أحمد بن سالم الفلاحي

يقر كثير من المنظرين أن العلاقة بين المثقف والمجتمع علاقة مرتبكة، وملتبسة إلى حدٍّ كبير، ويأتي ذلك انعكاسًا لصورة نمطية ألصقها المجتمع بالمثقف، وأصلها المثقف من خلال مجموعة من السلوكيات والممارسات التي أفضت إلى تنميط هذه العلاقة في صورتها العامة، وليس فقط ما يصر عليه المجتمع في بقاء هذه الصورة وديمومتها على مرور الأيام، وهذه الصورة تتمثل في «الفوقية»، أو «النرجسية» التي يكون عليها بعض المثقفين وأحتسبها المجتمع على الجميع دون استثناء، وهذا بشهادة الكثير من المنظِّرين في هذه العلاقة على وجه الخصوص، ومن الذين تتاح لهم فرصة الحديث عن هذه العلاقة، وما يؤصِّل هذه الصورة أكثر وأكثر هي ما يستند عليها آخرون أيضًا هي العلاقة الظرفية التي يحرص عليها بعض المثقفين في علاقاتهم مع المجتمع، وهي الظرفية القائمة على المناسبة، أو الحدث، وتقييم المثقف لها من خلال تعاطيه مع هذه الظرفية في آنيتها، أو إحجامه عن ذلك، إن كان يعني له شيئًا مما يطمح إليه، أو يحقق له مكسبًا نسبيًّا يزيد من رصيده الوجاهي، ويبقيه في القمة، كما هو الشعور عند الغالبية من المثقفين، وفي تقديري أن ديمومة هذه النظرة، أو هذا التقييم سيستمر أكثر، خاصة اليوم بعد أن أصبح المثقف يلعب دورًا ثانويًّا حيث تتناسل المعرفة لدى كل أبناء المجتمع، ولو بدرجاتٍ متفاوتةٍ.

ولعل مرجع هذا كله – وهو كتبريرٍ؛ أو نوع من الدفاع – هو ما يشير إليه الدكتور عبدالحميد الأنصاري الذي يصف المثقف بأنه المنزه نفسه دائمًا عن الوقوع في مطب احتياجات العامة من أبناء المجتمع، وذلك لما يتمتع به من ذكاء، وفطرة نظيفة، يقول الأنصاري: «المثقف الحقيقي أو المصلح أو الداعية، هو ذلك الإنسان الذي يظل على خلاف دائم مع مجتمعه، استشرافًا لمستقبل أفضل، فإذا خضع لسلطان الرأي العام – تملقًا أو خوفًا – انتفت عنه صفة المثقف، فالمثقف موقف وليس مجموعة من المعارف التي يحشو بها رأسه، والمثقف الحقيقي هو الذي يفكر مستقلاً عن تأثيرات السلطة وعن غرائز الجماهير في الوقت ذاته».

وانعكاسًا لوجهتي النظر هذه بين تقييم المجتمع للمثقف، وبين موقف الدفاع عن نفسه، كما هي وجهة نظر الأنصاري، تزيد حالة الالتباس في هذه العلاقة، وتتوسع حالة الارتباك، وإن كانت هناك جهود من قبل البعض أيضًا في تقليص الفجوة الحاصلة بين المثقف ومجتمعه، وهذه في تقديري إشكالية كبيرة، وتطرح دائمًا في مختلف اللقاءات التي تتم والتي تجمع مثقف مع أي محاور في شأن من شؤون الثقافة، أو في شؤون قضايا المجتمع المختلفة، فإلى أي حد يستطيع المثقف أن يخرج نفسه من هذا الاتهام، إن تجوز التسمية، وإلى أي حد يستطيع أن يصل إلى قناعة المجتمع، ويزيل هذا اللبس المتأصِّل، على ما يبدو، عبر ممارسات سلوكية ممتدة، منذ أن بدأ الوعي الجمعي، المصدوم بحالة المثقف، وما هو مستوى الأداء الذي يرتضيه المجتمع من المثقف على يحوز على رضاه، من هنا يمكن الإجابة على سؤال مدى استطاعة المثقف أن يقدم للشارع في ظل أي ظرف كان لمجتمعه، وهذا يقينا يحتاج إلى مرحلة زمنية طويلة حتى يذيب الثلج المتراكم، فالعلاقة جد متوترة، ويزيد توترها هو حالات الانفصام التي يبديها بعض المثقفين في التعامل مع الأحداث التي تشهدها مجتمعاتهم، ولعلي أركن هنا أكثر إلى المجتمعات العربية ومثقفيها أكثر، لأنه لم تكن لي تجربة التقييم لحالة المجتمعات غير العربية لأنها بعيدًا عني انتماء جغرافيا، أو تجربة حياة على الأقل.

عندما يطرح سؤال كهذا: هل العوامل المباشرة في صيرورة السياسة والسياسيين أكثر حضورًا وتأثيرًا على الأمة من الثقافة والمثقفين؟ يمكن الرد على هذا السؤال؛ ولو بصورة نسبية، وهو أن التعامل السياسي مع الواقع يظل في كثير من الأحيان تعاملا منطقيًّا، فلا مجال للمعادلة الحسابية أكثر من أن (1+1= 2)، لأن المسألة خاضعة لفترة زمنية لا تحتمل أكثر من تحقق الهدف الذي يسعى إليه، ولعلنا نضرب مثالاً تطبيقيًّا لهذه الصورة المنطقية وهو توقيع اتفاقية السلام بين جمهورية مصر العربية والكيان المحتل لفلسطين، وقد كثر التنظير حول هذه الاتفاقية، والذي تبناه المثقف بشكل خاص، والذي تمحور حول الخطأ الفادح الذي أقبلت عليه مصر بقيادة رئيسها الراحل أنور السادات كما قيمه المنظرون، حيث ارتضت بحالة السلام مع عدو العرب جميعهم، مع يقينها أن العرب المبنية قرارتهم على العاطفة في لحظة الموقف، حيث إنها انفردت بهذا التوجه، وأنها وضعت العرب جانبًا، وأنها تناست الحق الفلسطيني في أرضه، وأنها كذا وكذا، حسب التقييم الذي تم بعد ذلك، إلى آخره من التنظيرات التي تفاعلت وتراكمت خلال تلك «الفزعة» العربية التي تكاتفت وتكاملت من المحيط إلى الخليج، إلا ما ندر، والندرة هنا كان في موقف السلطنة الوحيد، وقد تناثرت تلك «الفزغة» في الهواء الطلق، بعد فترة من الزمن، كما تتصاعد فقاعات الصابون وتذوب، وظل المثقف هو الخاسر، فقد كسب السياسي المعركة، وعادة أرض سيناء إلى حضن أمها مصر، وإن دفع – كما يرى البعض – أنور السادات الثمن عندما تم اغتياله، وإن ظل موقف المثقف منتصرًا لذاته حتى الساعة، وكما يضرب المثل بهذه الحادثة، يضرب نفس المثل بحالة أفغانستان، عندما اتحد الأفغان على قتال السوفييت، إبان احتلاله لأفغانستان، وروج المثقفون الأفغان من أمثال: أحمد شاه مسعود، وقلب الدين حكمت يار، وبرهان الدين رباني، صورة الجهاد ضد المحتل السوفياتي «الكافر»، وتقاطرت إليهم أفئدة المثقفين العرب، ومن أبرزهم الدكتور عبدالله عزام، وأسامة بن لادن، ومع نهاية المعركة، وبداية العودة إلى حيث المرابط الأولى خفت تداعى صوت المثقف من كلا الطرفين، وظل النداء اقتسام «الكعكة» السلطة أعلى، وسقط صوت المثقف مرة أخرى، ولم تقم له قائمة إلى اليوم، وتأصلت قناعة الناس أكثر وأكثر في أن المشروع الذي يقوده المثقف مشروع فاشل بامتياز.

وعندما نعود إلى تاريخنا العربي على امتداد القرن العشرين الماضي نجد نفس الصورة المتكررة لحالة المثقف الباحث عن هوية، كما يبدو، حيث إنه مع تشكل الدول الوطنية التي خرجت من عباءة الاستعمار في أواخر القرن العشرين، كان المثقف هو الذي صاغ مبادئها، ورؤاها ومستقبلها، هو الذي صاغ أحلام شعوبها، ووضع شروطه الصعبة، كما يقتنع، حيث وجد المناخ آمنًا لكي تنساق الشعوب إلى آرائه، وأفكاره، بل أغمضت الشعوب أعينها في هذه المواقف الحاسمة من عمر دولها وأوطانها، وظل «المثقف» هو بصرها، وبصيرتها إيمانًا منها من أنه المتحدث باسمها، والحالم بسعد أيامها، إلا أن هذه الصورة الحالمة لما يسمى بـ «المثقف» لم تدم طويلاً حيث غزاها الطمع، وضعف الذات، ومحاككة النفس الموصوفة بـ «الأمارة بالسوء»، فتاه المثقف مع الزمن، ومع تناسل أفكاره، وتشعب رؤاه، ضاعت مع الأيام مقاصده، ويصوِّر الدكتور محمد براده، في مقال له بعنوان «تنمية الأدب»، نشره في مجلة دبي الثقافية عدد (83)، شهر أبريل، 2012م. يقول فيه: «يلاحظ على علاقة الأدب العربي بالدولة «الوطنية» أنها علاقة محفوفة بالالتباس ومحاولة التسخير الأيديولوجي، ففي مرحلة الاستعمار كان الأدب يحظى بالاعتبار والتشجيع، لأن الإجماع الوطني كان يرى في الأدب وسيلة لترميم الهوية، واستنهاض الهمم وإحياء اللغة والتراث، ولكن هذه العلاقة تحولت بعد الاستقلال نتيجة لانحراف الدولة الوطنية عن أهدافها، واختيارها القمع والاستبداد بدلاً من الديمقراطية وحرية التعبير، وهذا الانحراف فرض الرقابة على الأدب، وفتح طريق التسخير والاسترزاق» – انتهى قوله –

فمن فرض «القمع والاستبداد بدلاً من الديمقراطية وحرية التعبير» حسب قول الدكتور براده، أليس المثقف الذي حمل لواء هذه المفاهيم للوصول إلى رئاسة الدولة الوطنية كما يروج لها، ولعلنا عايشنا ولا زلنا نعايش اليوم تداعيات بما يسمى بـ«دول الربيع العربي»، فأين أصبح قادة هذه الدول، ومن قام بالتنظير لمفاهيم الديمقراطية، وحرية التعبير، والحرص على حياة الناس، وتوفير سبل العيش الكريم لأبناء الأمة مع بداية تشكل هذه الدول، أليس هو المثقف، الذي ضرب بكل هذه المبادئ والقيم التي نادى بها بعد أن ثبت أقدامه، وقويت شوكته، وكانت النتيجة كما نراها اليوم ماثلة أمام أعيننا، حيث اختزل المشهد إلى درجة الفردية، وأصبح الاشتغال على نمو الذات، وتضخيمها، والبحث عن كل ما من شأنه أن يمكنها من تعزيز مادتها، قد يكون ظروف الحياة لعبت دورًا محوريًّا في هذا الاتجاه، أو هو نسقًا جمعيًّا، أو جماعيًّا يعطي الدلالة نحو السير في هذا الاتجاه، لأن المشارب اختلفت، والأهداف تعددت، فلم تعد القدرة الفردية قادرة على صياغة رؤى لمستقبل مجتمعها بعد أن أسندت هذه المهمة إلى مجالس، وهيئات، وجماعات، ومؤسسات، مما أثر بالفعل على الدور الذي يمكن أن يلعبه المثقف من خلال طاقته الفردية التي أصابها الوهن، والعزلة – عندما يبتعد عن المشهد السياسي – حيث علت شكواه من الإهمال، والإقصاء، وهذا الانكفاء قد يعود سببه إلى أن المشاريع الوطنية التي نادى بها المثقفون في وقت من الأوقات تنازعتها المطامع الفردية، ممن كانوا في خندق واحد، كما تبين ذلك الكاتبة فريدة النقاش في قولها: «ما إن استقلت البلاد وأخذت تلملم جراحها وتبني دولتها الجديدة، حتى أخذ الفساد يدب في أوصالها، لأن الشعب الذي قدم الشهداء بسخاء نادر، كان قد دعا إلى الموت ولم يدع إلى المجالسة على حد تعبير «أمل دنقل» بات هذا الشعب الباسل عاجزًا عن السيطرة على مصيره، إذ تكونت بسرعة بيروقراطية هجرت تراثها الثوري والتفتت لمراكمة الثروات عبر الفساد، الذي سانده استبداد سياسي باسم الحزب الواحد، بعد أن نخر السوس جسد جبهة التحرير الوطني، وانتشر الفقر في واحدة من أغنى الدول العربية بالموارد الطبيعية والمناضلين الأقوياء، والبشر المفعمين بالكبرياء، وعاد الشهداء ليصدمهم هذا الواقع المزري وكأنهم ماتوا سدى». فريدة النقاش – دبي الثقافية – العدد 81 – فبراير 2012م.

والكاتبة هنا وإن عبرت عن حالة خاصة إلا أن الواقع ينسحب على عموميته، ليس في الشرق فقط، بل في كل اتجاهات الكرة الأرضية، فلم تعد البقعة الجغرافية المسماة «الوطن» هي محور الاهتمام فقط، بل تتدخل النوازع الذاتية فتضخم من حال قدرتها إلى درجة أن تصيب الوطن، الذي ناضلت لأجله، هو جزء من كعكة كبيرة تتقاسمها السباع القادرة على السيطرة، ولنا في التاريخ الكثير من العبر، والقصص التي لا تعد ولا تحصى، أليست هذه ضربة قاسية في تجسير العلاقة بين المثقف والمجتمع الذي يعيش فيه؟ إذن والحالة كذلك متى ستقوم للمثقف قائمة؟ ومتى سوف تتراكم تشظيات الصورة لتبدوا صورة ناصعة التكوين، لا خدوش فيها، ولا رتوش؟.

المسألة اليوم، في تصوري، تتجاوز جهد الفرد، سواء كان هذا الفرد يطلق عليه مثقف، أو سياسي، أو قانوني، أو أية مسميات أخرى يلبسها أبناء المجتمع بعضهم بعضًا، المسألة اليوم تدعو إلى المؤسسة، وأن إشكاليات المجتمع، وطموحاته وآماله لن يحققها فرد، وإنما تحققها مؤسسة، ففي مجال التشريع هناك مؤسسات لهذا التشريع، وفي مجال البرامج التنموية، هناك مؤسسات تنفيذية، وفي مجال القضاء هناك أكثر من درجة لتحقيق العدالة، وفي مجال الخدمات التطوعية هناك مؤسسات للمجتمع المدني وقِسْ على ذلك أمثلة كثيرة فيما يمس هذا الفرد أو مجموعة الأفراد في المجتمع، إذن لم يعد هناك مشروع وطني أو إنساني يمكن أن يسند إلى تخصص معين، ينضوي تحت مسمى معين نظر إليه المجتمع في وقت من الأوقات بشيء من التقدير، اليوم تتجه النظرة إلى التنظيم المؤسسي، وهو التنظيم القادر على صياغة واقعًا مختلفًا، ومعبرًّا تعبيرًا صادقًًا لما تجيش به الأنفس، وهو القادر بحكم هذا التنظيم على تحقيق الكثير من التطلعات، والنظر إلى الأمور بشيء من الشمولية والإحاطة، وهي الصورة المنبه إلى حقيقة التنافس، وتقديم الأفضل، لأنها تضم قوى فاعلة بحكم التخصص، وكما يقال دائمًا: «إن الأمة لا تجتمع على ضلالة»، وبذلك يمكن للمجتمع، في هذه الحالة، أن يصل إلى ما يسمى بـ «المجتمع الحديث» القائم على التشريع الفاعل، والتنفيذ الصادق، والقضاء العادل، لأنه في كل هذه المناخات تمثله مؤسسات تقوم على التنظيم المحكم، وإن كان هناك من جهد من قِبل الأفراد، فليكن هذا الجهد منتمي تحت مظلة هذه المؤسسات، ولندع المفاهيم المغرقة في الخصوصية كحالة الـ «مثقف»، لأن سلعته، التي بالغ المجتمع في تبجيلها، عفا عليها الزمن.

4,060 total views, 2 views today