نسرين‭ ‬نجم‭ ‬- اختصاصية‭ ‬علم‭ ‬نفس‭ ‬اجتماعي


يقول‭ ‬الله‭ ‬عزَّ‭ ‬وجلَّ‭:‬‭ “‬وَمِنْ‭ ‬آيَاتِهِ‭ ‬أنْ‭ ‬خَلَقَ‭ ‬لَكُم‭ ‬مِنْ‭ ‬أَنْفُسِكُم‭ ‬أَزْوَاجًا‭ ‬وَجَعَلَ‭ ‬بَيْنَكُم‭ ‬مَوَدَّةً‭ ‬وَرَحْمَةً‭”.‬

ويقول‭ ‬جلَّ‭ ‬شأنُه‭: ‬‭”‬عَاشِرُوهُنَّ‭ ‬بالمَعْرُوفِ‭ ‬فَإِنْ‭ ‬كَرِهْتُمُوهُنَّ‭ ‬فَعَسَى‭ ‬أَنْ‭ ‬تَكْرَهُوا‭ ‬شَيِئًا‭ ‬وَيَجْعَل‭ ‬اللهُ‭ ‬فِيْهِ‭ ‬خَيْرًا‭ ‬كَثِيْرًا‭”.‬

كما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭ ‬وشائع،‭ ‬فإنَّ‭ ‬المؤسسة‭ ‬الزوجية‭ ‬هي‭ ‬النواة‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المجتمع،‭ ‬والمدرسة‭ ‬الأولى‭ ‬لصناعة‭ ‬شخصية‭ ‬الأبناء،‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬أجيال‭ ‬المستقبل؛‭ ‬لذا‭ ‬تقع‭ ‬عليها‭ ‬مسؤوليات‭ ‬جمَّة؛‭ ‬من‭ ‬بينها‭ -‬لا‭ ‬بل‭ ‬أهمها‭- ‬تحديد‭ ‬الأدوار‭ ‬المنوطة‭ ‬بكل‭ ‬فرد‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة،‭ ‬سيما‭ ‬الأبوين،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬هذه‭ ‬الأدوار‭ ‬وما‭ ‬يصدر‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬قرارات؛‭ ‬لئلا‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬تصادم‭ ‬في‭ ‬الأراء‭ ‬يؤدي‭ ‬لخلافات‭ ‬وتشنجات‭ ‬تُعيق‭ ‬لغة‭ ‬الحوار‭ ‬والتفاهم،‭ ‬وينتج‭ ‬عنها‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬مشكلات‭ ‬عميقة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭: “‬أبغض‭ ‬الحلال‭ ‬عند‭ ‬الله‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬الطلاق‭”.‬

إذن؛‭ ‬الزواج‭ ‬ليس‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬ثوب‭ ‬أبيض‭ ‬ترتديه‭ ‬العروس‭ ‬فقط،‭ ‬ولا‭ ‬قالب‭ ‬كاتو،‭ ‬ولا‭ ‬صورًا‭ ‬يقوم‭ ‬العروسان‭ ‬بعرضها‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لحصد‭ ‬العدد‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ “‬اللايكات‭”‬،‭ ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬تحويل‭ ‬الحالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬على‭ “‬الفيسبوك‭” ‬من‭ “‬أعزب‭” ‬إلى‭ “‬متزوج‭”‬؛‭ ‬فالزواج‭ ‬يحتاج‭ ‬شريكيْن‭ ‬واعييْن‭ ‬مُدركيْن‭ ‬للحقوق‭ ‬والواجبات‭ ‬والمسؤوليات‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬عاتقهما،‭ ‬عندما‭ ‬يُصبحان‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬بيت‭ ‬واحد‭. ‬لذا؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬اختيار‭ ‬الشريك‭ ‬هو‭ ‬المعيار‭ ‬الأهم‭ ‬لبناء‭ ‬أسرة‭ ‬ناجحة،‭ ‬فكلما‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬تقاربٌ‭ ‬في‭ ‬الفكر،‭ ‬والثقافة،‭ ‬والعلم،‭ ‬والقيم،‭ ‬والأخلاق،‭ ‬والإيمان،‭ ‬متوجة‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬بالاحترام‭ ‬والانسجام‭ ‬والتفاهم،‭ ‬مع‭ ‬الإيمان‭ ‬بضرورة‭ ‬المصارحة‭ ‬والحوار‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬الأمور‭ ‬التي‭ ‬تتعلق‭ ‬بالشراكة‭ ‬الزوجية‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬بسيطة‭ -‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬خصوصية،‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى،‭ ‬المساحة‭ ‬الخاصة‭ ‬لكل‭ ‬فرد‭- ‬كلما‭ ‬حصنَّا‭ ‬الحياة‭ ‬الزوجية‭ ‬بالمحبة‭ ‬والوئام،‭ ‬والمودة‭ ‬والرحمة‭.‬

ومن‭ ‬الضَّروري‭ ‬أنْ‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬اتفاق‭ ‬وتوافق‭ ‬حول‭ ‬القضايا‭ ‬المتعلقة‭ ‬بشؤون‭ ‬وشجون‭ ‬الأسرة‭ ‬وكيفية‭ ‬إدارة‭ ‬الخلافات،‭ ‬وعدم‭ ‬السماح‭ ‬للآخرين‭ ‬بالتدخل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شاردة‭ ‬وواردة،‭ ‬وعدم‭ ‬نشرها‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي؛‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬تصبح‭ ‬الحياة‭ ‬الخاصة‭ ‬عامة‭ ‬في‭ ‬مُتناول‭ ‬الكل،‭ ‬ويبدأ‭ ‬كل‭ ‬صديق‭ ‬افتراضي‭ ‬بعرض‭ ‬عضلاته‭ ‬التحليلية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعِي‭ ‬حقيقة‭ ‬المشكلة،‭ ‬فيلجأ‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬الزوج‭ ‬أو‭ ‬الزوجة‭ ‬حسب‭ ‬الأهواء،‭ ‬وتتحوَّل‭ ‬عندها‭ ‬الحياة‭ ‬الزوجية‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬للملاكمة،‭ ‬من‭ ‬سيُوجِّه‭ ‬الضربة‭ ‬القاضية‭ ‬والقاتلة‭ ‬للآخر؟‭ ‬والمشاهدون‭ ‬كُثر،‭ ‬سيصفِّقون،‭ ‬سيهللون‭ ‬للرابح،‭ ‬لكنهم‭ ‬لا‭ ‬يعلمون‭ ‬أنَّ‭ ‬ما‭ ‬خسره‭ ‬الزوجان‭ ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬لأي‭ ‬تهليل‭ ‬ولا‭ ‬ترحيب‭ ‬أن‭ ‬يعوضه؛‭ ‬فقد‭ ‬خسرا‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬ارتبطا‭: ‬الحب،‭ ‬الأسرة،‭ ‬الأطفال،‭ ‬الرحمة‭ ‬والمودة‭.‬

وللأسف،‭ ‬نُعَاني‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬علائقية‭ ‬عديدة‭ ‬ضمن‭ ‬العنوان‭ ‬الكبير‭ “‬الحياة‭ ‬الزوجية‭” ‬نذكر‭ ‬منها‭:‬

‭- ‬رغم‭ ‬الانفتاح‭ ‬والتطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬والتقني،‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬الثقافة‭ ‬الذكورية‭ ‬هي‭ ‬الحاكمة‭ ‬والمسيطرة‭ ‬على‭ ‬عقول‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬شباب‭ ‬اليوم،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬بعض‭ ‬الأفكار‭ ‬البالية‭ ‬المتخلفة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬توجه‭ ‬بعض‭ ‬الذكور‭ (‬وليس‭ ‬الرجال‭) ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬تعاطيه‭ ‬مع‭ ‬زوجته،‭ ‬وهذا‭ ‬الأمر‭ ‬يبدو‭ ‬جليًّا‭ ‬عندما‭ ‬نلقِي‭ ‬نظرةً‭ ‬سريعةً‭ ‬على‭ ‬الأمثال‭ ‬الشعبية‭: “‬المرا‭ ‬متل‭ ‬السجادة‭ ‬ما‭ ‬بتمشي‭ ‬إلا‭ ‬بالخبط‭”‬،‭ ‬و‭”‬المرا‭ ‬لو‭ ‬طلعت‭ ‬على‭ ‬المريخ‭ ‬آخرها‭ ‬للطبيخ‭”‬،‭ ‬فتتحول‭ ‬علاقته‭ ‬بما‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬شريكة‭ ‬حياته،‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ “‬سي‭ ‬السيد‭ ‬بجاريته‭”‬،‭ ‬عليها‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬تُطيع‭ ‬أوامره،‭ ‬وتنفذ‭ ‬رغباته،‭ ‬وتخضع‭ ‬لأوامره‭ ‬ونواهيه،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬أي‭ “‬اعتبار‭” ‬لديه،‭ ‬وإن‭ ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬تتذاكى‭ -‬حسب‭ ‬رأيه‭- ‬وتُطالب‭ ‬بحقوقها‭ ‬التي‭ ‬مَنَحها‭ ‬إياها‭ ‬الله‭ ‬عزَّ‭ ‬وجَل،‭ ‬تُصبح‭ ‬عندها‭ ‬وبنظره‭ “‬امرأة‭ ‬سيئة‭” ‬لا‭ ‬تريد‭ “‬السترة‭”‬،‭ ‬ويصبح‭ ‬عندها‭ ‬البيت‭ ‬الزوجي‭ ‬مسرحًا‭ ‬للخلافات‭ ‬والتشنجات‭ ‬والتوترات‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الشريكين،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الأطفال‭ ‬وبشكل‭ ‬خطير؛‭ ‬فتتولَّد‭ ‬لديهم‭ ‬الاضطرابات‭ ‬النفسية؛‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬ينتج‭ ‬عنه‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭.‬

‭- ‬غياب‭ ‬الوعي‭ ‬والمعرفة‭ ‬بما‭ ‬للزواج‭ ‬وبما‭ ‬عليه؛‭ ‬لذا‭ ‬يبرز‭ ‬ضرورة‭ ‬القيام‭ ‬بالدورت‭ ‬التأهيلية‭ ‬للمقبلين‭ ‬على‭ ‬الزواج،‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬توعيتهم‭ ‬وتثقيفهم‭ ‬وتعريفهم‭ ‬على‭ ‬أدوارهم‭ ‬وواجباتهم‭ ‬الشرعية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬والإنسانية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬إضافة‭ ‬لإخضاعهم‭ ‬لاختبارات‭ ‬نفسية‭ -‬كما‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬فحوصات‭ ‬طبية‭ ‬للتوافق‭ ‬الصحي‭- ‬ومن‭ ‬شأن‭ ‬هذه‭ ‬الاختبارات‭ ‬أن‭ ‬تُشير‭ ‬إلى‭ ‬مدى‭ ‬الانسجام‭ ‬والتأقلم‭ ‬والتكيف،‭ ‬والتوافق‭ “‬النفس‭ ‬اجتماعي‭” ‬بين‭ ‬الشريكين،‭ ‬ومدى‭ ‬قدرتهما‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬الضغوطات‭ ‬وكيفية‭ ‬حل‭ ‬خلافاتهما،‭ ‬وتساعد‭ ‬على‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬الخطوط‭ ‬العريضة‭ ‬لكيفية‭ ‬تربية‭ ‬أبنائهما،‭ ‬والحرص‭  ‬على‭ ‬اعتماد‭ ‬لغة‭ ‬الحوار‭ ‬الهادف‭ ‬كوسيلة‭ ‬لحل‭ ‬المشكلات،‭ ‬عندها‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬تعالج‭ ‬الأمور‭ ‬بأقل‭ ‬خسائر‭ ‬ممكنة‭.‬

‭- ‬عدم‭ ‬متانة‭ ‬الوازع‭ ‬الديني،‭ ‬والجهل‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الشرعية‭ ‬بما‭ ‬لكل‭ ‬شريك‭ ‬من‭ ‬حقوق‭ ‬وواجبات؛‭ ‬فعند‭ ‬عَقْد‭ ‬القرآن‭ ‬يُمكنهما‭ ‬أن‭ ‬يضعَا‭ ‬الشروط‭ ‬المناسبة‭ ‬التي‭ ‬تحصِّن‭ ‬الزواج،‭ ‬وتحافظ‭ ‬على‭ ‬حقوقهما‭ ‬بطريقة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬تفوق‭ ‬واحد‭ ‬منهما‭ ‬على‭ ‬الآخر‭. ‬وهنا‭ ‬المسؤولية‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬التوعية‭ ‬والتثقيف‭ ‬وإزالة‭ ‬أي‭ ‬فهم‭ ‬خاطئ؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬الإسلام‭ ‬عزَّز‭ ‬وحَمَى‭ ‬وصَان‭ ‬الحياة‭ ‬الزوجية،‭ ‬وأعطى‭ ‬لكلا‭ ‬الزوجين‭ ‬ما‭ ‬يحفظ‭ ‬كرامتهما‭ ‬ويجنبهما‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬خضة‭ ‬أو‭ ‬اضطراب،‭ ‬ولو‭ ‬اطلع‭ ‬كل‭ ‬منا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ذُكِر‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬وفي‭ ‬الأحاديث‭ ‬النبوية‭ ‬الشريفة،‭ ‬وما‭ ‬تحدث‭ ‬به‭ ‬أئمة‭ ‬آل‭ ‬البيت‭ ‬عليهم‭ ‬السلام،‭ ‬لكُنَّا‭ ‬تجنبنا‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المناقشات‭ ‬والمهاترات‭ ‬وواجهنا‭ “‬أدعياء‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬الزوجية‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الدين‭”‬،‭ ‬لكنَّ‭ ‬المشكلة‭ ‬الحقيقية،‭ ‬والتي‭ ‬تتطلب‭ ‬من‭ ‬المؤسسة‭ ‬الدينية‭ ‬الآن‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يُغرَّر‭ ‬بالأجيال‭ ‬الصاعدة‭ ‬بأن‭ ‬الدين‭ ‬وشريعة‭ ‬الله‭ -‬عزَّ‭ ‬وجلَّ‭- ‬فيها‭ ‬من‭ ‬العبودية‭ ‬بحق‭ ‬المرأة،‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬بالإصلاح‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسة؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬الشرع‭ ‬واضح‭ ‬وصريح‭ ‬بحقوق‭ ‬المرأة‭ ‬والرجل،‭ ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬الطامة‭ ‬الكبرى‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬التطبيق،‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬ممارسات‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬تجاه‭ ‬هذه‭ ‬الأمور‭.‬

وما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬السيدة‭ ‬فاطمة‭ ‬حمزة،‭ ‬بغضِّ‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬مظلوميتها،‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬عدم‭ ‬مراعاة‭ ‬جانب‭ ‬الأمومة،‭ ‬وتوقيفها‭ ‬في‭ ‬السجن‭. ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬كشفتْ‭ ‬أن‭ ‬الكثيرَ‭ ‬غير‭ ‬مُطَّلع‭ ‬على‭ ‬الشرع‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وفضحت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التجاوزات‭ ‬التي‭ ‬تحصل‭ ‬تحت‭ ‬اسم‭ ‬الدين،‭ ‬والدين‭ ‬بريء‭ ‬منها‭.‬

إذن؛‭ ‬نصل‭ ‬لأنْ‭ ‬نقول‭ ‬بأنَّ‭ ‬الزواج‭ ‬هو‭ ‬شبكة‭ ‬الأمن‭ ‬والأمان‭ ‬العاطفي‭ ‬والنفسي‭ ‬والاجتماعي؛‭ ‬وذلك‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬فعلًا‭ ‬أن‭ ‬يتزوَّج‭ ‬بالمعنى‭ ‬الفعلي‭ ‬وليس‭ ‬بمعنى‭ ‬الـ‭”‬prestige‭”‬،‭ ‬أو‭ ‬لإغاظة‭ ‬الصديقات،‭ ‬أو‭ ‬فقط‭ ‬الزواج‭ ‬عن‭ ‬حُب؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬بالحب‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يدوم‭ ‬الزواج،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مقترنًا‭ ‬بالتفاهم‭ ‬الفكري‭ ‬والثقافي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬والأخلاقي؛‭ ‬لأنه‭ ‬ومهما‭ ‬بلغت‭ ‬حرارة‭ ‬الحب‭ ‬لا‭ ‬يُمكنها‭ ‬أن‭ ‬تخبز‭ ‬رغيفًا‭. ‬سيما‭ ‬وأن‭ ‬نسب‭ ‬الطلاق‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬ارتفعتْ‭ ‬بشكل‭ ‬مُخيف؛‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭: ‬في‭ ‬مصر‭ ‬هناك‭ ‬سنويًّا‭ ‬نحو‭ ‬مليون‭ ‬حالة‭ ‬طلاق‭ (‬المصدر‭ ‬مركز‭ ‬معلومات‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬في‭ ‬مصر‭)‬؛‭ ‬حيث‭ ‬تقع‭ ‬240‭ ‬حالة‭ ‬طلاق‭ ‬يوميًّا‭ ‬بمعدل‭ ‬عشر‭ ‬حالات‭ ‬طلاق‭ ‬كل‭ ‬ساعة‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬فقد‭ ‬بلغت‭ ‬نسبة‭ ‬الطلاق‭ ‬خاصَّة‭ ‬بين‭ ‬الزيجات‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬الـ5‭ ‬سنوات‭ ‬حوالى‭ ‬الـ75‭%.‬

لذا؛‭ ‬ولتحصين‭ ‬الزواج‭ ‬وبناء‭ ‬أسرة‭ ‬سعيدة‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬التخبطات‭ ‬والفوضى،‭ ‬علينا‭: ‬أن‭ ‬نُحسِن‭ ‬الاختيار‭ ‬لأن‭ ‬الزواج‭ ‬ليس‭ ‬رحلة‭ ‬مؤقتة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مشوار‭ ‬العمر،‭ ‬وأن‭ ‬نتثقَّف‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الشرعية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬للتعرُّف‭ ‬على‭ ‬حُقوق‭ ‬وواجبات‭ ‬كل‭ ‬شريك،‭ ‬وأنْ‭ ‬تكون‭ ‬المصارحة‭ ‬والحوار‭ ‬الهادئ‭ ‬عناوين‭ ‬أساسية‭ ‬لحل‭ ‬أي‭ ‬خلاف،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬خصوصية‭ ‬المشكلة،‭ ‬وعدم‭ ‬إدخال‭ ‬الآخرين‭ ‬مِمَّن‭ ‬لا‭ ‬يستطيعون‭ ‬الربط‭ ‬والحل،‭ ‬ومِمَّن‭ ‬لا‭ ‬يكونون‭ ‬على‭ ‬مسافة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬الطرفين؛‭ ‬لأنها‭ ‬قد‭ ‬تتأزم‭ ‬أكثر‭ ‬وأكثر‭.‬

ونصلُ‭ ‬إلى‭ ‬السؤال‭ ‬الكبير‭: ‬هل‭ ‬نحنُ‭ ‬فعلًا‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ -‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬نملك‭- ‬الإرادة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للتغيير‭ ‬نحو‭ ‬الأفضل،‭ ‬ومعالجة‭ ‬الخلل،‭ ‬والبدء‭ ‬بالتوعية‭ ‬والتثقيف؛‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬النواة‭ ‬الأساس‭ ‬والركيزة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المجتمع،‭ ‬عنينا‭ ‬بها‭ “‬الأسرة‭”‬؟‭ ‬من؟‭ ‬ومتى؟‭ ‬وكيف‭ ‬ستبدأ‭ ‬الخطوة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬مشوار‭ ‬الألف‭ ‬ميل؟

نترك‭ ‬الإجابة‭ ‬للأيام‭ ‬المقبلة‭…‬،