هادي محمد عبدالحسين اللواتي


كلمات في نعي خالتي المرحومة / عديلة مال الله حبيب اللواتي


أكتب هذه الكلمات وأنا شديد التأثر برحيل خالتي التي لم تغادر إلا وقد تركت أثرا طيّبا وصدى حسناً وذكرا جميلاً في نفوس كل أحبابها ورفاقها. لن تفي ألفاظي بملامسة شيء من حقيقة روحها التي ترفرف الآن عاليا في سماء الملكوت – بإذن الله – .

يقول أهل العرفان والتصوف بأن موسى دعا الله بأن يحلّ عقدة من لسانه كي يتمكن من نقل وترجمة ثقل المعاني الغيبية وحقائق العالم الأعلى إلى مسجوني ومحجوبي عالم المادة والدنيا الغافلين عن كل ما يتعدى شؤون البدن من نوم ولعب وطعام ولذّات محدودة فانية زائلة. هذه نفحة من أسرار دعوات الأنبياء في سـفرهم الأخير من أسفار الهجرة إلى الله، حيث تغمرهم رغبة عارمة في هداية الآخرين والأخذ بيدهم إلى فضاءات السمو والمعالي، فتنطق قلوبهم وتلهج أرواحهم بتمتمات الأماني بأن يفجّر الله على ألسنتهم الحكمة، ويحلّ عقدة الحجاب بين الملك والملكوت، كي يتحقق وصلٌ بينهما ، ويتمكن سكان الدنيا من طرق أبواب العروج. هكذا يفعل الانبياء بقلوب المستعدين، يُحدثون هزّة قوية على أرض الفطرة الإنسانية “ليستأدوهم ميثاق فطرته” يتوغلون بها إلى قلوب البشر ومراتب سرهم الخفيّة، ويذيقونهم من كؤوس عالم المعنى والحقيقة بعضا من قطرات الوصال… هذا هو الطب المحمّدي الذي يدور به على القلوب المستعدة فيصبغها بصبغة ربانية، فتتعالى بها على صغائر الأمور؛ حيث ورد في الأثر أنه (ص) “طبيب دوّار بطبّـه”.

إن أمطار الرحمة و الهداية الإلهية لا تنقضي عند بعثة الأنبياء وإرسال الرسل، بل إن له تعالى رسل و أنبياء من نوع آخر. أحد هؤلاء الرُسل هو (الموت)؛ مَظهر ومَجلى القهّارية الإلهية: “فيا من توحّد بالعز والبقاء، و قهر عباده بالموت والفناء”. كأس المنيّة سيزور كل إنسان، بل إن كل فرد منا سيذوق تجربة الموت بتمام وجوده ” كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ” لأن كل إنسان حينها سيتذوّق حقيقة أعماله وسيرة حياته  ونواياه كما كانت عليه بلا ذرّة تحريف أو تشويه، وهذا أحد معاني الانتقال إلى العوالم و النشآت الأخرى.

الموت حقيقة مدهشة مرعبة، بل هي العقيدة الوحيدة التي يتفق عليها بني البشر قاطبة مهما اختلفت أديانهم وفلسفاتهم شرقا وغربا، توحيدا وإلحادا، تديّنا وعلمنة، تقليدية وحداثة، إلا انهم لا يستطعيون أن يختلفوا في أن الموت حقيقة ثابتة دائمة ستواجه كل آدميِ شاء أم أبى.

ولشدة هيبته كان سيد العرفاء الإمام علي بن أبي طالب يقول في لحظات احتضاره: “رفقا بي ملائكة الله”، وتلا الآية: “لمثل هذا فليعمل العاملون”. ومن عباراته التي كان يرددها: “كفى بالموت واعظا”. إنها لحظة تهزّ الانسان من داخله، وتُـرجِفُ حواسه الظاهرية والباطنية، وتهمس في وعيه ولا وعيه وسرّه أنّ “كل من عليها فان”. لحظة لابد أن تبقى حاضرة في حياة هذا الإنسان الذي يريد أن يتمادى تكبّرا وتجبّرا وغرورا على الناس، وربوبية يعتلي بها عرش أذيّة كل من هو تحت سلطته من أهل أو موظفين أو عاملين مساكين، لحظة تمدّ الانسان بجرعة من الأمل لحياة تدفعه نحو العطاء والإحسان أكثر.

ليس عالم المادة هذا أكثر من وهم يعيشه ويخلقه الإنسان. يقول العارف التلمساني : ” اللهَ قل وذر الوجود وما حوى … إن كنت مرتادا بلوغ كمال”. “دنيا دنيّة” كلمة وحيدة تلفظ بها ابنٌ بعد وفاة أمه. نعم، الدنيا دنيّة بتمام المعنى، لا تسمح للأرواح الطاهرة بأن تحيا فيها طويلا ، والآخرة عليّة تجتذب النفوس البيضاء النقيّة إليها سريعا لتوفّيها جزاء المحسنين.

يؤمن أهل المعنى والبصيرة بأن صنفا من المؤمنيين، يرفعهم الله إليه برسول مرض وابتلاء شديد، يكون كفيلا بتطهيرهم من كل رين بقي على قلوبهم، رافعا لهم الدرجات؛ فتُلهَم روحه في تلك الحال بشرى الفوز والنعيم بجوار الله، حينها يرغب ذاك الانسان بالعروج، ويختار الرحيل عن هذه الدار الفانية، ويفضّل السعادة الأبدية على نعيم ولذّة تفنى، واذا حصل ذلك، لا تعود كل الأدوية والعلاجات، والأدعية والصدقات والنذورات، بذات أثر في تغيير المشيئة الإلهية التي اقتضت تكريم عبده ورفعه إلى عالم الجنان والرضوان.

روح الانسان هنا تصبح أقوى من محاولات أحبتها ورفاق دربها بإبقائها على قيد الحياة، حينها يأتي الإذن الإلهي والنداء: ” يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً “. فلترفرف روحك عاليا يا عديلة بنت مال الله حبيب اللواتي الى الأبد.

كانت تواقة للتكامل دوما. لا أبالغ أبدا إن قلت أنها حضرت العشرات من الدورات والندوات والدروس في تهذيب النفس وتحسين الأخلاق، وبناء الذات، والتنفس الواعي، والتأمل الداخلي، والصفاء والسلام الروحي، والصمت الهادف، وكانت تحبّ عالِما ربانيا صالحا لم تفوّت له درسا ولا محاضرة ولا موعظة، بل كان تأنس وتطرب عند الإصغاء إلى أنفاسة الدافئة، وحين الاستماع الى كلماته الصادحة بكل تقى وطهر وتحبيب إلى ملكوت الله. كانت روحها مظللة بسرّ من الغربة، تذكرني بغربة الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري الذي عاش ومات وحيدا وغريبا،  واختارت في سلوكها مع الآخرين طريقة من طرق أهل الله ضاعفت فيها من روحية الأدب الراقي، حتى مع أبنائها أو من هم بمثابتهم؛ فكانت دائمة الشكر والتودّد لهم على أبسط الأمور حتى لو كانت هي صاحبة الفضل عليهم، وكانت حريصة على الاعتذار الدائم ممن تخالطهم لمجرّد احتمال التقصير أو الزلل ، مبالغة منها في الأدب والتلطّف.

فلترقد روحك وأمثالها من الأرواح الطيّبة بسلام دائم في جوار سيل هادر من الأولياء الأصفياء الذين سبقوهم، ولتكن السعادة التي ذاقوها سلوة لقلب وفؤاد كل من يفقد أحبابا يحفرون في قلوب ذويهم جرحاً عميقاً نازفاً لا ضماد له، وشوقاً كبيرا لا يهدأ أبدا.

 86 total views,  2 views today