عبد الله بن علي العليان

منذ فجر التاريخ، وعمان تزخر بتراثها الأدبي والثقافي العريق، حيث برز فيها الكثير من العلماء والأدباء والشعراء والخطباء، ممن تبوأ مكانة عالية في عصور متفاوتة، ولعل إبداع الأدب والشعر هو أبرز ما حضيت به مجالس أهل عمان من المطارحات والمساجلات والإنتاج الأدبي والثقافي والديني، وتقلد بهذا العطاء الشامخ العديد من أبنائها الشعراء الأفذاذ من ذوي المواهب العالية والمقدرات الكبيرة في هذا الرافد من روافد الفكر الإنساني ومعطياته الرفيعة.

وإذا كان الوطن والتاريخ والحضارة وهموم الإنسان الحياتية تمثل القطب الموضوعي للإبداع الأدبي في إجماعه ، فإن المبدع العماني على وجه الخصوص قد جسد تلك الانفعالات والانطباعات الذاتية أروع تمثيل سواء في شعره، أو قصصه وفي كتاباته الأخرى المبدعة بشتى صورها مع نسبية المعطيات واختلاف الاستجابات الوجدانية من مبدع إلى آخر إلى آخر ارتباطاً بحتميات التطور الزمني وتراكم التجربة من العمل الإبداع نفسه.وقد أدرك أبناء عمان مكانة هذا الإبداع أيها إدراك حيث تصدر المسرح الشعري على التوالي في الحقب العصور ، فبرز منهم شعراء وأدباء طبقت شهرتهم الآفاق فهناك من شعراء عمان وأدباءها المشاهير .. أذكى العرب الخليل بن أحمد الفراهيدي وابن دريد، وكعب بن معدان الأشعري، والنبهاني، والستالي، والقلعي، وابن شيخان والبهلاني، والخليلي، وغيرهم الكثير.

وعندما بدأ التغيير في عمان الذي قاده جلالة السلطان قابوس المعظم عام 1970، حتى بدأت الروح الوثابة والاستجابة النيّرة لتفعيل دور الأدب والثقافة والشعر، انطلاقاً من موقع المسؤولية تجاه هذا التراث وإعادة اكتشافه وبلورته ونشره ليكون معيناً وزاداً معنوياً ودفعة حقيقية لهذا العطاء، وتنشيط الحركة الأدبية والثقافية من أجل رفع المستوى الفكري والإبداعي للمواطن العماني باعتباره محور التنمية وأساس الحضارة العمانية منذ القدم. وجلالته قابوس أدرك منذ البداية، أن أية ” عصرنة ” لن تتم وفق ما هو منشود ما لم تتأسس على مبدأ الاعتزاز بالميراث الفكري الحضاري للأجداد ، وما لم يسر العمل في ” العصرنة ” جنباً إلى جنب مع المحافظة على التراث وإبرازه إلى حيز الوجود كمعين متدفق يغذي الحاضر ويقدم له الرؤى ويزوده بالخبرة الكافية .وعندما شيدت فيه الصروح التنموية الحديثة فإنه لم يفتها ، وعلى ضوء من التخطيط السليم أن الكتاب أسّ الحضارة ومصدر كل تقدم ورقي ، فعينت الحكومة أول ما عنيت بالكتاب، وتعهدت وزارة التراث والثقافة القيام بهذه المهمة الإنسانية ، فقامت بإعادة الحياة إلى أمهات مخطوطاتها النادرة وغيرها من كتب التراث الأدبي والشعري في عمان بعد تحقيقها وطبعها، وبدأ الكتاب العماني يعرف طريقه إلى كل المؤسسات العلمية داخل السلطنة وخارجها ، وانطلقت الجهود المتعددة في الدولة، والقطاع الأهلي في توصيل الكتاب العماني إلى كافة الولايات بالسلطنة وفي أماكن تواجد المواطن عن طريق المكتبات وغيرها، إسهاما منها في التعريف بهذه الكنوز الأدبية العمانية.فالنهضة المباركة التي ركزت في معطياتها على خلق الإنسان الواعي المثقف من خلال التحديث والتطوير الحضاري والتكنولوجي ، فإنها لم تفصل الجوانب الثقافية والفكرية ودورها في حياة الشعوب. ومن هنا جاء الاهتمام بتحديث مجالات الحياة المختلفة متواكباً مع الاهتمام بالثقافة والأدب، وقد أخذ اهتمام الدولة بإبراز الجوانب الثقافية من خلال العمل على تنشيط الحركة الأدبية والثقافية بخطوات مدروسة واعية تواكب تطور بلادنا في المجالات الأخرى بتدرج محسوب.

وعندما اختيرت مسقط هذا العام 2006 عاصمة للثقافة العربية كان هذا الاختيار متساوقا مع ارث هذه المدينة العربية العمانية العريقة وتاريخها ومكانتها الذي ارتبط بالتحدي والإباء ومقاومة الغزاة والمستعمرين عبر التاريخ، وفي الآن نفسه كانت مدينة حضارية متفاعلة، تحاورت مع كل العواصم والشعوب والأجناس والأديان دون أن تفقد هويتها أو تتنازل عن ارثها وتاريخها العربي الإسلامي، وهذا قاله العديد من الرحالة والمستشرقين والمكتشفين الذين زاروا مسقط في فترات مختلفة.

كان المشهد الثقافي في ذلك العام استثنائيا وحيويا بكل ما تعنيه الكلمة من خلال المؤتمرات والندوات والأسابيع الثقافية داخل وخارج السلطنة بالإضافة إلى الفعاليات الأخرى التي تزامنت مع هذا العرس الثقافي هذا العام كمهرجان الشعر ومهرجان الأغنية،ومعرض الكتاب والمسرح وغيرها من النشاطات والفعاليات التي أقيمت هذا العام إلى جانب الإصدارات العمانية هذا العام التي قامت بطباعتها للمبدعين العمانيين والعرب وزارة التراث والثقافة،والتي كانت بحق إحدى ثمار هذه الاحتفالية المتميزة .ولعل أبرز معطيات هذا المشهد الثقافي الاستثنائي، وما بعده ،جائزة جائزة السلطان قابوس للإبداع الثقافي التي تعتبر إحدى الحوافز الإبداعية الثقافية بما تساهم به في تحريك سواكن الإبداع وخلخلة التراكم المعرفي من خلال مسابقة هذه الجائزة على المستوى العربي والتي نأمل استمراريتها بأي صيغة كانت .لكونها تشكل ملمحاً جديداً لتلمس مكامن الإبداع وتفريغ تراكمه .

أن عمان بتاريخها العريق وارثها الكبير في الثقافة والأدب والتراث المتميز كانت ولا تزال تمثل على المستوى العربي تاريخاً متفردا ، ولذلك فإن إيجابيات تدوير مثل هذه الاحتفالية على مستوى الوطن العربي يعد خطوة إيجابية في زيادة التلاحم والتقارب واكتشاف المواهب وتحفيز المبدعين وتدفعهم إلى ميدان النشاط والحركة والتفاعل ، وهذا ما لمسناه في ذلك العام وما بعده أيضا.إلا أنه من الضروري أن يكون هناك تقييم شامل وموضوعي لكل المشهد الثقافي العماني ليكون هناك فرز لكل ما هو إيجابي أو سلبي، والاستفادة من هذا التقييم في التخطيط الثقافي المستقبلي .

ودائما جلالة السلطان قابوس يركز في أحاديثه مع شعبه، على أهمية التوازن في النشاط الثقافي، وأهمية الاعتزاز بالموروث الذي نفيد منه في حاضرنا، وتذكير الشباب بأهمية عدم الانبهار بثقافة الآخرين، وضرورة الانتقاء من ثقافة الآخر بأخذ الصالح وترك الطالح، أو السلبي، فالثقافة ـ كما قال جلالة السلطان” أصبحت مختلفة ( في هذا العصر عما قبله)، ولذلك لابد أن نكيف أنفسنا لان نقبل بما هو مفيد من هذه الثقافة، وما هو غير مفيد نتركه”. مضيفا أن ” الثوابت معروفة في كل مجتمع له ثوابت دينية وعرفية وأخلاقية معروفة هذه الثوابت تبقى يتعلمها الجيل بعد الجيل، هذه الثوابت معروفة وموجودة في داخل الأسر، وفي داخل البيوت، لكن لا يعني الانغلاق، فالانغلاق غير مرغوب، فمن ينغلق على نفسه مثل المكتئب الكئيب الذي ينغلق على نفسه، يعزل نفسه عن المجتمع وعن العالم، ومن يعزل نفسه في هذا الزمن عن بقية العالم يبقى معزولاً، وبالتالي يبقى متقهقراً ومتأخراً اقتصاديا ومعرفياً وإلى آخره”.

هذا التوازن القويم الذي تحدث عنه جلالته في هذا اللقاء ليكون طريقا للوطن والمواطن، هو أساس نجاح التوجهات النهضوية العمانية وتماسكها في مواجهة التحديات والتغيرات التي جرت وستجري في عالم اليوم من تقلبات عصفت بأمم وشعوب كثيرة بسب عدم التوازن وتخلت عن القبول بالتعدد والتنزع، فكان مصيرها متحف التاريخ. فمنهجية التوازن بين التفاعل مع العصر والحفاظ على القيم والثوابت والإرث التاريخي جعلت النهضة العمانية الحديثة تمشي في تدرج محسوب وسير مرسوم بلا منغصات أو انحدارات تقّوض ما تم إنجازه واستلهامه من التقدم والتحضر ليضاف إلى هذا البناء التماسك القوي ولذلك فإن النهضة العمانية لم تعرف الثنائيات المتناقضة كما وجدت بعض الأمم كالتناقض بين الأصالة والمعاصرة .. بين القديم والحديث .. بين الثابت والمتغير .. بين التراث والعصر، هذا الالتئام عزز هذه النهضة، وأعطاها مداها واتساعها وقوى بنيانها لتكون أكثر استيعاباً لمنجزات الحضارة وفي نفس الوقت أقدر استلهاماً لقيم التراث

والدعوة إلى التفاعل مع العصر والدعوة إلى استلهام التراث واستيعابه لا تعني العودة إليه بالمعنى الزمنى، وإنما تعني الأخذ بنمط حضاري يمدنا بالقوة والمعرفة وقادر على تحقيق تطلعات الأمة وطموحاتها .. والحفاظ على الثوابت لا تعني الهروب من مسئوليات الحاضر وتحدياته.. وإنما هي عملية واعية لتحقيق الوجود لأن التاريخ هو الذي يمتطي صهوة الحاضر وعدته ، وأن المجموعة البشرية التي تنفصل عن تاريخها فإنها تقوم بعملية بتر قسري لشعورها النفسي والثقافي والاجتماعي وسيفضي هذا البتر إلى الاستلاب والاغتراب الحضاري.نعم الوضع الثقافي كان شبه معدوما،والحراك الثقافي راكدا ومحدودا، وهذه كانت لها أسبابها وظروفها السابقة للسلطنة قبل تولي السلطان مقاليد الحكم،وبعد النهضةبدأ الحراك الثقافي والفكري في الانطلاق، بالتدرج،لأن الغالبية من العمانيين في بداية التغيير، أنصب اهتمامهم على التنمية، والتعليم، والتأهيل، لأن الأولوية، كانت للتأسيس والقوي للإنسان العماني باعتباره محور التنمية وقائدها كما جلالة قابوس في العديد من أحاديثه، وفي الثمانينيات من القرن الماضي، تأسست جامعة السلطان قابوس،وبدأت الأنشطة الفكرية والثقافية تنطلق من خلال النادي الجامعي، الذي أصبح النادي الثقافي بعد ذلك، ثم بدأت المناشط الثقافية من خلال الأندية والمجالس والهيئات والجمعيات الأهلية المتعددة، ومع ذلك فإن الحراك الثقافي لا يزال محدودا وضئيلا،ربما ينقصه العديد من الوسائل الدافعة والفاعلة لتحريكه، منها في اعتقادي وجود تفاعل بين المثقف والمؤسسات الثقافية ـ كما يراها البعض ـ أو عدم وجود مجلات ثقافية فاعلة في الوسط الثقافي العماني، تلقى بالحجر في المياه الراكدة محليا،وتباشر قراءة مباشرة وناقدة للركود الثقافي القائم، لأن المثقف يتفاعل مع الوسائل التي تحرك ميوله في الحراك، وتنشط دواخله النفسية والفكرية، وما يتمناه المجتمع منه من رؤى حيوية للنهوض الثقافي المنشود، وهذا ما نتوقع أن تقوم به مجلة (شرق وغرب) في المرحلة المقبلة.

3,582 total views, 2 views today