zahra

بقلم: زهراء بنت علي اللواتي

في إطار اهتمام السلطنة في تقديم الخدمات التعليمية وتنويعها والاهتمام بتطوير المستوى التعليمي للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، صدقت السلطنة على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في عام ٢٠٠٨م، وأصدرت قانون رعاية وتأهيل المعاقين٬ فإن التعليم ركن أساسي لتقدم المجتمع، والدولة توفر التعليم العام للجميع بهدف مكافحة الأمية، وبناء جيل قوي يتقدم بوطنه، ويعتز بإنجازاته هذا ايضا ما ينص عليه النظام الأساسي للدولة.

ومنذ بداية عهد النهضة في عام 1970م، شهدنا تطورا واضحًا في مجال التعليم، والمساواة في الحصول عليه، وإن كان التقدم في مجال توفير التعليم العام الشامل وتوسعة مجال الدمج الدراسي لذوي الاحتياجات الخاصة أبطأ.

ما هو تعريف التعليم الشامل؟ وما هي الحقوق والواجبات التي تنص عليها اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة؟

تعرِّف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) التعليم الشامل بأنه عملية استجابة للحاجات المتنوعة للطلبة كافة، وذلك من خلال زيادة المشاركة في المدارس، والمعاهد، والمجتمع، والحد من استبعاد فئات منهم من التعليم.  كما يتضمن التعليم الشامل تغييرات، وتعديلات على محتويات، وخطط منهج التعليم العام ليشمل كل طفل في السن المناسبة، دون تفرقة ناتجة عن إعاقة أو فقر أو عدم تكافؤ بين الجنسين، ويوفر له حقه في التعلم أسوة بأقرانه.

ولعل اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة توضِّح بشكل أكبر المعنى الحقيقي للتعليم الشامل، وما يتضمنه من حقوق للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، وواجبات وإجراءات على الدولة تجاههم، حيث تنص المادة (٢٤) من الاتفاقية على أن التعليم حق للأشخاص ذوي الاعاقة، وعملا بهذا الحق تكفل الدول الأطراف لهذه الاتفاقية لهم نظاما تعليميا جامعا على جميع المستويات ولمدى الحياة، مبنيًّا على تكافؤ الفرص. وعلاوة على ذلك، فإن المادة تنص على أن التعليم الشامل في الدول الأطراف يجب ألا يكون نظامًا تعليميًّا فقط، بل عليه أن يكون موجَّها نحو تنمية مواهب وشخصية وإبداعات الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، وتمكينهم من المشاركة الفعالة في مجتمع حر.

كما إن المادة (٢٤) توجب على الدول الأطراف ضمان عدم استبعاد الأشخاص والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، على أساس الإعاقة، من نظام التعليم العام، وضمان عدم استبعادهم من التعليم الابتدائي أو الثانوي المجاني، والجيد، والشامل. كما توجب على الدول ضمان تقديم الدعم اللازم وتوفير التدابير والخطط لتيسير حصول الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة على تعليم فعال في بيئة تسمح لهم بتحقيق أقصى قدر من النمو الأكاديمي والاجتماعي.

 من أهم هذه التدابير، تيسير تعلم أنواع الكتابة والقراءة البديلة، كطريقة البريل، ولغة الإشارة، وأيضا توفير التعليم،  ووسائل التواصل مع المجتمع للأشخاص ذوي الإعاقة المزدوجة (كالمكفوفين الصم)، والذي يعد مهما في تعزيز نمو قدراتهم الأكاديمية والاجتماعية، وتوظيف مدرسين يتقنون لغة الإشارة و/أو طريقة البرايل، بالإضافة إلى تدريب موظفين ومدرسين التعليم العام في طرق ووسائل وأشكال التواصل والتقنيات والمواد التعليمية الضرورية في برامج التعليم الشامل وبرامج الدمج الدراسي لمساعدة الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.

قانون رعاية وتأهيل المعاقين العُماني

تبنَّتْ سلطنة عُمان قانون رعاية وتأهيل المعاقين في عام ٢٠٠٨م، وذلك في سبيل سعيها لتوفير الدعم والرعاية لهم بشتى الوسائل، حيث تنص مواد القانون الحقوق والخدمات التي يجب على الدولة من خلال الجهات المختصة توفيرها للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وأسرهم، كتوفير الأجهزة التأهيلية والتي تساعدهم على الحركة والتنقل والتعليم والتدريب، وتوفير التجهيزات المناسبة للمعاق بمساكنهم في حال عدم تمكن الأسرة من توفير ذلك.

في مجال التعليم تنص المادة (٧) من القانون على أن الدولة توفر الخدمات التعليمية للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة بما يتناسب مع قدراتهم الحسية والجسدية والذهنية. إن المشرع قد ركز في هذه المادة وفي مواقع عدة في القانون على توفير التعليم والترتيبات والتيسيرات للأفراد بناء على نوع الإعاقة، مما قد يتنافى مع مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص والذي نصت عليه الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة كما ذكرنا سابقا، والتي وقعت عليها السلطنة لحماية هؤلاء الأفراد وأصبحت بقوة القانون بعد التصديق عليها بناء على المادة (٧٦) من النظام الأساسي للدولة.

وبالرغم من أن المادة لا توضح آليات تطبيق حق التعليم أو الواجبات المترتبة على الدولة جراءها، فقد تبنت الجهات المختصة كوزارة التربية والتعليم ووزارة التنمية الاجتماعية العديدَ من البرامج، منها برنامج الدمج الدراسي، الذي يعد من أهم البرامج في السلطنة في مجال التعليم الشامل، كما أنشأت مدارس مخصصة للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة ومراكز للتأهيل تحت مظلة قانون رعاية وتأهيل المعاقين.

التطبيق العملي للقانون ومدى توافقه مع الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة

اعتمدت وزارة التربية والتعليم في عام ٢٠٠١م برنامج الدمج الدراسي للطلبة ذوي الإعاقة السمعية والإعاقة العقلية البسيطة في مدارس التعليم العام في محافظتين في السلطنة. وهَدَفَ البرنامج إلى جعل مدارس التعليم العام مفتوحة لفئات أكبر من الطلبة، دون أن يكون الفرق بين الفئات كبيرا، وذلك لضمان وجود فارق معقول في القدرات بين جميع الطلاب.

وقد أدى نجاح البرنامج إلى توسع فيه ليشمل ٥٣ مدرسة للتعليم العام في جميع أنحاء السلطنة، ومع ذلك، وبالرغم من أن برنامج الدمج الدراسي يعتبر من أهم الخطوات نحو تحقيق وتوفير تعليم شامل للجميع، فإنه لا يزال يستثني الأطفال الذين يعانون من إعاقات أخرى غير السمعية الطفيفة، أو العقلية البسيطة، مما يتنافى مع المادة (٢٤) من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والتي تركز على أهمية توفير التعليم الشامل للجميع على أسس تكافؤ الفرص والمساواة، وعلى أن التعليم الشامل يكون من خلال خلق بيئة مناسبة للطلبة ذوي الإعاقة وتوفير التجهيزات اللازمة من حيث الأجهزة والمعلمين والمترجمين (لذوي الإعاقة السمعية)، وكتب بطريقة البريل (لذوي الإعاقة البصرية) بحيث يستطيعون الحصول على التعليم الابتدائي والثانوي العام ضمن برنامج الدمج الدراسي، وفي مدارس التعليم العام.

كما أن وزارة التربية والتعليم تبنت حديثا برنامجا للدمج الكلي وبرنامجا للدمج الجزئي، إلا أن المعلومات المتوفرة بالنسبة لآلية قبول الطلبة وكيفية ونسبة تطبيقه في محافظات السلطنة غير واضحة.

إن السلطنة لديها ثلاث مدارس للتربية الخاصة، ولكل مدرسة شروط قبول معينة، فمدرسة الأمل لا تقبل إلا الطلبة ذوي الإعاقة السمعية ، والذين لا يقل معدل ذكائهم عن 70 درجة معامل الذكاء، والمدرسة الفكرية تقبل الطلبة ذوي الإعاقة العقلية فقط، والذين يتراوح معدل ذكائهم من 50 إلى 70 درجة معامل الذكاء، ومدرسة عمر بن الخطاب، لا تقبل إلا الطلبة ذوي الإعاقة البصرية، وجميع المدارس الثلاث لا تقبل الطلبة ذوي الإعاقة المزدوجة؛ فالطلبة الذين يعانون من إعاقة سمعية وبصرية، أو سمعية وعقلية، أو يقل معدل ذكائهم عن 50 ، لا يقبلون في مدارس التربية الخاصة وبرنامج الدمج الدراسي.

إن إنشاء مدارس التربية الخاصة يتناقض بعض الشيء مع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وآلية التعليم فيها، وأيضا مع القيم المنصوص عليها في النظام الأساسي للدولة، حيث نص الأخير على المساواة بين جميع المواطنين، ولم يستثنِ أيَّ فئة من الحصول على التعليم في المادة (١٣)، ومن جانب آخر، إن الاتفاقية كما ذكرنا أعلاه، توجب على الدول توفير التعليم للجميع، وتوفير ذلك في مدارس التعليم العام من خلال تدريب المدرسين، وتوفير آليات وأجهزة التواصل مع تحقيق بيئة آمنة، تسمح لهم بالتعلم مع أقرانهم من الفئات الأخرى، مما يساعدهم على الاندماج في المجتمع ، والمشاركة في السلك المهني، وهذا هو ما يهدف إليه قانون رعاية وتأهيل المعاقين، الذي ينص على أن الدولة توفر لذوي الاحتياجات الخاصة الوظائف وبرامج التدريب المهني، وتحفزهم على المشاركة الفعالة في المجتمع، عليه، فإن إنشاء مثل هذه المدارس قد يخلق حاجزا بين الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة ، والمجتمع، وبهذا لا تتحقق المساواة المنصوص عليها في الاتفاقية، ويعيق بعض الشيء تحقيق هدف قانون رعاية وتأهيل المعاقين العماني في مشاركة الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في السلك المهني.

قد يعتبر البعض أن هذه المدارس هي ذات فائدة، حيث إنها توفر التعليم لهم، وإنا من حيث المبدأ لا نختلف مع هذا الرأي، ولكن على المدى البعيد، كلما ازدادت أعداد هذه المدارس، فإنها تخلق نظامين تعليميين ، وتزيد الفجوة بينهما من جانب ، وبين الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة ، والمجتمع من جانب آخر، وبذلك نخالف ما ورد في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي  الإعاقة، ولكننا ايضا لا ننكر بأن السلطنة لازالت بحاجة لهذه المدارس لحين يتم انشاء برنامج متكامل، لديه القدرة على شمل جميع الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة ويكون مطبقا لأحكام الاتفاقية.

إضافة إلى ما ذكر أعلاه، فإن المرسوم السلطاني رقم ٦٣/٢٠٠٨ بإصدار قانون رعاية وتأهيل المعاقين ينص في المادة الثانية منه على أن وزير التنمية الاجتماعية يصدر اللوائح والقرارات اللازمة لتنفيذ أحكام القانون، ولكن منذ صدور القانون وحتى الآن لم تصدر أي لائحة تنفيذية توضح آليات تطبيق القانون والواجبات والحقوق التي يجب الالتزام بها عند تطبيق القانون، عدا القرار الوزاري بإصدار اللائحة التنظيمية لإنشاء مراكز تأهيل المعاقين، والقرار الوزاري بإنشاء اللجنة الوطنية لرعاية المعاقين (والتي تُعنَى بالجانب المهني، وإعادة التأهيل، والاندماج الاجتماعي من خلال نشر برامج التوعية، ولا تركز على الجانب الأكاديمي).

من خلال ما تقدم من البحث والدراسة نستنتج أن هناك فهما خاطئًا لمفهوم التعليم الشامل المذكور في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في الهيئات الحكومية بالسلطنة، حيث إنهم، خلال توفيرهم التعليم للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، رأوا أن التعليم الشامل هو توفير التعليم لجميع الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة بأي وسيلة ممكنة كانت، ووضعوا شروطًا ومدارس خاصة لكل فئة، دون خلق برامج لتأهليهم منذ الصغر؛ كي يستطيعوا الانضمام إلى برنامج الدمج الدراسي في مدارس التعليم العام في السن المناسبة،  رغم أن الاتفاقية تنص على أن التعليم الشامل يكون من خلال المساواة وتوفير التعليم لجميع الأطفال، ووضع التدابير والخطط لخلق البيئة المناسبة لهم ، وتهيئتهم للحصول على التعليم الشامل، عليه، فإن خلق برامج تأهيلية يساعد الأطفال أكاديميًّا، ونفسيًّا ، وتهيئهم لدخول صفوف مدارس التعليم العام أسوة بأقرانهم.

كما أن خلق برامج توعوية للموظفين في الهيئات الحكومية المختصة وفي المدارس للمدرسين والاخصائيين الذين سيقومون بمساعدة وتعليم الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة لشرح مفهوم التعليم الشامل في الاتفاقية، وكيفية تطبيقها في القضايا الواقعية، وفي برامج ومدارس التعليم الشامل سيعزز – من غير شك- تطبيق اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة إلى جانب قانون رعاية وتأهيل المعاقين وسيتوافق مع التزامات السلطنة الدولية، وسيوفر أفضل بيئة تعليمية متكاملة للطلبة.

اضافة إلى ما ذكر أعلاه، نوصي الجهات المعنية بتوضيح الرؤيا وآلية التطبيق لأولياء الأمور بالنسبة للبرامج التي تبنتها في مجال التعليم الشامل، وأي برنامج مستقبلي قد تتبناه، ونشر الاحصائيات والمعلومات التي قد تفيد أولياء الأمور بشكل خاص والمواطن العماني بشكل عام.

علاوة على ذلك، إن اصدار لائحة تنفيذية لقانون رعاية وتأهيل المعاقين يعد ذا أهمية كبيرة في تطبيق جميع مواد القانون وليس فقط تطبيق المادة (٧) الخاصة بالتعليم، حيث سيوضح المعنى الصحيح للمواد وهدف المشرع منها وكيفية تطبيقها في الواقع. كما أن على المواد في اللائحة التنفيذية أن تتطابق مع التزامات السلطنة الدولية وخصوصا التزاماتها في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. كما يمكن في مجال التعليم، اضافة التزامات السلطنة الواردة في المادة (٢٤) من الاتفاقية كتوضيح للمادة (٧) من قانون رعاية وتأهيل المعاقين، وتوسعة لنطاقها، لتشمل التعليم الشامل وكل ما يندرج تحته من حقوق وواجبات، حتى يتم ابعاد التفرقة بين أنواع الإعاقة وبين الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة والفئات الأخرى في المدارس.

كما إن التوصية الأولى التي قدَّمها المقرر الخاص المعنيُّ بالحق في التعليم في تقريره السنوي لعام ٢٠٠٧ هي القضاء على العوائق التشريعية التي تمنع الأطفال والبالغين من ذوي الاحتياجات الخاصة من الحصول على التعليم، وإصدار لائحة تنفيذية لقانون رعاية وتأهيل المعاقين يُعَدُّ من أهم الخطوات لإزالة أي عائق تشريعي، يحول دون حصولهم على التعليم.

قانون رعاية وتأهيل المعاقين لا يتوافق كليا مع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة؛ وذلك لأن القانون اختصر حق التعليم في جملة واحدة ، ونص على أن التعليم  لهذه الفئة يكون من خلال قدراتهم الحسية، والجسدية، والذهنية، أما الاتفاقية فلا تفرِّق بين نوع الإعاقة، وإنما تركز على أهمية الدمج الدراسي والتعليم الشامل للجميع، ونحن لا ننكر أن للإعاقة أنواعًا، ولكل إعاقة حاجاتٍ خاصة، تختلف عن حاجات الفئات الأخرى، ولكن توجد أمثلة دولية لبرامج تأهيلية تساعد على تهيئتهم وتوفر لهم حاجاتهم؛ ليستطيعوا المشاركة في مدارس التعليم العام، وتوفير تلك البرامج وإصدار لائحة تنفيذية توضح مفهوم التعليم المذكور في المادة (٧) مما يعزز من نسبة التوافق بينهما.