RMJ

رضا بن مهدي بن جواد اللواتي

 

وفقاً لفرضية الجغرافيا، تنشأ الاختلافات الأساسية بين الدول المتقدمة والدول الفقيرة من الظروف الجغرافية والمناخية؛ حيث تستند هذه الفرضية إلى أنَّ العديد من أفقر بلدان العالم تقع في المناطق الاستوائية، في حين تقع البلدان الغنية في المناطق الجغرافية المعتدلة والباردة.

وعلى الرغم من الظروف المناخية المعتدلة، لا يبدو أنَّ هذه ميزة في جميع الحالات؛ فهناك العديد من الأمثلة التي تثبت عكس هذه الفرضية؛ فمثلاً: نجد أنَّ سنغافورة بلد ثري، تنافس في مستوياتها العلمية والاقتصادية أفضل البلدان الغنية والمتطورة، رغم أن موقع سنغافورة الجغرافي يقع في المناطق المدارية الاستوائية. وبالمثل؛ فإنَّ الاختلاف الصارخ بين كوريا الشمالية والجنوبية دليلٌ على عدم إمكانية فرضية الجغرافيا للكشف وتقديم إجابة مقنعة للسؤال الأهم؛ وهو: لماذا تتقدَّم بعض الدول وتتخلف أخرى؟

وفي سبيل الإجابة عن هذا السؤال المحوري؛ قدَّم باحثان في جامعة هارفارد ومعهد ماساتشوسس للتكنولوجيا تفسيراً جديراً بالبحث والدراسة؛ حيث عَرَضا خلاصة بحوثهما في كتاب صدر حديثا تحت عنوان “لماذا تفشل الدول؟!”.

فرضية أخرى طرحها بعض عُلماء الاقتصاد لتفسير جذور الاختلاف النوعي بين الدول الغنية والفقيرة؛ فيذهب هؤلاء المفكرون إلى أنَّ مرجع الاختلاف يعود أساسا إلى ثقافة البلد من الدين والقيم والثقافة الاجتماعية بوصفها -أي ثقافة البلد- عاملاً رئيسيًّا وحاسماً في التطور والنمو الاقتصادي. ولفترة طويلة، اعتقد الناس في الغرب أنَّ مفهوم أخلاقيات العمل البروتستانتية -والتي تقوم على أساس ضرورة العمل الجاد كعنصر من عناصر النجاح الاقتصادي، واعتباره واجبا يستفيد منه الفرد والمجتمع- وفي الجهة المقابلة، فإنَّ القيم الكونفوشيوسية -مثل: الإنسانية، والإخلاص، والصدق- تعمل على إعاقة حركة التقدم الاقتصادي.

ولكن هذه النظرية لا تصمُد أيضاً أمام الواقع؛ وذلك أنَّ التقدم الحاصل في كوريا الجنوبية -والتي تؤمن بنفس المبادئ والقيم التي تؤمن بها جارتها كوريا الشمالية- خير دليل على عدم صحة ودقة هذه الفرضية.

وهناك نظريات أخرى تحاول أن تفسر هذه المعضلة المطروحة منذ قيام المنظومات الاقتصادية المتطورة؛ منها: فرضية عدم كفاءة الطبقة الحاكمة، وعدم قدرتها على إدارة الشأن السياسي والاقتصادي، كما نجد في بعض الدول الإفريقية.

كلُّ هذه النظريات تسلِّط الضوء على جانب من المشكلة، وقد تكون صحيحة لحدٍّ ما، ولكنها لا تقدِّم شرحا كافيا ونظرية متكاملة لتقديم أطروحة جامعة شاملة. أمَّا الكاتبان أوسيموجلو وروبنسون، فيرجعان أسباب تقدم الدول إلى العامل الأساسي والأكثر أهمية لتحقيق الازدهار للدول المتقدمة وهو الهيكل المؤسسي لها.

… إنَّ الهيكل المؤسسي للدولة يعتمد على تكامل المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية،  وعلى الديمقراطية الواسعة والمشاركة المجتمعية في السياسة والاقتصاد والتي من شأنها الحد من جرائم الأعمال التي تعتبر استغلال النفوذ والموارد والإثراء غير المشروع وتغيير وجهة السياسات من عامة إلى خاصة إحدى صورها؛ حيث تتميَّز المنظومة المبنية على المؤسسات التكاملية بتوفير حقوق فردية متنوعة؛ منها: حرية اختيار المهنة، والحصول على التعليم، وتنافسية الأسواق التي تقل فيها سيطرة الاتحادات العمالية على التدخل في إستراتيجيات الشركات، إضافة إلى تنقُّل رأس المال والسلع والخدمات بحرية تامة.

ويبيِّن الباحثان أنَّ أغلب تلك الدول التي حقَّقت مستوى عاليا من المعيشة، لديها مؤسسات متكاملة (integrative institutions)؛ قدموا الحوافز للتعليم والأداء والابتكار. وفي النطاق الاقتصادي، وضعوا الإستراتيجيات لخلق سياسة توزيع الدخل على نطاق واسع ومنع النخبة الصغيرة من إساءة استخدام سلطتهم لأي ربح محتمل من المنافسة غير المشروعة.

هذه هي خلاصة مُقتضبة للنظرية والكتاب، والتي ينبغي أن تنال حيِّزًا ونصيبًا من التداول عند بناء منظومتنا المستقبلية، ونستفيد من تجارب الدول التي أعطت فكرة المؤسسات التكاملية أهمية بالغة لتطوير أدائها وتعديل سياساتها، بما يتناسب مع التحديات التي خلقها الاقتصاد المتعولم. وهذا لا يعني بطبيعة الحال عدم النظر بعين ناقدة إلى كل ما يحتويه الكتاب من اقتراحات أو استنتاجات أو تعديل بعض الأسس بما يتناسب مع قيمنا ومبادئنا وثقافتنا الاجتماعية والدينية؛ ولكن يمكننا الاستفادة من هذه الفكرة الكلية، والتي أعتقد أننا بحاجة ماسة إليها، والتي يُمكنها أن تلعب دوراً محوريًّا في تطوير أدائنا السياسي والاقتصادي والتعليمي.

وكما عوَّدنا قارئنا الكريم على كل ما هو جديد، فإنَّنا نتناول في هذا العدد ملفَّ التعليم، وهو من أهم الأعمدة الأساسية لأية منظومة فكرية لبناء أمة مُتقدمة تستطيع أن تُجابه التحديات المستقبلية. ولا ندَّعي أننا استطعنا أن نقدم أطروحة متكاملة، ولكن مجرد محاولة لإثراء الموضوع وتحريك بعض المياه الراكدة من خلال استقطاب مجموعة مميزة من الباحثين المتخصصين في هذا الملف.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين….!

3,018 total views, 2 views today