أحمد بن سالم الفلاحي

ينجز المشهد الثقافي العماني كما نوعيا من التنوع الثقافي على امتداديه الافقي والرأسي؛ افقيا من خلال الكم المتحقق لهذا المشهد وهو مجموع العاملين، والمستفيدين، ومجموع الانتاج الكمي والنوعي في ذات الوقت المتحقق من هذا الحقل على امتداد هذه السنوات التي رافقت نمو هذا المشهد، ورأسيا من خلال ما أوسس له من دعائم ثابته لتعزيزه مع مرور الأيام، ولمواجهة التحديات التي قد ترافق مسيرته ايضا، فالمسالة ليست موقوته بزمن معين، بقدر ما هي امتداد لتأصيل هوية شعب، وسط هذا العالم الذي – بفعل التداخل والتمازج – كثيرا من تندثر عبره القيم والهويات، والانتماءات، ولذلك فالمشهد بهذه الصورة لم يكن متأخرا عن جملة مكتسبات النهضة المباركة التي تقطع اليوم اكثر من اربعة عقود، حيث تمثل كل مناخاته المعززة لتأصيله رصيدا متراكما من شأنه ان يضيف ابعادا أخرى في  سلسلة هذا الانجاز، وما نعيشه على الواقع يؤكد هذه الصورة غيرالغائبة عن الجميع، وهناك جهود صادقة تبذل، ومسعى حميد قائم على امتداد الزوايا الاربع المحددة لبنائه.

شكل الاهتمام بالتعليم منذ مطلع النهضة المباركة احد اهم الاسس لبناء هذا المشهد، لليقين الموجود، انه بغير العلم لن يقوم كيان صلب معزز بالعلم والمعرفة، ومن ثم تناسلت بقية المشاهد لتوجد اليوم على الواقع العماني هذا البناء المكتمل لهذا المشهد، ولا ننسى في ذات الاطار، انشاء اول  وزارة  متخصصة على مستوى الوطن العربي، وهي اليوم وزارة التراث والثقافة التي حملت، منذ نشأتها الاولى لواء الثقافة وحملته وشاحا على صدر كل العاملين فيها، ولاتزال الى اليوم تحث الخطى بوعي دقيق لتعميق هذا الفعل الحضاري الرشيد في نفوس الابناء في الداخل، وفي  تأكيد الحضور  العماني الرائع في الخارج، وما بقي من تفعيل لجوانب بقائه واستمراره، فذاك متروك على همة ابناء هذا الوطن في  كل فترة زمنية، فان أرادوا له البقاء، والنماء فمعززات ذلك موجودة بأيديهم، وبأفكارهم، ولا أرى من خلال المعايشة الا هذا الاصرار من قبل هؤلاء الشباب ابناء عمان، وحرصهم الأكيد – كما كان الجيل الذي سبقهم – على تفعيل المشهد، والعمل على بقاء، واستمرار كل الاسس الداعمة له، بل لديهم الهمة في الحرص على البحث الجاد لخلق صور جديدة تتماشى وروح العصر، ومتطلبات الحاضر، والدليل الآن بين ايديكم بميلاد هذه المجلة “شرق غرب”، فهذا الميلاد، يقينا، لم يأت بمحض الصدقة، وانما هناك جهود جبارة سعت، وبكل اخلاص، حتى خلصت الى مولد هذه المطبوعة، التي لن نعدها، سوى اضافة جديدة، وجيدة لهذا المشهد الذي نتحدث عنه اليوم.

يقود هذا المشهد اليوم، وبكل فخر، (جائزة السُّلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب) التي جاء انشاؤها بصدور المرسوم السلطاني السامي رقم: (18/2011)، أي تسجل هذه الجائزة الرفيعة القدر والقيمة ثلاث سنوات من عمرها المبارك، وهي الجائزة التي تهدف الى “دعم المجالات الثقافية والفنية والأدبية …”، وتعمل على “غرس قيم الأصالة والتجديد … القائمة على التنافس المعرفي والفكري، … والى “تكريم المثقفين والفنانين والأدباء …”، وغيرها من الاهداف الرصينة المعبرة عن النظرة السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – الراعي الاول لهذا المشهد الثقافي العماني، والحريص على توفير كل ما من شأنه ان يعزز بقائه، واستمراره، وتفاعله مع واقعه ومع المجتمع الاقليمي والدولي على حد سواء، وما جوائز جلالته العالمية في البيئة وفي مجالات العلوم الأخرى التي تمثلها كراسي جلالته العلمية في مختلف المؤسسات الاكاديمية العربية والعالمية الا احد الصور الماثلة للمشهد الثقافي العماني.

واذا كانت جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب، هي احد الاركان المضيئة القائم عليها صرح المشهد الثقافي العماني، فان (دار الأوبرا السلطانية) – التي افتتحت تحت الرعاية السامية لجلالته، اعزه الله، في اكتوبر من عام 2011م، تمثل ركنه الآخر، هذا المعلم الحضاري الذي يعد “علامة بارزة توضح مدى الاهتمام بالانفتاح الحضاري على العالم وصولا إلى التنوع الثقافي الذي تفتخر به عمان وهي – تقدم اليوم – الكثير من الفنون الرفيعة والبرامج المبتكرة التي تدعم مجالات المعرفة والإلهام لكافة المرتادين من عمان وأنحاء العالم”

وتأتي، تعضيدا، لهذا المشهد الرائع – وفق مفهوم الامتداد الراسي – مجموعة من المؤسسات الفاعلة في  المشهد الثقافي العماني، سواء تحمل هذه المؤسسات الصفة الرسمية؛ مثل مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، والجمعية العمانية للفنون التشكيلية، والنادي الثقافي، او صفة المجتمع المدني وتمثلها هنا عدد من الجمعيات مثل: الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، والجمعية العمانية للسينماء، وجمعية الصحافيين العمانية، والجمعية العمانية للمسرح، فهي في  مجموعها تعمل في  خدمة هذا المشهد، مهما اختلفت الاختصاصات، والاهداف، ففي النهاية تسعى الى بناء جيل محصن بالمعرفة؛ في جانبيها العلمي، والثقافي، فمهما تعددت اشكال المنابع فهي في النهاية تصب الى المجرى الرئيسي  لنهر الثقافة العمانية لتظهر صورة متكاملة له، تنبئ الآخرين بأن هناك اشتغالا حقيقيا في هذا الحقل، وان هناك خصائص حضارية تعمل على تحفييز هؤلاء القوم لأن يكون بناؤهم الثقافي بالصورة التي تعبر صدقا عن هذه الخصائص، وكل هذه المؤسسات تثري  الامتداد الافقي لهذا المشهد، فوق انها تكرس مبدأ التأصيل المعزز للامتداد الرأسي، والسلطنة بحمد لله لا تزال تحافظ على هويتها العربية الاسلامية، ولم تنل منها رياح تغييب الهويات كثيرا، وهذا ما يجعل مشهدها الثقافي اذ ينطلق؛ فانه ينطلق من قيم معرفية، وتاريخية، وتراثية، ويوظف الماضي لخدمة حاضره، حيث لا يفقد ماضيه حاضره، ولا يغيب حاضره ماضية بصورة مطلقة.

ما يمكن ان اختم به في هذه العجالة ان المشهد الثقافي  العماني الذي فاز باقامة فعاليات “مسقط عاصمة للثقافة العربية في عام 2006م، ويفوز اليوم باقامة فعاليات “نزوى عاصمة للثقافة الاسلامية في  العام القادم 2015م”، هو نفسه المشهد الممتد منذ مئات السنين يوم ان أسس – احد الامثلة – “أول صحافة في تاريخ شرق أفريقيا والتي لعبت دوراً كبيراً في نشر اللغة العربية لتكون لغة التجارة والاقتصاد والإدارة والحكم والحياه الاجتماعية في القرن الافريقي”، وهو نفسه الذي سوف يمتد ان شاء الله الى أزمان قادمة حاملا لواء هوية ثقافته، وتاريخه، وستظل عمان حبلى بتناسل مشهدها الثقافي وفق مناخات كل عصر، لأن مقومات بقائه واستمراره حاضرة، وماثلة، وحرق مراحل التاريخ ليس من اليسير امره، ولو بقي  فرد واحد ينادي بما تأسس عليه هذه المشهد عبر التاريخ، كما حصل في تاريخ عمان الحديث، عندما عزز بقاء هذا المشهد، واثراه بكل فكره وجهده، وهو حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس  بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه -.

3,520 total views, 5 views today