علي‭ ‬بن‭ ‬مسعود‭ ‬المعشني

‭”‬البرجوازية‭.. ‬هي‭ ‬طبقة‭ ‬اجتماعية‭ ‬ظهرتْ‭ ‬في‭ ‬القرنين‭ ‬الخامس‭ ‬عشر‭ ‬والسادس‭ ‬عشر،‭ ‬تمتلك‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬والحرف،‭ ‬كما‭ ‬تمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬ومؤسسات‭ ‬الدولة؛‭ ‬للمحافظة‭ ‬على‭ ‬امتيازاتها،‭ ‬ومكانتها،‭ ‬بحسب‭ ‬نظرية‭ ‬كارل‭ ‬ماركس‭” (‬ويكيبيديا‭).‬

‭”‬وبشكل‭ ‬أدق‭: ‬البرجوازية‭ ‬هي‭ ‬الطبقة‭ ‬المسيطرة‭ ‬والحاكمة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الرأسمالي،‭ ‬وهي‭ ‬طبقة‭ ‬غير‭ ‬مُنتجة،‭ ‬لكن‭ ‬تعيش‭ ‬من‭ ‬فائض‭ ‬قيمة‭ ‬عمل‭ ‬العمَّال؛‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬البرجوازيين‭ ‬هم‭ ‬الطبقة‭ ‬المسيطرة‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬الإنتاج‭. ‬ويقسِّمهم‭ ‬لينين‭ ‬إلى‭ ‬فئات؛‭ ‬حيث‭ ‬يشمل‭ ‬وصف‭ ‬البرجوازيين‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الفئات‭ ‬تنتهي‭ ‬بالبرجوازي‭ ‬الصغير،‭ ‬وهم‭ ‬المقاولون‭ ‬الصغار‭ ‬وأصحاب‭ ‬الورش‭ ‬الصغيرة‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬عيوب‭ ‬البرجوازية،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬ساعدت‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬حتى‭ ‬تم‭ ‬النصر‭ ‬لها‭”.‬

الديمقراطية‭ ‬البرجوازية‭.. ‬مُصطلح‭ ‬استعمله‭ ‬لينين،‭ ‬ومن‭ ‬بعده‭ ‬الشيوعيون،‭ ‬لوصف‭ ‬الديمقراطية‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭ ‬آنذاك،‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية؛‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬اصطلاحاً‭ ‬هي‭ ‬حكم‭ ‬عامة‭ ‬الناس،‭ ‬أو‭ ‬بتعبير‭ ‬آخر‭ ‬حكم‭ ‬الشعب‭ ‬نفسه‭ ‬بنفسه،‭ ‬وترى‭ ‬الدول‭ ‬الليبرالية‭ ‬أن‭ ‬ديمقراطيتها‭ ‬هي‭ ‬ديمقراطية‭ ‬شرعية‭ ‬في‭ ‬تمثيل‭ ‬الشعب،‭ ‬لكنَّ‭ ‬الشيوعيين‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬مَن‭ ‬يترشح‭ ‬للانتخابات‭ ‬البرلمانية‭ ‬غالباً‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬طبقة‭ ‬ميسورة‭ ‬ماديا،‭ ‬لكي‭ ‬يستطيع‭ ‬تمويل‭ ‬حملة‭ ‬انتخابية؛‭ ‬فهو‭ ‬بالتالي‭ ‬يُمثل‭ ‬مصالح‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬دون‭ ‬غيرها،‭ ‬أو‭ ‬أنه‭ ‬يتمول‭ ‬من‭ ‬شركات‭ ‬وأصحاب‭ ‬مال‭ ‬ليمثل‭ ‬مصالحهم؛‭ ‬لهذا‭ ‬سُمِّيت‭ ‬الديمقراطية‭ ‬المطبقة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الليبرالية‭ ‬بالديمقراطية‭ ‬البرجوازية‭. ‬ويعتبر‭ ‬الشيوعيون‭ ‬أنَّ‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الاشتراكية‭ ‬هي‭ ‬التمثيل‭ ‬الحقيقي‭ ‬للشعب‭” (‬م‭.‬المعرفة‭) (‬انتهى‭).‬

علاقة‭ ‬البرجوازية‭ ‬بطبقة‭ ‬الأرستقراط‭ ‬هي‭ ‬علاقة‭ ‬عضوية‭ ‬وثيقة،‭ ‬بحُكم‭ ‬تقاطع‭ ‬المصالح،‭ ‬بينما‭ ‬علاقتها‭ ‬بطبقة‭ ‬العمال‭ ‬أو‭ ‬البروليتاريا‭ ‬علاقة‭ ‬طردية‭ ‬موتورة‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال؛‭ ‬كونها‭ ‬تقتات‭ ‬على‭ ‬إنتاجهم‭ ‬ومن‭ ‬فائضه‭. ‬بزغت‭ ‬نواة‭ ‬دولة‭ ‬الاستقلال‭ ‬العربية‭ ‬منذ‭ ‬الأربعينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وتشكلت‭ ‬من‭ ‬الأقطار‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬نالتْ‭ ‬استقلالاتها‭ ‬تباعًا‭ ‬من‭ ‬الاحتلالات‭ ‬الغربية‭ ‬المباشرة‭. ‬وبهذا؛‭ ‬تشكل‭ ‬التفاوت‭ ‬والفجوات‭ ‬التنموية‭ ‬والسياسية‭ ‬والعلمية‭ ‬بين‭ ‬الأقطار‭ ‬العربية،‭ ‬وبالنتيجة‭ ‬تباينت‭ ‬الأولويات‭ ‬بينها‭ ‬بحكم‭ ‬منسوب‭ ‬التراكم‭ ‬الثقافي‭ ‬والوعي‭ ‬السياسي،‭ ‬وتشكُّل‭ ‬الطبقات‭ ‬والنُّخب‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مجتمع،‭ ‬والزاد‭ ‬المعرفي‭ ‬لديها‭.‬

وبالمحصلة‭ ‬النهائية،‭ ‬فقد‭ ‬أنتج‭ ‬هذا‭ ‬التفاوت‭ ‬تباينًا‭ ‬حادًّا‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬توحيد‭ ‬النظرة‭ ‬العربية‭ ‬نحو‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭ ‬المشترك‭ ‬والتضامن‭ ‬العربي،‭ ‬ووقف‭ ‬كحجر‭ ‬عثرة‭ ‬نحو‭ ‬طريق‭ ‬الوحدة‭ ‬العربية،‭ ‬بل‭ ‬وأنتج‭ ‬نُخبا‭ ‬عربية‭ ‬مُشتَّتة‭ ‬في‭ ‬الرؤى‭ ‬والطرح‭ ‬والمعالجات؛‭ ‬نتيجة‭ ‬غياب‭ ‬الوعي‭ ‬الجذري‭ ‬والجمعي‭ ‬بالصراع‭ ‬الحضاري‭ ‬بين‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬والغرب،‭ ‬وغياب‭ ‬فلسفات‭ ‬الحُكم‭ ‬الرشيد‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأقطار‭ ‬العربية؛‭ ‬بفعل‭ ‬شطط‭ ‬بعض‭ ‬النُخب‭ ‬وضحالة‭ ‬وعيها‭ ‬وزادها‭ ‬المعرفي،‭ ‬وزاد‭ ‬الطين‭ ‬بلة‭ ‬تولي‭ ‬نُخب‭ ‬من‭ ‬الثقات‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الكفاءات‭ ‬لمصير‭ ‬دولة‭ ‬الاستقلال‭ ‬العربية،‭ ‬تلك‭ ‬المعادلة‭ ‬التي‭ ‬وجهت‭ ‬بوصلة‭ ‬النخب‭ ‬الحاكمة‭ ‬وحواسها‭ ‬نحو‭ ‬الانبهار‭ ‬بالغرب‭ (‬المستعمر‭ ‬السابق‭)‬،‭ ‬ومحاكاته،‭ ‬وكأنه‭ ‬النموذج‭ ‬المصيري‭ ‬المحتوم‭ ‬للبشرية،‭ ‬وجهل‭ ‬هؤلاء‭ ‬أنَّ‭ ‬ذلك‭ ‬الانبهار‭ ‬والمحاكاة‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬أداة‭ ‬صلبة‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬الاستعمار‭ ‬الجديد،‭ ‬وعنوانها‭ ‬التبعية‭.‬

لم‭ ‬تستوعب‭ ‬النُّخب‭ ‬العربية‭ -‬والتي‭ ‬تشكلت‭ ‬غالبيتها‭ ‬على‭ ‬عَجَل‭- ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬الفرضيات‭ ‬الملزمة‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬ينشد‭ ‬دور‭ ‬الفكر‭ ‬الطليعي‭ ‬التنويري‭ ‬في‭ ‬مجتمعه،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬التكامل‭ ‬العضوي‭ ‬مع‭ ‬المجتمع،‭ ‬ومعرفة‭ ‬جرعات‭ ‬الوعي‭ ‬اللازمة‭ ‬لحِراك‭ ‬المجتمع،‭ ‬وأطوار‭ ‬الدولة،‭ ‬وقبل‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬أهمية‭ ‬معرفة‭ ‬القديم‭ ‬واستيعابه‭ ‬ونقده‭ ‬للبناء‭ ‬على‭ ‬إيجابياته‭ ‬وتجاوز‭ ‬عثراته‭. ‬فقد‭ ‬انطلقتْ‭ ‬أغلب‭ ‬النخب‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الانبهار‭ ‬بالغرب‭ ‬دون‭ ‬دراية‭ ‬بالمخزون‭ ‬الحضاري‭ ‬والموروث‭ ‬المعرفي‭ ‬لأمتهم،‭ ‬والذي‭ ‬سيقيهم‭ -‬بلا‭ ‬شك‭- ‬من‭ ‬أعراض‭ ‬الانبهار،‭ ‬ويكون‭ ‬زادًا‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬التنوير‭ ‬وتحقيق‭ ‬المشروع‭ ‬النهضوي‭ ‬للأمة‭.‬

استوردت‭ ‬النُّخب‭ ‬العربية‭ -‬بلا‭ ‬وعي‭- ‬كلَّ‭ ‬أدوات‭ ‬الغرب‭ ‬على‭ ‬عَجل،‭ ‬ودون‭ ‬تبصر‭ ‬منهم‭ ‬أو‭ ‬تفكُّر‭ ‬بما‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬يصنف‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬الفكر‭ ‬الإنساني‭ ‬الذي‭ ‬يُمكن‭ ‬محاكاته‭ ‬وتقليده،‭ ‬وما‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬يصنف‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬التجارب‭ ‬الخاصة‭ ‬غير‭ ‬القابلة‭ ‬للاستنساخ‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬أخرى،‭ ‬من‭ ‬وجودية،‭ ‬وعلمانية،‭ ‬وليبرالية،‭ ‬وحداثة،‭ ‬وديمقراطية،‭ ‬وتحرر،‭ ‬وعدالة،‭ ‬وتحزب‭…‬إلخ‭. ‬دون‭ ‬إدراك‭ ‬منها‭ ‬بمدى‭ ‬اصطدام‭ ‬تلك‭ ‬الأفكار‭ ‬أو‭ ‬توافقها‭ ‬مع‭ ‬العقائد‭ ‬أو‭ ‬الموروث‭ ‬الفكري‭ ‬العربي،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬التساؤل‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬حاجتنا‭ ‬كعرب‭ ‬ومسلمين‭ ‬لتلك‭ ‬الأفكار‭ ‬للنهوض‭ ‬ومواكبة‭ ‬العصر‭.‬

ولم‭ ‬تتوقف‭ ‬جهود‭ ‬النخب‭ ‬عند‭ ‬ذلك،‭ ‬بل‭ ‬مارست‭ ‬بسط‭ ‬ثقافة‭ ‬البؤس‭ ‬والفجيعة‭ ‬وجلد‭ ‬الذات‭ ‬والاحتقار‭ ‬للموروث‭ ‬بغثِّه‭ ‬وسمينه،‭ ‬والتجاسُّر‭ ‬على‭ ‬الثوابت‭ ‬بزعم‭ ‬الاستنهاض‭ ‬ورغبة‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬اقتطاع‭ ‬هُوية‭ ‬ووجاهة‭ ‬فكرية‭ ‬خاصة‭ ‬به؛‭ ‬حيث‭ ‬تفشَّت‭ ‬ثقافة‭ ‬المقارنات‭ ‬غير‭ ‬المنطقية‭ ‬وغير‭ ‬العلمية‭ ‬بين‭ ‬الأقطار‭ ‬العربية‭ ‬والغرب،‭ ‬وتارة‭ ‬أخرى‭ ‬بين‭ ‬أقطار‭ ‬عربية‭ ‬بعينها‭ ‬كمصر‭ ‬واليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬دون‭ ‬أدنى‭ ‬معرفة‭ ‬بتاريخ‭ ‬ووضع‭ ‬كل‭ ‬دولة،‭ ‬وخصوصيتها،‭ ‬وموقعها‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬الحضاري‭ ‬مع‭ ‬الغرب؛‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تدرك‭ ‬تلك‭ ‬النخب‭ ‬أنَّ‭ ‬مصر‭ ‬حاضن‭ ‬تاريخي‭ ‬وحضاري،‭ ‬ونواة‭ ‬للأمة‭ ‬العربية،‭ ‬وتقع‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬الاستهداف‭ ‬الغربي‭ ‬المباشر،‭ ‬وفي‭ ‬خاصرتها‭ ‬كِيان‭ ‬العدو‭ ‬الغاصب،‭ ‬بينما‭ ‬اليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬دولتان‭ ‬مدنيتان‭ ‬تمثلان‭ ‬قاعدتين‭ ‬متقدمتين‭ ‬للرأسمالية‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬خاصرة‭ ‬أعتى‭ ‬قوتين‭ ‬عدوتين‭ ‬للغرب؛‭ ‬هما‭: ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬والصين‭. ‬كما‭ ‬تبنت‭ ‬النخب‭ ‬ذاتها‭ -‬وبلا‭ ‬وعي‭- ‬الخطاب‭ ‬التحريضي‭ ‬على‭ ‬الحكومات‭ ‬والحكام‭ ‬بزعم‭ ‬التنوير‭ ‬والاستنهاضن‭ ‬واعتبرته‭ ‬مشروعًا‭ ‬نهضويًّا‭ ‬لمجتمعاتها؛‭ ‬حيث‭ ‬تفشت‭ ‬وسادت‭ ‬شعارات‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات‭ ‬ومطالب‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والدساتير‭ ‬التعاقدية‭…‬وغيرها،‭ ‬دون‭ ‬مراعاة‭ ‬منسوب‭ ‬الوعي،‭ ‬ولا‭ ‬الحاجات‭ ‬الحقيقية‭ ‬لتلك‭ ‬الشعوب،‭ ‬ولا‭ ‬أولوياتها‭ ‬التنموية‭ ‬والمعيشية،‭ ‬ولا‭ ‬دراية‭ ‬منها‭ ‬بأن‭ ‬تلك‭ ‬القيم‭ ‬هي‭ ‬قيمٌ‭ ‬إنسانية‭ ‬لم‭ ‬يبتكرها‭ ‬أحد،‭ ‬أو‭ ‬يخترعها،‭ ‬وأنها‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬حاجات‭ ‬الشعوب‭ ‬وتطبق‭ ‬بمنسوب‭ ‬ومقدار‭ ‬الحاجة‭ ‬والوعي‭ ‬لتترسخ‭ ‬وتقوى‭ ‬وتشب‭.‬

قرأتُ‭ ‬كتابًا‭ ‬قيِّمًا‭ ‬بعنوان‭ “‬نهاية‭ ‬الديمقراطية‭”‬،‭ ‬من‭ ‬تأليف‭ ‬جان‭ ‬ماري‭ ‬جونيو،‭ ‬وتعريب‭ ‬ليلى‭ ‬غانم؛‭ ‬تحدَّث‭ ‬فيه‭ ‬المؤلف‭ ‬عن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬مؤشرات‭ ‬انهيار‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬واصفًا‭ ‬ومشبِّهًا‭ ‬انهيارها‭ ‬كانهيار‭ ‬جدار‭ ‬برلين؛‭ ‬ذاك‭ ‬الجدار‭ ‬الذي‭ ‬يرمز‭ ‬للصراع‭ ‬وأدبياته‭ ‬وأهميته‭ ‬وأسراره،‭ ‬وبانهياره‭ ‬انهار‭ ‬معه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬عوامل‭ ‬وعناصر‭ ‬البقاء‭ ‬والقوة‭ ‬معًا‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬وأصبحت‭ ‬الديمقراطية‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬التراث؛‭ ‬فزادها‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬وغياب‭ ‬الدولة،‭ ‬وأفول‭ ‬السيادة،‭ ‬كارثية‭ ‬للغرب‭ ‬ونموذجه‭ ‬الديمقراطي‭.‬

وتقول‭ ‬مُعرِّبة‭ ‬الكتاب‭ ‬ليلى‭ ‬غانم،‭ ‬في‭ ‬تعليقها‭ ‬على‭ ‬مادته‭: “‬الحقيقة،‭ ‬إنَّ‭ ‬المفكرين‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬نادرًا‭ ‬ما‭ ‬يتعلقون‭ ‬بهواية‭ ‬لعبة‭ ‬الأفكار‭ ‬المنزوعة‭ ‬عن‭ ‬شروطها؛‭ ‬وهم‭ ‬غالبًا‭ ‬مفكرون‭ ‬اجتماعيون،‭ ‬بقطع‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الميدان‭ ‬الذي‭ ‬يعملون‭ ‬به،‭ ‬والأفكار‭ ‬عندهم‭ ‬هي‭ ‬صدى‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يفكرون‭ ‬فيه،‭ ‬وهم‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬ينتمون‭ ‬بأسرهم‭ ‬إلى‭ ‬مجتمعات‭”. ‬ثم‭ ‬تقول‭: “‬وعلى‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يتمتع‭ ‬أغلب‭ “‬المثقفين‭” ‬المحدثين‭ ‬العرب‭ ‬بفضيلة‭ ‬الانتماء‭”. ‬وللأسف،‭ ‬يتخذ‭ ‬عملهم‭ ‬طابعَ‭ ‬الحرفة‭ ‬أو‭ ‬المهنة؛‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬بهم‭ ‬إلى‭ ‬مجانبة‭ ‬الإبداع‭ ‬الفكري‭ ‬في‭ ‬معطيات‭ ‬مجتمعهم،‭ ‬ويقتصر‭ ‬على‭ ‬الذهنيات‭ ‬السريعة‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬الدعوات‭ ‬والدعاوي‭. ‬ومن‭ ‬يعرف‭ ‬منهم‭ ‬ذلك‭ ‬يغالي‭ ‬عمدًا‭ ‬بالانتماء‭ ‬للفكر‭ ‬المطلق‭ ‬دون‭ ‬ركيزة‭ ‬مجتمعية‭ ‬أولى‭”. ‬وفي‭ ‬موضع‭ ‬آخر‭:‬‭ “‬كُنا‭ ‬نود‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬الغرب‭ ‬اعتاد‭ ‬تصدير‭ “‬البضاعة‭ ‬المكسورة‭” ‬إلى‭ ‬أسواق‭ “‬البلدان‭ ‬المتخلفة‭”‬؛‭ ‬سواء‭ ‬عني‭ ‬الأمر‭ ‬الآلات‭ ‬والسيارات‭ ‬المستعملة،‭ ‬أو‭ ‬المعلبات‭ ‬والمواد‭ ‬التي‭ ‬شارفت‭ ‬على‭ ‬نهايتها‭…‬إلخ،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬العينية‭ ‬حريٌّ‭ ‬بنا‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬بعض‭ “‬المثقفين‭” ‬العرب‭ (‬والعالم‭ ‬الثالث‭) ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬اعتادوا‭ ‬استيراد‭ ‬تلك‭ ‬البضاعة‭ ‬المكسورة‭ ‬وتسويقها‭” (‬انتهى‭).‬

تجلَّى‭ ‬خواء‭ ‬النخب‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬المشروع‭ ‬والعقلانية‭ ‬والوعي‭ ‬في‭ ‬فصول‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬بالربيع‭ ‬العربي،‭ ‬حين‭ ‬اعتبر‭ ‬الكثير‭ ‬منهم‭ ‬أن‭ ‬الإجهاز‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬وتغييبها‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬لازب‭ ‬وطبيعي‭ ‬ومبرَّر‭ ‬من‭ ‬حراك‭ ‬الشعوب،‭ ‬واعتبروا‭ ‬خواء‭ ‬الدولة‭ ‬وغياب‭ ‬النظام‭ ‬وشيوع‭ ‬الفوضى‭ ‬والعبث‭ ‬بالجغرافيا‭ ‬والديموغرافيا‭ ‬ومكونات‭ ‬الوطن‭ ‬ضريبة‭ ‬طبيعية‭ ‬لتشكُّل‭ ‬دولة‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات،‭ ‬وشبَّهوا‭ ‬كلَّ‭ ‬هذا‭ ‬الغثاء‭ ‬بأعراض‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬والتي‭ ‬دامت‭ ‬فوضاها‭ ‬17‭ ‬عامًا،‭ ‬حتى‭ ‬وجدت‭ ‬هُويتها‭ ‬وطريقها‭ ‬لبناء‭ ‬الجمهورية‭ ‬الأولى‭!! ‬بل،‭ ‬وبلغ‭ ‬الشطط‭ ‬الفكري‭ ‬ببعضهم‭ ‬لاعتبار‭ “‬داعش‭” ‬حركة‭ ‬فكرية‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬اليأس‭ ‬والإحباط‭ ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬الشباب‭ ‬العربي‭ ‬جراء‭ ‬فشل‭ ‬سياسات‭ ‬النظام‭ ‬الرسمي‭ ‬العربي‭”.‬

لا‭ ‬شكَّ‭ ‬عندي‭ ‬أنَّ‭ ‬نُخبنا‭ ‬العربية‭ ‬تمارِس‭ ‬الغواية‭ ‬والتحريض‭ ‬في‭ ‬أشد‭ ‬وأجلى‭ ‬صورهما،‭ ‬بوعي‭ ‬أو‭ ‬بدون،‭ ‬ول‭ ‬اشك‭ ‬عندي‭ ‬اليوم‭ -‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭- ‬أنها‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المعضلة‭ ‬والمشكلة،‭ ‬ولن‭ ‬تكون‭ ‬أبدًا‭ ‬بهذا‭ ‬الخطاب‭ ‬والفكر‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الحل،‭ ‬طالما‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تقارن‭ ‬البطيخة‭ ‬بالتفاحة،‭ ‬ولم‭ ‬تعِ‭ ‬فلسفات‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬بلد،‭ ‬ولا‭ ‬أهمية‭ ‬الموروث‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬العقل‭ ‬الجمعي‭ ‬لكل‭ ‬شعب‭ ‬ومجتمع،‭ ‬ولا‭ ‬قيم‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والعدالة‭ ‬والحرية‭ ‬وحدودها‭ ‬وأدواتها‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬لآخر‭ ‬ومن‭ ‬دولة‭ ‬لغيرها،‭ ‬ولا‭ ‬الفارق‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الثورات‭ ‬ومشروعاتها‭ ‬وأدبياتها‭ ‬وانتفاضات‭ ‬الخبز‭ ‬وأسبابها‭ ‬وأعراضها‭.‬

كما‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬أغلب‭ ‬النُّخب‭ ‬لا‭ ‬تفرق‭ ‬بين‭ ‬المعارضة‭ ‬وفق‭ ‬الأدبيات‭ ‬السياسية‭ ‬وقواعد‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬وبين‭ ‬العداء‭ ‬للحكومة‭ ‬والدولة‭ ‬وفق‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬والأهواء‭ ‬النفسية‭ ‬وأساطير‭ ‬وخرافات‭ ‬الموروث‭.‬

كما‭ ‬لم‭ ‬تُفرق‭ ‬النُّخب‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الوجه‭ ‬المضيء‭ ‬للقبيلة‭ ‬والوجه‭ ‬القاتم‭ ‬لها،‭ ‬فأثخنت‭ ‬وأغلظت‭ ‬العداء‭ ‬للقبيلة‭ ‬دون‭ ‬وعي‭ ‬منها‭ ‬بأنَّ‭ ‬تركيبة‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي‭ ‬هي‭ ‬تركيبة‭ ‬قبلية‭ ‬بحتة،‭ ‬وأنَّ‭ ‬الإجهاز‭ ‬على‭ ‬القبيلة‭ ‬وتجاوزها‭ ‬قسرًا،‭ ‬وبالغلبة،‭ ‬يعني‭ ‬استعداء‭ ‬ثقافة‭ ‬صلبة‭ ‬بلا‭ ‬وعي،‭ ‬والتأسيس‭ ‬لنشوء‭ ‬عصبيات‭ ‬أخرى‭ ‬أشد‭ ‬ضراوة‭ ‬وضررًا؛‭ ‬وهي‭: ‬الحزبية،‭ ‬والمناطقية،‭ ‬والطائفية،‭ ‬والجهوية،‭ ‬والزبونية‭ ‬السياسية‭.‬

لَيت‭ ‬نُخبنا‭ ‬العربية‭ ‬تعلم‭ ‬وتتعلَّم‭ ‬من‭ ‬النموذج‭ ‬الصيني،‭ ‬والذي‭ ‬غزا‭ ‬العالم‭ ‬وأبهره‭ ‬بتنميته‭ ‬وصناعاته‭ ‬وبلا‭ ‬ديمقراطية،‭ ‬وليتهم‭ ‬يقتفون‭ ‬أثر‭ ‬كلٍّ‭ ‬من‭ ‬د‭.‬مُحمد‭ ‬عمارة،‭ ‬الذي‭ ‬تجول‭ ‬من‭ ‬الشيوعية‭ ‬إلى‭ ‬رحاب‭ ‬الإسلام،‭ ‬بفكره‭ ‬الجوال،‭ ‬ومقارناته‭ ‬العلمية‭ ‬والمنطقية؛‭ ‬حيث‭ ‬وجد‭ ‬في‭ ‬الموروث‭ ‬الإسلامي‭ ‬أضعافَ‭ ‬ما‭ ‬تدعو‭ ‬إليه‭ ‬الشيوعية‭ ‬من‭ ‬عدالة‭ ‬ومساواة،‭ ‬وتجربة‭ ‬د‭.‬زكي‭ ‬نجيب‭ ‬محمود‭ ‬في‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬الانبهار‭ ‬بالغرب‭ ‬إلى‭ ‬الانبهار‭ ‬بحضارته‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية؛‭ ‬حيث‭ ‬أطلق‭ ‬خصومه‭ ‬على‭ ‬تحوله‭ ‬بالردة‭ ‬الفكرية‭!!‬

لَيت‭ ‬نُخبنا‭ ‬تعلم‭ ‬بالفارق‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الشيوعية‭ ‬كتحزُّب‭ ‬مُتزمِّت،‭ ‬والماركسية‭ ‬كنظريات‭ ‬علمية‭ ‬قابلة‭ ‬للنقاش‭ ‬والتطبيق‭ ‬والنقد،‭ ‬وكما‭ ‬قال‭ ‬الزعيم‭ ‬الخَالد‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬للفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬جان‭ ‬بول‭ ‬سارتر‭. ‬ليتهم‭ ‬يعلمون‭ ‬أن‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬فجرها‭ ‬الجوع‭ ‬والخبز؛‭ ‬لهذا‭ ‬تاهت‭ ‬هُويتها،‭ ‬وبحثت‭ ‬طويلًا‭ ‬عن‭ ‬قيادات‭ ‬لها‭. ‬لَيتهم‭ ‬يعلمون‭ ‬أنَّ‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬ثورة‭ ‬قيم‭ ‬وعدالة‭ ‬وحرية‭ ‬ومساواة‭ ‬لما‭ ‬أخرجت‭ ‬من‭ ‬عباءتها‭ ‬أسوأ‭ ‬نظام‭ ‬كولونيالي‭ ‬استعماري‭ ‬عرفه‭ ‬التاريخ‭. ‬ليتهم‭ ‬يعلمون‭ ‬أن‭ ‬كارل‭ ‬ماركس‭ ‬ليس‭ ‬مُنظِّرًا‭ ‬شيوعيًّا،‭ ‬بل‭ ‬عالم‭ ‬اجتماع‭ ‬مُتفرد‭ ‬في‭ ‬عصره‭ ‬وطرحه،‭ ‬وأن‭ ‬الشيوعية‭ ‬استلهمت‭ ‬من‭ ‬طرحه‭ ‬ونظرياته‭. ‬ليتهم‭ ‬يتأملون‭ ‬بعمق‭ ‬في‭ ‬مقولة‭ ‬الأستاذ‭ ‬عبدالخالق‭ ‬محجوب‭ ‬زعيم‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬السوداني،‭ ‬حين‭ ‬ردَّ‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬مُنتقدي‭ ‬فكره‭ ‬السياسي،‭ ‬بالقول‭: “‬أنا‭ ‬لست‭ ‬شيوعيا،‭ ‬ماركس‭ ‬هو‭ ‬اللي‭ ‬مُسلم‭”. ‬ليتهم‭ ‬يعلمون‭ ‬أنَّ‭ ‬اليابان‭ ‬احتلت‭ ‬كلًّا‭ ‬من‭: ‬الصين‭ ‬وأراض‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬روسيا‭ ‬القيصرية؛‭ ‬بفضل‭ ‬صناعاتها‭ ‬العسكرية‭ ‬المتطورة‭ ‬جدًّا‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وأنَّها‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الأوروبية‭ (‬العالمية‭) ‬الثانية‭ ‬بعتاد‭ ‬من‭ ‬إنتاجها،‭ ‬وأنَّ‭ ‬سبب‭ ‬نهوضها‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬هو‭ ‬مشروع‭ ‬مارشال‭ ‬الأمريكي،‭ ‬ووضعها‭ ‬تحت‭ ‬المظلة‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬للدفاع؛‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬وجَّه‭ ‬جل‭ ‬مقدراتها‭ ‬إلى‭ ‬الإعمار‭ ‬والتنمية‭ ‬وتجنب‭ ‬التسليح،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتوفر‭ ‬لمصر،‭ ‬ولن‭ ‬يتوافر‭ ‬لقطر‭ ‬عربي‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭. ‬ليتهم‭ ‬يُدركون‭ ‬خطورة‭ ‬وضع‭ ‬الثوابت‭ -‬العروبة‭ ‬والإسلام‭- ‬في‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع،‭ ‬وليتهم‭ ‬يُدركون‭ ‬أن‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬والإسلام‭ ‬لا‭ ‬يفترقان،‭ ‬ولا‭ ‬يتعارضان،‭ ‬كحالات‭ ‬حضارية‭ ‬دائمة،‭ ‬وأنَّ‭ ‬فشل‭ ‬أو‭ ‬تعثُّر‭ ‬تسييسهما‭ ‬وأدلجتهما‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬فشل‭ ‬العروبة‭ ‬أو‭ ‬الاسلام‭ ‬وتبرير‭ ‬مُعاداتهما‭. ‬ليتهم‭ ‬يُدركون‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬لغة‭ ‬علم‭ ‬ومعرفة،‭ ‬تستوعب‭ ‬كلَّ‭ ‬الأطوار‭ ‬والتحولات،‭ ‬وأنَّ‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬الناطقين‭ ‬بها‭ ‬وسياسات‭ ‬التعليم‭ ‬وليس‭ ‬فيها؛‭ ‬بدليل‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬لغات‭ ‬بُعثت‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬الركام‭ ‬كالعبرية‭ ‬لتتعاطى‭ ‬مع‭ ‬أرقى‭ ‬العلوم‭ ‬والمعارف‭ ‬اليوم‭ ‬بإرادة‭ ‬سياسية‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬ليتهم‭ ‬يُدركون‭ ‬أنَّ‭ ‬النُّخب‭ ‬الطليعية‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬البؤس‭ ‬ولا‭ ‬تروج‭ ‬له؛‭ ‬فرسالتها‭ ‬هي‭ ‬الاستنهاض‭ ‬وليس‭ ‬التدمير‭ ‬والإحباط‭. ‬ليتهم‭ ‬يُدركون‭ ‬مغزى‭ ‬تصنيف‭ ‬منظر‭ ‬العنصرية‭ ‬الغربية‭ ‬برنارد‭ ‬لويس‭ ‬حين‭ ‬صنَّف‭ ‬الصراع‭ ‬الغربي‭ ‬مع‭ ‬ثلاثة‭ ‬فئات؛‭ ‬وهي‭ ‬دول‭ ‬خاملة‭ ‬لا‭ ‬تمتلك‭ ‬أيَّ‭ ‬رصيد‭ ‬حضاري؛‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬تشكل‭ ‬أي‭ ‬خطر‭ ‬على‭ ‬الغرب،‭ ‬ومدن‭ ‬متطورة‭ ‬ومُقلدة‭ ‬للغرب‭ ‬وتدور‭ ‬في‭ ‬فلكه‭ ‬كاليابان‭ ‬وكوريا،‭ ‬وحتى‭ ‬ماليزيا‭ ‬رغم‭ ‬إسلامها،‭ ‬والخطر‭ ‬الماحق‭ ‬في‭ ‬تصنيفه‭ ‬للحضارة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية،‭ ‬والتي‭ ‬لو‭ ‬ترك‭ ‬لها‭ ‬المجال‭ ‬لتبعث‭ ‬كَوْن‭ ‬أدواتها‭ ‬وتاريخها‭ ‬وثوابتها‭ ‬ورصيدها‭ ‬الحضاري‭ ‬متعارضًا‭ ‬مع‭ ‬المدنية‭ ‬الغربية،‭ ‬ومتفوقا‭ ‬عليها،‭ ‬ويمكنها‭ ‬طُمسها‭ ‬بالنمو‭ ‬فقط‭ ‬دون‭ ‬حرب‭. ‬من‭ ‬هنا،‭ ‬كان‭ ‬توصيف‭ ‬لويس‭ ‬للحضارة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬بأنها‭ ‬كالنمر‭ ‬المتوحِّش،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬مواجهته،‭ ‬بل‭ ‬بالسعي‭ ‬لترويضه‭ ‬وجعله‭ ‬مهرِّجًا‭ ‬في‭ ‬سيرك‭ ‬الأمم،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭. ‬ليتهم‭ ‬يُدركون‭ ‬المغازي‭ ‬والدلالات‭ ‬التاريخية‭ ‬والحضارية‭ ‬من‭ ‬غرس‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني،‭ ‬وبتوافق‭ ‬دولي،‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الأمة‭. ‬ليتهم‭ ‬يُدركون‭ ‬آثار‭ ‬ومخاطر‭ ‬الفجوة‭ ‬المعرفية‭ ‬الهائلة‭ ‬التي‭ ‬أحدثها‭ ‬الحكم‭ ‬العثماني‭ ‬المتخلف‭ ‬لستة‭ ‬قرون،‭ ‬دون‭ ‬أثر‭ ‬تنويري‭ ‬أو‭ ‬معرفي‭ ‬واحد،‭ ‬ودور‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬إعاقة‭ ‬نمو‭ ‬الأمة،‭ ‬وما‭ ‬تلاه‭ ‬وتخلله‭ ‬من‭ ‬احتلالات‭ ‬استعمارية‭ ‬غربية‭ ‬مباشرة‭. ‬ليتهم‭ ‬يُدركون‭ ‬أثر‭ ‬الصدمات‭ ‬التي‭ ‬يمارسها‭ ‬الغرب‭ ‬ضد‭ ‬الأمة‭ ‬بقصد‭ ‬الإعاقة‭ ‬الحضارية‭ ‬بالحروب‭ ‬والمؤامرات‭ -‬منذ‭ ‬سايكس‭ ‬بيكو،‭ ‬ووعد‭ ‬بلفور،‭ ‬والكتاب‭ ‬الأبيض،‭ ‬واحتلال‭ ‬فلسطين،‭ ‬ومعركة‭ ‬السويس،‭ ‬والعدوان‭ ‬الثلاثي،‭ ‬وحرب‭ ‬يونيو،‭ ‬وحرب‭ ‬أكتوبر،‭ ‬وغزو‭ ‬لبنان،‭ ‬وحرب‭ ‬العراق‭ ‬وإيران،‭ ‬وحرب‭ ‬الكويت،‭ ‬واحتلال‭ ‬العراق‭.‬إلخ‭. ‬ليتهم‭ ‬يُدركون‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬يعني‭ ‬قاعدة‭ ‬متقدمة‭ ‬للغرب‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الأمة،‭ ‬وفيتو‭ ‬غربي‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬أو‭ ‬نهوض‭ ‬أو‭ ‬تفوق‭ ‬عربي‭ ‬فردي‭ ‬أو‭ ‬إقليمي‭ ‬أو‭ ‬جماعي‭. ‬ليتهم‭ ‬يُدركون‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تطورت‭ ‬وواكبت‭ ‬العصر‭ ‬هي‭ ‬دول‭ ‬انتزعت‭ ‬تطورها‭ ‬من‭ ‬الغرب‭ ‬بالقوة،‭ ‬وبإرادتها‭ ‬الحرة؛‭ ‬مثل‭: ‬الصين،‭ ‬والهند،‭ ‬وروسيا،‭ ‬أو‭ ‬دول‭ ‬لا‭ ‬تشكل‭ ‬خطرًا‭ ‬حضاريا‭ ‬على‭ ‬الغرب‭ ‬بل‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬فلكه‭ ‬الرأسمالي‭ ‬وتروج‭ ‬لثقافته‭. ‬ليتهم‭ ‬يُدركون‭ ‬أن‭ ‬الغرب‭ ‬لن‭ ‬يسمح‭ ‬بأي‭ ‬إصلاح‭ ‬ديمقراطي‭ ‬أو‭ ‬سياسي‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬هو‭ ‬طرفًا‭ ‬فاعلًا‭ ‬وحاضرًا‭ ‬فيه‭. ‬ليتهم‭ ‬يُدركون‭ ‬أنَّ‭ ‬الغرب‭ ‬يسعى‭ ‬لترويج‭ ‬نموذج‭ ‬ديمقراطيته‭ ‬الليبرالية‭ ‬الغربية،‭ ‬التي‭ ‬عُمدت‭ ‬بالدماء،‭ ‬وعززت‭ ‬باقتصادات‭ ‬فاحشة‭ ‬الثراء‭ ‬من‭ ‬مقدرات‭ ‬الشعوب‭ ‬كي‭ ‬يُثقل‭ ‬على‭ ‬الشعوب‭ ‬ويبقى‭ ‬هو‭ ‬المدير‭ ‬والراعي‭ ‬للتجربة،‭ ‬ويخترق‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬الدول‭ ‬ومنظوماتها‭ ‬الحرجة‭. ‬ليتهم‭ ‬يقرأون‭ ‬كتابات‭ ‬د‭.‬عصمت‭ ‬سيف‭ ‬الدولة‭ ‬ليفرقوا‭ ‬بين‭ ‬العروبة‭ ‬الحضارية‭ ‬والعروبة‭ ‬المؤدلجة،‭ ‬وليتهم‭ ‬يقرأؤون‭ ‬كتابات‭ ‬شيخ‭ ‬المؤرخين‭ ‬العرب‭ ‬د‭.‬عبدالعزيز‭ ‬الدوري‭ ‬ليعلموا‭ ‬جذور‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬كحالة‭ ‬حضارية‭ ‬حميدة‭ ‬ومنفتحة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الثقافات‭ ‬والأديان‭ ‬والحضارات‭. ‬ليتهم‭ ‬يتساءلون‭: ‬لماذا‭ ‬يتهافت‭ ‬الغرب‭ ‬على‭ ‬سرقة‭ ‬عقولنا،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬يتهموننا‭ ‬بالتخلف‭ ‬وجامعاتنا‭ ‬بتدني‭ ‬التحصيل‭ ‬العلمي‭ ‬والمعرفي؟‭! ‬ليتهم‭ ‬يُدركون‭ ‬أن‭ ‬صراعهم‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬مع‭ ‬حكامهم‭ ‬وحكوماتهم،‭ ‬بل‭ ‬مع‭ ‬الغرب‭ ‬الذي‭ ‬يُكبل‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬العربية،‭ ‬ويحارب‭ ‬بضراوة‭ ‬الزعماء‭ ‬الوطنيين‭. ‬لهذا؛‭ ‬كانت‭ ‬عبقرية‭ ‬الثورة‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬عام‭ ‬1979م،‭ ‬أنها‭ ‬اتعظت‭ ‬من‭ ‬ثورة‭ ‬مصدق‭ ‬الوطنية،‭ ‬والتي‭ ‬ركزت‭ ‬جل‭ ‬مشروعها‭ ‬على‭ ‬إسقاط‭ ‬الشاه‭ ‬ولم‭ ‬تتعداه‭ ‬لإسقاط‭ ‬داعميه‭ ‬ومكبلي‭ ‬نهوض‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬إيران‭.‬

كل‭ ‬هذه‭ ‬التمنيات،‭ ‬وما‭ ‬على‭ ‬شاكلتها،‭ ‬يمثل‭ ‬المعرفة‭ ‬الجذرية‭ ‬للأحداث،‭ ‬وما‭ ‬عداها‭ ‬مجرد‭ ‬فروع‭ ‬وملامح‭ ‬ومحصلات،‭ ‬ومن‭ ‬يعلم‭ ‬المعلومة‭ ‬الجذر‭ ‬والأساس‭ ‬يمكنه‭ ‬القياس‭ ‬عليها،‭ ‬والخروج‭ ‬بنتائج‭ ‬حقيقية‭ ‬وسليمة،‭ ‬وقطعية‭ ‬الدلالة،‭ ‬ودقيقة‭ ‬لما‭ ‬يدور‭. ‬بينما‭ ‬نُخبنا‭ ‬غوت،‭ ‬وانبهرت‭ ‬فأغوت‭ ‬معها‭ ‬عامة‭ ‬الناس،‭ ‬وأربكت‭ ‬أوطانها،‭ ‬وأثقلت‭ ‬عليها‭ ‬بضجيج‭ ‬التنظير‭ ‬والأحلام‭ ‬غير‭ ‬القابلة‭ ‬للتطبيق،‭ ‬فبرهنت‭ ‬انفصالها‭ ‬التام‭ ‬عن‭ ‬الواقع،‭ ‬وبعدها‭ ‬الضوئي‭ ‬عن‭ ‬الممكنات‭ ‬في‭ ‬أوطانها‭ ‬وحاجات‭ ‬شعوبها،‭ ‬فحققت‭ ‬الشهرة‭ ‬والنجومية‭ ‬لها‭ ‬وحدها،‭ ‬وطاب‭ ‬لها‭ ‬ذلك‭.‬

‭——————-‬

قبل‭ ‬اللقاء‭: ‬كان‭ ‬الألمان‭ ‬في‭ ‬العهد‭ ‬النازي،‭ ‬وقبل‭ ‬إقدامهم‭ ‬على‭ ‬غزو‭ ‬أي‭ ‬دولة،‭ ‬يعكفون‭ ‬طويلًا‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬وتحليل‭ ‬كتابات‭ ‬النُّخب‭ ‬فيها‭ ‬لقياس‭ ‬منسوب‭ ‬الكبرياء‭ ‬والعزة‭ ‬والإحباط‭ ‬ومشاعر‭ ‬الهزيمة؛‭ ‬ليقرِّروا‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬موعد‭ ‬الغزو‭ ‬وحجمه‭ ‬من‭ ‬عدمه؛‭ ‬كون‭ ‬تلك‭ ‬النُّخب‭ ‬تمثل‭ ‬بالنسبة‭ ‬لهم‭ ‬مؤشرات‭ ‬الضمير‭ ‬والإرادة‭ ‬والعقل‭ ‬الجمعي‭ ‬لأي‭ ‬شعب‭.. ‬وبالشكر‭ ‬تدوم‭ ‬النعم‭. ‬

817 total views, 2 views today