يحيى بن حميد المعشري

مَا مِنْ شك أنَّ المثقفَ يَسْعَى دَوْمًا لعلاقة مميَّزة تربطه بالمجتمع، فإنْ كان المثقف دائماً ما يحتل مَوْقِف الفاعل في عملية المثاقفة، فإنَّ المجتمع هو من سيقوم بهضم هذا الفكر عن طريق تلقيه -قراءةً أو سماعا- من هذا المثقف. وعليه؛ فإنَّ المثقف دائماً ما يَسْعَى للمحافظة على هذه العلاقة من خلال شَحْذ فكره، ودقة تحليله، وابتكار أسلوب يُمكِّنه من الاستحواذ على اهتمام مجتمعه.

هَذَا عن تقدير الآخر، لكن: ماذا عن تقدير الذات؟ فكما أنَّ تقدير الآخر هو حقٌّ واجبٌ من المثقف إلى الآخرين، كذلك تقدير الذات هو مَطْلَب نفسي تجاه الذات نفسها. فإنْ لم تقدر نفسك أولا، فهل سيقدِّرك الآخرون؟ للإجابة عن هذا السؤال سنستعرض ثلاث شخصيات ثقافية، تمتاز عن غيرها بخصلة نادرة؛ ألا وهي: “القراءة بنهم حتى آخر لحظات العمر”!

عَبَّاس محمود العقاد:
لَا شكَّ أنَّ هذا المثقف هو واحد ممن أغنوا المكتبة العربية بالكثير من المؤلفات التي عَرِفت الانتشار السريع، بل والترجمة إلى لغات أخرى، رغم أنَّ العقاد لم يحصل على أكثر من الشهادة الابتدائية! لكن بالمقابل كان هذا الفتى مهووسا بالقراءة إلى درجة من الصعوبة أن نُقارنه بجميع من عاصره؛ فمنذ أن تعلَّم الأبجدية إلى آخر لحظات حياته والكتاب لا يفارقه.

تَتَلمذ الكثيرُ من مُثقَّفي ومفكري مصر على مؤلفاته، وعندما تم إخباره بنية منحه دكتوراه فخرية، رفض ذلك قائلا: “مَنْ هذا الذي يستطيع منح العقاد شهادة الدكتوراه؟”. وقد صَدَق الرجل، فكلُّ الأجيال التي أتت بعده قد تتلمذت على كتبه، فكيف يَمْنَح التلاميذ أستاذهم الشهادة؟!!

عَبْدالرحمن بدوي:
لَعلَّ ما يُميِّز عبدالرحمن بدوي، إضافة إلى حب الكتب، هو إتقانه للعديد من اللغات الأوروبية، والتي جعلته بحق واحدًا من أفضل المترجمين في عصره عن جداره، والحقل المفضل عنده هو حقل الفلسفة؛ فهو من قام بترجمة أهم كتب الفلسفة الألمانية من لغتها مباشرة، تمامًا كما الفرنسية والإيطالية والإنجليزية.

الفَلْسَفة بالنسبة لبدوي كانتْ هي الطُّموح الفكري الأساسي. وفعلا؛ فرسالته الجامعية دارتْ حول الفلسفة الوجودية، التي رأى بدوي أنَّه من أكمل مشوارها، وإنْ يَنْسَى بدوي فإنَّه لا ينسى مقولة طه حسين في يوم تخرُّجه حين قال: “اليوم عرفت أوَّل فيلسوف مصري”.

وعَبْدالرحمن بدوي لم يَرَ نفسه أقلَّ من فيلسوف. وفعلا؛ فإنَّ مُجرَّد إلقاء نظرة على موسوعته الفلسفية تجعلنا نتعجب كيف ذكر نفسه بين فلاسفة العالم وتوَّج نفسه عندما فقد تتويج المجتمع لجهوده! حتى في سنته الأخيرة في فرنسا عندما سقط في الشارع، وذهبوا به للمستشفى، اتصل الطاقم الطبي بالقنصلية المصرية قائلا: “لدينا مريض هنا يقول إنه فيلسوف مصر”.

جُوْرج طرابيشي:
وَكَما فِي حالة العقاد، فإنَّ طرابيشي تربَّى أيضا على حُب الكتب، وكما في حالته أيضاً بقيت شهادة الدكتوراه مَوْضُوعا مُعلَّقا. فهذا الباحث والمترجم -الذي أغنى المكتبة العربية بأكثر من 200 كتاب مُؤلَّف ومُترجم- تقدم لشهادة الدكتوراه بجامعة السوربون في فرنسا، وكان الرد من البروفيسور محمد أركون أن يقوم الباحث بترجمة الأطروحة إلى اللغة العربية، وهو ما لم يقم به طرابيشي لانشغاله بمؤلفات أخرى. وكان يقول إنَّ لقب “دكتور” لن يُؤثِّر في قارئي، فإنْ لم يتقبلني كجورج طرابيشي فلن يتقبلني كدكتور جورج.

ومَوضُوع الدكتوراه هو الشَّماعة التي سيستخدمها ضده الدكتور محمد عابد الجابري؛ فبعد أن قام طرابيشي بالرد على مشروع الجابري في نقد نقد العقل العربي، كان من ضمن كلام الجابري: كيف يحق لطرابيشي أن يرد عليَّ وليس لديه دكتوراه، ثمَّ كَيْف يحقُّ له أن يناقش التراث الإسلامي وهو مسيحي؟!

والحَقُّ أنَّ طرابيشي كان يتوقَّع منه ردًّا عقلانيًّا، لكن بما أنَّ الحجة غدت صعبة المقارعة، فإن التبرير لا بد منه لحفظ ماء الوجه أمام المثقفين والقراء! ونستطيع أنْ نقول إنَّ طرابيشي كسب مرتين، مرَّة بتفوقه على الباحث المغربي القدير، ومرة بعدم انسياقه خلف مُتطلبات الجو الثقافي؛ فالتقدير الشخصي هو أكبر تقدير من المثقف لنفسه، فنحن لا ننسى موقفه من العلمانية رغم أن غالبية المثقفين العرب يرفضونها، لكنه كان مُتمسكا بها كحل للمشكلات الدينية والطائفية في المنطقة. وقد صَدَق الرجل فإنَّ ما نراه من قتال وتناحُر في منطقة الشرق الأوسط، كانت الطائفية هي مُحرِّكه الأول.

لَكنَّ مَوْقِفَه من العلمانية كلَّفه الكثير، من عدم تسليط الضوء عليه، بَيْنَما مَنْ هُم أقل قامة منه يظهرون في وسائل الإعلام بمناسبة أو دون مناسبة! لكن إنْ كان طرابيشي فَقَد الظهورَ الإعلاميَّ، فقد كَسِب تقديرَه لذاته ولجمهوره الذي تابعه بشغف، رغم قلة تَلْفِت وسائل الإعلام إليه في حياته!!

1,466 total views, 2 views today