‬الكلمات ‭ (‬nyama‭, ‬ng’ombe‭, ‬ng’oma‭, ‬nge‭)‬؛‭ ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬هناك‭ ‬أصوات‭ ‬في‭ ‬العربية‭ ‬غير‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬السواحيلية،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬لغات‭ ‬البانتو،‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الكلمات‭ ‬المستعارة‭ ‬من‭ ‬العربية‭. ‬هذه‭ ‬الأصوات‭ ‬هي‭ :‬ث،‭ ‬ح،‭ ‬خ،‭ ‬ذ،‭ ‬ض،‭ ‬ط،‭ ‬ظ،‭ ‬ع،‭ ‬غ،‭ ‬ق‭.‬ أصحاب‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬يقولون‭:‬ لو‭ ‬كانت‭ ‬السواحيلية‭ ‬من‭ ‬العربية،‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬بينها‭ ‬هذا‭ ‬البون‭ ‬الشاسع‭ ‬من‭ ‬الأصوات‭.‬

النظرية‭ ‬الثالثة‭:‬
هي‭ ‬لغة‭ ‬هجينة،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬نسبتها‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭ ‬الخالصة،‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬بانتوية‭ ‬صرفة‭ .‬وأنها‭ ‬لغة‭ ‬المولودين‭ ‬بين‭ ‬العرب‭ ‬وزوجاتهم‭ ‬البانتويات‭. ‬
أود‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬أستشهد‭ ‬بمقولةٍ‭ ‬للبروفسور‭ ‬إبراهيم‭ ‬بن‭ ‬نور‭ ‬البكري،‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭” :‬الخيال،‭ ‬في‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬يُمرّر‭ ‬عبر‭ ‬الأزمنة‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬حقيقة؛‭ ‬لتتحوّل‭ ‬الحقيقة‭ ‬بذلك‭ ‬إلى‭ ‬سرابٍ،‭ ‬فتندثر‭ ‬حيث‭ ‬المجهول‭”.‬

الخيال‭ ‬المسيطر‭ ‬على‭ ‬عقولِ‭ ‬الكثير‭ ‬منا‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬عُمان،‭ ‬وفي‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬بشكلٍ‭ ‬عام،‭ ‬بل‭ ‬وفي‭ ‬المشرق‭ ‬الأفريقي‭ ‬ووسطه‭ ‬وجنوبه‭ ‬أيضًا،‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬البانتويين‭ ‬هم‭ “‬السُّكان‭ ‬الأصليين‭” ‬لأفريقيا‭ ‬الشرقية؛‭ ‬وأن‭ ‬العرب،‭ ‬في‭ ‬المشرق‭ ‬الأفريقي‭ ‬هم‭ ‬غرباء،‭ ‬لكونهم‭ ‬وصلوا‭ ‬إلى‭ ‬السواحل‭ ‬في‭ ‬فتراتٍ‭ ‬لاحقة،‭ ‬ثمّ‭ ‬استعمروها‭.  ‬هم‭ ‬ينسبون‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬إلى‭ ‬الأصل‭ ‬البانتوي؛‭ ‬وهذا‭ ‬غير‭ ‬صحيح،‭ ‬لأن‭ ‬التاريخ‭ ‬يقطع‭ ‬بالدليل‭ ‬الجازم‭ ‬بأن‭ ‬البانتو‭ ‬وصلوا‭ ‬السوحل‭ ‬الشرقية‭ ‬بقرونٍ‭ ‬كثيرة‭ ‬بعد‭ ‬وصول‭ ‬العرب‭ ‬إليها‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬اتفاقٌ‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬الفرقاء‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬السواحيلية‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬نتاج‭  ‬التعايشِ‭ ‬والتجانسِ‭ ‬والتزاوجِ‭ ‬والانصهار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بين‭ ‬الجنس‭ ‬العربي،‭ ‬من‭ ‬ناحية؛‭ ‬والجنس‭ ‬الأفريقي‭ ‬البانتوي،‭ ‬من‭ ‬ناحيةٍ‭ ‬أخرى؛‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬الجدل‭ ‬مُحتدم‭ ‬حول‭ ‬أصل‭ ‬اللغة،‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬طائل‭. ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يعدو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬جدلاً‭ ‬سفسطائيًا‭ ‬غيرِ‭ ‬منتج‭.  

ما‭ ‬دمنا‭ ‬نسلم‭ ‬بأن‭ ‬السواحيلية‭ ‬هي‭ ‬خليط‭ ‬بين‭ ‬العربية‭ ‬والبانتوية؛‭ ‬فإن‭ ‬الثابت‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السواحيلية‭ ‬الحالية‭ ‬لم‭ ‬تظهر‭ ‬إلى‭ ‬حيّز‭ ‬الوجود‭ ‬قبل‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر،‭ ‬وهو‭ ‬تاريخ‭ ‬وصول‭ ‬البانتو‭ ‬إلى‭ ‬السواحل،‭ ‬من‭ ‬موطنها‭ ‬الأصلي‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬دولة‭ ‬الكاميرون،‭ ‬في‭ ‬أفريقيا‭ ‬الغربية‭. 

في‭ ‬الختام،‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬اللغة،‭ ‬المتنازع‭ ‬في‭ ‬أصلها،‭ ‬لم‭ ‬يدفع‭ ‬أحدٌ‭ ‬بأنها‭ ‬كُتبت‭ ‬بغير‭ ‬العربية،‭ ‬مما‭ ‬يثقل‭ ‬من‭ ‬كفَّة‭ ‬الجانب‭ ‬العروبي،‭ ‬وقوة‭ ‬التأثير‭ ‬عليها‭.‬

269 total views, 8 views today