saleh

صالح البلوشي

كلما ذُكر مصطلح التاريخ فإن الذهن ينصرف إلى أخبار الماضين، من دول، وبطولات، وأبطال، وأخبار الأمم والشعوب الماضية. ولكن هل ينحصر مفهوم التاريخ فقط في ذكر سيرة الأمم الماضية وأخبارها؟ أم نحن بحاجة إلى أدلة ووثائق تؤكد أو تنفي تلك الأخبار؟ وهذه الأدلة أليست بحاجة أيضًا إلى أدوات نستطيع من خلالها معرفة الأخبار الصحيحة عن المكذوبة؟ من يقرأ التاريخ الإسلامي – مثلاً – يلاحظ أن أشهر كتاب في التاريخ الإسلامي هو ما يعرف بتاريخ الطبري الذي ألفه محمد بن جرير الطبري (224 – 310 ) تحت عنوان ” تاريخ الأمم والملوك”، ولكنه لم يلتزم فيه بذكر الأخبار التي تتسم فقط بالصحة، وإنما كان غرضه من تأليف الكتاب هو جمع الأخبار فقط وترك تمحيصها للآخرين، ولذلك جاء كتابه مليئًا بالأخبار الضعيفة والمكذوبة التي طعن فيها علماء التاريخ. كما أن كتابه تضمن أخبار الأمم والملوك فقط كعادة كتب التاريخ التي ألفت في تلك الفترة، متجاهلاً أخبار الشعوب وحالة المجتمعات في تلك الحقب الزمنية، والعلوم، والمعارف التي اشتغلت فيها وغيرها. فإنها تكاد تكون معدومة تمامًا باستثناء إشارات عابرة غير مقصودة ربما. ولذلك حرص المشتغلون في علم التاريخ على اختلاف المدارس التاريخية على وضع آليات وقواعد للبحث في التاريخ للخروج بنتائج سليمة غير متحيزة ولا تخالف العقل والمنطق.

يُعرف الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي ريمون أرون ( 1905- 1983) في كتابه ” مدخل إلى فلسفة التاريخ ” المعرفة التاريخية بأنها محاولة لإعادة بناء الحياة الماضية من خلال الاستعانة بمخطوطات ووثائق مختلفة، ومن ثم تكون المعرفة التاريخية مستقلة عن التجارب التي يعيشها الناس في الحاضر. ويرى أرون أن الحاضر يمثل فضاء عامًا يمكن الناس من معرفة تلقائية وشائعة حول سلوكياتهم وأفكارهم، إلا أن الأمر يختلف تمامًا فيما يخص المعرفة التاريخية، لأنه يصعب أن يتمثل الناس كليا الحياة كما كانت في الماضي، وبتعبير أوضح، ستظل المعرفة التاريخية غير قادرة على جعل المعاصرين يستشعرون فهم الناس الذين عاشوا في الماضي لحياتهم والطريقة التي كانوا يتمثلون بها سلوكياتهم وأفكارهم”. ويرى الهادي التيمومي في كتابه ” مفهوم التاريخ وتاريخ المفهوم ” ص 11- 14 إن التاريخ تعني ” ما وقع للإنسان في الماضي، وتعني كذلك ما دونه الإنسان عن ذلك الماضي، فالتاريخ إذن معرفة لمادة معينة، لكنه أيضًا مادة لتلك المعرفة، على أن لا يفهم من ذلك وجود تطابق بين الماضي ومعرفة الإنسان لذلك الماضي، فالتطابق رهين بما يتوفر للمؤرخ من وثائق وشهود عن ذلك الماضي، ومن قدرة على الإلمام بذلك الماضي وسبر أغواره ” ثم يقول بأن ” التطابق التام صعب جدًّا إن لم نقل مستحيلاً “. ولذلك يقول هنري إيريني مارو بأن التاريخ لا يعني كما يقول البعض سردا للماضي الإنساني فقط، وإنما ” معرفة وليس كما يدعي البعض تنقيبا أو بحثا، ومرد ذلك إلى أن هؤلاء لا يميزون بين الغايات والوسائل، أما بالنسبة لنا فالمهم هو النتيجة التي يوصلنا إليها البحث والتي سنكون ملزمين بإيقاف عملنا كلما بدا لنا أنه لن يوصلنا إلى نتيجة مرضية “

ويقول المفكر المغربي عبدالله العروي في كتابه ” مفهوم التاريخ ” الجزء الأول ص 38 و39 بأن معرفة الماضي دائما نسبية لأن ” الكلام عن أحوال الماضي هو نوع من المشاهدة إذ لم يبق من الماضي إلا الأخبار الدالة عليه والمعاصرة لنا. إن التاريخ هو مجال الإستنباط إذ المؤرخ يحمل في ذهنه كل الأخبارعن الماضي المحفوظ فيستطيع أن يقارن بينها ويستخلص منها قوانين وعبرا . إن ربط الماضي أخيرًا بالحاضر ينتهي حتمًا إلى نسبية المعرفة التاريخية، كل معلومة ملونة بلون دواعي وأغراض الحاضر محرفة مدخولة. كذلك كيف يمكن أن نشاهد أمرًا ماضيًا، إذ هناك فرق بين الإشارة والمشار إليه، بين الرمز وما يرمز إليه، وأخيرًا الاستنباط هو تلاعب بحقائق التاريخ، فهو إما حشو لا فائدة منه؛ وإما زور وتلفيق ” ولذلك يرى العروي أنه ” لا حرية إطلاقًا للمؤرخ إزاء الماضي؛ بل هو عبد خاضع له…”.

إذن فإن المعرفة التاريخية لا تعني معرفة الأحداث التاريخية وحفظها فقط، وإنما دراسة تلك الأحداث على اختلاف تفاصيلها، وقراءتها بموضوعية ودون تحيز، ومعرفة أسباب وقوعها، من أجل فهم التاريخ بشكل بعيد عن التحيز والأهواء ومخالفة العقل.

المصادر:

1- كتاب “المعرفة التاريخية” نصوص فلسفية للأستاذ محمد بهاوي.

2- وكتاب: مفهوم التاريخ للمفكر المغربي عبدالله العروي.

4,639 total views, 14 views today