تعاطي‭ ‬أبناء‭ ‬عُمان‭ ‬مع‭ ‬الثقافة‭ ‬يتجاوز‭ ‬تاريخها‭ ‬المعاصر؛‭ ‬ليستقر‭ ‬في‭ ‬عُصور‭ ‬مُوغلة‭ ‬في‭ ‬القدم،‭ ‬عندما‭ ‬حمل‭ ‬العُمانيون‭ ‬راية‭ ‬الإسلام،‭ ‬وركبوا‭ ‬البحر‭ ‬يجوبون‭ ‬البلدان،‭ ‬ويدعون‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬دين‭ ‬الله‭. ‬لقد‭ ‬أنشأوا‭ ‬حَوَاضر‭ ‬للثقافة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وساهموا‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬جُملة‭ ‬من‭ ‬المعارف‭ ‬والعلوم‭ ‬والفنون‭.‬

واليوم‭.. ‬يُريد‭ ‬المثقف‭ ‬العُماني‭ ‬أن‭ ‬يُواكب‭ ‬الحركة‭ ‬الثقافية‭ ‬العربية‭ ‬والعالمية،‭ ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬لن‭ ‬يتأتَّى‭ ‬إلا‭ ‬بمراجعة‭ ‬سعة‭ ‬ونمط‭ ‬الحراك‭ ‬الثقافي‭ ‬القائم‭ ‬حاليا،‭ ‬وسُبل‭ ‬الترقي‭ ‬به،‭ ‬والتحديات‭ ‬التي‭ ‬يُواجهها‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬بلوغه‭ ‬لأهدافه‭.‬

————————–

عبد‭ ‬الله‭ ‬العليان – كاتب‭ ‬وباحث

لا‭ ‬شكَّ‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬تمثل‭ ‬مطلبا‭ ‬مُهما‭ ‬للوجود‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬المجتمع؛‭ ‬باعتبارها‭ ‬تجسِّد‭ ‬الروح‭ ‬المعرفية‭ ‬للمثقف‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التجاوز‭ ‬والانطلاق؛‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬النهوض‭ ‬المعرفي‭ ‬الذي‭ ‬ننشده؛‭ ‬لذلك‭ ‬فإنَّ‭ ‬التنمية‭ ‬الثقافية‭ ‬تلعب‭ ‬دورا‭ ‬مهما،‭ ‬لتحريك‭ ‬الساكن‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬وتفعيله؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬الوعي‭ ‬الفكري‭ ‬والثقافي‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬وهذا‭ ‬بدوره‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬بذور‭ ‬الجدية‭ ‬المطلوبة‭ ‬فتتحرك‭ ‬البنى‭ ‬الثقافية‭ ‬ومؤسساتها‭ ‬المعنية،‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬المفاهيم‭ ‬الناضجة‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬يهتم‭ ‬بالثقافة‭ ‬أكثر‭ ‬حرصا‭ ‬على‭ ‬تبني‭ ‬مشاريع‭ ‬ثقافية‭ ‬تنهض‭ ‬بالواقع‭ ‬المجتمعي؛‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬الحركة‭ ‬الثقافية،‭ ‬وهذه‭ ‬من‭ ‬مهام‭ ‬المثقف‭ ‬ودروه‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مجتمع‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭.‬

ونحن‭ ‬في‭ ‬السلطنة‭ ‬بما‭ ‬نمثله‭ ‬من‭ ‬إرث‭ ‬عريق،‭ ‬وتاريخ‭ ‬ناصع‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الأدبي‭ ‬والثقافي،‭ ‬تدرَّجنا‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬النهوض‭ ‬بالفعل‭ ‬الثقافي‭ ‬بعد‭ ‬النهضة‭ ‬العُمانية‭ ‬الحديثة،‭ ‬منذ‭ ‬تولي‭ ‬جلالة‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس‭ ‬مقاليد‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬واهتمت‭ ‬الدولة‭ ‬بهذا‭ ‬الجانب‭ ‬المهم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬والهيئات‭ ‬التي‭ ‬تَرْعى‭ ‬التراث‭ ‬والثقافة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬وزارة‭ ‬التراث‭ ‬والثقافة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬بعض‭ ‬الجهات‭ ‬التي‭ ‬تسهم‭ ‬بالفعل‭ ‬الثقافي‭. ‬والآن،‭ ‬بحمد‭ ‬الله،‭ ‬أصبحت‭ ‬عُمان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مثقفينا‭ ‬وكتابنا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬يُشار‭ ‬إليها‭ ‬بالبنان،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حضورهم‭ ‬الفكري‭ ‬والثقافي‭ ‬والأدبي،‭ ‬وما‭ ‬يقدمونه‭ ‬من‭ ‬مشاركات‭ ‬مع‭ ‬أقرانهم‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬العرب،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المجلات‭ ‬العُمانية‭ -‬خصوصا‭ ‬المجلات‭ ‬الفصلية‭ ‬الثقافية‭ ‬كمجلة‭ ‬نزوى،‭ ‬ومجلة‭ ‬التفاهم‭…‬وغيرها‭- ‬تأخذ‭ ‬المساحة‭ ‬الجيدة‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬الثقافي‭ ‬العُماني‭ ‬والعربي،‭ ‬وتلقى‭ ‬الاهتمام‭ ‬والتقدير‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الفكرية‭ ‬والثقافية‭ ‬العربية،‭ ‬وهذا‭ ‬مبعث‭ ‬فخر‭ ‬واعتزاز‭ ‬بهذه‭ ‬المكانة‭ ‬الثقافية‭ ‬الفكرية‭ ‬للسلطنة،‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي،‭ ‬لكننا‭ ‬نود‭ ‬أن‭ ‬يلعب‭ ‬المثقف‭ ‬العُماني‭ ‬الدور‭ ‬الذاتي‭ ‬المنوط‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الفاعلية‭ ‬الثقافية،‭ ‬لتتكامل‭ ‬المهام‭ ‬بين‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬يرعاها‭ ‬المثقف‭ ‬للثقافة‭ ‬بنفسه؛‭ ‬لذلك‭ ‬فمن‭ ‬المهم‭ ‬إعطاؤه‭ ‬المساحة‭ ‬الكافية‭ ‬من‭ ‬النشاط‭ ‬والدعم‭ ‬والمساندة،‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬ما‭ ‬تقتضيه‭ ‬الحرية‭ ‬الثقافية‭ ‬ومناطها‭ ‬في‭ ‬الحراك‭ ‬الثقافي‭ ‬والفكري،‭ ‬دون‭ ‬إعاقة‭. ‬ومن‭ ‬الحق‭ ‬أن‭ ‬نذكر‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬انكفاء‭ ‬وعزلة‭ ‬لبعض‭ ‬المثقفين‭ ‬على‭ ‬أنفسهم،‭ ‬وهذا‭ ‬خيارهم‭ ‬وحقهم‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬يتحرك‭ ‬المثقف‭ ‬من‭ ‬ذاته‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬رؤيته‭ ‬التي‭ ‬يراها‭ ‬مهمة،‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الفعل‭ ‬الثقافي‭ ‬المبتغى،‭ ‬ويعتمد‭ ‬على‭ ‬ذاته‭ ‬في‭ ‬الحراك‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬يهدف‭ ‬لفتح‭ ‬الآفاق‭ ‬المعرفية،‭ ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬الجوانب‭ ‬التي‭ ‬نعتقد‭ ‬أنها‭ ‬ضرورية،‭ ‬حتى‭ ‬يؤسس‭ ‬لنفسه‭ ‬وذاته‭ ‬في‭ ‬الانطلاق‭ ‬إلى‭ ‬المجالات‭ ‬الرحبة،‭ ‬وهذا‭ ‬لصالحه‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬له‭ ‬مساحة‭ ‬مستقلة،‭ ‬عن‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬ومهامها‭.‬

نعم‭.. ‬من‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬تدعم‭ ‬الدولة‭ ‬إقامة‭ ‬المؤسسات‭ ‬الرافدة‭ ‬للثقافة‭ ‬والمثقف،‭ ‬لكن‭ ‬على‭ ‬المثقفين‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يتكلوا‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء؛‭ ‬فالاستقلالية‭ ‬تحقق‭ ‬له‭ ‬الإبداع‭ ‬وتفجِّر‭ ‬طاقاته،‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬توجيه‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬جدير‭ ‬بالنهوض‭ ‬بالثقافة‭ ‬وحاجة‭ ‬المثقف،‭ ‬ونحن‭ ‬الآن‭ ‬نرى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬والمراكز‭ ‬الثقافية‭ ‬العُمانية،‭ ‬التي‭ ‬تقيم‭ ‬المسابقات‭ ‬والجوائز‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬المثقفين‭ ‬لتحقيق‭ ‬ذاتهم،‭ ‬وهذا‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬أحد‭ ‬الإسهامات‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬تحريك‭ ‬الساكن‭ ‬الثقافي‭ ‬العُماني،‭ ‬والذي‭ ‬أقصده‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬المثقف‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬بنفسه‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬للركود‭ ‬الثقافي‭ ‬المخرج‭ ‬الإيجابي،‭ ‬ويتلمَّس‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أهم‭ ‬لتفعيله‭ ‬واقعيا،‭ ‬وفق‭ ‬كل‭ ‬مجال‭ ‬يراه‭ ‬مناسبا‭ ‬ومعبراً‭ ‬عن‭ ‬حاجة‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الثقافي،‭ ‬وضرورة‭ ‬الدفع‭ ‬به‭ ‬للصدارة‭ ‬الفكرية‭. ‬والملاحظ‭ ‬للأسف‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الفعاليات‭ ‬الثقافية‭ ‬والفكرية،‭ ‬قلة‭ ‬حضور‭ ‬المثقف‭ ‬والمثقفين،‭ ‬وهذه‭ ‬ظاهرة‭ ‬لافتة،‭ ‬وتستدعي‭ ‬ندوة‭ ‬أو‭ ‬جلسة‭ ‬حوار‭ ‬لمناقشة‭ ‬أسباب‭ ‬ذلك،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬بعض‭ ‬المثقفين‭ ‬المعنيين‭ ‬بالثقافة،‭ ‬يغيب‭ ‬عن‭ ‬حضور‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الفعاليات؛‭ ‬لذلك‭ ‬أرى‭ ‬أهمية‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المثقف‭ ‬فاعلاً‭ ‬ومتحرِّكاً‭ ‬لإيجاد‭ ‬المخارج‭ ‬الإيجابية‭ ‬لدفع‭ ‬المناشط‭ ‬الثقافية،‭ ‬ومحاولة‭ ‬تقليص‭ ‬السلبيات‭ ‬التي‭ ‬تعيق‭ ‬الدافعية‭ ‬الثقافية‭ ‬والفكرية،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬نود‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬محلَّ‭ ‬اهتمام‭ ‬المؤسسات‭ ‬والمثقفين‭ ‬المعنيين‭ ‬بالثقافة‭ ‬ودور‭ ‬المثقف‭.‬

————————–

زينب‭ ‬الغريبية‭ ‬- كاتبة‭ ‬وباحثة‭ ‬

يكادُ‭ ‬القطاعُ‭ ‬الثقافيُّ‭ ‬يقفُ‭ ‬على‭ ‬الخط‭ ‬الراكد‭ ‬في‭ ‬تقدم‭ ‬المجتمع،‭ ‬وكأن‭ ‬الثقافة‭ ‬ليست‭ ‬من‭ ‬أساسيات‭ ‬البناء‭ ‬والتقدم،‭ ‬حتى‭ ‬المبادرات‭ ‬المجتمعية‭ ‬التي‭ ‬تنمو‭ ‬كالشجيرات‭ ‬بعد‭ ‬الأمطار‭ ‬من‭ ‬كثرتها،‭ ‬سُرْعَان‭ ‬ما‭ ‬تذبل،‭ ‬وتتراجع‭ ‬بسبب‭ ‬ضعفها‭ ‬التأسيسي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬جهودا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكارها‭ ‬موجودة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬لإقامة‭ ‬ندوات‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬وحلقات‭ ‬حوارية،‭ ‬قد‭ ‬يشتكي‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الندوات‭ ‬هي‭ ‬مجرد‭ ‬كلام‭ ‬وتوصياتها‭ ‬حبيسة‭ ‬الأدراج،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬أنَّ‭ ‬أي‭ ‬تجمع‭ ‬ثقافي‭ ‬تثار‭ ‬فيه‭ ‬قضايا‭ ‬وتناقش،‭ ‬وما‭ ‬يترتب‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬إثراء‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬علمية‭ ‬معينة،‭ ‬واستفادة‭ ‬عامة‭ ‬للحاضرين،‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬كافٍ‭ ‬للاستمرار‭ ‬في‭ ‬عقد‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬التجمعات‭ ‬العلمية،‭ ‬وحديث‭ ‬الخبراء‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تعميم‭ ‬الفائدة،‭ ‬كما‭ ‬توجد‭ ‬جهود‭ ‬متناثرة‭ ‬كإنشاء‭ ‬مجلة‭ ‬وصحف‭ ‬ثقافية‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬الإلكترونية‭ ‬منها؛‭ ‬كونها‭ ‬الأسهل‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الإجراءات‭ ‬الرسمية‭ ‬المعقَّدة،‭ ‬ونشر‭ ‬الكتاب‭ ‬العُماني،‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬الجوائز‭ ‬الثقافية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مؤسسات‭ ‬إعلامية‭ ‬خاصة،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفال‭ ‬المبادرات‭ ‬الطلابية‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬والكليات‭ ‬للتحفيز‭ ‬على‭ ‬القراءة،‭ ‬وإقامة‭ ‬فعاليات‭ ‬قرائية،‭ ‬وأخرى‭ ‬لتنمية‭ ‬مواهب‭ ‬الكتابة‭ ‬الأدبية‭. ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬من‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الثقافي‭ ‬يحتاج‭ ‬أن‭ ‬يتسلح‭ ‬بالتحدي‭ ‬لتحطيم‭ ‬كل‭ ‬التحديات‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭ ‬الوعر،‭ ‬حتى‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يصنع‭ ‬شيئا‭.‬

وبنظرةٍ‭ ‬عامةٍ‭ ‬على‭ ‬باقي‭ ‬القطاعات‭ ‬والإنتاجات‭ ‬الثقافية‭ -‬من‭ ‬ناحية‭: ‬الإنتاج‭ ‬المسرحي،‭ ‬والسينمائي،‭ ‬والبرامج‭ ‬التليفزيونة‭ ‬الثقافية،‭ ‬ومجالات‭ ‬الأطفال‭ ‬المرئية‭- ‬فإنه‭ ‬للأسف‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬التأهب‭ ‬للحركة،‭ ‬وتتحرَّك‭ ‬ببطء‭ ‬شديد،‭ ‬رغم‭ ‬وجود‭ ‬محاولات‭ ‬بسيطة‭ ‬من‭ ‬هُنا‭ ‬وهناك،‭ ‬وهذا‭ ‬الوضع‭ ‬حقيقة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تختص‭ ‬به‭ ‬السلطنة‭ ‬دون‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الوطن‭ ‬العربي؛‭ ‬فالحال‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬سيان،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬تفاوتات‭ ‬بسيطة‭ ‬قد‭ ‬تحسب‭ ‬لدولة‭ ‬دون‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬جوانب‭ ‬الحياة‭ ‬الثقافية‭. ‬

ورغم‭ ‬هذه‭ ‬العقبات،‭ ‬فإنه‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الحركات‭ ‬التوعوية،‭ ‬والإصرار‭ ‬على‭ ‬الحركة‭ ‬نحو‭ ‬التقدم‭ ‬وإنجاز‭ ‬شيء‭ ‬ملموس،‭ ‬وباستمرار‭ ‬الحركة‭ ‬الطلابية‭ ‬في‭ ‬الجامعات،‭ ‬وغرس‭ ‬البذور‭ ‬لتثمر‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬مع‭ ‬الاستمرارية‭ ‬والعناية‭ ‬بها‭. ‬

————————–

بدرية‭ ‬الملاك‭ ‬- كاتبة‭ ‬وشاعرة

في‭ ‬بداية‭ ‬الأمر،‭ ‬ولكي‭ ‬نُقيِّم‭ ‬ما‭ ‬ينقصُ‭ ‬البُنى‭ ‬الثقافية‭ ‬العُمانية،‭ ‬وَجَب‭ ‬أنْ‭ ‬نعرِّف‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬أهداف‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬نَرَاها‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬إذ‭ ‬إنَّ‭ ‬الثقافة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقام‭ ‬لها‭ ‬أثر‭ ‬ووجود‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬تحقَّق‭ ‬لها‭ ‬أمران؛‭ ‬أولهما‭: ‬صنع‭ ‬فارق‭ ‬وبُعد‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬المجتمعات،‭ ‬والثاني‭: ‬إظهار‭ ‬فئة‭ ‬شابة‭ ‬جديدة‭ ‬متفردة‭.‬

إلا‭ ‬أنَّه‭ -‬وكما‭ ‬يبدو‭- ‬في‭ ‬الوضع‭ ‬الرَّاهن‭ ‬البُنى‭ ‬الثقافية‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬فئات‭ ‬تكاد‭ ‬تصنع‭ ‬كلٌّ‭ ‬منها‭ ‬نمطا‭ ‬مغايرا‭ ‬عن‭ ‬الأخرى،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ -‬كما‭ ‬هو‭ ‬واضح‭- ‬قد‭ ‬يصل‭ ‬الأمر‭ ‬لعزوف‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬عن‭ ‬الاطلاع‭ ‬على‭ ‬الآخر،‭ ‬وكأن‭ ‬كل‭ ‬فئة‭ ‬لم‭ ‬يُخلق‭ ‬سواها‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬الثقافي‭. ‬وهذا‭ ‬الأمر‭ ‬مُؤْسِف‭ ‬يجعل‭ ‬البُنى‭ ‬الثقافية‭ ‬ضَحْلة‭ ‬بالأشياء‭ ‬السيئة،‭ ‬وبطيئة‭ ‬التطور؛‭ ‬بمعنى‭ ‬أدق‭ ‬الأمر‭ ‬أقرب‭ ‬للتكرار‭ ‬وعدم‭ ‬التجديد؛‭ ‬حيث‭ ‬يجعلها‭ ‬تبدو‭ ‬شديدة‭ ‬التصدع‭ ‬وآيلة‭ ‬للسقوط‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬مدى‭ ‬سلطوية‭ ‬المجتمع‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭ ‬والموروث‭ ‬الديني‭ ‬الذي‭ ‬أخذ‭ ‬بها‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬إلى‭ ‬أمورٍ‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬تلافيها،‭ ‬عبر‭ ‬قيام‭ ‬مؤسسات‭ ‬ثقافية‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تحلُّل‭ ‬وخروج‭ ‬هذه‭ ‬التكوينة‭ ‬الثقافية‭ ‬من‭ ‬أعراض‭ ‬التحزبات‭ ‬والشللية‭ ‬الظاهرة،‭ ‬والطرح‭ ‬المتسم‭ ‬بصبغة‭ ‬سلطوية‭ ‬ودينية‭ ‬بحت‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإنَّ‭ ‬البُنى‭ ‬الثقافية‭ ‬من‭ ‬أكثرالقضايا‭ ‬جدلية‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬والتي‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬البنية‭ ‬الأساسية‭ ‬للدولة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬يبقى‭ ‬للآن‭ ‬تمحور‭ ‬الجانب‭ ‬الثقافي‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬مقيد‭ ‬وفئة‭ -‬ربما‭ ‬بسبب‭ ‬مركزها‭ ‬العلمي‭ ‬أو‭ ‬العملي‭-‬‭ ‬محصورا‭ ‬لها،‭ ‬وتدعم‭ ‬متناسية‭ ‬الطاقات‭ ‬الإبداعية‭ ‬والأخذ‭ ‬بيديها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬إتاحة‭ ‬فرص‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬يخدم‭ ‬تلك‭ ‬الطاقات‭ ‬ويحيدها‭ ‬عن‭ ‬الإحباط‭ ‬أو‭ ‬التوجه‭ ‬لأمور‭ ‬أخرى،‭ ‬مُطْفِئا‭ ‬شُعلة‭ ‬الإبداع‭ ‬الثقافي‭ ‬فيها‭.‬

وفي‭ ‬الختام،‭ ‬إنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الخلل‭ ‬أو‭ ‬النقص‭ ‬إذا‭ ‬أردنا‭ ‬حَصْره،‭ ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬نلقيه‭ ‬على‭ ‬مؤسسة‭ ‬ثقافية‭ ‬معينة،‭ ‬أو‭ ‬وزارة‭ ‬مختصة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الأول‭ ‬والأخير‭ ‬للمجتمع‭ ‬دَوْر‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬تمكين‭ ‬الفرد‭ ‬لهذه‭ ‬الساحة،‭ ‬خاصة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالجانب‭ ‬النسوي‭ ‬الذي‭ ‬أراه‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬مؤطرًا‭ ‬تحت‭ “‬القبيلة،‭ ‬الجمال،‭ ‬الطرح‭ ‬الغزلي‭”‬؛‭ ‬مما‭ ‬يدعو‭ ‬لكبح‭ ‬وموت‭ ‬وجود‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬الثقافية؛‭ ‬كونها‭ ‬تناقش‭ ‬مواضيع‭ ‬وتتواجد‭ ‬في‭ ‬محافل‭ ‬تخرج‭ ‬عن‭ ‬إطار‭ ‬المفهوم‭ ‬الذي‭ ‬ذكرته‭ ‬أعلاه‭.‬

إننا‭ ‬بحاجة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الأمر‭ ‬لبنية‭ ‬ثقافية‭ ‬متنوعة‭ ‬ومتجددة،‭ ‬تخرج‭ ‬قليلا‭ ‬عن‭ ‬إطار‭ ‬المعتقدات‭ ‬والتقاليد‭ ‬والطقوس،‭ ‬وتلك‭ ‬الشعارات‭ ‬الرنانة‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬فئة‭ ‬ومواضيع‭ ‬على‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬المنسي‭.. ‬بحاجة‭ ‬لبنية‭ ‬ثقافية‭ ‬عُمانية‭ ‬عالمية،‭ ‬وليس‭ ‬كما‭ ‬يبدو‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬ضيِّق‭.‬

فالبحر‭ ‬يراه‭ ‬الوطن‭ ‬

والنجم‭ ‬في‭ ‬السماء‭ ‬

يراه‭ ‬كل‭ ‬العالمين

1,325 total views, 5 views today