Zainab G

تحقيق – زينب الغريبيَّة

د. سيف المعمري: تعزيز المواطنة وتدعيم أركان دولة المواطنة لم يعد خيارًا بل أصبح ضرورة ملحة.

سلطان الخروصي: لابد من إعادة برمجة التعليم في البلاد وتطعيمه بما يجد ويُستحدث في العالم بطريقة تطوِّر من اكتساب ماهية المواطنة.

بدرية الصارمية: نحن بحاجة إلى مزيد من تعزيز قيم المواطنة خاصة مع جيل الشباب الحالي.

د. حمود النوفلي: فتح الباب أمام المواطنين باختلاف مستوياتهم للمشاركة في بناء الوطن بلا شك يُعزِّز روح المواطنة لديهم.

رحمة النبهانية: المشاركة السياسية والمدنية هي الركيزة الأساسية التي تعمِّق وتأصِّل قيم المواطنة في نفوس المواطنين.

الشيخ محسن الغريبي: هناك تقبُّل مُنقطع النظير من قِبل الشباب للانخراط في المؤسسات الخيرية التي تدعم قيم المواطنة الصالحة لدى فئة الشباب.

أمل النوفلية: ما زلنا نفتقد الوعي الكامل بالمواطنة المسؤولة.

خالد الغريبي: المواطن هو اللغة الأساسية للوطن.. منها يتكلم وللوطن يستمع.

——————

في ظلِّ التحولات والأحداث التي تشهدها الدول العربية بشكل عام، وما وصل إلينا في بعض دول الخليج العربية على وجه الخصوص، وتردِّي الوضع في المنطقة؛ ليَحْمل انتماءات فرعية تخرج عن محور المواطن كفرد من أمة ومنطقة يسعى لاستقرارها والدفاع عنها؛ لذا فلابد من إيجاد حراك نحو ترسيخ قيم المواطنة الإيجابية، وتفعيل مشاركة المواطنين الفاعلة في شؤون وطنهم، بالمشاركة الواعية والعقلانية المتزنة؛ من خلال: المؤسسات البرلمانية، والمطالبة باستكمال حقوقهم وممارستها.. وهذا بلا شك يعني أنَّ بلادنا الخليجية تمرُّ بمرحلة تحوُّل نحو مشاركة غير مسبوقة؛ تقتضي تدعيمَ وتعزيز التربية من أجل المواطنة؛ حتى يكون لهذا التحول أثره وفاعليته في عملية التنمية المستدامة، وفي الحفاظ على هوية البلد ووحدته الوطنية، وفي إيجابية المواطنين ومشاركتهم كذلك.

وفي هذا البحر، كان لنا جَوْلة مخرنا بها عَبَابه؛ لنستكشف آراء مختلفة من أكاديميين وخبراء، وإعلاميين ومثقفين، ومعلمين، وواضعي مناهج دراسية، وأئمة مساجد، في المواطنة؛ ليدلوا لنا بآرائهم في ممارسات المواطنين، ومدى وعيهم بالمواطنة المسؤولة، وأهمية مشاركتهم السياسية والمدنية في تدعيم أسس المواطنة ودولة المؤسسات، وكذلك دور المؤسسات التعليمية في بناء المواطن المسؤول، ووجهات نظرهم في تعزيز المواطنة المسؤولة مستقبلا.

بدأنا الحوار مع د. سيف المعمري -أكاديمي وخبير إقليمي في المواطنة وتربيتها- حيث افتتح قائلا: إنَّ المواطنة في جوهرها تعني المشاركة في الوطن بكل ما فيه؛ ليس فقط المشاركة في تقاسم منافعه، وإنما المشاركة في النهوض به، والحفاظ على ثرواته؛ سواء: الاقتصادية أو الثقافية، والمشاركة في صون أمنه واستقراره، والتآزر مع ساكنيه، ومن ثمَّ فإنَّ المواطنة تُعبِّر عن الانتماء للوطن، والذي لابد أن يترجم إلى عمل ملموس؛ سواء كان هذا العمل يتم في إطار مشاركة سياسية -تتمثل في المجالس البرلمانية- أو يتم في إطار مدني -من خلال العمل للنهوض بالمجتمع؛ من خلال: الجمعيات المدنية، والأندية، والفرق الأهلية- أو يتم في إطار نقابي -من خلال: العمل للحفاظ على الحياة الاقتصادية وحقوق العمال وأصحاب المهن؛ عن طريق النقابات- أو من خلال العمل على المستوى الشخصي في ممارسات الحريات المختلفة وفق إطار يتسم بالمسؤولية، وعدم الاعتداء على حريات الآخرين، أو من خلال الرقابة الأمنية على الوطن واتخاذ موقف تجاه كلِّ من يَسْعى للإضرار به أو بالمواطنين والمقيمين على أرضه، والبعد عن التحزُّب والتعصُّب والكراهية، وإنكار الإقصاء والتهميش لفئات من المجتمع أو أفراد؛ مما يُضعف الشعور بالانتماء، ويؤدِّي إلى تفتيت الوحدة الوطنية، ويخلق جماعات مصالح تضر بالوطن وتقدمه وتنميته.

ويضيف المعمري: لا تزال النقاشات مُستمرة حول “المواطنة” في مختلف الأوساط الشعبية والرسمية والإعلامية والأكاديمية، واستمرار هذه النقاشات يُعطي مُؤشرًا على أنَّ المواطنة لا تزال تتشكل -أو أنها، بعبارة أخرى، بحاجة إلى تعزيز- ومن ثمَّ، فإنَّني لا أزال أقول إنَّ ممارسات المواطن لا تزال تعبر عن عدم وعي بالوظيفة الأهم التي يحملها؛ وهي: وظيفة “مُواطن مسؤول”، يحتاج لأن يعرف ما هي حقوقه، وما واجباته، ويمارسها في إطار يكون مُنطلقا من مبادئ وقيم تأتي المسؤولية في مُقدِّمتها؛ فلا مواطنة دون مسؤولية، وعندما يكون المواطن -بغض النظر عن دوره الوظيفي- مسؤولا، نستطيع أن نقول إنَّ هناك وعيًا بحقيقة المواطنة ومتطلباتها.

ويرى د.سيف أنَّ المشاركة هي جوهر المواطنة، والمشاركة السياسية هي مهمَّة جدًّا للحفاظ على سلامة المواطنة؛ حيث تتم عملية الضبط للقوانين والتشريعات…وغيرها من السياسات التنموية. أما المشاركة المدنية، فهي تمثِّل إعادة تشكيل لأفراد المجتمع وفق أهداف وطنية ومن أجل قضايا تنموية، ولو شبَّهنا المواطنة بطائر؛ فالمشاركة السياسية والمدنية تمثلان جناحَيْه اللذين لا يُمكن أن يطير ويحلِّق إلا بهما، ولو كان أحدهما مكسورًا أو ضعيفًا فلن يتمكَّن من التحليق طويلا؛ لذا فلابد من العمل على تدعيم هذه المشاركة حتى تتعزَّز دولة المواطنة.

ويؤكِّد المعمري على دَوْر المؤسسات التربوية في الانتقال بالمواطنين من طور المواطنة إلى طور المواطنة المسؤولة؛ انطلاقًا من كون المواطنة ممارسة لمسؤوليات، وانصياعًا لقوانين، وتأدية لمتطلبات وفق أطر وقوانين، ثم يستفيض قائلا: أستطيع القول إنَّ المؤسسات التربوية -الجامعية أو المدرسية- ما زالت لا تعطي التربية من أجل المواطنة الأولوية التي تستحقها؛ وبالتالي فبناء مُجتمع المواطنة والمشاركة في صنع القرار الوطني، يحتاج إلى التحول في أولويات التربية؛ حتى تتمكن مِن أن تُسهم في بناء الوعي بمعنى المواطنة المسؤولة وحقوق المواطنين ومسؤولياتهم، وإدراك المشاركة ومهاراتها وقيمها، والمعرفة بالدولة ومؤسساتها.

 ويختتم د.سيف: أرى أنَّ تعزيز المواطنة، وتدعيم أركان دولة المواطنة، لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة مُلحَّة؛ فالتاريخ يقول لنا إنَّ المجتمعات التي لم تقم على أساس المواطنة المتساوية، لا يُمكن أن تحقق أهدافها وتستقر؛ وبالتالي فإنَّ هناك مقوِّمات يُمكن البناء عليها في عُمان لتدعيم دولة المواطنة التي يشعر الجميع فيها بشراكة في إدارة الوطن؛ من خلال: الإشراف على كيفية إنفاق الثروات الوطنية، أو اتخاذ القرارات الوطنية من أجل الصالح العام؛ من أجل الحفاظ على مبدأ المساواة بين أفراده وتوجيه طاقاتهم للبناء، وأرى أنَّ هناك عملاً كبيرًا لابد أن يتم في هذا المشروع الكبير، وفق اتجاهين: تعزيز المواطنة من أعلى من قبل الحكومة؛ ويتطلَّب ذلك مراجعة التشريعات، وزيادة الرقابة، وزيادة فاعلية المؤسسات. والثاني: تعزيز المواطنة من أسفل؛ ببناء مواطنين مسؤوليين واعين، وتقييم مؤسسات المجتمع المدني وزيادة فاعليتها.

أما سلطان الخروصي -معلم وكاتب صحفي- فيرى أنَّ هناك الكثيرَ من الممارسات التي تُوحي بدرجة الوعي المواطني لماهية المواطنة؛ كالاهتمام بالنظافة، وحماية المرافق العامة للدولة، وقراءة التاريخ والواقع العُماني؛ بحيث يتحقَّق النضج الفكري والمعرفي والسلوكي تجاه ما يدور حوله من تجليات سياسية واقتصادية واجتماعية وحضارية، كما لا يمكن إغفال القيمة الحقيقية لفهم الولاء والطاعة للسلطان والمشاركة الوطنية في مختلف المناسبات بطريقة حضارية سامية: كالأيام الوطنية، والشراكة الحقيقية والمسؤولة في الانتخابات الشوروية على أساس الكفاءة والقدرة على تقديم الأفضل للمواطن، دون الانزواء للقبيلة أو العُرف الاجتماعي.

وأضاف الخروصي بأنَّه إلى حدٍّ معقول هناك وعي بالمسؤولية الوطنية في كثير من التجارب التي أظهرتها الساحة العُمانية على الصعيدين: الداخلي، والخارجي؛ فعلى المستوى العُماني: يبدو أنَّ أحداث العام 2011 بصورة إجمالية برهنتْ على رُقي المطالب الوطنية للإصلاح وبطريقة حضارية، وما تلى ذلك من مظاهرات واعتصامات المعلمين التي دقَّت ناقوس الخطر حول واقع التعليم في السلطنة، وضرورة مراجعة إستراتيجة التعليم بمسؤولية، وكذلك نجد أنَّ القلم العُماني في كثير من محافل الصحافة كان -ولا يزال- يدوِّن التجربة العُمانية الرصينة في لَمْلمة ما يستجد على البيت العُماني بصورة تتَّسم بالتآلف والتآصر، دون إغفال مطالب الإصلاح التي تتقصَّد التنمية والتطوير. وصورة أخرى تتجلى في المنابر العُمانية التي تصدح للمصلِّين بمختلف مشاربهم ومذاهبهم صنوفا من المسائل الفقهية والوعظ والتبصير بأمور الحياة، دون بثِّ شَرَر الطائفية والتحزُّب المقيت، الذي يستنزف الوطن والمواطن.

وأكّد الخروصي أنَّه على الصعيد الخارجي، هناك توافقٌ مشهود وشديد بين الدولة والمواطن للتعامل بالحياد دون الولوج في شؤون الآخرين؛ بما يحفظ أمن واستقرار الجميع، وفي المقام الأول أمن عُمان؛ وذلك أمر في غاية الأهمية، ويعكس مدى الوعي الوطني والإقليمي لدى المواطن في تحكيم العقل دون العواطف فحسب، ولنا في علاقة عُمان مع إيران خير شاهد، وكذلك موقف عُمان -حكومة وشعبا- نحو القضية اليمنية، وقبلها بكثير علاقة عُمان المسؤولة والحكيمة مع مصر إبان حكم السادات.

‏أما فيما يتعلق بأثر المشاركة السياسية والمدنية في تدعيم أسس المواطنة ودولة المؤسسات، فيشدِّد الخروصي على أنَّ لها أثرا بينا وواضحا وفاعلا؛ فمثل تلك المشاركات تُسهم بصورة كبيرة في بناء الخطط والإستراتيجيات الوطنية التي تتقصَّد البناء والتطوير، كما أنها تمكِّن المواطن من ممارسة الأدوات الرقابية والمحاسبية عبر مجلس الشورى في قضايا الفساد أو المخالفات التي ترتكبها المؤسسات الحكومية أو مسؤولين بعينهم، لكنَّ التجربة العُمانية في هذا الصدد لا تزال خجولة جدًّا، ولا يزال نموذج الممارسة الديمقراطية في مختلف زوايا الدولة شبه مغيَّب؛ فليس للمواطن حق انتخاب المسؤولين أو محاسبتهم؛ فمجلس الشورى -الذي هو صوت المواطن- نجد أنَّ استطلاع الرأي الذي قُمت بنشره في شهر فبراير الماضي، والذي احتوى على عيِّنة مؤلَّفة من 2062 مواطنا ومواطنة، أظهر أنَّ 70% غير مُقتنعين بإنجازات المجلس، وأنه غير مؤهَّل لأن يحقق طموحاتهم، وأن 53% يرون أنَّ الأعضاء غير واعين للصلاحيات الممنوحة لهم، أضف إلى ذلك أنّ 75% يرون أنَّ الصلاحيات الممنوحة للمجلس هزيلة وغير مجدية، ورأى 91% أن تمكين المجلس من مساءلة ومحاسبة ومحاكمة المسؤولين، ومن يثبت فساده مطلبٌ ضروريٌّ، إذًا حتى تحقِّق تلك المشاركة مقصدها في تنوير المواطن بأهمية الشراكة بينه وبين المؤسسات، لابد من إيجاد قناعة رسمية بتمكين بعض المؤسسات المتصلة بالمواطن في تفعيل صلاحياتها ومهامها الأسياسية المنوطة بها حتى يكتسي ثقته بها، ويكون شريكا فاعلا في بناء دولة المؤسسات العصرية.

ويستفيض الخروصي قائلا: لا يُمكن القطع بالقول بأنَّ المؤسسات التعليمية -على المستويين العام والعالي- تقوم بدورها في بناء المواطن المسؤول أم لا؛ فواقع البلاد يَشِي بجزء كبير من الإجابة؛ حيث لا يخفى على المراقبين في الحقل التربوي أننا نعاني من أزمة مناهج وأزمة تطوير الكادر البشري؛ فلا تزال مناهجنا -وبالأخص الدراسات الاجتماعية، والتي هي معنيّة بصورة كبيرة بمفردات المواطنة، والحاضن الأكبر لها- تفتقر إلى أساسيات غرس القيم الوطنية، وتضلع الطلاب بقيمتها الحقيقية، فأنا كمعلم لمادة التاريخ أجد أنَّ منهجا مثل “هذا وطني” في التعليم ما بعد الأساسي لا يعدو سوى حشد أكبر قدر ممكن من الكم المعرفي والمواقع الأثرية، وتتبع مبسَّط جدًّا جدًّا للوجود العُماني في شرقي إفريقيا، وشذر ومذر من تواصل حضارتنا مع بلاد الرافدين والفراعنة وبلاد السند والهند، وكلها تتناول الجانب المادي كالتجارة والفنون المعمارية، دون أن تتوغَّل في المسار السياسي، أو المدلول القيمي الحقيقي الذي أوْصَل العُمانيون إلى تلك المناطق، والعوامل التي انحسر بسببها الوجود العُماني بها، ودُوْن تمكين الطالب من تحليل تفاصيل تلك النتائج الوخيمة التي قَصَمت ظهر الإمبراطورية العُمانية، وما يمكن أن تتعلمه الأجيال من تلك الأحداث السابقة.. إننا بحاجة لغربلة المناهج، ودراسة واقع التعليم في البلاد، وبالأخص ما يتصل بمواد الدراسات الاجتماعية؛ حيث إنَّ حصصها تم تقليصها إلى حصتين من أصل أربع حصص، كما أنَّ بعض المدارس الخاصة لا تدرِّسها إطلاقا؛ مما يخلق فجوة حقيقية بينها وبين المواطن، أضف إلى ذلك أنَّ مؤسسات التعليم العالي لا تولي أيَّ اهتمام بالمستقبل المهني لمثل هذه المواد؛ حيث إنَّني قمت بدراسة بحثية في العام 2014 حول “اتجاهات طلاب المدارس الحكومية والخاصة في سلطنة عُمان.. نحو مواد الدراسات الاجتماعية”، ومما تطرَّقت الدراسة إليه: المستقبل المهني لهذه المواد، وأشارت النتائج لاتجاهات سلبية لطلاب المدارس -الحكومية والخاصة- وهذه النتيجة تحمل بين ثنايها أسئلة كثيرة يجب أن يطرحها المعنيون بالمناهج؛ كل ذلك يبعث بالبؤس والقنوط لدى المعلم الذي يجد نفسه على الهامش؛ لعدم اكتراث الطلاب بمثل هذه المواد التي تحوي مفردات جمَّة لقيم المواطنة.

ويختتم كلامه بأنه لابد من إعادة برمجة التعليم في البلاد، وتطعيمه بما يجد ويستحدث في العالم، بطريقة تطوِّر من اكتساب ماهية المواطنة وخلق الثقة المطلقة بجعلها الحكم والفيصل الأساسي فيما يستجد على الساحة الوطنية مستقبلا من أزمات سياسية أو اجتماعية، دون الانصياع لصوت الطائفية والعرقية، كما لابد من تكثيف البرامج المطورة التي تتبنى غرس قيم المواطنة في مختلف مؤسسات الإعلام؛ من خلال: تمكين المتخصصين في ذلك، ولنا نتاج كبير في ذلك كأمثال العملاق الدكتور سيف المعمري، والذي هو كنز لا ينضب معينه في هذا المجال، كما لابد من تمكين المؤسسات في صلاحياتها ومهامها المنوطة بها من لدن عاهل البلاد المفدى؛ وعلى رأسها: مجلس الشورى، الذي هو همزة وصل حقيقية للتجربة الديمقراطية بين المواطن والدولة.

بينما ترى بدرية بنت عبدالله الصارمية -عضو تطوير مناهج دراسات اجتماعية بوزارة التربية والتعليم- أنَّ المواطن الواعي بمعنى المواطنة هو الذي تعكس سلوكياته حبَّه لوطنه وانتماءه له؛ وذلك عن طريق تفانيه في خدمة الوطن وصون تراثه وحضارته، والتمسك بعاداته وتقاليده؛ سواء: كان داخل الوطن أو خارجه، وتقيده بالقوانين والتشريعات المختلفة، إضافة إلى مشاركته بشكل فعَّال في خدمة المجتمع عن طريق الأعمال التطوعية.

كما ترى -من وجهة نظرها- أنَّ نسبة كبيرة من الأفراد لديهم وعي، ولكننا بحاجة إلى مزيد من تعزيز قيم المواطنة، خاصة مع جيل الشباب الحالي. وتؤكد الصارمية على الأثر البالغ للمشاركة السياسية والمدنية في تدعيم المواطنة؛ كونهما مجالين مهمين في المواطنة.

وتضمُّ الصارمية صَوْتها للأغلبية في النظرة لأهمية دور المؤسسات التعليمية في ترسيخ قيم المواطنة، وبناء المواطن المسؤول؛ فبالنسبة لمؤسسات التعليم العام، تعتقد الصارمية أنها قائمة بدورها في هذا المجال على كافة الأصعدة وبشتى الطرق والأساليب والبرامج، لكنها بحاجة لبذل مزيد كي تخلق جيلا واعيا بحقوقه وواجباته، مُتحليا بقيم المواطنة المسؤولة. إضافة إلى أهمية تضافرالجهود المبذولة من جميع الجهات لتدعيم قيم المواطنة المسؤولة.. وقالت: أتوقع أن تثمر تلك الجهود وتنتج مواطنا مسؤولا واعيا بحقوقه وواجباته ودوره في المجتمع. ولكن هذا في حال تعاون جميع الجهات لتحقيق الهدف؛ بحيث يصبح هناك تكامل فيما بينها، وتنسيق متبادل.

وكان للدكتور حمود النوفلي -أكاديمي بقسم علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة السلطان قابوس- رأيه في الموضوع؛ حيث عبّر قائلا: في البداية، ينبغي أن نعلم أنَّ المواطنة ليست على مستوى واحد من السلوك، وهي تأتي بأشكال وصور متعددة تتناسب والوضع الاجتماعي للفرد؛ فالمواطن العادي يُترجم المواطنة في صور معينة بما يلامس حياته وتعامله مع الآخرين ومقدرات الوطن، بينما يترجم الموظف المواطنة في مدى التزامه وانضباطه بعمله وإخلاصه فيه، والمحافظة على مقدراته المادية والعينية، وكأنها ملكه الخاص؛ بحيث يتألم عندما يرى هدرا لتلك المخصصات، وينجز في عمله ليس لإرضاء المسؤول، وإنما ابتغاء مرضاة الله؛ لاعتبار العمل عبادة، ولاعتبار إنجازه ذلك حقًّا لمجتمعه عليه، فيما وُفَّر له من أمن وتعليم وخدمات أخرى، وهكذا نجد أن صور وممارسات المواطنة تتشكل وفق موقع الشخص؛ فالطالب يجدُّ ويجتهد في دراسته تقديرا وحرصا لما ينفق عليه من أموال الدولة في ذلك، والعسكري والأمني والمعلم والوزير والمدير كلهم يترجم صور المواطنة في الموقع الذي يشغله.

ويضيف الدكتور حمود بأنه في الحقيقة نجد أنَّ الشعور بالمواطنة يتفاوت من مواطن لآخر؛ فهم ليسوا في نفس المستوى؛ فهناك من يضحِّي بمصالحه الشخصية على حساب خدمة وطنه، وهذه أرقى وأسمى صور المواطنة، وهناك من يؤدِّي الواجب الذي يفرضه عليه القانون أو العُرف دون نقصان، وهذا مستوى ثانٍ من صور المواطنة، بينما نجد من قد يُقصِّر في أداء الواجب، لكن لا تمتد يده لتخريب أو هدر مقدرات الوطن، ولو أتيحت له الفرصة، وهذا مستوى ثالث، بينما هناك من تمتد يده على مقدرات الوطن ويشوِّه صورة الوطن بكتاباته، ويكون ناقما على مجتمعه، ويسعى للتشهير به، وهذا هو الشخص الذي يعتبر عديمَ المواطنة، وينبغي إصلاحه ونصحه، ومن ثم محاسبته إن استمرَّ في ذلك.

كما يعتقد الدكتور النوفلي أن فتح الباب أمام المواطنين -باختلاف مستوياتهم- للمشاركة في بناء الوطن، بلا شك يُعزز روح المواطنة لديهم؛ كون ذلك يولِّد لديهم شعورا بأنهم شركاء ومساهمون، وأنَّ المجتمع بحاجة لهم في بنائه، ويبعد عنهم فكرة الإقصاء من قبل البعض، والإحساس بأنهم كلهم خَدَم وسواسية في بناء الوطن دون مزايدات من قبل البعض، ولكن ينبغي أن تكون تلك المشاركة ليست شكلية وليست من أجل تحسيسهم بالمشاركة، وإنما مشاركة فاعلة؛ فيؤخذ بمقترحاتهم وآرائهم، ويشعرون بأن آراءهم مقدَّرة ويُشكرون عليها، وإن حالت الظروف دون الأخذ بها؛ لأن إشغال المواطن بالمشاركة الشكلية، ومن ثم لا يعطى مُمثله صلاحيات الأخذ برأيه، يؤدي ذلك لنتيجة عكسية، وحينها سنحتاج لجهود مضاعفة لإرجاع الحس الوطني لديهم بعد ذلك؛ فمثلا ما حصل من إقبال الشباب والمواطنين لاختيار أعضاء المجلس البلدي في دورته الأولى، ربما لن يتكرر بنفس المستوى من المشاركة في الدورة القادمة؛ نتيجة تحجيم صلاحيات المجلس البلدي وممارساته.

أما بالنسبة للمؤسسات التعليمية، فهي تقوم -بلا شك- بكثير من الأدوار في سبيل تعزيز المواطنة، ولكن مع توافر وسائل التواصل ومتابعة الأخبار، والاستماع لقضايا اختلاس، أو عدم أداء الأمانة، وتقصير من قبل من يعدوهم قدوات؛ فالمجتمع قد ينسف كل ما بنته المؤسسات التعليمية؛ فالطلاب يرون ما يخالف ما تعلموه، وإن كانت أخطاء فردية أو تقصيرا فرديا من قبل البعض، إلا أنها تؤثر بدرجة كبيرة؛ لاعتبارهم قدوة المجتمع.

ومع كل ذلك، يختتم الدكتور حمود مُداخلته بالقول: أنا متفائل جدًّا بقيم المواطنة في السلطنة؛ على اعتبار أنَّ أخلاق وقيم العُماني، وحبه لوطنه والإخلاص له، سمات مُتأصلة في المواطنين، ولن تتغيَّر بإذن الله، وعندما نتابع وسائل التواصل الاجتماعي، نجد أنَّ الجميع لديه ذلك الحس الوطني الواعي، وغِيْرته على بلده، ويحاور الآخرين بأخلاقه، سيما من يحاول الانتقاص من شأن مُجتمعه، ويتأثر عندما يرى قصورا ما في أي جانب، ويقدم مقترحات، ويطالب بتطبيقها لخدمة المجتمع؛ وبالتالي عندما تتولَّد تلك الغيرة، ويوجد ذلك الحرص، ويصبح الناقمون شواذَ، يرميهم باقي الأفراد بحسن الخلق حتى يرجعوا عن كراهية بلدهم، هنا يُمكنك أن تتفاءل، ولكن تفاؤل يجب أن يُصاحبه تقدير واحترام لكل مُخلص لوطنه؛ حتى يصبح نموذجا يحتذي به باقي الأفراد.

وانتقلنا إلى الإعلام من خلال أمل بنت محمد النوفلية -معدة برامج في القناة العامة، الهيئة العامة للإذاعة والتليفزيون- لنأخذ رُؤية إعلامية في الموضوع، وقد بدأت بقولها: لابد قبل أي شيء أن يُدرك الفرد مفهوم المواطنة، وما يترتب عليه من واجبات وما يُحسب له من حقوق، وإذا أدرك المعنى الحقيقي للمواطنة، سينعكس ذلك من خلال الممارسات؛ مثل: المشاركة السياسية في صُنع القرار الوطني، والتي تتَّضح في عمليتي الانتخاب والترشح للمجالس البرلمانية. أيضاً مَدَى إدراك الفرد لحرية الرأي والتعبير عنها وفق ضوابط قانونية، دون المساس أو الإساءة لأحد رموز الدولة، أو أي فرد كان.

إلا أنَّ النوفلية كانت مُتشائمة جدًّا؛ فمن وجهة نظرها أنَّنا ما زلنا نفتقد الوعي الكامل بالمواطنة المسؤولة؛ فالمواطن يعتقد أنَّ له الكثير من الحقوق فيبدأ بالمطالبة بها، ويتناسى في المقابل الواجبات التي يُفترض أن يلتزم بها تجاه وطنه.

في حين أنها ترى أنّ للمشاركة السياسية دورا كبيرا وفعالا في ترسيخ مشاعر الانتماء، وتعزيز مفهوم المواطنة لدى الفرد، والتي تنعكسُ بدورها على عملية صنع القرار في الدولة؛ حيث إنَّ من الصعب أن يحيا الفرد بمنأى عن الأحداث السياسية والقرارات الوطنية، دون أن يكون شريكا فعالا في صنعها -هذا من جهة- ومن جهة أخرى، المشاركة السياسية تساهم في صُنع الوعي تجاه القضايا أو المشكلات التي يُعاني منها المجتمع؛ لذا فمن الطبيعي أن يبحث المواطن عن وسيلة أو منبر ليُوْصل صَوْته للجهات المعنية لاتخاذ الاجراءات المناسبة، وحل تلك القضايا تباعاً.

وتعتقد النوفلية أنَّ هناك محاولات على استحياء من قبل المؤسسات التعليمية في هذا الإطار، ولا يزال بناء المواطن والتأكيد على التلاحم المجتمعي يتمثل في جانب المشاعر والأحاسيس والأبيات والقصائد التي تغنِّي بحب الوطن والمسؤولية الاجتماعية تجاهه، دون أن يكون هناك تفعيل حقيقي وممارسة للمواطنة -وإن كان على مستوى الطلاب- فمن الضروري أن تخرج مناهجنا الدراسية من أُطر الأقوال إلى أُطر الأفعال.

وفي نهاية حديثها، قالت النفولية: إنْ كنا نفكر في تجذير هذا المفهوم، فيجب أن نبدأ أولاً من المراحل التعليمية الأولى للأطفال، وعلى المؤسسات التعليمية أن تصيغ مناهج تتَّسق مع معطيات العصر الحالي، خاصة في ظلِّ التأرجح الأمني الذي نعاني منه في منطقة الشرق الأوسط، ووجود الثورات التي عصفت بالكثير من دول المنطقة. ثانياً: من المهم أن تقوم المجالس البرلمانية -سواء مجلس الشورى أو البلدي- بنشر ثقافة المشاركة السياسية بين الأفراد، وما يترتب عليها من آثار مستقبلية قد تعود بالنفع على الفرد، وقد يتضح ذلك في إطار عمل رسائل توعية إعلامية وندوات ومحاضرات ترصد أهمية الانخراط في المشاركة السياسية…وغيرها. ثالثاً: للإعلام بكل وسائله -المكتوب والمسموع والمرئي- دور فاعل في تشكيل الوعي في هذا الإطار؛ وذلك من خلال توجيه البرامج والفنون الصحفية لتغطية مفهوم المواطنة بكل صوره.

وكان لنا لقاء مع الشيخ محسن بن سعيد الغريبي -إمام جامع، بعبري- حيث يرى أنَّ الممارسات التي تعكس صورة المواطن الصالح، تلك التي يمارسها الفرد منا ببساطة في حياته اليومية، والتي تحمل في طياتها معنى السجية والعفوية في التعامل مع ما حوله، وعلى حدِّ قوله: أزعم أنَّ المواطن العادي ليس في قاموسه معنى المواطنة بتنظيرها المعاصر؛ ولذلك وصفتها بالعفوية البعيدة عن أي تكلف، ولا أزعم أنه ليس بحاجة إلى تطبيقاتها، بل كل مواطن مُطالب بمعرفة ما له من حقوق وما عليه من واجبات تجاه وطنه، وهذه أبسط صُور المواطنة؛ بداية من الممارسات الفردية التي تلامس حاجاته الخاصة، وانتهاءً بتعامله مع الآخرين في إطار قانون ونظام الوطن الذي يعيش فيه. وتتمثل الممارسات الفردية كالآتي: أولا الشعور بالمسؤولية تجاه نفسه والأسرة؛ فهذه أول خطوة في طريق المواطنة المسؤولة، ثم بناء وتطوير الذات والرقي المعرفي والمهني، وبعدها يأتي السعي الدؤوب في تهذيب الخلق، ومحاسبة النفس على الخطأ والتقصير؛ لزرع المراقبة الذاتية في نفس المواطن. وبعد ذلك يأتي الحرص على استغلال الإمكانات المتاحة في الوطن للرقي بالمستوى العلمي والتقني والمهني، وكسب مهارات جديدة؛ لتمكين معنى المواطنة الصالحة، ثم نصل إلى وجوب معرفة كافة الحقوق المستحقة للمواطن على الوطن، وكذلك الحقوق الواجبة عليه نحو وطنه. وفي نهاية المطاف، تأتي المشاركة الفاعلة والنشطة في قضايا المجتمع المدني؛ فتكتمل بذلك الممارسات الإيجابية للمواطنة الصالحة.

أما فيما يتعلقب وعي المواطن بالمواطنة المسؤولة، فيرى الشيخ الغريبي أنها ضحلة، وقد تكون معدومة نظريا.. فيقول: أشرت إلى أنَّ الممارسات اﻹيجابية الفاعلة -وإن لم تكن واعية- دليل واضح على رسوخ معنى المواطنة في النفوس، والتي لا شك تحتاج إلى صقل وتعميق لمفهومها؛ ليكون أكثر فهما وإدراكا ومسؤولية. وما نفتقده حقا هو: تربية الأبناء منذ نعومة أظفارهم على أساسات المواطنة الصالحة.

وفي الواقع ردَّ الشيخ محسن بكل عفوية: لا علم لي ساسيا بمدى تجاوب الحكومة مع بناء المواطنة المسؤولة لدى المواطن، أو تنفيذ قرارات أو تدعيم مشروعات لصالح هذا البناء كتقنين منظم أو هيئة مستقلة تُعنى بهذا الأمر. أما مدنيًّا، فإن مؤسسات المجتمع المدني عليها تبعات ثقيلة في استقطاب الشباب للعمل التطوعي والإنساني في خدمة الوطن والمواطن، والشباب يمثل ما نسبته 64% من عدد السكان في السلطنة، وأرى أنَّ هناك تقبلا منقطع النظير من قبل الشباب للانخراط في هذه المؤسسات الخيرية، التي تدعم قيم المواطنة الصالحة لدى فئة الشباب.

وقد رأت رحمة بنت خلفان النبهانية -معلمة جغرافيا بسمائل- أنَّ من ممارسات المواطنة المسؤولة، والتي من المفترض على الشخص ممارستها: المحافظة على الممتلكات العامة للدولة، وكذلك المشاركة في حملات التوعية والإرشاد في المجتمع المحلي، خاصة التي تتعلق بحماية البيئة والحفاظ على مقدسات الوطن. إلا أنَّ وعي المواطن بالمواطنة لم يصل بعد إلى الدرجة المرضية، وخير دليل على ذلك الممارسات الخاطئة في التعامل مع خيرات وثروات الوطن؛ كالإسراف في استهلاك موارد المياه والكهرباء، وكثرة حوادث الطرق، وتلويث البيئة، وتشويه المنظر العام للمدينة؛ من خلال: العبث بمرافق الدولة، والكتابة على الجدران واللوحات الإرشادية على الطرق والمرافق العامة.

وتضيف النبهانية: إن المشاركة السياسية والمدنية هي الركيزة الأساسية التي تعمِّق وتؤصِّل قيم المواطنة في نفوس المواطنين، وممكن ملاحظة ذلك من خلال ما يدور في وسائل الإعلام المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعي، كما أنَّها ترى أنَّ للتعليم دورا في تعزيز المواطنة؛ وذلك من خلال: المناهج الدراسية، ومسابقة المحافظة على النظافة والصحة في البيئة المدرسية، ودور الأنشطة المدرسية كالإذاعة والصحافة، وجماعة العمل التطوعي، والخدمة الاجتماعية…وغيرها، وكذلك من خلال تنظيم ندوات ومحاضرات وورش عمل تدريبية تخدم هذا المجال.

وتستكمل النبهانية حديثها: أما نظرتي المستقبلية، فأرى ضرورة تكثيف حملات التوعية والإرشاد من قبل وسائل الإعلام المختلفة بأسلوب يختلف عن الروتين المعهود؛ وذلك من أجل جذب الشباب ومسايرة روح العصر، كما أنَّه من الضروري خلق روح التحدي لحماية مقدَّسات الوطن، وغرس معنى المواطنة بالفعل والعمل، وليس مجرد شعارات نرددها في نفوس الشباب، كذلك تقنين وتغيير طريقة وأسلوب عرض المواطنة في المناهج المدرسية بأسلوب مُحبَّب لدى الطلاب، يعمِّق قيم المواطنة لديهم ويخرج جيلا صالحا، ولا ننسى استخدام التقنيات الحديثة في ذلك؛ كونها وسيلة جذب وتشويق لهم. وإضافة إلى ذلك، أرى ضرورة إشراك المجتمع المحلي مع نشاط المدرسة من أجل صناعة مواطنين مسؤولين؛ وذلك لمشاركة المجتمع الدور في ذلك؛ من خلال تنظيم المسابقات المختلفة؛ مثل: الحي النظيف، القرية المتعلمة، مسابقة نساء مبدعات في خدمة الوطن، مسابقات خاصة بالأطفال تغرس فيهم حب الوطن وحماية البيئة…وغيرها من القيم الإيجابية.

وبالعروج على مؤسسة تعليمية أخرى مع خالد بن حميد الغريبي -محاضر لغة إنجليزية بالكلية التقنية بعبري- فيقول: من وجهة نظري، أنَّ المواطن هو اللغة الأساسية للوطن منها يتكلم وللوطن يستمع. ومن الممارسات التي تعكس مدى وعي المواطن بالمواطنة: الالتزام بالزي الرسمي للبلاد، والعادات والتقاليد العُمانية الأصيلة والمتوارثة، والأسلوب والثقافة اللفظية مع الآخرين، لا سيما مع الوافدين، وكذلك الجيل الناشئ، والتقيد بالأنظمة والقوانين، والقيام ببعض الأعمال التطوعية والاجتماعية والإنسانية للوطن، وهذا يعتبر حقًّا من حقوق الوطن، إضافة لاحترام الأماكن العامة من مستشفيات ومساجد وحدائق…وغيرها.

ويضيف الغريبي: هنا، أجد أنَّ أغلب شرائح المجتمع واعية نسبيًّا بالدور الرائد كمواطنين مسؤولين في الوطن. ويتمحور هذا الوعي الوطني في المجتمع من خلال تعامل المواطن مع مُنجزات هذا الوطن بأسلوب حضاري وجميل.

ويشارك الغريبي مُعظم المستجيبين لهذا الحوار في وجود أثر كبير للمشاركة السياسية والمدنية في تدعيم أسس المواطنة لدى المواطنين، وإعطائهم الانطباع الجميل. ويتمثل هذا الدور البنّاء من خلال انتخابات مجلس الشورى والمجالس البلدية. وأيضا نجد أنَّ أغلب الوزارات والمؤسسات الخدمية تشارك المواطنين وجهات النظر؛ لذلك نجد أنَّ الفكر العُماني فكر مستنير ومنفتح بالسياسة المرنة والحكيمة والمتزنة، كما أن لبرامج التواصل الاجتماعي دورا كبيرا في المشاركة بالدور السياسي والمدني في ظل الثورة التكنولوجية في الوطن؛ إذ تعمل أغلب الوزارات الخدمية على الأخذ بالرأي العام للمواطنين والمشاركة الهادفة والدراسات الميدانية، مع الأخذ بعين الاعتبار كل ما يهم ويمس مصلحة المواطن إلكترونيا. ويوجد أيضا زيارات ميدانية من قبل مؤسسات خدمية مختلفة للمواطنين قاطني الأماكن البعيدة لإشراكهم في الاستفادة من خدمات البنية الأساسية، ولهم دور فاعل في انتخابات مجالس الشورى والبلديات.

ويؤكد الغريبي على الدور المهم للمؤسسات التعليمية في غرس مفهوم المواطنة وحب الوطن والقائد لدى الطالب.. وقال: وهنا، أعيد الذاكرة إلى مسابقة “المحافظة على النظافة والصحة في البيئة المدرسية”؛ حيث كان لها دور كبير في غرس روح المواطنة لدينا كطلاب سابقا؛ فيخرج الطالب من هذه المسابقة واعيا لمسؤوليته تجاه الوطن، وهذا الدور الإيجابي لهذه المسابقة نستطيع ملاحظته من خلال محافظة الطالب على الممتلكات العامة لهذه الدولة. وكذلك من خلال إقامة الندوات والمحاضرات والزيارات الميدانية. كما أن للتعليم العالي دورا كبيرا في ترسيخ الوعي الوطني من خلال إحساس الطالب بتوفير فرصة التعليم المجاني والمنح الدراسية والتشجيعات والحوافز لمختلف شرائح المجتمع، ونجد الاهتمام الكبير لذوي الاحتياجات الخاصة والدخل المحدود.

وفي النهاية، يقول الغريبي: النظرة المستقبلية للمواطنة وتعزيزها يجب أن تكون أكثر فاعلية؛ وذلك من خلال إعادة زيادة الاهتمام لدى المجتمع، وأخص بالذكر المدارس؛ سيما في المرحلة الأولى؛ مُسايرة مع اهتمام الأسرة بمتابعة الأبناء والتركيز على بنائهم كمواطنين صالحين، وتطوير الدور الإعلامي؛ حيث يجب أن يفعَّل بشكل أكثر نشاطا وحيوية وفاعلية مما هو عليه الآن، ولا ننسى الدور الكبير للمسجد في بناء الأمة؛ فانطلاقة الرعيل الأول الأساسية كانت من المساجد ومجالس العلم فيها.

وتبقى المواطنة، وسبر مفاهيمها، وممارساتها، ومسؤولية تنفيذها، قضية شائكة على الساحة، تنتظرُ الاهتمامَ الرسميَّ والشعبيَّ معًا؛ للوصول إلى اتفاق لتفعيلها على الوجه المطلوب؛ لننعم بوطن تتجلَّى فيه ممارسات المواطنة الإيجابية.

10,083 total views, 2 views today