Wael's photo

وائل قاقيش

يشترك بعض الدارسون والباحثون في الموسيقى الشرقية في الرأي بأن المقامات الرئيسية في الموسيقى العربية سبع مقامات أساسية وهي رست، بيات، سيكاه، صبا، حجاز، عجم، ونهاوند. ومن الملاحظ أن التركيز على هذا العدد بالذات (رقم سبعة) له أهمية وتاريخ عند الإنسان الشرقي، سواء كان الإرتباط بهذا الرقم دينياً أو دنيوياً، فعدد الأيام الاسبوع سبعة، وخُلق الكون في سبعة أيام، وعدد ثقوب الناي سبعة ثقوب، وعدد نوتات السلم الموسيقي سبعة، وعجائب الدنيا السبع، وألوان طيف المطر، وعدد البحار، وعدد قارات العالم السبع، وحتى في الأعمال الفنية مثل السبعة الرائعين والساموراي السبعة وسنو وايت والأقزام السبعة. كل هذا وأكثر يعطي الرقم “سبعة” ميزة خاصة ليس فقط عربياً بل عالمياً. وعلى كل الأحوال التركيز في هذه المقالة هو ليس على الرقم “سبعة” بل عن المقامات والتي يعتقد الكثير أن أساسها او أصولها سبعة مقامات، حيث أن باقي المقامات ما هي إلا مسمّيات أخرى للمقامات الرئيسية أو أجزاء متفرعة منها، كقولنا على سبيل المثال أن مقام الحسيني أو الشوري أو المحير أو الترك ما هي في الأصل إلا تصوير لمقام البياتي ولكن من درجة أو نوتة مختلفة أو طرأ عليه تغيير بسيط في درجة أو مسافة معينة.

ففي فرق “الشلغي” البغدادي (وهي عبارة عن فرقة موسيقية صغيرة مؤلفة من مطرب ويرافقه أربعة عازفين على آلات السنطور والكمنشة “جوزة” والدربكة والرق)، يتعمد المطرب أو قارىء المقام في بعض الأحيان على الوقوفَ والتركيز على درجة معينة وتكرارها وذلك في خلال الغناء الإرتجالي (الموّال أو الليالي) أو خلال العزف الآلي الإنفرادي الإرتجالي أو ما يسمى بـ “التقسيم”، وأحياناً في القفلات أو التحويلات إلى مقامات أخرى قريبة من المقام الأصلي والذي أطلق عليه البعض مسمّيات جديدة مختلفة عن الأصل أو إضافية للمسمّى الأصلي كالقول: “بياتي شوري” عندما يجتمع البياتي مع الحجاز أو “المحيّر” إذا ابتدأ المقام من الجواب أو الدرجة العالية وهبوطاً الى درجة القرار أو في مقام “العشاق” إذا ظهرت فيه علامات الرست إلخ وهذه الأمور كلها ساعدت على خلق الكثير من المسمّيات والتي أدت بالتالي الى تسجيل أكثر من 100 مقام في الموسيقى الشرقية والعراقية والتركية بشكل عام.

أما في حالة أنّ اعتبرنا المقامات تندرج في درجات سُلّميّة متصاعدة من الغليظ إلى الرفيع حسب النغمة في السلم الغربي المعدّل (الماجير)، وإذا إعتبرنا كل درجة مقاماَ (وهذه حقيقة ما نقصده في كلمة مقام حيث تعني درجة، موقع، مكان أو”مكانة”)، فسيكون حينها مجموع المقامات حسب السلم الغربي (والذي تبناه الموسيقيين العرب بالطبع)، سبعة مقامات يبدأ أولها من درجة الدو ثم الري فالمي والفا والصول واللا والسي ثم تقفل على الدرجة الثامنة والتي تكون مطابقة لدرجة القرار الأولى وتسمى درجة الجواب، وهي “دو” في هذا السلم. يطبق ذات النظام ذو السبع نغمات في الموسيقى الهندية (سا ري جا ما با ذا ني سا)، وهو ليس بالضرورة مطابقاً لسلم الماجير الغربي، فذات الأسماء والدرجات في السلم ممكن أن تحوي على أبعاد تختلف عن السلم الكبير أو الماجير، ولكن أسماء النغمات تكون ثابتة بغض النظر عن إختلاف الأبعاد بينها.

 أيضاً في السلّم الموسيقي في الموسيقى الفارسية “الإيرانية” حيث يبدأ السلم بدرجة “راست” أو “يجاه”، ويجاه أو “يكجا” كلمة تأتي من مزج كلمتان، كلمة “يك” وتعني واحد و”جا” وتعني موضع الأصبع على الوتر، والمقصود الموضع الأول في السلم والتي تعني نظرياً درجة القرار وهي دو في معظم الأحيان. أما الدرجة الثانية في السلم فيطلق عليها إسم “دوجاه”، ودو في الفارسي تعني رقم 2، والمتعارف عليه موسيقياً أن “دوجا” أيضاً تعني “ري” في سلم الماجير من درجة “دو” حيث يطلق الموسيقيين العرب أسم “مقام البياتي” على هذه الدرجة، وهي الدرجة الشائعة لمقام البياتي في الموسيقى العربية. ثم درجة “السيجا”، سه تعني 3، وهي الموضع الثالث في السلم وهو نفسه مقام السيجا، ودرجة ركوزه هي الـ “مي”، وتستمر الدرجات ومواضع الأصابع بالإرتفاع بالنغمات على النحو التالي: تشارجاه (المركز الرابع ويقابله بالموسيقى العربية مقام الجهارجاه)، ثم “البنجكاه” وهي درجة الصول والذي اعطي أسم عربي وهو الـ “نوى”. يأتي بعدها درجة الـ (“شيشكاه” أو الشيشجاه) من العادة إضافة خط على حرف “الكاف” ليقرأ “جا” أو “GA” في الانجليزية (استخدمت فقط لتسهيل اللفظ). يقابل درجة الشيشكاه في الموسيقى العربية مقام “الحسيني” وهو شبيه لمقام البياتي وركوزه نغمة الـ “لا”. ومن ثم النغمة السابعة “هفتجاه” وهي تمثل درجة الـ “سي” في الموسيقى العربية وأحيانا يسمى مقام “الاوج” ثم ينتقل السلم بعدها الى جواب القرار وهو الدرجة الثامنة حيث يطلق على هذا المقام أو النغمة اسم “الكردان” في الموسيقى العربية.

إن ما ذكرناه في هذه المقدمة ما هو إلا نبذة مبسطة عن المقامات ودرجاتها ومسمياتها لدى شعوب مختلفة والتي تتشارك موسيقاها باستخدام أصوات ونغمات ودرجات متقاربة ولكن بأسماء مختلفة. تنوعت الآراء والمفاهيم حول تاريخ وكيفية نشوء وماهية المقامات الرئيسية والمقامات الفرعية والمقامات المستقلة والعلاقة بينهم، فالمقام الشرقي كمنهج متعارف عليه يحوي عدة مسمّيات منها المقام أو السُلّم أو النغم أو الديوان وبمجملها تعني سبعة درجات موسيقية حيث تكون الدرجة الثامنة فيها درجة الجواب للقرار أو الدرجة الأولى في السُلّم. أما في أداء المقام، ففي إمكان العازف أو المغني أن يتناول هذه الدرجات بالترتيب أو بالتنقل الحر بينها ثم الاستقرار النهائي عند درجة استقرار السلم الأصلية وهنا يقال إن هذا الفنان قد عزف أو غنّى السلم المقامي كاملاً.

أما في العراق، فالمقام يحمل مفهوما مغايراً لما تقدم ويمكن أن نقول أن المقام العراقي هو شكل فني موسيقي اقرب إلى “الارتجال الأدائي” منه إلى “السلّم الموسيقي”، فهو بمثابة قياس أو إختبار للمقدرة الصوتية لدى المطرب أو قارئ المقام كما يطلق عليه في العراق. فمثلا لو أخذنا نغماً معيناً كالرست والذي له قواعد واصول يجب إتباعها ولكن في نفس الوقت إعطاء الحرية للقارىء بالتصرف لغاية التطريب بشرط أن يلتزم في الأصول والقواعد لبنّية المقام ومساره. فمثلاً يبدأ الغناء من درجة القرار وما يليها واحياناً بدرجات تحت درجة القرار لإختبار المقدرة على أداء الطبقات الصوتية الغليظة، وهذا ما يسمى بـ “التحرير” أي بداية غناء النغم. ثم ينتقل الغناء إلى حركة أخرى في المقام تسمى “الميانة” وهي الغناء على الجوابات العالية والغاية منها إظهار مقدرة المغني في المدى الصوتي وقوة التحكم بعلامات المقام في منطقة الجوابات. وبعد الميانة يأتي “التسليم” وهي عملية الرجوع إلى درجات القرار التي ابتدأ منها الغناء في التحرير. أحياناً تتداخل قطع موسيقية قصيرة من نغم مختلف عن النغم الأصلي للمقام وخاصة بين التحرير والميانة على سبيل المثال أو بين الميانة والتسليم وذلك لإضافة شيء من التسلية والجماليات وتجنب الملل، والسبب الثاني إراحة المغني وتهيئته على الانتقالات بين المقاطع الغنائية المرتجلة وخاصة الغناء من القرارات إلى الجوابات وبالعكس.

 يلاحظ الدارس أو الباحث في المقامات العراقية أنها تحوي على سلالم موسيقية لا توجد في الموسيقى الشرقية (ونقصد على الأخص في مصر وسوريا)، على سبيل المثال مقام اللامي والذي أصبح واحداً من المقامات العراقية المميزة في العراق وخصوصاً بعد إنعقاد مؤتمر القاهرة سنة 1932 والذي أبدع الفنان محمد القبنجي بالتغني به وأبهر المستمع العربي المثقف بجمال هذا النغم والذي تأثر به الفنان محمد عبد الوهاب ولحن به بعدها ألحانا عديدة كان أشهرها “ياللي زرعتوا البرتقال”. كثير من المقامات العراقية غير معروفة أو مستعملة في السلالم الشرقية مثل “المخالف”، وهو بطبيعته ليس سلما كاملا، ولا يستخدم عموما إلا في المقام العراقي.

 أما المقامات الثانوية المتفرعة من المقامات الرئيسية فهي كثيرة ويصعب إحصائها حيث أن كل المقامات الرئيسية إشتُقّت منها مقامات فرعية ومعظم هذه المسمّيات كما أشرنا سابقاً ولاسباب متعددة منها تغيير علامة “القرار” (tonic)، مثلا تسمية مقام “بياتي” إذا تم عزفه أو غناءه من الدرجة الثانية من السلّم، الـ “دوجاه” أو الـ “ري” وبياتي حسيني إذا كانت درجته السادسة الـ “لا”، ومحيّر إذا ابتدأ من درجة الجواب “ري” وهكذا. وعامل آخر مهم هو طريقة حساب المسافات الصوتية بين درجات المقام، فأي تغيير في مسافات سلم البيات مثلا أطلق عليه اسما آخر كالبهيرزاوي أو الشرقي دوكاه ليفرقوه عند تناوله مجدداً عن النغم الأصلي، ثم صيغ هذا النغم الجديد كمقام جديد أو مختلفا بوضع الضوابط والشروط له. في كثير من الأحيان يطلق الموسيقيون مسمّى “من عائلة” كذا لوصف تقارب المقام المشّتق من المقام الأصلي مثلاً مقام عشاق من عائلة البياتي، وسوزناك من عائلة الرست وهكذا. ويوجد هناك مقامات فرعية وضعت لها لمسات موسيقية خاصة لتفريقها عن النغم الأصلي كالخنبات مثلا أو الإبراهيمي المتفرع من البيات أو المنصوري المتفرع من الصبا والذي أصبح لهم خاصيّةً مميزةً وعمقا فنياً وموسيقياً مختلفاً.

سنستعرض الآن اهم المقامات العراقية الرئيسية وبعض من فروعها والتي لا تزال مستخدمة في الموسيقى العراقية التقليدية منها والشعبية.

نبدأ في مقام الرست لما له أهمية رئيسية في الموسيقى العراقية والعربية بشكل عام كمقام رئيسي، ومن فروعه: مقام البنجكاه، والرست الشرقي، والراشدي. أما مقام البيات وهو يعتبر من اهم المقامات في الموسيقى العربية عامةً وأكثرها شيوعاً وذلك لسهولة تداوله وبساطته وعذوبة ألحانه القريبة من كافة الأذواق العامة وحيث يطلق علية أحياناً “مقام شعبي” وتُلحّن فيه غالبية الطقاطيق والألحان الشعبية، وأهم فروع مقام البياتي: الابراهيمي، والجبوري، والمحمودي، والمكابل، والخنبات، والبهيرزاوي، وشرقي دوكاه، والمسجين. أما مقام السيكاه أو “السيجا” فهو من أكثر المقامات الطربية في الموسيقى العربية على الإطلاق حيث ركوزه على درجة السيجا (الربع تون الشرقي)، وهذا التون (النغمة) تميّز الموسيقى الشرقية عن غيرها من موسيقات العالم. أما أهم فروع هذا المقام: الاوج، والاوشار، والجمّال، والحكيمي. وفي الموسيقى الشرقية يضاف مقام العراق وراحة الأرواح والهزام إلى قائمة عائلة مقام السيجا. أما مقام العجم (وهو يقارب سُلّم الماجير في الموسيقى الغربية) فأهم تفرعاته مقام جهاركاه، والطاهر، والبشيري.

ومن المقامات التي ندر إستعمالها (وخاصة كمسمّى) في الموسيقى الشرقية، مقام النوى ومن وفروعه مقام النهاوند. أما مقام الحجاز، فهو من أكثر المقامات شهرة واستعمالاً وخاصةً في الموسيقى والأناشيد الدينية ويستخدمه الغرب في الموسيقى التصويرية وخاصةً في الأفلام التي تروي قصص الشرق، ويتميز بسهولة عزفه على الآلات الغربية، ومن فروعه الهامة: مقام حويزاوي، وحجاز كار، والهمايون، والمدمي، وحجاز غريب، والمثنوي، والسعيدي. وفي الموسيقى الشرقية يضاف مقام شدعربان وشهناز إلى قائمة المقامات التي تتبع عائلة الحجاز. أما مقام المنصوري والحديدي فتعتبر فروعا لمقام الصبا الرئيسي.

أما المقامات المستقلة في الموسيقى العراقية والتي تضاف على المقامات السابقة الذكر فأهمها مقام الحسيني وأهم فروعه: الاورفة، والدشت. ومقام الكرد ومقام اللامي والحليلاوي.

تم تقسيم المقامات في الموسيقى العراقية إلى نوعين رئيسيين من حيث ارتباطها بالشعر، فمنها مقامات تقرأ بها شعر عربي فصيح وعددها يتجاوز الـ 30 مقاماً ومقامات يقرأ بها شعر عامي (يسمى الموال أو الزهيري) ويتجاوز عددها الـ 20 مقاماً. إن غزارة المقامات المستخدمة في الموسيقى العراقية تصعب على الدارس أو الباحث حصرها جميعاً فهي تختلف في أشكالها ومسمياتها وطريقة أدائها من مؤدٍ لآخر ومن مدينة لمدينة ومن لحن لآخر، ولكلٍ إحساسه وأصوله واستخدامه وصحة تعبيره سواء كان عزفاً أو غناء، ملحناً أو مرتجلاً. موضوع المقامات بشكل عام سواء كانت رئيسية أو فرعية، شرقية أو عراقية موضوع مهم وحساس حيث تختلف الآراء والكلام عنه باختلاف الحضارات والشعوب ويختلف من مكان لآخر، ويمكن القول أن الحديث عن المقامات وشرحها وتحليلها يمكن أن يتم بطريقة مُبسّطة وسلسة أو يتعداه إلى موضوع أكاديمي عميق ومفصّل فيه أحياناً بعض التعقيد.

4,690 total views, 12 views today