سَيْف‭ ‬بن‭ ‬عدي‭ ‬المسكري

حَازَ‭ ‬كتابُ‭ “‬المنزفة‭: ‬بيوتها‭ ‬الأثرية‭ ‬وتراجم‭ ‬أعلامها‭ ‬وهجرتهم‭ ‬إلى‭ ‬الدريز‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬في‭ ‬عُمان‭ ‬وإفريقيا‭ ‬الشرقية‭”‬،‭ ‬للباحث‭ ‬يعقوب‭ ‬بن‭ ‬سعيد‭ ‬البرواني،‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬الإبداع‭ ‬الثقافي‭ ‬لأفضل‭ ‬إصدار‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الدراسات‭ ‬التاريخية‭ ‬للعام‭ ‬2017م،‭ ‬مُنَاصفة‭ ‬مع‭ ‬كتاب‭ “‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬والحركات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬عُمان‭” ‬لرنا‭ ‬الضويانية‭. ‬صَدَر‭ ‬الكتاب‭ ‬عن‭ ‬مكتبة‭ ‬السيدة‭ ‬فاطمة‭ ‬الزهراء‭ ‬بعُمان‭ ‬2017م‭. ‬ويعتني‭ ‬بقرية‭ ‬من‭ ‬القرى‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬شرقية‭ ‬عُمان،‭ ‬مُقدِّما‭ ‬مثالا‭ ‬نموذجيا‭ ‬على‭ ‬كيفية‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬التاريخ‭ ‬المحلي‭ ‬للقرى‭ ‬والتجمُّعات‭ ‬السكانية‭ ‬في‭ ‬عُمان،‭ ‬لتكون‭ ‬نواة‭ ‬للتاريخ‭ ‬العُماني‭ ‬بصورته‭ ‬العامة‭. ‬وللباحث‭ ‬جهودٌ‭ ‬ملموسة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬يعرفها‭ ‬الكثيرُ‭ ‬من‭ ‬المهتمين‭ ‬بحقل‭ ‬الدراسات‭ ‬التاريخية‭ ‬العُمانية‭.. ‬ضمَّ‭ ‬الكتابُ‭ ‬في‭ ‬فصوله‭ ‬التسعة‭ ‬مواضيع‭ ‬شتَّى‭ ‬حول‭ ‬الأنساب،‭ ‬والآثار‭ ‬العُمرانية،‭ ‬والتراجم،‭ ‬والهجرات،‭ ‬ونشأة‭ ‬القرى،‭ ‬وتأسيس‭ ‬الأفلاج‭. ‬والبحث‭ ‬في‭ ‬أصله‭ ‬الدقيق،‭ ‬دراسةٌ‭ ‬لقرية‭ ‬المنزفة،‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالحارات‭ ‬الثلاث‭: ‬حاجر‭ ‬البراونة‭ ‬من‭ ‬حاجر‭ ‬سفالة‭ ‬إبراء،‭ ‬وحارة‭ ‬الدريز،‭ ‬وحارة‭ ‬فلج‭ ‬مسعود‭.‬

الحيز‭ ‬المكاني‭ ‬للدراسة‭ ‬

تحتلُّ‭ ‬قرية‭ ‬المنزفة‭ ‬الجزءَ‭ ‬الجنوبي‭ ‬الغربي‭ ‬من‭ ‬إبراء،‭ ‬التي‭ ‬تعدُّ‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مدن‭ ‬الشرقية،‭ ‬وكانت‭ ‬مركزًا‭ ‬رئيسيًّا‭ ‬لإدارة‭ ‬كامل‭ ‬الشرقية‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬اليعربي‭. ‬وإبراء‭ ‬منطقة‭ ‬واسعة،‭ ‬تضمُّ‭ ‬قديما‭ ‬المساحة‭ ‬من‭ ‬برج‭ ‬وريد‭ ‬شمالا‭ ‬حتى‭ ‬بدية‭ ‬جنوبا،‭ ‬وتحدها‭ ‬ولاية‭ ‬دماء‭ ‬والطائيين‭ ‬من‭ ‬الشمال‭ ‬الشرقي،‭ ‬ونيابة‭ ‬سمد‭ ‬الشأن‭ ‬من‭ ‬الشمال‭ ‬الغربي،‭ ‬وقرى‭ ‬ولاية‭ ‬المضيبي‭ ‬من‭ ‬الغرب،‭ ‬وبدية‭ ‬من‭ ‬الجنوب،‭ ‬وسلسلة‭ ‬جبال‭ ‬الحجر‭ ‬الشرقي‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ (‬المنزفة،‭ ‬ص‭:‬41‭).‬

ولم‭ ‬يَرِد‭ ‬ذكرٌ‭ ‬لسبب‭ ‬التسمية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬يُطلق‭ ‬عُمانيًّا‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬المرتفعة‭ ‬عمَّا‭ ‬سواها،‭ ‬والتي‭ ‬ينزف‭ ‬إليها‭ ‬الماء،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الأقرب‭ ‬للقرية‭ ‬محل‭ ‬البحث؛‭ ‬فهي‭ ‬مُرتفعة‭ ‬عن‭ ‬الحارات‭ ‬التي‭ ‬تجاورها،‭ ‬وإنْ‭ ‬كان‭ ‬للاسم‭ ‬معانٍ‭ ‬أخرى‭. ‬ولا‭ ‬يُعْرَف‭ ‬بالتحديد‭ ‬متى‭ ‬تمَّ‭ ‬بناء‭ ‬القرية‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬أقدم‭ ‬النقوش‭ ‬التي‭ ‬حَمَلتها‭ ‬مبانيها‭ ‬الأثرية‭ ‬يعود‭ ‬للعام‭ ‬1128هـ‭/‬1716م‭. ‬والنمطُ‭ ‬الذي‭ ‬شُيِّدت‭ ‬به‭ ‬القرية‭ ‬يعكسُ‭ ‬الفنَّ‭ ‬المعماريَّ‭ ‬الإسلاميَّ،‭ ‬وهندسة‭ ‬الاستحكامات‭ ‬العسكرية‭ ‬السكنية؛‭ ‬حيث‭ ‬تضمُّ‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬البيوت‭ ‬الأثرية‭ ‬التي‭ ‬يبلغ‭ ‬ارتفاع‭ ‬بعضها‭ ‬ثلاثة‭ ‬طوابق،‭ ‬ويحيط‭ ‬بالقرية‭ ‬سورٌ‭ ‬مضلع‭ ‬به‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدراويز‭ ‬يصل‭ ‬عددها‭ ‬إلى‭ ‬تسع‭ (‬المنزفة‭:‬41،42‭). ‬

المصادر‭ ‬والمنهجية

لا‭ ‬شكَّ‭ ‬أنَّ‭ ‬الحفر‭ ‬في‭ ‬مصادر‭ ‬متعددة‭ ‬ومتنوعة،‭ ‬ولمدة‭ ‬زمنية‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬موضوع‭ ‬مثل‭ ‬هذا،‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬صبرِ‭ ‬الباحث‭ ‬ورصانته،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تبيَّن‭ ‬من‭ ‬ثنايا‭ ‬هذا‭ ‬السفر؛‭ ‬مُتمثلا‭ ‬في‭ ‬عددٍ‭ ‬كبيرٍ‭ ‬من‭ ‬الوثائق،‭ ‬يعود‭ ‬أقدمها‭ ‬إلى‭ ‬مُنتصف‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬عشر‭ ‬الهجري‭/‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي،‭ ‬وقد‭ ‬حَصَل‭ ‬الباحثُ‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬أماكن‭ ‬مُتعددة؛‭ ‬أبرزها‭: ‬الوثائق‭ ‬الشخصية‭ ‬المحفوظة‭ ‬لدى‭ ‬مجموعة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬والأفراد،‭ ‬وكذلك‭ ‬المؤسسات‭ ‬كهيئة‭ ‬الوثائق‭ ‬والمحفوظات،‭ ‬وجامعة‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس،‭ ‬والأرشيف‭ ‬الزنجباري‭. ‬وقدم‭ ‬حولها‭ ‬تفصيلا‭ ‬يُعِيْن‭ ‬من‭ ‬يأتي‭ ‬بعده‭ ‬قاصدا‭ ‬البحث‭ ‬فيها‭.‬

أمَّا‭ ‬الروايات‭ ‬الشفهية،‭ ‬فكان‭ ‬لها‭ ‬دَوْر‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬محاور‭ ‬الكتاب؛‭ ‬حيث‭ ‬أجرى‭ ‬الباحثُ‭ ‬مقابلات‭ ‬عديدة‭ ‬مع‭ ‬المسنين‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬المنطقة؛‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬توفاه‭ ‬الله،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬حيًّا‭. ‬وما‭ ‬يحمله‭ ‬هؤلاء‭ ‬من‭ ‬معارف‭ ‬تُشكِّل‭ ‬مخزونًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬يبني‭ ‬عليه‭ ‬محاورة‭ ‬ومناقشة‭ ‬مع‭ ‬المصادر‭ ‬الأخرى‭ ‬المكتوبة‭ ‬والمنقوشة‭. ‬وهنا‭ ‬دَعْوة‭ ‬يُقدِّمها‭ ‬الباحث‭ ‬إلى‭ ‬الجميع‭ ‬بأنْ‭ ‬يسعوا‭ ‬لحفظ‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬الشفهية‭ ‬لمن‭ ‬عاصر‭ ‬الأحداث‭ ‬الماضية‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تَطْوِي‭ ‬يدُ‭ ‬النسيان‭ ‬هذه‭ ‬المعارف‭ ‬مع‭ ‬رحيل‭ ‬أصحابها‭.‬

وللمخطوطات‭ ‬العديدة‭ ‬أهميةٌ‭ ‬كبيرةٌ‭ ‬ساعدتْ‭ ‬الباحثَ‭ ‬على‭ ‬تقصِّي‭ ‬الأعلام،‭ ‬وأشهر‭ ‬الأحداث‭ ‬وإثبات‭ ‬السنين‭.. ‬وهي‭ ‬مُتنوعة،‭ ‬يعود‭ ‬أقدمها‭ ‬إلى‭ ‬بداية‭ ‬عصر‭ ‬اليعاربة،‭ ‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك‭ ‬استعانَ‭ ‬الباحثُ‭ ‬بالمراجع‭ ‬الحديثة‭ ‬والمجلات‭ ‬والدوريات‭ ‬المختلفة‭. ‬وأجدُني‭ ‬هنا‭ ‬أضيفُ‭ ‬مصدرًا‭ ‬آخر؛‭ ‬يتمثَّل‭ ‬في‭ ‬المسح‭ ‬الميداني‭ ‬الذي‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬الباحث؛‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكتفِ‭ ‬بسبر‭ ‬جوانب‭ ‬المدون‭ ‬من‭ ‬المصادر؛‭ ‬بل‭ ‬نزل‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭ ‬مُفتِّشا‭ ‬في‭ ‬بقايا‭ ‬آثار‭ ‬المنزفة،‭ ‬وبالخصوص‭ ‬النقوش‭ ‬التي‭ ‬ضمَّتها‭ ‬جُدران‭ ‬الحصون‭ ‬والبيوت‭. ‬ومثال‭ ‬ذلك‭: ‬النقش‭ ‬المدون‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬الوالي‭ -‬والمسمَّى‭ ‬بيت‭ ‬السدور‭- ‬الذي‭ ‬يبتدئ‭ ‬بـ‭”‬لا‭ ‬إله‭ ‬إلا‭ ‬الله‭ ‬محمد‭ ‬رسول‭ ‬الله‭”‬،‭ ‬وفيه‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬دمام‭ “‬تسقيف‭” ‬البيت‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الإمام‭ ‬سلطان‭ ‬بن‭ ‬سيف‭ ‬الثاني‭ (‬1123هـ‭/‬1711م‭-‬1131هـ‭/‬1719م‭) ‬وكان‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1128هـ‭. ‬وهو‭ ‬أقدم‭ ‬نقش‭ ‬تمَّ‭ ‬التوصُّل‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬القرية،‭ ‬ولم‭ ‬يبقَ‭ ‬منه‭ ‬سوى‭ ‬سطر‭ ‬واحد،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬جرت‭ ‬عليه‭ ‬عوادي‭ ‬الزمن،‭ ‬والفضل‭ ‬في‭ ‬معرفته‭ ‬كاملا‭ ‬يعود‭ ‬للصورة‭ ‬التي‭ ‬أخذها‭ ‬الباحث‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1996م‭.‬

المباني‭ ‬الأثرية‭ ‬

تتنوَّع‭ ‬المباني‭ ‬التي‭ ‬تُزيِّن‭ ‬المنزفة‭ ‬بَيْن‭: ‬البيوت،‭ ‬والمساجد،‭ ‬والمدارس،‭ ‬والمجالس؛‭ ‬ومن‭ ‬أهم‭ ‬بيوت‭ ‬المنزفة‭ ‬الكبيرة‭: ‬بيت‭ ‬السدور،‭ ‬المكوَّن‭ ‬من‭ ‬طابقين،‭ ‬لم‭ ‬يبقَ‭ ‬منهما‭ ‬الآن‭ ‬سوى‭ ‬الأطلال‭ ‬والأعمدة‭ ‬في‭ ‬الطابق‭ ‬الأرضي‭ (‬المنزفة،ص‭:‬51‭). ‬ويتميَّز‭ ‬بأنه‭ ‬استحكامٌ‭ ‬سكنيٌّ‭ ‬حربيٌّ،‭ ‬تُزينه‭ ‬الأقواس،‭ ‬والعقود،‭ ‬وتشكيلة‭ ‬جميلة‭ ‬في‭ ‬تقسيم‭ ‬الغرف،‭ ‬كما‭ ‬يوجد‭ ‬به‭ ‬سجن،‭ ‬وحمامات،‭ ‬ومسبح،‭ ‬وبئر‭ ‬ينزف‭ ‬منها‭ ‬بدلاء‭ ‬نحاسية‭ (‬المنزفة،‭ ‬ص‭:‬55‭). ‬وبيت‭ ‬الشريعة‭: ‬المبنى‭ ‬الضخم‭ ‬المكوَّن‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬طوابق،‭ ‬والمبني‭ ‬بالجص‭ ‬والحصى‭. ‬وقد‭ ‬اتُّخذ‭ ‬سكنًا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأسر،‭ ‬ومن‭ ‬الشخصيات‭ ‬البارزة‭ ‬التي‭ ‬سكنته‭: ‬فاطمة‭ ‬بنت‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬مسعود‭ ‬البروانية،‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬زمن‭ ‬السيد‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬سلطان‭ (‬1219هـ‭/‬1804‭- ‬1273‭/‬1856م‭)‬،‭ ‬وعُرفت‭ ‬بالكرم‭ ‬والصلاح،‭ ‬وسعت‭ ‬للصلح‭ ‬بين‭ ‬القبائل،‭ ‬بذلت‭ ‬مالها،‭ ‬ولها‭ ‬بئرٌ‭ ‬للمسافرين‭ ‬بين‭ ‬القابل‭ ‬وإبراء‭ ‬يُسمَّى‭ ‬جفر‭ ‬فاطمة‭ (‬المنزفة،ص‭:‬80‭).‬

بيت‭ ‬البومة‭.. ‬ويُقْصَد‭ ‬به‭ ‬القبة‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬سطح‭ ‬البيت،‭ ‬وقد‭ ‬بُنِي‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬1222هـ،‭ ‬ويحوي‭ ‬نقوشا‭ ‬بديعة‭ ‬على‭ ‬الجدران‭ ‬الداخلية،‭ ‬وكتابات‭ ‬قرآنية،‭ ‬وحركات‭ ‬هندسية‭ ‬بديعة‭ ‬في‭ ‬غرفه‭ ‬وعقوده‭ ‬وروازنه‭ (‬المنزفة‭:‬85‭). ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬بيوت‭ ‬أخرى‭ ‬توقف‭ ‬عندها‭ ‬الباحث؛‭ ‬كبيت‭ ‬الدروازة،‭ ‬وبيت‭ ‬البرج،‭ ‬والبيت‭ ‬العود،‭ ‬الذي‭ ‬يوصف‭ ‬بأنه‭ ‬أكثر‭ ‬المباني‭ ‬تماسكًا‭ ‬في‭ ‬المنزفة‭ ‬حاليا‭.‬‭..‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المباني‭. ‬

يُناقش‭ ‬البرواني‭ ‬إشكالية‭ ‬توثيق‭ ‬تاريخ‭ ‬تأسيس‭ ‬المباني؛‭ ‬حيث‭ ‬إنَّ‭ ‬الركون‭ ‬للتواريخ‭ ‬المبينة‭ ‬في‭ ‬الأبواب‭ ‬فيه‭ ‬نظر؛‭ ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬البيت‭ ‬قديما،‭ ‬لكن‭ ‬يُجدد‭ ‬بابه‭ ‬مع‭ ‬الزمن،‭ ‬ويكتب‭ ‬النجار‭ ‬سنة‭ ‬صنع‭ ‬الباب،‭ ‬وعندما‭ ‬يتم‭ ‬استبدال‭ ‬الباب‭ ‬بباب‭ ‬آخر‭ ‬يتوهم‭ ‬الزائر‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬تاريخ‭ ‬بناء‭ ‬البيت‭ (‬المنزفة،ص‭:‬125‭). ‬وفي‭ ‬سياق‭ ‬آخر،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬تحويه‭ ‬هذه‭ ‬الآثار‭ ‬البديعة‭ ‬من‭ ‬نقوش‭ ‬وزخارف‭ ‬وأبواب‭ ‬ونوافذ‭ ‬ومقتنيات‭ ‬مختلفة‭ ‬تتعرض‭ ‬لعوادي‭ ‬الزمن‭ ‬ذات‭ ‬المصدر‭ ‬الطبيعي،‭ ‬وفي‭ ‬أحيان‭ ‬كثيرة‭ ‬البشري؛‭ ‬حيث‭ ‬يُسجِّل‭ ‬الكتاب‭ ‬حادثتين،‭ ‬تمَّ‭ ‬فيهما‭ ‬نقل‭ ‬أبواب‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المباني‭ ‬لتكون‭ ‬في‭ ‬مبانٍ‭ ‬أخرى‭ ‬جديدة،‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬أخذ‭ ‬ماجد‭ ‬بن‭ ‬سعيد‭ ‬البرواني‭ ‬بابيْن‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬الشريعة‭ ‬لبيته‭ ‬في‭ ‬السباخ،‭ ‬واستئذان‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬خالد‭ ‬في‭ ‬أخذ‭ ‬أربع‭ ‬نوافذ‭ (‬المنزفة‭:‬82‭)‬،‭ ‬وكان‭ ‬لبيت‭ ‬سالم‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬البرواني‭ ‬نوافذ‭ ‬جميلة‭ ‬طلبها‭ ‬ناصر‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬صالح‭ ‬الحارثي‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬البيت‭ ‬بزنجبار،‭ ‬فأعطوه‭ ‬إياها‭ (‬المنزفة‭:‬102‭). ‬

حَوَت‭ ‬المنزفة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المساجد،‭ ‬والتي‭ ‬وثَّق‭ ‬الباحث‭ ‬لها،‭ ‬مُعتمدا‭ ‬على‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المكاتبات‭ ‬الخاصة‭ ‬بالأوقاف،‭ ‬ومياه‭ ‬الأفلاج‭. ‬كذلك‭ ‬المجالس‭ ‬المعروفة‭ ‬محليًّا‭ ‬بالسبل‭. ‬ويستوقف‭ ‬المطِّلع‭ ‬على‭ ‬مادة‭ ‬الكتاب‭ ‬إمكانية‭ ‬تلمُّس‭ ‬خصائص‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للعُمانيين‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬ولأهل‭ ‬الشرقية‭ ‬بشكل‭ ‬خاص؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الوثائق‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬الكتاب؛‭ ‬حيث‭ ‬تشتمل‭ ‬على‭ ‬تفاصيل‭ ‬مهمة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالمزارع،‭ ‬والأراضي،‭ ‬والبيوت،‭ ‬والأموال،‭ ‬والمحاصيل،‭ ‬والبضائع،‭ ‬وطرق‭ ‬إرسال‭ ‬الحوالات‭ ‬وقيمتها‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬عُمان‭ ‬أو‭ ‬شرق‭ ‬إفريقيا‭.. ‬وهذا‭ ‬الجهد‭ ‬التوثيقي‭ ‬يُحسب‭ ‬للباحث،‭ ‬ويُثنى‭ ‬عليه‭ ‬لأجله‭.‬

ومن‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الباحث‭ ‬يُخصِّص‭ ‬الفصل‭ ‬الثالث‭ ‬لتراجم‭ ‬وأعلام‭ ‬المعامرة‭ ‬أهل‭ ‬المنزفة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ذكر‭ ‬الكثير‭ ‬منهم‭ ‬تفصيلًا‭ ‬في‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬حارة‭ ‬المنزفة،‭ ‬والتي‭ ‬تمنَّينا‭ ‬عليه‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬يُلقي‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬التفصيل‭ ‬حول‭ ‬النشأة،‭ ‬والبناء،‭ ‬والنشاط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬والسياسي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬عِوَضا‭ ‬عن‭ ‬الإسهاب‭ ‬حول‭ ‬الشخصيات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها،‭ ‬إلى‭ ‬حدِّ‭ ‬إصابة‭ ‬الملتقي‭ ‬بالملل‭ ‬أحيانًا‭.‬

التراجم‭ ‬والأعلام‭ ‬

إنَّ‭ ‬جُملة‭ ‬الأعلام‭ ‬الوارد‭ ‬ذكرهم‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬يشكلون‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬صورة‭ ‬لما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬ازدهار‭ ‬علمي‭ ‬واقتصادي‭ ‬كبير،‭ ‬ومرارا‭ ‬وتكرارا‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬الجهد‭ ‬المبذول‭ ‬في‭ ‬تتبُّع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بهؤلاء‭ ‬الأعلام،‭ ‬عبر‭ ‬الفصول‭: ‬الثالث‭ “‬تراجم‭ ‬أعلام‭ ‬المعامرة‭: ‬أهل‭ ‬المنزفة‭ ‬في‭ ‬عُمان‭ ‬وسلطنة‭ ‬زنجبار‭ ‬العربية‭”‬،‭ ‬والرابع‭ “‬تراجم‭ ‬أعلام‭ ‬البروانة‭: ‬أهل‭ ‬المنزفة‭ ‬في‭ ‬عُمان‭ ‬وسلطنة‭ ‬زنجبار‭ ‬العربية‭”‬،‭ ‬والسادس‭ “‬آثار‭ ‬وأعلام‭ ‬حاجر‭ ‬البراونة‭ ‬والنطالة‭”‬،‭ ‬والثامن‭ “‬تراجم‭ ‬أعلام‭ ‬البراونة‭ ‬في‭ ‬الدريز‭”. ‬

حيث‭ ‬تتنوَّع‭ ‬نماذج‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأعلام‭ ‬بين‭: ‬الوالي،‭ ‬والفقيه،‭ ‬والتاجر،‭ ‬والسياسي،‭ ‬والمقاتل،‭ ‬ومن‭ ‬عني‭ ‬بالصحافة‭ ‬والكتابة‭. ‬فمن‭ ‬الولاة‭ ‬المشهورين‭: ‬عامر‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬مسعود‭ ‬المعمري،‭ ‬الذي‭ ‬تولى‭ ‬الشرقية‭ ‬من‭ ‬إبراء‭ ‬إلى‭ ‬صور‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الإمام‭ ‬سلطان‭ ‬بن‭ ‬سيف‭ ‬بن‭ ‬مالك‭ ‬اليعربي‭ (‬1059هـ‭/‬1649م‭-‬1090هـ‭/‬1679م‭)‬؛‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬يُشرف‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬البلدان‭ ‬والنواحي‭ ‬في‭ ‬الشرقية،‭ ‬ويتبيَّن‭ ‬من‭ ‬المراسلات‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬علماء‭ ‬عصره‭ ‬سعة‭ ‬علمه‭ ‬وفقهه،‭ ‬وأخذ‭ ‬عنه‭ ‬العلم‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الفقهاء،‭ ‬وله‭ ‬الفضل‭ ‬في‭ ‬تشجيع‭ ‬الخراسيني‭ ‬على‭ ‬تأليف‭ ‬كتابه‭ “‬فواكه‭ ‬العلوم‭”. ‬وأورد‭ ‬الباحثُ‭ ‬نماذج‭ ‬من‭ ‬أحكام‭ ‬هذا‭ ‬الوالي‭ ‬وفتاواه،‭ ‬وثناء‭ ‬العلماء‭ ‬ومدح‭ ‬الشعراء‭ ‬له‭. ‬وقد‭ ‬حفظت‭ ‬المصادر‭ ‬له‭ ‬رسالة‭ ‬في‭ ‬صفة‭ ‬الصلاة،‭ ‬وأخرى‭ ‬في‭ ‬صلاة‭ ‬العيدين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬العدد‭ ‬الكبير‭ ‬من‭ ‬المسائل‭ ‬العلمية‭.‬

كذلك‭ ‬شخصية‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬خلفان‭ ‬بن‭ ‬خميس‭ ‬البرواني،‭ ‬والمشهور‭ ‬باسم‭ “‬روماليزا‭”‬،‭ ‬والتي‭ ‬تعني‭ “‬عليك‭ ‬بالإنجاز‭”‬،‭ ‬أو‭ “‬اشرع‭ ‬بعمل‭ ‬ما‭ ‬أقول‭ ‬لك‭”‬؛‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬كثيرَ‭ ‬التكرار‭ ‬لهذه‭ ‬العبارة‭.. ‬وُلد‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي،‭ ‬وكوَّن‭ ‬إمارة‭ ‬شملتْ‭ ‬المنطقة‭ ‬الواقعة‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الشرقية‭ ‬لبحيرة‭ ‬تنجانيقيا‭. ‬دخل‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬مع‭ ‬البلجيك‭ ‬الذين‭ ‬سعوا‭ ‬لبسط‭ ‬نفوذهم‭ ‬الاستعماري‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وقد‭ ‬عُرف‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬المغامرة‭ -‬والتي‭ ‬تعود‭ ‬في‭ ‬جذورها‭ ‬إلى‭ ‬المنزفة‭- ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المواقف‭ ‬التي‭ ‬أوضحها‭ ‬الباحث،‭ ‬وقد‭ ‬عاش‭ ‬روماليزا‭ ‬حتى‭ ‬العقد‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬الميلادي‭ (‬المنزفة‭:‬277‭-‬302‭).‬

كما‭ ‬نجد‭ ‬التفصيل‭ ‬حول‭ ‬شخصية‭ ‬حمود‭ ‬بن‭ ‬سالم‭ ‬بن‭ ‬راشد‭ ‬البرواني،‭ ‬والمعروف‭ “‬براعي‭ ‬النجم‭”‬،‭ ‬وكان‭ ‬رجلا‭ ‬ثريًّا‭ ‬اشتهر‭ ‬بالسخاء،‭ ‬بنى‭ ‬بيت‭ ‬النطالة‭ ‬الذي‭ ‬انتهي‭ ‬من‭ ‬بنائه‭ ‬بتاريخ‭ (‬8‭ ‬ذي‭ ‬الحجة‭ ‬1279هـ‭/ ‬26‭ ‬مايو‭ ‬1863م‭)‬،‭ ‬وشق‭ ‬فلج‭ ‬الصافي،‭ ‬وقيل‭ ‬إن‭ ‬سبب‭ ‬التسمية‭ ‬نسبة‭ ‬لبندقية‭ ‬كانت‭ ‬معه‭ ‬تُسمَّى‭ ‬النجم‭ ‬لا‭ ‬تخطئ‭ ‬الهدف،‭ ‬وقيل‭ ‬لكثرة‭ ‬أمواله؛‭ ‬حيث‭ ‬أين‭ ‬ما‭ ‬هوى‭ ‬نجم‭ ‬فإن‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المكان‭ ‬مالًا‭. ‬عُرِف‭ ‬عنه‭ ‬حرصه‭ ‬على‭ ‬دفع‭ ‬الديات‭ ‬حقنا‭ ‬للدماء،‭ ‬وله‭ ‬مآثر‭ ‬عديدة‭ (‬المنزفة‭:‬480‭-‬486‭).‬

وبالمجمل‭.. ‬اشتمل‭ ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬على‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المعارف؛‭ ‬سواء‭ ‬المتعلق‭ ‬منها‭ ‬بالحياة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬أو‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لهذا‭ ‬الجزء‭ ‬من‭ ‬عُمان،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬مسطِّره‭ ‬قد‭ ‬وَضَع‭ ‬له‭ ‬هدفا‭ ‬مُتمثلا‭ ‬في‭ ‬توثيق‭ ‬العلاقات‭ ‬النسبية‭ ‬بين‭ ‬الأسر‭ ‬المختلفة‭ ‬لأجل‭ ‬صِلة‭ ‬الرحم،‭ ‬وتنبيه‭ ‬الأجيال‭ ‬المعاصرة‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬سلفهم‭ ‬فذلك‭ ‬هدف‭ ‬قد‭ ‬تحقق‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬عبر‭ ‬التفصيلات‭ ‬المهمة‭ ‬للأسر،‭ ‬وامتدادها‭ ‬الزمني‭ ‬والمكاني‭. ‬الكتاب‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬حجمه،‭ ‬ومتنوع‭ ‬في‭ ‬مواد‭ ‬طرحه،‭ ‬مُشتمل‭ ‬على‭ ‬الصور‭ ‬واللوحات‭ ‬والوثائق،‭ ‬وهذا‭ ‬الاستعراض‭ ‬الموجز‭ ‬المخل‭ ‬سعى‭ ‬للفت‭ ‬انتباه‭ ‬القراء‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬العمل،‭ ‬حتى‭ ‬تتعدَّد‭ ‬زوايا‭ ‬الاطلاع،‭ ‬وتتسع‭ ‬آفاق‭ ‬الرؤية‭ ‬لجانب‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬جوانب‭ ‬تاريخنا‭ ‬المحلي‭.‬

373 total views, 2 views today