زاهر بن حارث المحروقي

لقد طُرح موضوع علاقة المثقفين بالسلطة في الوطن العربي للنقاش كثيرًا على مدى السنوات الماضية؛ نظرًا للإشكاليات التي تعتري هذه العلاقة بين الطرفين؛ فهي غالبًا يحكمها شك وتوتر وعدم ثقة، وأحيانًا تصل هذه العلاقة إلى التناقض والعداء، وهذا يجعل الفجوة تكبر بين الحكومات العربية وبين المثقفين وأصحاب الرأي والفكر، ممَّا يؤدي إلى خسارة كبيرة للجانبين معًا، للحكومات بخسارتها لآراء المثقفين والمفكِّرين وأصحاب الرأي، وللمثقفين والمفكرين أيضًا بانطوائهم وعدم المشاركة في إبداء الرأي في أمور تخص الوطن والمواطنين.

وفي حقيقة الأمر لا يوجد ما يخيف إذا أبدى المفكرون أو المثقفون آراءهم صراحة؛ لأنَّ ما يشغل بالهم غالبًا ما يكون هو ما يشغل بال عامة الناس من الهموم والأوجاع والآلام والطموحات والأحلام، فلا داعي للنظر إلى الثقافة أو المثقفين بعين التوجُّس والحَذَر والتوهُّم بأنَّ المثقفين يثيرون البلبلة والإزعاج ويفتحون الأعين على ما لا ينبغي الوعي به أو الاقتراب منه، فقد قالت العرب قديما «صديقك من صَدَقَك لا من صدَّقك»، بمعنى أنَّ من يصدقك القول خير ممن يقول لك إنك على صواب حتى لو كنت على خطأ، فهذا هو مصدر الضرر وليس من يقول لك الصِّدق، وقد رأينا في طول الوطن العربي وعرْضِه من يتهم المثقفين في ولائهم وفي وطنيتهم، ورأينا من تم التحقيق معهم، ومن تم الزَّج بهم في السجون، لأنهم قالوا كلمة آمنوا أنها حق وأنها تخدم الوطن، كما رأينا من يتم تجاهلهم وتجاهل عطاءاتهم، حتى في لحظات مرضهم ووفاتهم، مثلما حصل مع الكثيرين من المفكرين في الوطن العربي، والنماذجُ كثيرة لا تعدُّ ولا تُحْصَى، وكل ذلك بسبب الخوف مِن الرأي أو مِن صاحب الرأي.

أمام التضييق الذي يصادفه المفكرون؛ ومع ثورة المعلومات اتجه المفكرون والمثقفون وعامة الناس إلى الإنترنت، خاصة مواقع التواصل الاجتماعي كتويتر والفيس بوك، وأصبح الكلُّ يُبدي رأيه ويكتب ما يشاء، لأنَّ مجال النت أصبح بديلاً قويًّا عن وسائل الإعلام الرسمية أو التقليدية، وهو مجال مفتوح للكل، ويستطيع أيُّ صاحب رأي وفكر – حتى لو كان فكرًا منحرفًا – أن يقوله وينشره ببساطة، ويتفاعل الناس مع ما يقول في ظل غياب وسائل إعلام تعطي هذه الفرصة لهم، والتشبيهُ في ذلك كالذي أراد أن يدخل بيتًا فوجده مغلقًا فاضطر للدخول من النافذة، ومع مرور الأيام اتسعت النافذة فاستغنى الناس عن الباب، والمدهش أنَّ الحكومات العربية سارعت في سَنِّ قوانين تجرِّم التعامل مع وسائل الاتصال الحديث دون أن تناقش القضية الأساسية، وهي ما هي الأسباب التي دعت الملايين يتفاعلون مع المدونات ومنتديات الحوار على حساب الإعلام الرسمي المسموع والمقروء والمشاهد؟!… وعلى المفكِّر والمثقَّف أن يبدي رأيه، سواء أُخِذ به أو لم يؤخذ، وللأستاذ أحمد الفلاحي في كتابه «حول الثقافة» رأيٌ صائبٌ عندما قال «إنَّ على المثقف أن لا يطأطئ رأسه، وعليه أن يواجه التيار وأن يكون طليعيًّا متقدمًا في فِكره وفي طرحه للأمور ومناقشته للقضايا، متسلحًا بالجرأة والشجاعة غير مبالٍ بالصخب والصراخ الذي يثور مِن حوله؛ لأنَّ مهمته هي تجديد العقول وتطوير الأفكار؛ ورسالته هي الارتقاء بالمفاهيم وهي التبشير بالغد وتجاوز الأمس».

في تاريخ المنطقة هناك بعض المؤسسات اعتمدت على الخبرات المختلفة والمتباينة في توجهاتها وقد حقَّقَت نجاحًا منقطع النظير، منها مثلاً جريدة الأهرام المصرية التي ضمَّت بين جنباتها في أوجِّ تألُّقها في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، المفكرين والمثقفين من كل التيارات اليمينية واليسارية والإسلامية والقبطية والعلمية والأدبية والسياسية؛ فكانت فعلاً مؤسسة محترمة دوليًّا، ومنها خرج معظم الأدباء والكتاب والمفكرين والمؤلفين، بتشجيع من الأستاذ هيكل الذي كان رائدًا في الاستفادة من كل التيارات المختلفة في مصر، وهذا التنوُّع أعطى كلَّ ذلك النجاح لمؤسسة الأهرام التي صارت أقرب إلى المؤسسات الغربية، خاصة بوجود مركز الأهرام للدراسات الذي اعتُبر فترةً من الفترات مِن أهم المراكز البحثية في الوطن العربي، وهذا يؤكد أنه لا يجب الخوف من المثقفين ولا المفكرين، ومتى ما تمت الاستفادة منهم ومن آرائهم وأفكارهم سيتحقق النجاح.

هناك علاقة صحية بين المثقفين والسلطة في العالم الغربي، حيث لا تنظر السلطات إليهم نظرة شك وريبة وخوف؛ بل إنها تستفيد منهم ومن أفكارهم في الأمور التي تعرض عليها، ممَّا أعطى المفكرين الفرصة ليتأملوا فيما يعرض عليهم بعيدًا عن الضغوط والتُّهَم، وصاروا عنصرًا مهمًّا في إنارة الطريق واستكشاف شتى الحلول، مِن خلال النظر إلى الأمور في مداها البعيد. ويرى الراحل أحمد بهاء الدين – الذي كان مهتمًا بقضايا المجتمع المدني وبعلاقة المثقفين بالسلطة – أنَّ مهمة القيادات أو الحكم كانت قديمًا أبسط مما هي عليه الآن بكثير، حيث كانت الدول قليلة ومعزولة نسبيًّا، وكانت الأمور التي تتدخل فيها الدولة قليلة؛ قد لا تتعدى الدفاع عن البلد وصيانة الأمن وكفالة القانون فيه، ولكن مع التقدم الهائل والسريع في مجالات الحياة كافة، صارت الأمور المطروحة على الحاكم كثيرة ومتشعبة ومعقدة؛ وعلى ضوء ذلك صار مستحيلاً على السلطة السياسية – في أي بلد من البلدان مهما كان نظام الحكم فيه – أن تتخذ القرارات السليمة في كل المجالات بسبب تشعُّبها وتعقُّدها وحاجتها إلى تخصصات كثيرة وخلفيات متنوعة، ومن هناك جاء الاهتمام الغربي برأي المفكرين والمثقفين والكُتَّاب، ممَّا أعطى الحكومات الغربية السَّبْق في الوصول إلى النتائج المرجوة في المجالات كافة.

منذ سنوات أُثيرت قضية في بريطانيا حول علاقة الفكر والخبرة بالسياسة، وذلك  عندما أثار نواب وكتاب بريطانيون قضية تضاؤل دور البرلمان، لأنَّ كثيرًا من الأمور العامة التي تعرض عليه معقدة لدرجة لا يستطيع النائب أن يحيط بها كلها، في حين أنَّ الوزير – ممثل السلطة التنفيذية – يجيء لمناقشة الموضوع المطروح مزودًا بآراء عشرات الخبراء، وأحيانًا مصحوبًا بهم، الأمر الذي يجعل الغلبة في الإقناع غالبًا للسلطة التنفيذية، فلم يعد للبرلمان ما يحكم فيه إلا العموميات فقط؛ كما أنَّ قضية أُخْرى أُثيرت في بريطانيا أيضًا خلاصتها أنَّ رئيس الوزراء صار يحيط نفسه بخبراء مِن أعلى المستويات من الجامعات أو من الحياة العامة، كالكتَّاب والصحفيين ومؤلفي الكتب وذوي الأفكار المتميزة، ممَّا جعل مجلس الوزراء يفقد الكثير من سلطته لرئيس الوزراء المزود بهؤلاء الخبراء، رغم أنه ليست لهم صفة تمثيلية سياسية، أي أنهم ليسوا منتخبين؛ ومن هاتين القضيتين المثارتين في بريطانيا منذ سنوات نستطيع أن نقارِن كيف أنَّ المثقفين والمفكرين والكتَّاب في الوطن العربي مهمَلُون، وكيف تتم الاستفادة منهم ومِن خبراتهم وآرائهم في دولة لها تقاليد عريقة في الديمقراطية البرلمانية كبريطانيا، لدرجة أنَّ البعض أصبح يتذمر من سيطرة هؤلاء على قرارات الهيئة التنفيذية وهي الحكومة، رغم أنها ظاهرة يجب أن يُنظر إليها بتقديرٍ واحترامٍ.

أما ونحن نتناول العلاقة بين المثقفين والسلطة في الغرب؛ فلا يمكن أن نتجاهل العلاقة الصحية الجيدة بين الطرفين في أمريكا؛ إذ أنها تُعتبر السباقة في الاستفادة من العناصر المفكرة فيها، فبالنسبة للكونجرس الأمريكي ونظرًا لإمكانيات أمريكا المالية الواسعة، نجد أنَّ النظام هناك يعطي كلَّ عضو في الكونجرس ميزانية سنوية ضخمة يكوِّن مِن خلالها جهازًا فنيًّا مساعدًا له، وهو في الغالب من الخبراء الشبان الطموحين المهتمين بالقضايا العامة لبلادهم، حيث يُعدُّون له الدراسات المختلفة في كل القضايا المطروحة للنقاش في الكونجرس، بحيث يكون السيناتور مزودًا بالعلم والمعرفة والثقافة في كلِّ ما يُطرح للنقاش، ومن ثم فإنَّ هؤلاء الشباب يبدأون من ذلك المكان حياتهم السياسية وتدريبهم لمراكز أهم في المستقبل، حيث أصبح الكثير منهم رؤساء أمريكا، وهنا تكمن قيمة الفكر والثقافة والرأي، أما بالنسبة للرئيس الأمريكي نفسه، فإنه يعمد إلى الاستعانة بالكثيرين من عالم الفكر بوجه عام وحتى العالم الأكاديمي نفسه، وأحيانًا يستعين  بمستشارين لهم آراء تخالف رأيه وتوجهات حزبه، كأن يستعين رئيسٌ ديمقراطيٌ بمستشارين جمهوريين والعكس، وهذا بالضبط هو المقصود؛ لأنه حين يأتي الحاكم بمستشارين ومفكرين من نفس مدرسته وتفكيره؛ فكأنه يضع حوله مرايا ومناظر لا يرى فيها إلا نفسه، في حين المفروض أن توجد عناصر أخرى تثير الجدل والنقاش؛ فيجد من خلالها الحاكم فرصة التعرف على شتى الآراء والتيارات، ويرى كثير من الكتَّاب والمفكرين أنَّ من أسباب مأساة الرئيس «ريتشارد نيكسون» أنه أحاط نفسه بأشباهه في الفكر والرأي والسلوك في القضايا الداخلية حتى وقع في عُزلة تامة عن الرأي العام على حقيقته، مما ورَّطَه في قضية «ووترجيت» الشهيرة، وكل ذلك باعتماده على مصدر واحد ونوعية واحدة فقط من المستشارين، حتى صار الانفصام بينه وبين الرأي العام كاملاً إلى أن اضطر للاستقالة الشهيرة، وهنا أعيد التذكير بالمثل العربي «صديقك من صَدَقَك لا من صدّقك»، فقد اعتمد الرئيس نيكسون على من يقول له الكلمة التي يُحبُّ سماعها فقط، ولم يعتمد على من يقول له الصِّدق، حتى جاء اليوم الذي سجَّل فيه التاريخ أن نيكسون هو الرئيس الأمريكي الأول والوحيد حتى الآن الذي استقال إثر فضيحة، ولكن الأحداث لم تقف عن حد نيكسون فقط، فقد جاءت شواهد تشير إلى أنَّ الرئيس بوش الابن لجأ إلى نفس أسلوب نيكسون، إذ  أحاط نفسه بمستشارين يعملون تحت ضغط اللوبي الصهيوني الذي أقنعه أنه مرسل من قبل العناية الإلهية لإنقاذ البشرية، وجعلوا منه مجرد دُمية لتحقيق مآربهم، سواء فيما يخدم إسرائيل في المنطقة أو فيما يخدم المصالح الخاصة لأرباب شركات النفط، فكانت تلك الحروب التي شنتها أمريكا في عهده ضد العراق وأفغانستان لتحقيق أمن إسرائيل.

إنَّ التاريخ لا يمكن أن يرحم حاكمًا غيَّب نفسه عن قضايا وطنه باعتماده الكُلِّي على مستشاريه، ولا يمكن أن يرحم حاكمًا عمل لصالح إسرائيل وخاض الحروب بالنيابة عنها؛ ولا يمكن للتاريخ أن يرحم من ترك الاعتماد على المعاهد المستقلة والمنتشرة في أمريكا والتي اعتمد عليها الرؤساء السابقون وهي معاهد كثيرة ومتخصصة، واعتمد فقط على مستشارين لهم مصالحهم الخاصة، بعيدًا عن مصالح الشعب الأمريكي، فإنْ كان قد نجا بوش من الإدانة والمحاكمة، فإنه لن ينجو من محكمة التاريخ.

عندما تكون العلاقة صحيَّة بين المثقفين والسلطة في أي مكان، فإنَّ ذلك دليل واضح على التقدُّم، فمن المبالغة الشديدة التخوُّف مِن كل الآراء، لأنَّ الدولة بيدها أن تتخذ القرار المناسب بعد أن تستمع مِن عِدَّة آراء، فمَثلُها عندما تستمع إلى أكثر من رأي؛ كمثل الذي يقف على جبل عال ويرى الأمور بوضوع أكثر، وباستطاعته أن يتخذ القرار السليم في كل ما يعرض له.

5,317 total views, 2 views today