مريم الحاج عثمان


لنبدع في التعليم علينا أن نعطي ونمنح اليد بقدر ما نعطي ونمنح العقل. هذا ما نادت به الطبيبة وعالمة الانثروبولوجيا ماريا مونتيسوري التي كرست حياتها لفهم كيف ينمو الأطفال جسدياً وعقلياً وفكرياً وروحياً. فمن خلال مراقبتها للأطفال بعناية ودراساتها اكتشفت أنهم جميعاً وبغض النظر عن ثقافاتهم أو العصر الذي يعيشون فيه يشتركون بطبيعة عقل ممتصة واعية وغير واعية، ويمرون بفترات حساسة طبيعية ومهمة لتعليمهم واكتسابهم المهارات المتعددة، ولهم أنماط للنمو تكمن أهميتها في استخدام الأيدي لمساعدة الطفل على بناء نفسه والقدرة على التعلم، لذلك سلطت الضوء على أهمية قوة اليد والعقل اللذان يجب أن يتطوران معاً في تناغم وتواؤم.

فمن خلال اليد يمكن للطفل التعرف على بيئته والسيطرة عليها والتعلم منها فوجب بذلك أن ندرك جيداً ضرورة تقديم المواد والأدوات والتمارين التي تساعد الطفل على تطوير قبضة يده وتقويتها والتحكم الحركي الدقيق بها ليتم تنسيق العقل بحركات الجسد وهذا يجذب التركيز العالي للطفل مما يؤدي إلى انضباطه الذاتي وبالتالي إحداث عملية التعلم.

وإن وجود بيئة مصغرة من العالم الحقيقي متقنة الصنع، مصممة لتلبية احتياجات الطفل، مناسبة لحجمه يدعم التعلم التجريبي الذي يؤدي إلى فهم أعمق للغة والحساب والموسيقا والعلوم وحتى التفاعلات والمهارات الاجتماعية.

 فكل مادة في صف المونتيسوري تدعم جانباً من جوانب تنمية الطفل مما يخلق تطابقاً وانسجاماً بين اهتمامات الطفل والأنشطة المتاحة له، فيحدث التعلم الذاتي التلقائي المليء بالشغف وحب المعرفة من خلال تجربة الطفل الخاصة به، وبالسرعة التي تناسبه وبحسب قدراته، بذلك يصبح التعلم لمدى الحياة. وهنا يأتي دور المعلم كمرشد وميسر، يلاحظ ويراقب الطفل يعلم يقيناً أن عمله هو التطوير وليس الحفظ والتلقين.

هذا ما يميز نهج المونتيسوري عن غيره بأن اليد مفتاح العقل وأداته، وهذا ما اثبتته الدراسات العلمية والعملية، فاليد هي التي تحصل على المعلومات وتستقبلها لتعطيها للعقل والعقل بدوره يوجه اليد لاكتساب المزيد من المعلومات لفهم أعمق وأشمل، وتستمر هذه الدورة طيلة حياة الإنسان مما يؤدي إلى تطور فكره.

نهج المونتيسوري يمنح الأطفال الاستعداد للنضج الذي يحتاجونه. أطفال اليوم هم شخصيات المستقبل ونحن بحاجة لإعطاء أطفالنا أفضل تجربة تعليمية لهم حتى يكون مسارهم في الحياة واضحاً ويصبحوا أشخاص مستقلين ومتعلمين، أقوياء وسعداء.

مريم الحاج عثمان

Hits: 57